النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى: ((إن أرادوا إصلاحاً)) سورة البقرة
على مذهبه شيئان ( أحدهما ) ردها من التربص إلى خلافه ( الثاني ) ردها من الحرمة إلى
الحل.
السؤال الرابع ﴾ ما الفائدة في قوله تعالى ( في ذلك).
( الجواب ) أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص ، فإذا انقضى ذلك
الوقت فقد بطل حق الردة والرجعة .
أما قوله تعالى (إن أرادوا إصلاحا) فالمعنى أن الزوج أحق بهذه المراجعة إن أرادوا
الإصلاح وما أرادوا المضارة، ونظيره قوله ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن
بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه )
والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يرجعون المطلقات، ويريدون بذلك الاضرار بهن
ليطلقوهن بعد الرجعة ، حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة ، فنهوا عن ذلك ، وجعل
الشرط في حل المراجعة إرادة الإصلاح ، وهو قوله ( إن أرادوا إصلاحاً ) .
فإن قيل : إن كلمة ( إن ) للشرط ، والشرط يقتضى انتفاء الحكم عند انتفائه ، فيلزم إذا
لم توجد إرادة الإصلاح أن لا يثبت حق الرجعة .
( والجواب ) أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها ، فالشرع لم يوقف صحة
المراجعة عليها ، بل جوازها فيما بينه وبين الله موقوف على هذه الإرادة ، حتى إنه لو راجعها
لقصد المضارة استحق الإثم .
أما قوله تعالى ( ولهن مثل الذي عليهن ) فاعلم أنه تعالى لما بين أنه يجب أن يكون
المقصود من المراجعة إصلاح حالها ، لا إيصال الضرر إليها بين أن لكل واحد من الزوجين حقاً
على الآخر .
واعلم أن المقصود من الزوجين لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما مراعياً حق الآخر ،
وتلك الحقوق المشتركة كثيرة ، ونحن نشير إلى بعضها ( فأحدها ) أن الزوج كالأمير
والراعي ، والزوجة كالمأمور والرعية ، فيجب على الزوج بسبب كونه أميراً وراعياً أن يقوم
بحقها ومصالحها ، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج ( وثانيها ) روى
عن ابن عباس أنه قال ((إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي)) لقوله تعالى ( ولهن مثل الذي
عليهن) ( وثالثها) ولهن على الزوج من إرادة الاصلاح عند المراجعة ، مثل ما عليهن من ترك
الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن ، وهذا أوفق لمقدمة الآية.

١.٢
قوله تعالى: ((ولهن مثل الذي عليهن)) سورة البقرة
أما قوله تعالى ( وللرجال عليهن درجة ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ يقال: رجل بين الرجلة، أي القوة، وهو أرجل الرجلين أي
أقواهما ، وفرس رجيل قوي على المشي ، والرجل معروف لقوته على المشي ، وارتجل الكلام أي
قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية ، وترجل النهار قوي ضياؤه ، وأما الدرجة فهي
المنزلة وأصلها من درجت الشيء أدرجه درجاً ، وأدرجته إدراجاً إذا طويته . ودرج القوم قرنا
بعد قرن أي فنوا ومعناه أنهم طووا عمرهم شيئاً فشيئاً ، والمدرجة قارعة الطريق ، لأنها تطوي
منزلا بعد منزل ، والدرجة المنزلة من منازل الطريق ، ومنه الدرجة التي يرتقي فيها.
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن فضل الرجل على المرأة أمر معلوم، إلا أن ذكره ههنا
يحتمل وجهين ( الأول ) أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء في أمور ( أحدها) العقل
( والثاني ) في الدية ( والثالث) في المواريث ( والرابع ) في صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة
( والخامس ) له أن يتزوج عليها ، وأن يتسرى عليها ، وليس لها أن تفعل ذلك مع الزوج
( والسادس ) أن نصيب الزوج في الميراث منها أكثر من نصيبها في الميراث منه ( والسابع ) أن
الزوج قادر على تطليقها ، وإذا طلقها فهو قادر على مراجعتها ، شاءت المرأة أم أبت ، أما
المرأة فلا تقدر على تطليق الزوج ، وبعد الطلاق لا تقدر على مراجعة الزوج ولا تقدر أيضاً
على أن تمنع الزوج من المراجعة ( والثامن ) أن نصيب الرجل في سهم الغنيمة أكثر من نصيب
المرأة ، وإذا ثبت فضل الرجل على المرأة في هذه الأمور ، ظهر أن المرأة كالأسير العاجز في يد
الرجل، ولهذا قال ◌َّه(( استوصوا بالنساء خيراً فانهن عندكم عوان)) وفي خبر آخر : اتقوا الله
في الضعيفين : اليتيم والمرأة ، وكان معنى الآية أنه لأجل ما جعل الله للرجال من الدرجة
عليهن في الاقتدار كانوا مندوبين إلى أن يوفوا من حقوقهن أكثر ، فكان ذكر ذلك كالتهدید
للرجال في الإقدام على مضارتهن وإيذائهن ، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر ، كان
صدور الذنب عنه أقبح ، واستحقاقه للزجر أشد.
والوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين ، لأن
المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة ، واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب ،
وحصول اللذة ، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال : إن نصيب المرأة فيها
أوفر ، ثم إن الزوج اختص بأنواع من حقوق الزوجة ح وهي التزام المهر والنفقة ، والذب
عنها ، والقيام بمصالحها ، ومنعها عن مواقع الآفات ، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد
وجوباً ، رعاية لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى ( الرجال قوامون على النساء بما فضل
الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) وعن النبي ◌َّله ((لو أمرت أحداً بالسجود لغير

١٠٣
قوله تعالى: ((الطلاق مرتان)) الآية سورة البقرة
الطََّقُ مَرَّتَانِ فَإِْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٍَ
الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها )) ثم قال تعالى (والله عزيز حكيم) أي غالب لا يمنع ،
مصيب أحكامه وأفعاله ، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.
قوله تعالى ﴿ الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾.
اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق ، وهو الطلاق الذي تثبت فيه
الرجعة ،
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي
عدتها ، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له ، فجاءت امرأة إلى عائشة رضي
: الله عنها ، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك ، فذكرت عائشة رضي الله عنها
ذلك لرسول الله وَله ، فنزل قوله تعالى ( الطلاق مرتان) .
المسألة الثانية ﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله .
قال قوم : إنه حكم مبتدأ ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على
التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، وهذا التفسير هو قول من قال : الجمع بين
الثلاث حرام ، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار : أن هذا هو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ،
وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعمران بن الحصين ، وأبي
موسى الأشعري ، وأبي الدرداء وحذيفة.
﴿ والقول الأول ) في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله ،
والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ، ولا رجعة بعد الثلاث ، وهذا التفسير هو قول من جوز
الجمع بين الثلاث ، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه .
( حجة القائلين بالقول الأول ) أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق ، لأن الألف واللام إذا
لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق ، فصار تقدير الآية : كل الطلاق مرتان ، ومرة ثالثة ، ولو
قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق ، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع .
فان قيل : هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون ، وعندي الجمع مباح لا مسنون .

١٠٤
قوله تعالى: (( الطلاق مرتان)) سورة البقرة
قلنا : ليس في الآية بيان صفة السنة ، بل كان تفسير الأصل الطلاق ، ثم قال هذا
الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر ، إلا أن معناه هو الأمر ، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين ، وإنما
وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد
تأكيد معنى الأمر ، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات ، وعلى التشديد في
ذلك الأمر والمبالغة فيه ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين ( الأول ) وهو اختيار كثير
من علماء الدين ، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثاً لا يقع إلا الواحدة ، وهذا القول هو الأقيس ،
لأن النهي يدل على اشتمال المنهى عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك
المفسدة في الوجود وأنه غير جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع .
والقول الثاني ﴾ وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه وإن كان محرماً إلا أنه
يقع ، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد.
القول الثالث ﴾ في تفسير هذه الآية أن نقول : أنها ليست كلاماً مبتدأ ، بل هي
متعلقة بما قبلها ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج ولم يذكر
أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة ، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين ، أو كالعام
المفتقر إلى المخصص فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة ، هو
أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت البتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله :
الطلاق للمعهود السابق ، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد
مرتين ، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه
( الأول ) أن قوله ( وبعولتهن أحق بردهن ) إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص ،
وإن لم يكن عاماً فهو مجمل ، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة ،
فيكون مفتقراً إلى البيان ، فاذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلا مع
العام المخصوص ، أوكان البيان حاصلاً مع المجمل ، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك ،
لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزاً إلا أن الأرجح أن لا يتأخر.
الحجة الثانية) إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله ( الطلاق مرتان ) يقتضي
حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع ، لا يقال : إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة ، وهو
قوله ( أو تسريح بإحسان ) فصار تقدير الآية : الطلاق مرتان ومرة ، لأنا نقول : إن قوله ( أو
تسريح بإحسان ) متعلق بقوله ( فامساك بمعروف) لا بقوله ( الطلاق مرتان ) ولأن لفظ التسريح
بالإِحسان لا إشعار فيه بالطلاق ، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله فان
طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز.

١٠٥
قوله تعالى: ((فأمساك بمعروف)) سورة البَقَرة
الحجة الثالثة) ما روينا في سبب نزول هذه الآية، إنها إنما نزلت بسبب امرأة
شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيراً بسبب المضارة ، وقد أجمعوا
على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجاً عن عموم الآية ، فكان تنزيل هذه الأية على
هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه .
أما قوله تعالى ( فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه، يقال: إنه
لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلاً ، قال الفراء : يقال إنه ليس بمساك غلمانه ، وفيه مساكة من
جبر ، أي قوة ، وأما التسريح فهو الإرسال ، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض ،
وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى .
﴿ المسألة الثانية﴾ تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج،
هو أن يوجد مرتان ، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ،
ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة ، بل على قصد الإصلاح
والإنفاع ، وفي معنى الآية وجهان ( أحدهما ) أن توقع عليها الطلقة الثالثة ، روى أنه لما نزل
قوله تعالى ( الطلاق مرتان) قيل له مسلم: فأين الثالثة؟ فقال ◌َله: هو قوله ( أو تسريح
بإِحسان) ( والثاني ) أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة ، وهو مروي عن
الضحاك والسدى .
واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه ( أحدها ) أن الفاء في قوله ( فان طلقها ) تقتضي
وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح ، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان
قوله : فان طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز ( وثانيها) أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة
كانت الآية متناولة لجميع الأحوال ، لأنه بعد الطلقة الثانية ، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله
( فامساك بمعروف) أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله
( أو تسريح بإحسان) أو يطلقها وهو المراد بقوله ( فان طلقها) فكانت الآية مشتملة على بيان
كل الأقسام ، أما لو جعلنا التسريح بالإِحسان طلاقاً آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث ، ولزم
التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز ( وثالثها) أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال
فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق ( ورابعها ) أنه قال بعد ذكر التسريح
( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) والمراد به الخلع ؛ ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد
أن طلقها الثالثة ، فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول ،
فان صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه .

١٠٦
قوله تعالى: ((ولا يحل لكم أن تأخذوا)) سورة البقرة
وَلَ يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمََّءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَن يَخَافَآَ أَلَّا يُقِيمَ حُدُودَ اللهِ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْتَدَتْ بِهِءَ تِلْكَ حُدُودُ
اله فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنِ يَتَعَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلُونَ(
واعلم أن المراد من الإحسان ، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية ، ولا يذكرها
بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها .
المسألة الثالثة ﴾ الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا
يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فاذا فارقه فعند ذلك يظهر ، فلو جعل الله الطلقة
الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم
لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة
مرتين ، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب ،
فان كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها
على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده .
قوله تعالى ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوامما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان
خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله
فأولئك هم الظالمون
واعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع ، واعلم أنه تعالى لما
أمر أن يكون التسريح مقروناً بالإحسان ، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها
لا يأخذ منها شيئاً من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها ، وذلك لأنه
ملك بضعها ، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها ، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئاً ، ويدخل في
هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء ، كما قال في سورة النساء ( ولا تعضلوهن
لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) وقوله ههنا ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) هو كقوله هناك ( إلا
أن يأتين بفاحشة مبينة ) فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق ،
ونظيره قوله تعالى ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) فقيل المراد

١٠٧
قوله تعالى: ((إلا أن يخافا)) سورة البقرة
من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضاً ( فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً
مبيناً ) فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الافضاء .
فان قيل : لمن الخطاب في قوله ( ولا يحل لكم أن تأخذوا) فان كان للأزواج لم يطابقه
قوله ( فان خفتم ألا يقيما حدود الله ) وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئاً .
قلنا : الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطاباً للأزواج وآخرها خطاباً
للأئمة والحكام ، وذلك غير غريب في القرآن ، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة
والحكام ، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون
والمؤتون .
أما قوله تعالى ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ
من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل :
: المسألة الأولى﴾ روى أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ، وفي زوجها
ثابت ابن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد الحب ، فأتت
رسول الله ◌ُ له، وقالت: فرق بيني وبينه فاني أبغضه ، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء
في أقوام فكان أقصرهم قامة ، وأقبحهم وجهاً، وأشدهم سواداً ، وإني أكره الكفر بعد
الإِسلام ، فقال ثابت : يا رسول الله مرها فلترد على الحديقة التي أعطيتها ، فقال لها : ما
تقولين ؟ قالت : نعم وأزيده فقال ◌َله: لا حديقته فقط، ثم قال لثابت : خذ منها ما أعطيتها
وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام ، وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت
حفصة بنت سهل الأنصارية .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن قوله تعالى ( إلا أن يخافا) هو استثناء متصل أو
منقطع ، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية ، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا : يجوز
الخلع في غير حالة الخوف والغضب ، وقال الأزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند
الغضب ، والخوف من أن لا يقيما حدود الله ، فان وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد
وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئاً ، ثم
استثنى الله حالة مخصوصة فقال ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) فكانت الآية صريحة في أنه لا
يجوز الأخذ في غير حالة الخوف، وأما جمهور المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف
وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى ( فان طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً
مريئاً ) فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئاً بازاء ما بذل كان ذلك في

١٠٨
قوله تعالى: ((إلا أن يخافا)) سورة البَقَرة
الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، وأما كلمة ( إلا ) فهي محمولة على الاستثناء
المنقطع كما في قوله تعالى ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) أي لكن إن كان خطأ ( فدية
مسلمة إلى أهله ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف، وهو
الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن ، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة ،
وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز
مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف ، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره :
قد خرج غلامك بغير إذنك ، فتقول : قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته ، وأنشد
الفراء :
تروي عظامي بعد موتي عروقها
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
ولا تدفنني في الفلاة فانني
ثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية ( فان طلقها فلا جناح عليهما أن
يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) .
المسألة الرابعة ﴾ اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف
للرجل والمرأة، ولا بد ههنا من مزيد بحث، فنقول: الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه
إما أن يكون هذا الخوف حاصلا من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أولا يحصل
الخوف من قبل واحد منهما، أو يكون الخوف حاصلا من قبلهما معاً.
﴿ أما القسم الأول﴾ وهو أن يكون هذا الخوف حاصلا من قبل المرأة، وذلك بأن تكون
المرأة ناشزة مبغضة للزوج ، فههنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل عليه ما رويناه من
حديث جميلة مع ثابت، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول اللهرحي لها الخلع ولثابت الأخذ.
فإن قيل: فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معاً، فكيف قلتم: إنه يكفي حصول
الخوف منها فقط.
قلنا: سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف
الحاصل من قبل الزوج، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج، وهو يخاف
أنها إذا لم تطعه فانه يضربها ويشتمها، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلا لهما
جميعاً، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك
الزوج لفقره أو لقبح وجهه ، أو لمرض منفر منه ، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من
٠٠٠

١٠٩
قوله تعالى: ((إلا أن يخافا)) سورة البقرة
معصية الله في أن لا تطيع الزوج ، ويكون الزوج خائفاً من معصية الله تعالى من أن يقع منه
تقصير في بعض حقوقها .
القسم الثاني ﴾ أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط ، بأن يضربها ويؤذيها ، حتى
تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية ، وبدليل سائر الآيات ، كقوله (ولا
تعضلوهن لتذهبوا) إلى قوله ( أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً) وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ
ذلك المال .
القسم الثالث﴾ أن لا يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل الزوج، ولا من قبل
الزوجة ، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين : أن هذا الخلع جائز ، والمال المأخوذ حلال ،
وقال قوم إنه حرام .
﴿ القسم الرابع﴾ أن يكون الخوف حاصلا من قبلهما معاً، فهذا المال حرام أيضاً، لأن
الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلاً من قبل الزوج،
وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا
القسم آية أخرى وهو قوله تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهما ) الآية ، ولم يذكر فيه تعالى حل
أخذ المال ، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة ، واعلم أن هذا قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما
بين المكلفين وبين الله تعالى،، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء .
المسألة الخامسة ﴾ قرأ حمزة (إلا أن يخافا) بضم الياء والباقون بفتحها ، قال صاحب
الكشاف وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من لا يقيما من ألف الضمير ، وهو من بدل الاشتمال ،
كقولك : خيف زيد تركة إقامة حدود الله ، وهذا المعنى متأكد بقراءة عبدالله (إلا أن يخافوا)
وبقوله تعالى (فان خفتم) ولم يقل : خافا ، فجعل الخوف لغيرهما ، وجه قراءة العامة إضافة
الخوف إليهما على ما بينا أن المرأة تخاف الفتنة على نفسها ، والزوج يخاف أنها إن لم تطعه يعتدي
عليها .
﴿ المسألة السادسة﴾ اختلفوا في قدر ما يجوز وقوع الخلع به، فقال الشعبي والزهري
والحسن البصري وعطاء وطاوس : لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، وهو قول علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ، قال سعيد بن المسيب : بل ما دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له ،
وأما سائر الفقهاء فانهم جوزوا المخالعة بالأزيد والأقل والمساوي ، واحتج الأولون بالقرآن
والخبر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) ثم قال
بعد ذلك (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فوجب أن يكون هذا راجعا إلى ما آتاها : وإذا كان
كذلك لم يدخل في إباحة الله تعالى إلا قدرما آتاها من المهر ، وأما الخبر روينا أن ثابتا لما طلب

١١٠
قوله تعالى: ((إلا أن يخافا)) سورة البقرة
من جميلة أن ترد عليه حديقته، فقالت جميلة وأزيده، فقال ◌َله: لا حديقته فقط، ولو كان
الخلع بالزائد جائزاً لما جاز للنبي وم لل أن يمنعها منه، وأما القياس فهو أنه استباح بعضها ، فلو
أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ذلك إجحافاً بجانب المرأة وإلحاقا للضرر بها ، وأنه غير
جائز، وأما سائر الفقهاء فانهم قالوا الخلع عقد معاوضة ، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين ،
فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير، فكذا للزوج أن لا يرضى عند
المخالعة إلا بالبذل الكثير ، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج، حيث أظهرت بغضه
وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي الله عنه رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها
عمر وحبسها في بيت الزبل ليلتين ، ثم قال لها : كيف حالك؟ فقالت ما بت أطيب من هاتين
الليلتين ، فقال عمر : اخلعها ولو بقرطها ، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه
جاءته امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها ، فلم ينكر عليها.
﴿ المسألة السابعة﴾ الخلع تطليقه بائنة وهو قول على وعثمان وابن مسعود والحسن
والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري ، وهو قول أبي
حنيفة وسفيان ، وهو أحد قولى الشافعي رضي الله عنهم ، وقال ابن عباس وطاوس وعكرمة
رضي الله عنهم : إنه فسخ العقد ، وهو القول الثاني للشافعي ، وبه قال أحمد وإسحق وأبو
ثور .
( حجة من قال إنه طلاق ) أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق ، فإذا بطل كونه
فسخا ثبت أنه طلاق وإنما قلنا إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخا لما صح بالزيادة على المهر
المسمى : كالإقالة في البيع ، وأيضاً لو كان الخلع فسخا فاذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن
يجب عليها المهر ، كالاقالة ، فان الثمن يجب رده ، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن
الخلع ليس بفسخ ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق.
حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه :
﴿ الحجة الأولى﴾ أنه تعالى قال (فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما
افتدت به ) ثم ذكر الطلاق فقال (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) فلو كان
الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا ، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن
ابن عباس .
﴿ الحجة الثانية﴾ وهو أن النبي ◌َّ أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته،
مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام ، فلو كان الخلع طلاقا لكان

١١١
قوله تعال: ((فإن طلقها فلا تحل له)) الآية . سورة البَقَرة
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ، مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاَ
أَنْ يَرَاجَعَاْ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ الَّهِيُبَِّنُهَ لِقَوْمٍ يَعْلُونَ
٢٣٠
يجب على النبي ◌ّل أن يستكشف الحال في ذلك ، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقا دل
علی أن الخلع ليس بطلاق.
﴿ الحجة الثالثة ) روى أبو داود في سننه عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن
قيس لما اختلعت منه جعل النبي # عدتها حيضة ، قال الخطابي: وهذا أدل شيء على أن
الخلع فسخ وليس بطلاق ، لأن الله تعالى قال ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فلو
كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد.
أما قوله تعالى ( تلك حدود الله) فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة
والخلع ( فلا تعتدوها ) أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال
( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) وفيه وجوه. ( أحدها ) أنه تعالى ذكره في سائر
الآيات ( ألا لعنة الله على الظالمين ) فذكر الظلم ههنا تنبيها على حصول اللعن ( وثانيها ) أن
الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جارياً مجرى الوعيد ( وثالثها ) أنه أطلق لفظ
الظلم تنبيها على أنه ظلم من الإنسان على نفسه ، حيث أقدم على المعصية ، وظلم أيضاً للغير
بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها ، أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الامساك
بالمعروف والتسريح بالاحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة ،
ففي كل هذه المواضع يكون ظالما للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالما لنفسه ، وظالما
لغيره ، وفيه أعظم التهديدات.
قوله تعالى ﴿ فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما
أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾.
اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة
لحق الرجعة ، وفيه مسائل :

١١٢
قوله تعال: ((فإن طلقها فلا تحل له)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ الذين قالوا: إن قوله (أو تسريح بإحسان) إشارة إلى الطلقة الثالثة
قالوا إن قوله ( فإن طلقها ) تفسير لقوله ( تسريح بإحسان ) وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن
الأولى أن لا يكون المراد من قوله (تسريح بإحسان) الطلقة الثالثة، وذلك لأن للزوج مع المرأة
بعد الطلقة الثانية أحوالا ثلاثة ( أحدها ) أن يراجعها ، وهو المراد بقوله ( فامساك بمعروف)
( والثاني ) أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله ( أو
تسريح بإحسان) ( والثالث ) أن يطلقها طلقة ثالثة، وهو المراد بقوله ( فان طلقها) فاذا كانت
الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى
من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله (أو تسريح بإحسان ) عبارة عن الطلقة الثالثة كناقد
صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول
اولی.
واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي ، ونظم الآية (الطلاق
مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان فان طلقها فلا تحل له من بعد تنكح زوجا غيره ).
فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين
الآيتين؟ .
قلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى
شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد
الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله اعلم .
المسألة الثانية ﴾ مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج
إلا بخمس شرائط : تعتد منه ، وتعقد الثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم تعتد منه ، وقال
سعيد بن جبير وسعيد ابن المسيب : تحل بمجرد العقد ، واختلف العلماء في أن شرط الوطء
بالسنة ، أو بالكتاب ، قال أبو مسلم الأصفهاني : الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو
المختار.
وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة ، قال عثمان بن جني : سألت أبا
علي عن قولهم: نكح المرأة فقال : فرقت العرب بالاستعمال ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة ،
أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة، وأقول: هذا الذي
قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية ، لأن الاضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة
لذات كل واحد من المضافين ، فإذا قيل : نكح فلان زوجته ، فهذا النكاح أمر حاصل بينه

١١٣
قوله تعال: ((فإن طلقها فلا تحل له)) سورة البقرة
وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته ، ثم الزوجة ليست اسما لتلك المرأة بحسب ذاتها
بل اسما لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن
الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب .
إذا ثبت هذا فنقول : إذا قلنا نكح فلان زوجته ، فالناكح متأخر عن المفهوم من
الزوجية ، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة ، تقدم المفرد على المركب ، وإذا
كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية ، إذا ثبت هذا كان قوله ( حتى تنكح زوجا
غيره ) يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية ، فكل من قال بذلك قال : إنه الوطء ،
فثبت أن الآية دالة على أنه لا بد من الوطء ، فقوله ( تنكح ) يدل على الوطء ، وقوله ( زوجا )
يدل على العقد ، وأما قول من يقول : إن الآية غير دالة على الوطء ، وإنما ثبت الوطء بالسنة
فضعيف ، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدوداً إلى غاية ، وهي قوله ( حتى تنكح ) وما كان غاية
للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته ، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح ، فلو كان النكاح
عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد ، فكان رفعها
بالخبر نسخا للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، أما إذا حملنا النكاح على الوطء ، وحملنا
قوله ( زوجا) على العقد ، لم يلزم هذا الإشكال ، وأما الخبر المشهور في السنة فما روى أن
تميمة بنت عبد الرحمن القرظي ، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها ،
فطلقها ثلاثا ، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي ، فأتت النبي ◌ّله وقالت: كنت تحت
رفاعة فطلقني فبت طلاقي ، فتزوجت بعده عبد الرحمن ابن الزبير ، وإن ما معه مثل هدية
الثواب ، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله محصلة فقال
((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) والمراد بالعسيلة
الجماع شبه اللذة فيه بالعسل، فلبثت ما ساء اللّه ثم عادت إلى رسول اللّه ◌ُ ل﴿ وقالت: إن
زوجي مسني فكذبها رسول الله عليه، وقال: كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت
حتى قبض رسول الله بل#، فأتت أبا بكر فاستأذنت ، فقال: لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى
لسبيله ، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك ، وفي قصة رفاعة نزل قوله ( فإن
طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) .
أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن
الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر ، ولهذا المعنى قال بعض
أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة ، ومعلوم أن
الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله
مانعاً وزاجراً .
= ٦ - ٢ ٨

١١٤
قوله تعالى: ((فأن طلقها)) سورة البقرة
المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين ، ثم نكحت زوجا
آخر وأصابها ، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة ، وهي التي
بقيت له من الطلقات الأولى ، وقال أبو حنيفة : بل يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد
الثلاث ، حجة الشافعي أن هذه طلقة ثالثة ، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة ، إنما قلنا إنها
طلقة ثالثة لأنها طلقة وجدت بعد الطلقتين ، والطلقة الثالثة ، موجبة للحرمة الغليظة ، لقوله
تعالى ( فإن طلقها فلا تحصل له من بعد ) الآية وقوله ( فإن طلقها ) أعم من أن يطلقها الطلقة
الثالثة مسبوقاً بنكاح غيره ، أو غير مسبوق بنكاح غيره فكان الكل داخلاً فيه .
المسألة الرابعة ) مذهب الشافعي رضي الله عنه: إذا تزوج بالمطلقة ثلاثا للغير على
أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما ، فهذا نكاح متعة بأجل مجهول ، وهو باطل
ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ففيه قولان ( أحدهما ) لا يصح ( والثاني )
يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة ، ولو تزوجها مطلقا معتقداً بأنه إذا أحلها طلقها
فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأتم به ، وقال مالك والثوري وأحمد : هذا النكاح باطل دليلنا
أن الآية تدل على أن الحرمة تنتهي بوطء. مسبوق بعقد ، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء
الحرمة وحيث حكمنا بفساد النكاح ، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا يقع به
التحليل.
أما قوله تعالى ( فان طلقها) فالمعنى : إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة
الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله ( حتى تنكح زوجا غيره فلا جناح عليهما ) أي على المرأة المطلقة
والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد ، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع ، لأن الزوجية كانت
حاصلة بينهما قبل ذلك ، فاذا تناكحا فقد تراجعاً إلى ما كانا عليه من النكاح ، فهذا تراجع
لغوي ، بقي في الآية مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة
للزوج الأول ، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) لأن
المقصود من العدة استبراء الرحم ، وهذا المعنى حاصل ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه سعيد
بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد ، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة ،
وهذه الآية تدل على سقوط العدة ، لأن الفاء في قوله ( فلا جناح عليهما أن يتراجعاً ) تدل على
أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الخليل والكسائي: موضع ( أن يتراجعاً) خفض باضمار
الخافض ، تقديره : في أن يتراجعاً ، وقال الفراء : موضعه نصب بنزع الخافض.

١١٥
قوله تعالى: ((إن ظنا أن يقيما حدود للته)) سورة البقرة
أما قوله تعالى ( إن ظنا أن يقيما حدود الله) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال كثير من المفسرين (إن ظنا) أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود
الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه ( أحدها) أنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ولكن
علمت أنه يقوم زيد ( والثاني) أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه ( والثالث ) أنه
بمنزلة قوله تعالى ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً) فان المعتبر هناك الظن
فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا الظن ، وحصل
لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند
المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم.
المسألة الثانية) كلمة ( إن) في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط
فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة ، لكنه ليس الأمر
كذلك ، فان جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أولم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد
أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية
حقوق الله تعالى ، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره ، ثم قال بعد ذلك ( وتلك حدود الله
یبینها لقوم يعلمون ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله تعالى (وتلك حدود الله) إشارة إلى ما بينها من التكاليف،
وقوله ( يبينها ) إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي
تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة ، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت
بالسنة ، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى
كمال البيان على لسان نبيه مثلي، وهو كقوله تعالى ( ليبين للناس ما نزل إليهم).
المسألة الثانية﴾ قرأ عاصم في رواية أبان (نبينها) بالنون وهي نون التعظيم
والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى .
﴿ والمسألة الثالثة﴾ إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه (أحدها) أنهم هم الذين
ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به ، وهو كقوله ( هدى للمتقين ) ( والثاني ) أنه
خصهم بالذكر كقوله ( وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) ( والثالث ) يعني به العرب
لعلمهم باللسان ( والرابع ) يريد من له عقل وعلم . كقوله ( وما يعقلها إلا العالمون )
والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلا عالماً بما يكلفه ، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف
(والخامس) أن قوله ( تلك حدود الله) يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن

١١٦
قوله تعالى: ((وإذا طلقتم النساء )) الآية .
سورة البَقَرة
وَإِذَا طَلَّقْتُ الْنِسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَهُنَّ فَأْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا
تُمِسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَا تَظْهِذُواْ
ءَايَيْتِ اللَّهِ هُ وَّا وَاذْ كُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَيْكُ وَمَا أَوَّلَ عَلَيْكُ مِنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ
يَعِظُكُمْ بِهِ، وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَعْلَمُواْ أَنَّ الَّ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ.
الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه .
قوله تعالى ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا
تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله
عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء
عليم ﴾ .
اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول : لا فرق بين
هذه الآية وبين قوله ( الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فتكون إعادة هذه
الآية بعد ذكر تلك الآية تكريراً لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز .
( والجواب ) أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله ( الطلاق مرتان فامساك
بمعروف أو تسريح بإِحسان ) على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، وإنما المشروع هو
التفريق ، فهذا السؤال ساقط عنهم ، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق ، وهذه
الآية في بيان كيفية الرجعة ، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على
كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم ، ولهم أن يقولوا : إن من ذكر حكماً يتناول صوراً
كثيرة ، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم
العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى ، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الإهتمام
ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله ( الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح
باحسان ) فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين ، وأما في هذه الآية ففيه بيان
أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية

١١٧
قوله تعالى: (( ولا تمسكوهن ضراراً)) سورة البقرة
أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا
الوقت ، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها ، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى
تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه
الصورة تنبيهاً على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالا على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف
عنها .
﴿ المسألة الثانية) قوله (فأمسكوهن بمعروف) إشارة إلى المراجعة واختلف العلماء في
كيفية المراجعة ، فقال الشافعي رضي الله عنه : لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام ، لم تكن
الرجعة إلا بكلام ، وقال أبو حنيفة والثوري رضي الله عنهما : تصح الرجعة بالوطء ، وقال
مالك رضي الله عنه : إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا.
حجة الشافعي رضي الله عنه ما روى أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته وهي
حائض فسأل عمر رسول الله ◌َّر عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ((مره فليراجعها ثم
ليمسكها)) حتى تطهر أمره النبي وَ له بالمراجعة مطلقاً، وقيل : درجات الأمر الجواز فنقول:
إنه كان مأذوناً بالمراجعة في زمان الحيض ، وما كان مأذوناً بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا
يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال ( فأمسكوهن بمعروف)
أمر بمجرد الإمساك ، وإذا وطئها فقد أمسكها ، فوجب أن يكون كافياً ، أما الشافعي رضي
الله تعالى عنه فانه لما قال : إنه لا بد من الكلام ، فظاهر مذهبه أن الاشهاد على الرجعة
مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وقال في الإملاء : هو واجب ،
وهو اختيار محمد بن جرير الطبري ، والحجة فيه قوله تعالى ( فأمسكوهن بمعروف) ولا يكون
معروفاً إلا إذا عرفه الغير، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد ، فوجب أن يكون
عرفان الشاهد واجباً وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم.
المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول: إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة ،
وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة .
( والجواب من وجهين) ( أحدهما ) المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس
البلوغ ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، وهو كقول
الرجل إذا قارب البلد : قد بلغنا ( الثاني ) أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو
آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة فيه ، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة ، وعلى هذا
التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز.

١١٨
قوله تعالى: ((ولا تمسكوهن ضراراً)) سورة البقرة
أما قوله تعالى ( ولا تمسكوهن ضراراً) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: لا فرق بين أن يقول( فأمسکوهن بمعروف) وبین
قوله ( ولا تمسكوهن ضراراً ) لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار؟.
( والجواب ) الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة ، فلا يتناول كل الأوقات ، أما النهي فانه
يتناول كل الأوقات ، فلعله يمسكها بمعروف في الحال ، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان
المستقبل ، فلما قال تعالى (ولا تمسكوهن ضراراً) اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات.
المسألة الثانية﴾ قال القفال: الضرار هو المضارة قال تعالى (والذين اتخذوا مسجداً
ضراراً ) أي اتخذوا المسجد ضراراً ليضاروا المؤمنين ، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الالفة
وإيقاع الوحشة ، وموجبات النفرة ، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها ( أحدها ) ما
روى أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها ، فاذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها ، وهكذا
يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر ( والثاني ) في تفسير الضرار سوء العشرة
( والثالث ) تضييق النفقة ، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن
تختلع المرأة منه بمالها.
أما قوله تعالى ( لتعتدوا) ففيه وجهان ( الأول ) المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين ،
يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) أي
فكان لهم وهي لام العاقبة ( والثاني ) أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء
عليهن ، فحينئذ تصيرون عصاة الله ، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية ، ولا شك
أن هذا أعظم أنواع المعاصي.
أما قوله تعالى ( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) ففيه وجوه ( أحدها) ظلم نفسه
بتعريضها لعذاب الله ( وثانيها ) ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين ، أما منافع
الدنيا فانه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا في معاملته
أحد ، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على
الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه.
أما قوله تعالى ( ولا تتخذوا آيات الله هزوا) ففيه وجوه ( الأول ) أن من نسي فلم يفعله
بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر ، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به ،
فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ، ثم وصلت إليه هذه التكاليف
التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها ، كان كالمستهزىء

١١٩
قوله تعالى: ((وإذا طلقتم النساء)) سورة البقرة .
وَ إِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنْكِحْنَ أَزْ وَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ
بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوِفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكُمْ
أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلُونَ.
بها ، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة ( وثانيها ) المراد : ولا تتسامحوا في تكاليف الله
كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث ( والثالث ) قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق
في الجاهلية ، ويقول : طلقت وأنا لاعب ، ويعتق وينكح ، ويقول مثل ذلك ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية، فقرأها رسول الله عليه، وقال ((من طلق، أو حرر، أو نكح ، فزعم أنه
لاعب فهو جد)) (والرابع) قال عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو
على مثله ، کان کالمستهزىء بآيات الله تعالى ، والأقرب هو الوجه الأول ، لأن قوله ( ولا
تتخذوا آيات الله هزوا) تهديد ، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهدیداً
على تركها ، لا على شيء آخر غيرها . واعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من
التهديد ، رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم ، فبدأ أولا بذكرها على سبيل
الإجمال فقال ( واذكروا نعمة الله عليكم ) وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي
الدين ، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين ، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا ،
فقال ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب
والحكمة ليعظكم به ، ثم قال ( واتقوا الله) أي في أوامره كلها ، ولا تخالفوه في نواهيه
( واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) .
قوله تعالى ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا
تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر
والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ .
اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق ، وهو حكم المرأة المطلقة بعد
انقضاء العدة وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في سبب نزول الآية وجهان ( الأول ) روى أن معقل بن يسار زوج
أخته جميل بن عبد الله بن عاصم ، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فجاء يخطبها
لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته وجهي من وجهك

١٢٠
قوله تعالى: ((واذا طلقتم النساء))، سورة البقرة
حرام إن راجعتيه فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعارسول الله وَ ل﴿ معقل بن يسار وتلا عليه هذه
الآية فقال معقل : رغم أنفي لأمر ربي ، اللهم رضيت وسلمت لأمرك ، وأنكح أخته زوجها
(والثاني ) روى عن مجاهد والسدى أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها
وأراد رجعتها بعد العدة فأبي جابر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكان جابر يقول في نزلت
هذه الآية .
المسألة الثانية﴾ العضل المنع، يقال: عضل فلان ابنته، إذا منعها من التزوج،
فهو يعضلها ويعضلها ، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش .
كرائم قد عضلن عن النكاح
وإن قصائدي لك فاصطنعني
وأصل العضل في اللغة الضيق ، يقال : عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها ،
وكذلك عضلت الشاة ، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم ، قال أوس بن
حجر :
معضلة منا بجيش عرمرم
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة
وأعضل المريض الأطباء أي أعياهم ، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة
منشؤها منها ، ويقال : داء عضال ، للأمر إذا اشتد ، ومنه قول أوس :
يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا
وليس أخوك الدائم العهد بالذي
وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
ولكنه النائي إذا كنت آمنا
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف المفسرون في أن قوله ( فلا تعضلوهن ) خطاب لمن ؟ فقال
الأكثرون إنه خطاب للأولياء ، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج ، وهذا هو المختار ، الذي
يدل عليه أن قوله تعالى ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ) جملة واحدة مركبة
من شرط وجزاء ، فالشرط قوله ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) والجزاء قوله ( فلا
تعضلوهن) ولا شك أن الشرط وهو قوله (وإذا طلقتم النساء ) خطاب مع الأزواج ، فوجب
أن يكون الجزاء وهو قوله ( فلا تعضلوهن) خطاباً معهم أيضاً ، إذ لولم يكن كذلك لصار
تقدير الآية : إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحينئذ لا يكون بين
الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلا وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله
واجب ، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول ، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين ( الأول ) أن
من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج ، والبتة ما جرى للأولياء
ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم ( والثاني ) ما قبل هذه الآية خطاب