النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات)) سورة البقرة الصلاة والسلام حاكياً عن ربه تعالى ((لن يتقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم)) وذلك يقتضى أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح ( وثانيها ) ما روى فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها ( وثالثها ) أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين : مرة قبل طلوع الفجر ، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء (ورابعها ) أن الله تعالى سماها بأسماء ، فقال في بني إسرائيل (.وقرآن الفجر ) وقال في النور ( من قبل صلاة الفجر ) وقال في الروم ( وحين تصبحون ) وقال عمر بن الخطاب : المراد من قوله ( وإدبار النجوم) صلاة الفجر (وخامسها ) أنه تعالى أقسم به فقال ( والفجر وليال عشر) ولا يعارض هذا بقوله تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر) فانا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد ، وهو قوله ( أقم الصلاة طرفي النهار ) وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر(وسادسها ) أن التثويب في أذان الصبح معتبر ، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين : الصلاة خير من النوم مرتین ، ومثل هذا التأکید غیر حاصل في سائر الصلوات ( وسابعها ) أن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه كان معدوماً ، ثم صار موجوداً ، أو كان ميتاً ، ثم صار حياً ، بل كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتاً ، فصاروا أحياء ، فاذا قاموا من منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ظلمة الليل ، وظلمة النوم والغفلة ، وظلمة العجز والخيرة ، وأبدل الكل بالإحسان ، فملأ العالم من النور ، والأبدان من قوة الحياة والعقل والفهم والمعرفة ، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية ، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة ، فثبت بمجموع هذه البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، فكان حمل الوسطى عليها أولى ( التاسع ) ما روى عن على بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى ، فقال : كنا نرى أنها الفجر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم قال : هذه هي الصلاة الوسطى ( العاشر) أن سنن الصبح آکد من سائر السنن ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى ، فهذا جملة ما يستدل به على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح. القول الرابع ﴾ قول من قال: إنها صلاة الظهر، ويروى هذا القول عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واحتجوا عليه بوجوه ( الأول ) أن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى ، وعن زيد بن ثابت أن النبي و لو كان يصلي بالهاجرة ، وكانت أثقل = ٦ - ٢ ١١ ١٦٢ قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات)) سورة البَفَرة الصلوات على أصحابه ، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان ، فقال عليه الصلاة والسلام ((لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم)) فنزلت هذه الآية ( والثاني ) صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها ( والثالث) أنها بين صلاتين نهاريتين : الفجر والعصر ( الرابع ) أنها صلاة بين البردين : برد الغداة وبرد العشي ( الخامس) قال أبو العالية: صليت مع أصحاب النبي ◌َّ الظهر ، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى ، فقالوا التي صليتها ( السادس ) روى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى ، والمعطوف عليه قبل المعطوف، والتي قبل العصر هي الظهر ( السابع ) روى أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة ( الثامن) روى في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبي وهيّ كانت في صلاة الظهر ، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات ، فكان صرف التأكيد إليها أولى ( التاسع ) أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات ، وهي صلاة الظهر ، فصرف المبالغة إليها أولى. القول الخامس ﴾ قول من قال: إنها صلاة العصر، وهو من الصحابة مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، ومن الفقهاء : النخعي ، وقتادة ، والضحاك ، وهو مروي عن أبي حنيفة ، واحتجوا عليه بوجوه ( الأول ) ما روى عن علي عليه السلام أن النبي و لو قال يوم الخندق ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة ، وهو عظيم الوقع في المسألة ، وفي صحيح مسلم ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال : العصر وسط ، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة ، كما أن الحرم حرمان : حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة ، وهذا الجواب متكلف جداً ( الثاني ) قالوا روى في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام ((من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) وأيضاً أقسم الله تعالى بها فقال ( والعصر إن الإنسان لفي خسر) فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى ( الثالث ) أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر، والسبب فيه أمران ( أحدهما ) أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات ، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه ، ودخول الظهر بظهور الزوال ، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق ، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ، فلما كانت معرفته أشق ١٦٣ قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات )) سورة البقرة لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر ( الثاني) أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات ، فكان الإقبال على الصلاة أشق ، فكان صرف للتأكيد إلى هذه الصلاة أولى . ﴿ الحجة الرابعة) في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه ( أحدها ) أنها متوسطة بين صلاة هي شفع ، وبين صلاة هي وتر ، أما الشفع فالظهر ، وأما الوتر فالمغرب، إلا أن العشاء أيضاً كذلك ، لأن قبلها المغرب وهي وتر ، وبعدها الصبح وهو شفع ( وثانيها) العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر ، وليلية وهي المغرب ( وثالثها ) أن العصر بين صلاتين بالليل ، وصلاتين بالنهار . والقول السادس ﴾ أنها صلاة المغرب، وهو قول أبي عبيدة السلماني ، وقبيصة بن ذؤيب ، والحجة فيه من وجهين ( الأول) أنها بين بياض النهار وسواد الليل ، وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في الصبح إلا أن المغرب يرجح بوجه آخر ، وهو أنه أزيد من الركعتين كما في الصبح ، وأقل من الأربع كما في الظهر والعصر والعشاء ، فهي وسط في الطول والقصر. ﴿ الحجة الثانية) أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى ، ولذلك ابتدأ جبريل عليه السلام بامامة فيها ، وإذا كان الظهر أول الصلوات كان الوسطى هي المغرب لا محالة. ﴿ القول السابع﴾ أنها صلاة العشاء، قالوا لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقصران، المغرب والصبح، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي لل أنه قال ((من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة )) فهذا مجموع دلائل الناس وأقوالهم في هذه المسألة ، وقد تركت ترجيح بعضها فانه يستدعي تطويلاً عظيماً ، والله أعلم . المسألة الرابعة﴾ احتج الشافعي بهذه الآية على أن الوتر ليس بواجب ، قال : الوتر لو كان واجباً لكانت الصلوات الواجبة ستة ، ولو كان كذلك لما حصل لها وسطي، والآية دلت على حصول الوسطى لها . فان قيل : الاستدلال إنما يتم إذا كان المراد هو الوسطى في العدد وهذا ممنوع بل المراد من الوسطى الفضيلة قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) أي عدولا وقال تعالى (قال أوسطهم ) أي أعدلهم ، وقد أحكمنا هذا الإشتقاق في تفسير قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في المقدار كالمغرب فانه ثلاث ركعات وهو متوسط بين الإثنين وبين الأربع ، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في الصفة وهي صلاة الصبح فانها تقع في وقت ليس بغاية في الظلمة ولا غاية في الضوء . ١٦٤ قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات)) سورة البقرة ( الجواب ) أن الخلق الفاضل إنما يسمى وسطاً لا من حيث إنه خلق فاضل ، بل من حيث إنه يكون متوسطاً بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط ، مثل الشجاعة فانها خلق فاضل وهي متوسطة بين الجبن والتهور فيرجع حاصل الأمر إلى أن لفظ الوسط حقيقة فيما يكون وسطاً بحسب العدد ومجاز في الخلق الحسن والفعل الحسن من حيث إن من شأنه أن يكون متوسطاً بين الطرفين اللذين ذكرناهما وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . أما قوله : نحمله على ما يكون وسطاً في الزمان وهو الظهر . فجوابه : أن الظهر ليست بوسط في الحقيقة ، لأنها تؤدي بعد الزوال ، وهنا قد زال الوسط. وأما قوله : نحمله على الصبح لكون وقت وجوبه وسطاً بين وقت الظلمة وبين وقت النور ، أو على المغرب لكون عددها متوسطاً بين الإثنين والأربعة . فجوابه : أن هذا محتمل وما ذكرناه أيضاً محتمل ، فوجب حمل اللفظ على الكل فهذا هو وجه الاستدلال في هذه المسألة بهذه الآية بحسب الإمكان والله أعلم. أما قوله تعالى (وقوموا لله قانتين ) ففيه وجوه ( أحدها ) وهو قول ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر ، واحتج عليه بوجهين ( الأول ) أن قوله ( حافظوا على الصلوات ) أمر بما في الصلاة من الفعل ، فوجب أن يحمل القنوت على كل ما في الصلاة من الذكر ، فمعنى الآية : وقوموا لله ذاكرين داعين منقطعين إليه ( والثاني ) أن المفهوم من القنوت هو الذكر والدعاء ، بدليل قوله تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً) وهو المعنى بالقنوت في صلاة الصبح والوتر ، وهو المفهوم من قولهم : قنت على فلان لأن المراد به الدعاء عليه. ﴿ والقول الثاني﴾ (قانتين) أي مطيعين ، وهو قول ابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل ، الدليل عليه وجهان ( الأول ) ما روى عن النبي ◌َّ أنه قال ((كل قنوت في القرآن فهو الطاعة)) (الثاني) قوله تعالى في أزواج الرسول تذليل ( ومن يقنت منكن لله ورسوله ) وقال في كل النساء ( فالصالحات قانتات ) فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها ، والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها ، وهو زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما يجزىء وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد ، ولو كان كما قال لوجب أن لا يصلى رأساً، لأنه يقال: كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا ، فكذلك لا يحتاج إلى القليل وقد صلى الرسول ويل# والرسل والسلف الصالح فأطالوا وأظهروا الخشوع والاستكانة وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال. ١٦٥ قوله تعالى: ((فإن خفتم)) الآية . سورة البقرة فَإِنْ ◌ِْتُمْ فَرِجَالًا أَوْرُ كَانًا فَإِذَ أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُواْاللّه ◌َكَ عََّكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعَمُونَ القول الثالث ﴾ ( قانتين) ساكتين ، وهو قول ابن مسعود وزيد بن أرقم ، كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه ، ويسألهم : كم صليتم ؟ كفعل أهل الكتاب ، فنزل الله تعالى ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. القول الرابع ﴾ وهو قول مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع، وخفض الجناح وسكون الأطراف وترك الإلتفات من هيبة الله تعالى وكان أحدهم إذا قام إلى الصلاة يهاب ربه فلا يلتفت ولا يقلب الحصى ، ولا يعبث بشيء من جسده ، ولا يحدث نفسه بشيء من الدنيا حتی ینصرف. القول الخامس ﴾ ( القنوت) هو القيام ، واحتجوا عليه بحديث جابر قال : سئل النبي وَل﴾ ((أي الصلاة أفضل؟ قال طول القنوت)) يريد طول القيام، وهذا القول عندي ضعيف، وإلا صار تقدير الآية: وقوموا لله قائمين اللهم إلا أن يقال: وقوموا لله مديمين لذلك القيام فحينئذ يصير القنوت مفسراً بالإدامة لا بالقيام. ﴿ القول السادس﴾ وهو اختيار علي بن عيسى: أن القنوت عبارة عن الدوام على الشيء والصبر عليه والملازمة له وهو في الشريعة صار مختصاً بالمداومة على طاعة الله تعالى ، والمواظبة على خدمة الله تعالى ، وعلى هذا التقدير يدخل فيه جميع ما قاله المفسرون ، ويحتمل أن يكون المراد : وقوموا لله مديمين على ذلك القيام في أوقات وجوبه واستحبابه والله تعالى أعلم . قوله تعالى ﴿ فان خفتم فرجالا أو ركباناً فاذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾. اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها ، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف، فقال (فان خفتم فرجالا أو ركباناً ) وفي الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ يروى ( فرجالا) بضم الراء و( رجالا ) بالتشديد و(رجلا). المسألة الثانية﴾ قال الواحدي رحمه الله معنى الآية: فإن خفتم عدواً فحذف المفعول ١٦٦ قال تعالى: ((فأن خفتم)) سورة البقرة لإحاطة العلم به ، قال صاحب الكشاف: فان كان بكم خوف من عدو أو غيره ، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره ، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى : فان خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالا أو ركباناً ، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود . ﴿ المسألة الثالثة﴾ في الرجال قولان ( أحدهما) رجالا جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشياً كان أو واقفاً ويقال في جمع راجل : رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال . والقول الثاني ﴾ ما ذكره القفال، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع ، لأن راجلا يجمع على راجل ، ثم يجمع رجل على رجال ، والركبان جمع راكب ، مثل فرسان وفارس ، قال القفال : ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل ، فأما من كان على فرس فانما يقال له فارس ، والله أعلم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ رجالا نصب على الحال، والعامل فيه محذوف، والتقدير: فصلوا رجالا أو ركباناً. المسألة الخامسة ﴾ صلاة الخوف قسمان ( أحدهما ) أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية ( والثاني ) في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ) وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين. إذا عرفت هذا فنقول : إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد ، فمذهب الشافعي رحمه الله أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يؤمنون بالركوع والسجود ، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة : لا يصلي الماشي بل يؤخر ، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين ( الأول ) قال ابن عمر ( فرجالا أو ركباناً) يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله وَله . ﴿ الوجه الثاني) وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الرکوب والركض لا یمکن معه المحافظة على الاستقبال ، فصار قوله ( فرجالا أو ركباناً) يدل على الترخص في ترك التوجه ، وأيضاً يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء ١٦٧ قال تعالى: ((فأن خفتم)) سورة البقرة لأن مع الخوف الشديد من العدو لا یأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود ، فصح بما ذكرنا دلالة رجالا أو ركباناً على جواز ترك الاستقبال ، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود . إذا ثبت هذا فنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط ، فنقول : لا شك أن الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة ( أحدها ) فعل القلب وهو النية ، وذلك لا يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك ( والثاني) فعل اللسان وهي القراءة ، وهي لا تسقط عند الخوف ، ولا يجوز له أيضاً أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبي ، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها ( والثالث ) أعمال الجوارح فنقول : أما القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه ، وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما ، فيجب أن يجعل الإيماء النائب عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع ، لأن هذا القدر ممكن ، وأما ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف ، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب ، إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوصي به هل يجوز له أن يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه ، والأصح أنه يجوز ، لأنه إذا كان خوف العطش يرخص التيمم ، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك ، فهذا تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم)) واحتج أبو حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضاً . ( والجواب ) أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فانه وَلّل أخر الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل . ﴿ المسألة السادسة﴾ اختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن نقول : الخوف إما أن يكون في القتال ، أو في غير القتال ، أما الخوف في القتال فاما أن يكون في قتال واجب ، أو مباح ، أو محظور ، أما القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية ، ويلتحق به قتال أهل البغي ، قال تعالى ( فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله ) وأما القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطبري في كتاب شرح المختصر: أن دفع الإِنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه ، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام . إذا عرفت هذا فنقول : أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل حيوان محترم ، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف. أما قصد أخذ ماله ، أو إتلاف حاله ، فهل له أن يصلي ١٦٨ قوله تعالى: ((فاذا امنتم فاذكروا الله)) سورة البقرة صلاة شدة الخوف، فيه قولان: الأصح أن يجوز، واحتج الشافعي بقوله عليه السلام ((من قتل دون ماله فهو شهيد ) فدل هذا على أن الدفع عن المال کالدفع عن النفس ( والثاني ) لا يجوز لأن حرمة الزوج أعظم ، أما القتال المحظور فانه لا تجوز فيه صلاة الخوف ، لأن هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة ، أما الخوف الحاصل لا في القتال ، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان معسراً خائفاً من الحبس ، عاجزاً عن بينة الإعسار ، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة ، لأن قوله تعالى ( فإن خفتم ) مطلق يتناول الكل . فإن قيل : قوله ( فرجالاً أو ركبانً) يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة . قلنا ، هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعاً للضرر ، وهذا المعنى قائم ههنا ، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة) روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين ، وفى الخوف ركعة ، والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع ، وفي السفر ركعتان سواء كان في الخوف أو لم يكن ، وأن قول ابن عباس متروك . أما قوله تعالى ( فإذا أمنتم ) فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة ( فاذكروا الله كما علمكم) وفيه قولان ( الأول) فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) وكما بينه بشروطه وأركانه ، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل ، والصلاة قد تسمى ذكراً لقوله تعالى ( فاسعوا إلى ذكر الله ) . ﴿والقول الثاني﴾ (فاذكروا الله) أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن ، طعن القاضي في هذا القول وقال : إن هذا الذكر لما كان معلقاً بشرط مخصوص ، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعاً على حد واحد ، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر ، كما يلزم مع الأمن ، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة ، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى ، فالواجب حمل قوله تعالى ( فاذكروا الله ) على ذكر يختص بهذه الحالة . ﴿ والقول الثالث ﴾ أنه دخل تحت قوله ( فاذكروا الله ) الصلاة والشكر جميعاً ، لأن ١٦٩ قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم)) الآية. سورة البَقَرة مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرٌ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةُ لِّأَزْوَاجِهِمِ إِْرَاجِ فَإِنْ نَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِنَّ مِن مَّعُرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾ الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها . أما قوله تعالى ( كما علمكم ) فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف . وأن ذلك من نعمه تعالى ، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك ، ثم إن أصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروره بوضع الدلائل ، وفعل الألطاف ، وقوله تعالى ( ما لم تكونوا تعلمون ) إشارة إلى ما قبل بعثة محمد رَّة من زمان الجهالة والضلالة . الحكم السابع عشر الوفاة قوله تعالى ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ﴾ . فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( وصية ) بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع ففيه أقوال ( الأول ) أن قوله ( وصية ) مبتدأ وقوله ( لأزواجهم) خبر ، وحسن الإبتداء بالنكرة ، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع ، كما حسن قوله : سلام عليكم . وخير بين يديك ( والثاني ) أن يكون قوله ( وصية لأزواجهم ) مبتدأ ، ويضمر له خبر ، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم ، ونظيره قوله ( فنصف ما فرضتم ، فدية مسلمة ، فصيام ثلاثة أيام ) ( والثالث ) تقدير الآية : الأمر وصية ، أو المفروض ، أو الحكم وصية ، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ ( والرابع ) تقدير الآية : كتب عليكم وصية ( والخامس ) تقديره : ليكون منكم وصية ( والسادس ) تقدير الآية : ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول ، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة ، وأما قراءة النصب ففيها وجوه ( الأول ) تقدير الآية فليوصوا وصية ( والثاني ) تقديرها : توصون وصية ، كقولك : إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد ( الثالث ) تقديرها : ألزم الذين يتوفون وصية . ١٧٠ قوله تعالى: ((متاعا إلى الحول)) سورة البَقَرة أما قوله تعالى ( متاعاً) ففيه وجوه ( الأول ) أن يكون على معنى : متعوهن متاعاً ، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية ، وليمتعوهن متاعاً ( الثاني ) أن يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبل الكلام يدل على هذا ( الثالث ) أنه نصب على الحال . أما قوله ( غير إخراج ) ففيه قولان ( الأول ) أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات ( والثاني ) انتصب بنزع الخافض ، أراد من غير إخراج . المسألة الثانية﴾ في هذه الآية ثلاثة أقوال (الأول) وهو اختيار جمهور المفسرين ، أنها منسوخة ، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإِسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لأمرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول ، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها ، هذا جملة ما في هذه الآية ، لأنا إن قرأنا ( وصية ) بالرفع ، كان المعنى : فعليهم وصية ، وإن قرأناها بالنصب ، كان المعنى : فليوصوا وصية ، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة ، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين ( أحدهما ) المتاع والنفقة إلى الحول ( والثاني ) السكنى إلى الحول ، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين ( أحدهما ) وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة ( والثاني ) وجوب الاعتداد سنة ، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين ، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها ، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخاً للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول ، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) فهذا القول هو الذي اتفق عليه اكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين . القول الثاني ﴾ وهو قول مجاهد: أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين ( أحدهما ) ما تقدم وهو قوله ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) والأخرى : هذه الآية ، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين . فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها ، كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً على ما في تلك الآية المتقدمة ، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها ، والأخذ من ماله وتركته ، فعدتها هي الحول ، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى ، حتى يكون كل واحد منهما معمولا به . القول الثالث﴾ وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : أن معنى الآية : من يتوفى منكم ١٧١ قوله تعالى: ((متاعا إلى الحول)) سورة البقرة ويذرون أزواجاً ، وقدوصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح ، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة ، قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً كاملاً ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب ، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل ، واحتج على قوله بوجوه ( أحدها ) أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان ( الثاني ) أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ في النزول ، وإذا كان متأخراً عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخراً عنه في التلاوة أيضاً ، لأن هذا الترتيب أحسن ، فإما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة ، فهو وإن كان جائزاً في الجملة ، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة ، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك . ﴿ الوجه الثالث﴾ وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص ، كان التخصيص أولى ، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل ، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ، لأنكم تقولون تقدير الآية : فعليهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : فليوصوا وصية ، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى ، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية ؛ والذين يتوفون عنكم ولهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : وقد أوصوا وصية لأزواجهم ، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج ، وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره ، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية ، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى من إضماركم ، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل ، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، وهذا كلام واضح . وإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية ، فالشرط هو قوله ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ) فهذا كله شرط ، والجزاء هو قوله ( فان خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف) فهذا تقرير قول أبي مسلم ، وهو في غاية الصحة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة ، حاملاً كانت أو حائلاً ، وروى عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما ، ؛ أن لها النفقة إذا كانت ١٧٢ قوله تعالى: ((متاعاً إلى الحول)) سورة البقرة حاملاً، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث، وهل تستحق السكنى فيه قولان ( أحدهما ) لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة ، ومذهب أبي حنيفة واختيار المزني ( والثاني ) تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد ، وبناء القولين على خبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها قالت: فسألت رسول الله وَله إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال عليه السلام : نعم فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث ، قيل لم يوجب في الابتداء ، ثم أوجب فصار الأول منسوخاً ، وقيل : أمرها بالمكث في بيتها أمراً على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب ، واحتج المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها ، فقال : أجمعنا على أنه لا نفقة لها ، لأن الملك انقطع بالموت ، فكذلك السكنى ، بدليل أنهم أجمعوا على أن من وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم ، لأن ماله صار ميراثاً للورثة ، فكذا ههنا . أجاب الأصحاب فقالوا : لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن ههنا ، وأما السكنى فوجبت لتحصين النساء وهو موجود ههنا فافترقا . إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بأن هذه الآية منسوخة لا بد وأن يختلف قولهم بسبب هذه المسألة ، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى ، أما وجوب النفقة فقد صار منسوخاً ، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخاً أم لا ؟ والكلام فيه ما ذكرناه . المسألة الرابعة ﴾ القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا : الله تعالى ذكر الوفاة ، ثم أمر بالوصية ، فكيف يوصى المتوفي ؟ وأجابوا عنه بأن المعنى : والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه ، كأنه قيل : وصية من الله لأزواجهم ، كقوله ( يوصيكم الله في أولادكم ) وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع . أما قوله تعالى ( فلا جناح عليكم ) فالمعنى : لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين، ومن الإقدام على النكاح، وفي رفع الجناح وجهان (أحدهما) لا جناح ١٧٣ قوله تعالى: ((وللمطلقات)) الآية . سورة البقرة كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الَّهُ لَكُمْ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( ٢٤١ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمُ تَعْقِلُونَ في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ( والثاني ) لا جناح عليكم في ترك منعهم من الخروج ، لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها . الحكم الثامن عشر في المطلقات قوله تعالى ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المثقين ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون يروى أن هذه الآية إنما نزلت ، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى ( ومتعوهن ) إلى قوله ( حقاً على المحسنين) قال رجل من المسلمين : إن أردت فعلت ، وإن لم أرد لم أفعل ، فقال تعالى ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ) يعني على كل من كان متقياً عن الكفر ، واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان ( أحدهما ) أنه هو المتعة ، فظاهر هذه الآية يقتضى وجوب هذه المتعة لكل المطلقات ، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات ، وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى : لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس ، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) . فإن قيل : لم أعيد ههنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) . قلنا : هناك ذكر حكماً خاصاً ، وههنا ذكر حكماً عاماً . ﴿والقول الثاني﴾ أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعاً وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى ، وههنا آخر الآيات الدالة على الأحكام والله أعلم . ١٧٤ قوله تعالى: (( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم)) الآية سورة البَقَرة أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ◌َرَجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَهُمْ أُوفٌّ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَ أَحَْهُمْ إِنَّ اللهَلَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ٢٤٣ القصة الأولى من قصص بني إسرائيل قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ . اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الإعتبار للسامع ، ويحمله ذلك الإعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال ( ألم تر إلى الذين الذين خرجوا من ديارهم ) أما قوله ( ألم تر ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أن الرؤية قد تجيء بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، وذلك راجع إلى العلم ، كقوله ( وأرنا مناسكنا) معناه : علمنا ، وقال ( فاحكم بين الناس بما أراك الله ) أي علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي وس لو لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية . ويجوز أن نقول : كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم . المسألة الثانية﴾ هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي ◌َ ◌ّ إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه ، كقوله تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) . المسألة الثالثة﴾ دخول لفظة (إلى) في قوله تعالى (ألم تر إلى الذين ) يحتمل أن يكون لأجل أن ( إلى) عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم ١٧٥ قوله تعالى: (( وهم ألوف )) سورة البقرة معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف ( إلى) فيه ، ونظيره قوله تعالى ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) . أما قوله ( إلى الذين خرجوا من ديارهم ) ففيه روايات ( أحدها ) قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، وأن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ فقال نعم فقيل له: ناد أيها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً ، فصارت لحماً ودماً ، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا، وكانوا يقولون ((سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت)) ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم . ﴿ الرواية الثانية﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم الله تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية ( وقاتلوا في سبيل الله ) . والرواية الثالثة﴾ أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فيكرهوا وجبنوا ، فأرسل الله عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترك معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يحرجون عن قبضتك ، فأرسل الله عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى . أما قوله تعالى (وهم ألوف) ففيه قولان ( الأول ) أن المراد منه بيان العدد ، واختلفوا في ١٧٦ قوله تعالى: ((وهم ألوف )) سورة البَقَرة مبلغ عددهم ، قال الواحدي رحمه الله : ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفاً ، وللوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف . والقول الثاني ﴾ أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد ، وجلوس وجالس ، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب ، قال القاضي : الوجه الأول أولى ، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتباراً عظيماً، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة ، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف . ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم ألفاً لحياته ، محباً لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها ، أماتهم الله تعالى وأهلكهم ، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد . أما قوله ( حذر الموت ) فهو منصوب لأنه مفعول له ، أي لحذر الموت ، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت ، فلما خص هذا الموضع بالذكر ، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر ، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة . أما قوله تعالى ( فقال لهم الله موتوا ) ففي تفسير ( قال الله ) وجهان ( الأول ) أنه جار مجرى قوله ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول ، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير ، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة ، ويدل عليه قوله ( ثم أحياهم ) فإذا صح الإحياء بالقول ، فكذا القول في الإماتة . ﴿ والقول الثاني﴾ أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم: موتوا، وأن يقول عند الإِحياء ما رويناه عن السدي ، ويحتمل أيضاً ما رويناه من أن الملك قال ذلك ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق . أما قوله تعالى ( ثم أحیاهم ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به ، وذلك لأنه في نفسه جاء والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه ، أما الإمكان فلأن ١٧٧ قوله تعالى: ((حذر الموت)) سورة البقرة تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن ، وإلا لما وجد أولا ، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولا ، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان ، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية ، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به . ( المسألة الثانية ) قالت المعتزلة: إحياء الميت فعل خارق للعادة ، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي ، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة ، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي، ولسائر الأغراض، فكأن هذا الحصر باطلاً، ثم قالت المعتزلة : وقد روى أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه ، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام ، وقيل : حزقيل هو ذو الكفل ، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبياً وأنجاهم من القتل ، وقيل : إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجباً ، فأوحى الله تعالى إليه : إن أردت أحببتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك ، فقال : نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت : وعند معاينة الأهوال والشدائد ، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية ، وإما ما شاهدوا شيئاً من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة ، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال البتة ، فإن كان الحق هو الأول ، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال : إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل ، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل ، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء ، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة ، وإما أن يقال : إنه بقوا بعد الإحياء غير مكلفين ، وليس في الآية ما يمنع منه ، أو يقال : إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئاً من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية ، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت ، والله أعلم بحقائق الأمور . المسألة الرابعة﴾ قال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم ، وهذا القول فيه کلام کثیر وبحث طويل . = ٦-١٢٢ ١٧٨ قوله تعالى: ((وقاتلوا في سبيل الله)) الآية ... سورة البَقَرة ٢٤٤ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ الِّ وَعْلُواْ أَنْ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أما قوله تعالى ( إن الله لذو فضل على الناس ) ففيه وجوه ( أحدها ) أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية ، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلاقي ( وثانيها ) أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور ، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم ، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد ، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب ، ويستحقون الثواب ، فكان ذكر هذه القصة فضلاً من الله تعالى وإحساناً في حق هؤلاء المنكرين (وثالثها ) أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد ، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالی کیفکان ، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت ، فكان ذكر هذه القصة سبباً لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم ، فكان ذكر هذه القصة فضلاً وإحساناً من الله تعالى على عبده ، ثم قال ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون) وهو كقوله ( فأبى أكثر الناس إلا كفوراً). قوله تعالى ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾ فيه قولان (الأول) أن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك : أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد . واعلم أن القول لا يتم إلا باضمار محذوف تقديره : وقيل لهم قاتلوا . ﴿ والقول الثاني﴾ وهو اختيار جمهور المحققين: أن هذا استئناف خطاب للحاضرين ، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت ، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت ، كما قال في قوله ( قل لن ينفعكم القرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين ، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم ، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين . أما قوله تعالى (في سبيل الله ) فالسبيل هو الطريق ، وسميت العبادات سبيلاً إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسكلها ، ويتوصل إلى الله تعالى بها ، ومعلوم أن الجهاد تقوية ١٧٩ سورة البَقَرة قوله تعالى: ((من ذا الذي يقرض الله)) الآية مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدِفَهُ لَهُ ◌ٍ أَضْعَافًا كَثِرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ ٢٤٥ وَيَبْقُطُ وَإِلَيْهِ تُرْ جَعُونَ للدين ، فكان طاعة ، فلا جرم كان المجاهد مقاتلا في سبيل الله ثم قال ( اعلموا أن الله سميع عليم ) أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد ، وفي تنفير الغير عنه ، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا . قوله تعالى ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ﴾ في الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أدرفه بقوله ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) اختلف المفسرون فيه على قولين ( الأول ) أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة ، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد ، ثم أكد تعالى ذلك بقوله ( والله يقبض ويبسط) وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله ، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق . والقول الثاني﴾ أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذا القرض إنفاق المال ، ومنهم من قال : إنه غيره ، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال ( الأول ) أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة ، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين ( الأول ) أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعاً . ﴿ الحجة الثانية﴾ سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في أبي الدحداح قال : يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة ؟ قال : نعم ، قال : وأم الدحداح معي ؟ قال : نعم ، قال : والصبية معي ؟ قال : نعم ، فتصدق بأفضل حديقته ، وكانت تسمى الحنينة ، فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها ، فقام على باب الحديقة ، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الحداح : بارك الله لك فيما اشتريت، فخرجوا منها وسلموها ، فكان النبي وسلم يقول: كم من نخلة رداح ، ١٨٠ قوله تعالى: ((من ذا الذى يقرض الله)) سورة البقرة تدلى عروقها في الجنة لأبي الدحداح . إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً . ﴿والقول الثاني﴾ أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية ( وإليه ترجعون ) وذلك كالزجر ، وهو إنما يليق بالواجب . والقول الثالث ) وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين ، كما أنه داخل تحت قوله ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت ) من قال : المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال ، قالوا : روى عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) قال القاضي: وهذا بعيد، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال : ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة ، إلا أن نقول : الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه لو كان قادراً لأنفق وأعطى فحينئذ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق، وقد روى عنه لي أنه قال (( من لم يكن عنده ما يتصدق به فلیلعن اليهود فانه له صدقه )). المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز، قال الزجاج : إنه حقيقة ، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازي عليه ، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسيء ، والمراد منه الفعل الذي يجازي عليه ، قال أمية بن أبي الصلت : كل امرىء سوف يجزي قرضه حسناً أو سيئاً أو مديناً کالذي دانا ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع ، ومنه القراض ، وانقرض القوم إذا هلكوا ، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازي عليها . والقول الثاني ﴾ أن لفظ القرض ههنا مجاز، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئاً ليرجع إليه مثله وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه ( أحدها ) أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال ( وثانيها ) أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل ، وفي هذا الإنفاق هو الضعف (وثالثها) أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا هذا المال المأخوذ ملك لله ، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضاً ، والحكمة فيه