النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى: ((واذا طلقتم النساء)) سورة البقرة مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة ، فاذا جعلنا هذه الآية خطاباً لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظماً ، والترتيب مستقيماً ، أما إذا جعلناه خطاباً للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف ، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى. حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه ( الأول ) وهو عمدتهم الكبرى : أن الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع الأولياء لا مع الأزواج ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضاً فلأن الروايات متعارضة ، فروى عن معقل أنه كان يقول ، إن هذه الآية لو كانت خطاباً مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطاباً قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها ، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية ، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك المعنى كان تكراراً من غير فائدة ، وأيضاً فقد قال تعالى ( لا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) فنهي عن العضل حال حصول التراضي ، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة ، ولا يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة ، قال تعالى ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) ( والثاني ) أيضاً باطل لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة ، فكيف يصرف هذا النهي إليه ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة المرأة بعد انقضاء عدتها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها ، وحينئذ يعضلها عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعى أنه كان راجعها في العدة ، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد والوعيد ، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها ، فالله تعالى نهى الأزواج عن هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام. الحجة الثالثة﴾ لهم قالوا قوله تعالى (أن ينكحن أزواجهن ) معناه: ولا تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك ، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطاباً للأولياء ، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود إلى الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك ، فاما إذا جعلنا الآية خطاباً للأزواج ، فهذا الكلام لا یصح ، ویمکن أن يجاب عنه بأن معنی قوله ( ینکحن أزواجهن ) من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجاً والعرب قد تسمى الشيء باسم ما يؤول إليه ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب . المسألة الرابعة ﴾ تمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولی ١٢٢ قوله تعالى: ((واذا طلقتم النساء)) سورة البقرة لا يجوز وبني ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع الأولياء ، قال: وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى النساء ، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح ، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عز وجل عن العضل ، وحيث نهاه عن العضل كان قادراً على العضل ، وإذا كان الولي قادراً على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح ، واعلم أن هذا الاستدلال بناء على أن هذا الخطاب مع الأولياء ، وقد تقدم ما فيه من المباحث ، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ( ولا تعضلوهن ) أن يخليها ورأيها في ذلك ، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركز إلى رأي الأولياء في باب النكاح ، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن ، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم ، وحينئذ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن ، فيكون النهي محمولاً على هذا الوجه ، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية ، وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع ، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر ، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر ، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى ( وأن ينكحن أزواجهن) على أن النكاح بغير ولي جائز ، وقال إنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله ، والتصرف إلى مباشره ، ونهى الولي عن منعها من ذلك ، ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه ، قالوا : وهذا النص متأكد بقوله تعالى ( حتى تنكح زوجاً غيره ) وبقوله ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) وتزويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح ، وحقيقة هذه الإضافة على المباشردون الخاطب ، وأيضاً قوله تعالى ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها) دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة ، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضاً إلى المتسبب ، يقال : بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح . ﴿ المسألة الخامسة) قوله تعالى (فبلغن أجلهن) محمول في هذه الآية على انقضاء العدة ، قال الشافعي رضي الله عنه : دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة ( فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال ( فأمسكوهن بمعروف) لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز، ولما قال ( أو سرحوهن بمعروف) لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها ، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج ، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج ، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة ، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي الله عنه ، دل سياق الكلامين ١٢٣ قوله تعالى: ((إذا تراضوا بينهم)) سورة البَقَرة على افتراق البلوغين. أما قوله تعالى ( إذا تراضوا بينهم بالمعروف) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ في التراضي وجهان ( أحدهما ) ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول ( وثانيها ) أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى ( ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ) فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه ، حتى تحصل الصحبة الجميلة ، وتدوم الألفة . المسألة الثانية﴾ قال بعضهم : التراضي بالمعروف، هو مهر المثل ، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصاناً فاحشاً ، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر ، وقال أبو یوسف ومحمد : ليس للولي ذلك. حجة أبي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى ( إذا تراضوا بينهم بالمعروف) وأيضاً أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء ، لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور ، ويتفاخرون بكثرتها ، ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء ، وأيضاً فان نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل لبعضهن ، فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل ، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه بالتهديد فقال ( ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في الموافقة ، فكانت الآية تهديداً من هذا الوجه. وفي الآية سؤالان : السؤال الأول﴾ لم وحد الكاف في قوله تعالى (ذلك) مع أنه يخاطب جماعة؟. ( والجواب ) هذا جائز في اللغة ، والتثنية أيضاً جائزة ، والقرآن نزل باللغتين جميعاً ، قال تعالى ( ذلكما مما علمني ربي ) وقال ( فذلكن الذي لمتنني فيه ) وقال ( يوعظ به ) وقال ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) . ﴿ السؤال الثاني ﴾ لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم؟ . ( الجواب ) لوجوه ( أحدها ) لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به كقوله ١٢٤ قوله تعالى: ((والوالدات يرضعن)) الآية . سورة البَقَرة وَلْوَالِدْتُ يُرْضِعْنَ أَوْ لَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَلِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُمَّ الَّضَاعَةَ وَعَلى أَلْمَوْلُوِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَاتُكَلَّفُ نَفْسُ إلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودُ لَهُ، بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ ( هدی للمتقين) وهو هدی للکل ، كما قال ( هدى للناس ) وقال ( إنما أنت منذر من يخشاها، إنما تنذر من اتبع الذكر ) مع أنه كان منذراً للكل كما قال ( ليكون للعالمين نذيراً) ( وثانيها ) احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين ، قالوا : والدليل عليه أن قوله ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الأحكام ، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام ، قال تعالى ( ولله على الناس حج البيت ) ( وثالثها) أن بيان الأحكام وإن كان عاماً في حق المكلفين ، إلا أن كون ذلك البيان وعظاً مختص بالمؤمنين ، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها ، فانها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير، ثم قال ( ذلكم أزكى لكم وأطهر ) يقال : زكا الزرع إذا نما فقوله ( أزكى لكم ) إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم ، وقوله (وأطهر ) إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سبباً لحصول العقاب ، ثم قال ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة ، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات ، فلما كان كذلك صح أن يقول ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد . الحكم الثاني عشر في الرضاع قوله تعالى ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى. المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ١٢٥ قوله تعالى: ((والوالدات)). مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَضٍ مِنْهُمَا وَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا بولده وعلى الوارث مثل ذلك فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ﴾. اعلم أن في قوله تعالى (والوالدات ) ثلاثة أقوال ( الأول ) أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات ، سواء كن مزوجات أو مطلقات ، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دلیل التخصیص فوجب ترکه علی عمومه. والقول الثاني ﴾ المراد منه: الوالدات المطلقات ، قالوا: والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان ( أحدها ) أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق ، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهراً ، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي ، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين ( أحدهما ) أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق ( والثاني ) أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر ، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الإحتمال قائماً لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم ، فقال ( والوالدات يرضعن أولادهن ) والمراد المطلقات . الحجة الثانية لهم﴾ ما ذكره السدى، قال : المراد بالوالدات المطلقات ، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ) ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع ، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه ، فلم يجب تعلقها بما قبلها ، وعن الحجة الثانية لا ذيبعد أن تستحق المرأة قدراً من المال لمكان الزوجية وقدراً آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين . ﴿ القول الثالث﴾ قال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة. فان قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع . قلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين ، فاذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم ١٢٦ قوله تعالى: ((والوالدات يرضعن)) سورة البقرة تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بايجاب الرزق والكسوة ، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله . أما قوله تعالى ( يرضعن أولادهن ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبراً إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين ( الأول ) تقدير الآية ؛ والوالدات يرضعن أولا دهن في حكم الله الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه ( والثاني) أن يكون معنى يرضعن: ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام . المسألة الثانية﴾ هذا الأمر ليس أمر إيجاب، ويدل عليه وجهان (الأول) قوله تعالى ( فان أرضعن لكم فأتوهن أجورهن) ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة ( والثاني ) أنه تعالى قال بعد ذلك ( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ) والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجباً عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام. أما قوله تعالى ( حولین کاملین ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولا وبعض الآخر، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يوماً وبعض اليوم الآخر. ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان ( الأول) أنه تعالى قال بعد ذلك ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب ( الثاني ) أنه تعالى قال ( فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه ١٢٧ قوله تعالى: ((والوالدات)) سورة البقرة وجوه ( الأول ) وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فان أراد الأب أن يفطمه قبل الحولین ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك. ﴿ الوجه الثاني﴾ في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكماً خاصاً في الشريعة، وهو قوله ◌َّ﴾ ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهراً. حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه : ﴿ الحجة الأولى﴾ أنه ليس المقصود من قوله ( لمن أراد أن يتم الرضاعة) هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة. ﴿ الحجة الثانية ) روى عن علي رضي الله عنه أنه ێ قال (( لا رضاع بعد فصال)) وقال تعالى ( وفصاله في عامين ) . ﴿الحجة الثالثة﴾ ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه لو لي قال ((لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين )). والوجه الثالث ﴾ في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين ، فان وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً ، وقال آخرون : الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود ، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان ، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى . المسألة الثالثة) روى أن رجلاً جاء إلى علي رضي الله عنه فقال : تزوجت جارية ١٢٨ قوله تعالى: ((لمن أراد أن يتم الرضاعة)) سورة البقرة بكراً وما رأيت بها ريبة ، ثم ولدت لستة أشهر، فقال علي رضي الله عنه قال الله ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وقال تعالى ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) فالحمل ستة أشهر الولد ولدك ، وعن عمر أنه جيء بامرأة وضعت لستة أشهر ، فشاور في رجمها ، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر . أما قوله تعالى ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عباس رضي الله عنهما ( أن يكمل الرضاعة) وقرىء ( الرضاعة ) بكسر الراء . ﴿ المسألة الثانية) فى كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان ( الأول) أن تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين ، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية ( والثاني) أن اللام متعلقة بقوله ( يرضعن) كما تقول ( أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء ، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه . أما قوله تعالى ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ (المولود له) هو الوالد، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه (الأول ) قال صاحب الكشاف: إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد : وإنما. أمهات الناس أوعية مستودعات وللآ باء أبناء ( الثاني) أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه على ما قال ◌َ ((الولد للفراش)) فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه، وجب عليه رعاية مصالحه ، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر ( الثالث ) أنه قيل في تفسير قوله ( يا ابن أم) أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد ، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة ، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود تنبيهاً على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب ، فكأن نقصه عائداً إليه ، ورعاية مصالحه لازمة له ، كما قيل : كلمة لك ، وكلمة عليك . ١٢٩ قوله تعالى: ((لمن أراد)) سورة البَقَرة المسألة الثانية﴾ أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف، والمعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد ، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها ، فقد استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعربي ، فضررها يتعدى إلى الولد . ﴿ المسألة الثالثة) أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولاً، ثم وصى الأب برعايته ثانياً، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب ، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة البتة ، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة ، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة ، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب ، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة ، ثم قال تعالى ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ التكليف: الإلزام، يقال: كلفة الأمر فتكلف وكلف، وقيل: إن أصله من الكلف، وهو الأثر على الوجه من السواد ، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره ، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه ، من سعة الملك أي العرض ، ولوضاق لعجزعنه ، والسعة بمنزلة القدرة ، فلهذا قيل : الوسع فوق الطاقة . المسألة الثانية ﴾ المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في سورة الطلاق ( فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن) ثم قال ( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله ( لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ) . ﴿ المسألة الثالثة) المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه ، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحداً إلا ما تتسع له قدرته ، والوسع فوق الطاقة ، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته ، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى . ثم قال ( لا تضار والدة بولدها ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي ( لا تضار) بالرفع = ٦ - ٩٢ ٠ ١٣٠ قوله تعالى: ((لمن أراد)) سورة البقرة والباقون بالفتح ، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله ( لا تكلف) قال علي بن عيسى : هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو : ضربت زيداً لا عمراً فاما أن يقال : يقوم زيد لا يقعد عمرو، فهو غير جائز على النسق ، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في االنهي كما يقال : لا يضرب زيد لا تقتل عمراً وأما النصب فعلى النهي ، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، يقال : يضارر رجل زيداً، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف، فأدغمت إحدى الراءين في الأخری ، فصار لا تضار ، کما تقول : لا تردد ثم تدغم فتقول : لا ترد بالفتح قال تعالى ( یا أيها الذين آمنوا من يرتدمنكم عن دينه) وقرأ الحسن ( تضار ) بالكسر وهو جائز في اللغة ، وقرأ أبان عن عاصم ( لا تضارر ) مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( لا تضار) يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة، وإنما احتمل الوجهين نظراً لحال الإدغام الواقع في تضار ( أحدهما ) أن يكون أصله لا تضارر بكسر الراء الأولى ، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار ( والثاني ) أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار ، وعلى الوجه الأول يكون المعنى : لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد ، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة ، فتلقى الولد عليه ، وعلى الوجه الثاني معناه : لا تضارر ، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له ، وقوله ( ولا مولود له بولده) أي : ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد . فإن قيل : لم قال ( تضار ) والفعل لواحد ؟ قلنا لوجوه ( أحدها ) أن معناه المبالغة ، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من إيذاء من لا يؤذيك ( والثاني ) لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو يمنعها الأب وينزعه منها ( والثالث ) أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر ، فكان ذلك في الحقيقة مضارة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله ( لا تضار والدة بولدها) وإن كان خبراً في الظاهر ، لكن المراد منه النهي ، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع ، وترك التعهد والحفظ . وقوله ( ولا مولود له بولده) يتناول كل المضار ، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على ١٣١ قوله تعالى: ((وعلى الوارث)) سورة البَقَرة إضرارها بالولد ، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم . أما قوله ( وعلى الوارث مثل ذلك ) فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحد من هؤلاء ، والعلماء لم يدعوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم . ﴿ فالقول الأول) وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد وارث الأب، وذلك لأن قوله( وعلی الوارث مثل ذلك ) معطوفعلى قوله ( وعلى المولود له رزقهن وکسوتهن بالمعروف) وما بینھما اعتراض لبیان المعروف ، والمعنى أن المولود له إن مات فعلی وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور ، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار ، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضاً وارثه ، أدى إلى وجوب نفقته على غيره، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالاً فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف، ويدفع الضرار عنه ، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب . القول الثاني ﴾ أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو ؟ فقيل : هو العصبات دون الأم ، والأخوة من الأم ، وهو قول عمرو الحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل : هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ، قالوا : النفقة على قدر الميراث ، وقيل : الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث ، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم ، كما أن البعيد كالقريب ، والنساء كالرجال ، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق لها ، لصح أيضاً دخولها تحت الكلام ، لأنها قد تكون وارث كغيرها . القول الثالث ﴾ المراد من الوارث الباقي من الأبوين ، وجاء في الدعاء المشهور: واجعله الوارث منا ، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة. ﴿ القول الرابع ﴾ أراد بالوارث الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفي فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله ، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على إرضاعه ، ولا يجبر على ١٣٢ قوله تعالى: ((فإن أراد افصالا)) سورة البَقَرة نفقة الصبي الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي . أما قوله تعالى ( مثل ذلك ) فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم ، وقيل : من ترك الاضرار عن الشعبي والزهري والضحاك ، وقيل : منهما عن أكثر أهل العلم . أما قوله ( فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) فاعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في الفصال قولان ( الأول) أنه الفطام لقوله تعالى ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد : يقال فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً ، وقرىء بهما في قوله ( وحمله وفصاله ) والفصال أحسن ، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه ، فبينهما فصال نحو القتال والضراب ، وسمي الفصيل فصيلاً لأنه مفصول عن أمه ، ويقال : فصل من البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى ( فلما فصل طالوت بالجنود ) واعلم أن حمل الفصال ههنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين . واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال : إنها تدل على أن الفطام قبل الحولین جائز ، وبعده أيضاً جائز وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما . حجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام الحولين كان أيضاً دليلاً على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط . وحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفاً فيحتاج إلى الرضاع ويضربه فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين ، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب والله أعلم . القول الثاني ﴾ في تفسير الفصال ، هو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول قال : ويحتمل معنى آخر ، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى الولد . المسألة الثانية ﴾ التشاور في اللغة: استجماع الرأي، وكذلك المشورة والمشورة ١٣٣ قوله تعالى: ((وإن أردتم أن تسترضعوا)) الآية. سورة البقرة وَإِنْ أَرَدِّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ ◌َلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مََّءَاتَُّ بِالْمَعْرُوفِ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَعْلَمُواْ أَنَّ الَهَ بِمَ تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ◌ّ مفعلة منه كالمعونة ، وشرت العسل استخرجته ، وقال أبو زيد : شرت الدابة وأشرتها أي أجريتها لاستخراج جريها ، والشوار متاع البيت ، لأنه يظهر للناظر ، وقالوا : شورته فتشور ، أي خجلته ، والشارة هيئة الرجل ، لأنه ما يظهر من زيه ويبدو من زينته ، والإشارة إخراج ما في نفسك ، وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره . المسألة الثالثة ﴾ دلت الآیة علی أن الفطام في أقل من حولین لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع ، فقد يحاول الفطام دفعاً لذلك ، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس ، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما ، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد ، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره البتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغيركم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعاً للمضار عنه ، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن بل قال ( لا جناح عليكم ) وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفاً کانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به أشد . قوله تعالى ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع ، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: استرضع منقول من أرضع، يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي ، فتعديه إلى مفعولين ، كما تقول: أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه ، كما تقول : استنجحت الحاجة ولا تذکر من استنجحته ، وکذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول ، وقال الواحدي ( أن تسترضعوا أولادكم ) أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة الإسترضاع ، لأنه لا يكون إلا للأولاد ، ولا يجوز دعوت ١٣٤ قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم)) الآية . سورة البَفَرة وَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَهُنَّ فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلَنَ فِىَ أَنْفُسِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا زيداً وأنت تريد لزيد ، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا في الإسترضاع ، ونظير حذف اللام قوله تعالى ( وإذا كالوهم أو وزنوهم ) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها ، منها ما إذا تزوجت آخر ، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع ، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر ، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشاً له ، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها ، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها ، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى ، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فههنا الأوضاع واجب على الأم. أما قوله تعالى ( إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحده ( ما أتيتم) مقصورة الألف، والباقون ( ما آتيتم ) ممدودة الألف، أما المد فتقديره ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر بتقديره : ما آتيتم به ، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة ( به ) في الثاني لحصول العلم بذلك ، وروى شيبان عن عاصم ( ما أوتيتم ) أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ، ونظيره قوله تعالى ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) . المسألة الثانية﴾ ليس التسليم شرطاً للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يداً بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببأ لصلاح حال الصبي ، والإحتياط في مصالحه ، ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير ، فقال ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير ) . الحكم الثالث عشر عدة الوفاة قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ١٣٥ قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم)) الآية. سورة البقرة تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣٦) وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير؟ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها) وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً ، فمن مات فقد وجد عمره ، وافياً كاملاً ، ويقال : توفي فلان ، وتوفي إذا مات ، فمن قال : توفي . كان معناه قبض وأخذ ومن قال : توفي . كان معناه توفي أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة على عليه السلام يتوفون بفتح الياء . وأما قوله ( ويذرون) معناه : يتركون ، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناء عنه يترك تركاً ، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه ، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان ، يقال : فلان يدع كذا ويذر ويقال : دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء والعرب تسمى الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له ، وربما ألحقوا بها الهاء . ﴿ المسألة الثانية) قوله (والذين) مبتدأ ولا بد له من خبر، واختلفوا في خبره على أقوال : ( الأول ) أن المضاف محذوف والتقدير، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن ( والثاني ) وهو قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) ( والثالث ) وهو! قول المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً، أزواجهم يتربصن ، قال : وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى ( قل أفأنبئكم بشرمن ذلكم النار ) يعني هو النار ، وقوله ( فصبر جميل ) . فإن قيل : أنتم أضمرتم ههنا متبدأ مضافاً ، وليس ذلك شيئاً واحداً بل شيئان ، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد . قلنا : كما ورد إضمار المبتدأ المفرد ، فقد ورد أيضاً إضمار المبتدأ المضاف، قال تعالى ١٣٦ قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم)) سورة البقرة ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ) والمعنى: تقلبهم متاع قليل ( الرابع ) وهو قول الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ) مبتدأ ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزواجهم ، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبراً، وأنكر المبرد والزجاج ذلك ، لأن مجيء المبتدأ بدون الخبر محال . المسألة الثالثة ﴾ قد بينا فيما تقدم معنى التربص ، وبينا الفائدة في قوله ( بأنفسهن ) وبينا أن هذا وإن كان خبراً إلا أن المقصود منه هو الأمر ، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر . المسألة الرابعة ) قوله (وعشراً) مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام ، وذكروا في العذر عنه وجوهاً ( الأول ) تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت ، لأن الأوائل أقوى من الثواني ، قال ابن السكيت : يقولون ضمناً خمساً من الشهر ، فيغلبون الليالي على الأيام ، إذلم يذكرو الأيام ، فإذا أظهروا الأيام قالوا ضمنا خمسة أيام ( الثاني ) أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه ، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة ، كقولهم : خرجنا ليالي الفتنة ، وجئنا ليالي إمارة الحجاج ( والثالث ) ذكره المبرد ، وهو أنه إنما أُنّثِ العشر لأن المراد به المدة ، معناه عشر مدد ، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة ( الرابع ) ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية ، فقال : إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشرليال حلت للأزواج ، فيتأول العشرة بالليالي ، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم . ﴿ المسألة الخامسة) روى عن أبي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة ، وهو أيضاً منقول عن الحسن البصري . المسألة السادسة ﴾ اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين (أحداهما ) أن تكون أمة فانها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة ، وقال أبو بكر الأصم : عدتها عدة الحرائر ، وتمسك بظاهر الآية ، وأيضاً الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلا عن هذه المدة ، ثم وضع الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة ، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركافيه ، وسائر الفقهاء قالوا : التنصيف في هذه المدة ممكن ، وفي وضع الحمل غير ممكن ، فظهر الفرق . ﴿ الصورة الثانية) أن يكون المراد إن كانت حاملاً فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل ، فإذا وضعت الحمل حلت ، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة ، وعن علي عليه السلام : ١٣٧ قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم )) سورة البقرة تتربص أبعد الأجلين ، والدليل عليه القرآن والسنة . أما القرآن فقوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ويذزون أزواجاً ) والشافعي لم يقل بذلك لوجهين ( الأول ) أن كل واحدة من هاتين الآيتين أهم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه ، لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى ، كما أن التي توفى عنها زوجها قد تكون حاملاً وقد لا تكون ، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآیتین مخصصة للأخرى (والثاني ) أن قوله ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) إنما ورد عقيب ذكر المطلقات ، فربما يقول قائل : هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها . فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن ، وإنما عول على السنة ، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل ، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر ، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب ، فقال لها بعض الناس: ما أنتِ بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة : فسألت النبي ◌َ﴿ عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، فأمرني بالتزوج إن بدا لي ، إذا عرفت هذا الأصل فههنا تفاريع ( الأول ) لا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس : لا عدة عليها قبل الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل . الحكم الثاني ) إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها وقال مالك : لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام ، مثلاً إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض ، وإن كانت عادتها أن تحیض في كل شهرین مرة فعلیها حیضتان ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة فعليها حيضة واحدة ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفي عنها زوجها بهذه المدة ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافياً ، ثم قال الشافعي : إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة ، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط . ﴿ الحكم الثالث) إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالاهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة ، ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوماً ، ثم تضم إليها عشرة أيام ، وإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة وكمل العشر من الشهر السادس . ١٣٨ قوله تعالى: ((والذين يتوفوا منكم)) سورة البَفَرة المسألة السابعة ﴾ أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الإعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني فإنه أبى نسخها ، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى ، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول ، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول ، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى . ﴿ المسألة الثامنة﴾ اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة ، واحتجوا بأنه تعالى قال ( يتربصن بأنفسهن ) ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص ، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك ، والأكثرون قالوا السبب هو الموت ، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة . ﴿ المسألة التاسعة﴾ المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح ، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : الأمتناع عن النكاح مجمع عليه ، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة ، وأما ترك التزين فهو واجب، لما روى عن عائشة وحفصة أن رسول الله و لو قال ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)) وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الاحداد لا وجوبه والله أعلم . واحتجوا بما روى عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صَ لقوله((وتلبثي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت )). ﴿ المسألة العاشرة﴾ احتج من قال: إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ) فقوله ( منكم ) خطاب مع المؤمنين ، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط . ( وجوابه ) أن المؤمنین لما كانوا هم العاملین بذلك خصهم بالذکر کقوله ( إنما أنت منذر من يخشاها) مع أنه كان منذراً للكل ، لقوله تعالى ( ليكون للعالمين نذيراً) . وأما قوله تعالى ( فإذا بلغن أجلهن ) فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد ، وقيل : الخطاب مع ١٣٩ قوله تعالى: ((ولا جناح عليكم فيما)) الاية . سورة البَقَرة وَلَا جُنَحَ عَلَيْكُمْ فِيَمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ، مِنْ خِطْبَةَ النِّسَآءَ أَوْ أَكْتَفْتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُرْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّاتُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا الحكام وصلحاء المسلمين ،، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه ( لا جناح عليكم ) تقديره : لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال ( فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) أي ما يحسن عقلاً وشرعاً لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعاً لشرائط الصحة ، ثم ختم الآية بالتهديد ، فقال ( والله بما تعملون . خبير ) . بقي في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ تمسك بعضهم في وجوب الاحداد على المرأة بقوله تعالى ( فیما فعلن في أنفسهن ) فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله ، والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما . ﴿ المسألة الثانية﴾ تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ، قالوا : إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزاً لقوله تعالى ( ولا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن) وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة ، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة ، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله ( لا جناح عليكم) خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطباً بقوله ( لا جناح عليكم ) وبالله التوفيق . الحكم الرابع عشر في خطبة النساء قوله تعالى ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ وفيه مسائل : ١٤٠ قوله تعالى: ((ولا جناح عليكم فيما )) سورة البقرة ﴿ المسألة الأولى﴾ التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن أشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا : وحسبك بالتسليم منى تقاضياً والتعريض قد يسمى تلويحاً لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكتابة والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ، والتعريض أن تذکر کلاماً يحتمل مقصودك ويحتمل غیر مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك ، وأما الخطبة فقال الفراء : الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه الحسن العقدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان ( الأول ) أن الخطب هو الأمر ، والشأن يقال : ما خطبك ، أي ما شأنك ، فقولهم : خطب فلان فلانة ، أي سألها أمراً وشأناً في نفسها ( الثاني) أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام ، يقال : خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح ، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب ، الأمر العظيم ، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب کثیر. ﴿ المسألة الثانية) النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام (أحدها) التي تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها ، بل يستثنى عنه صورة واحدة ، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ويظهر أنه قال ((لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه)) ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقاً لكن فيه ثلاثة أحوال . ﴿ الحالة الأولى﴾ إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحاً ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث . الحالة الثانية ) إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها . الحالة الثالثة ﴾ إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان ( أحدهما ) أنه يجوز للغير خطبتها ، لأن السكوت لا يدل على الرضا ( والثاني ) وهو القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضاً على الكراهة ، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة .