النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة البقرة قوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله)) الآية. لَُّؤَاخِذُ كُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِىَ أَتْمَئِكُمْ وَلَنْكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَهُ تَفُورُ حَلِيمٌ ٢٥ فإن قيل : وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ . قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحلف ، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله ، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته ، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه . التأويل الثاني ﴾ قالوا : العرضة عبارة عن المانع ، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال : أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا ، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور ويقال : اعترض فلان علی کلام فلان ، وجعل كلامه معارضاً لكلام آخر ، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه ، إذا عرفت أصل الإِشتقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول ، كالقبضة ، والغرفة ، فيكون اسماً لما يجعل معرضاً دون الشيء ، ومانعاً منه ، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع ، وأما اللام في قوله ( لإِيمانكم ) فهو للتعليل . إذا عرفت هذا فنقول : تقدير الآية : ولا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا ، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره ، قالوا : وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: لا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر ، ولكن لا فائدة فيها فتركناها ، ثم قال في آخر الآية ( والله سميع عليم) أي : إن حلفتم يسمع ، وإن تركتم الحلف تعظيماً لله وإجلالاً له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأعراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم . ٠٠ قوله تعالى ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ﴾ . ٦٢٠١٢ ٨٢ قوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله)) سورة البقرة في الآية مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ (اللغو) الساقط الذي لا يعتد به ، سواء كان كلاماً أو غيره ، أما ورود هذه اللفظة في الكلام ، فيدل عليه الآية والخبر والرواية ، أما الآية فقوله تعالى ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) وقوله ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثياً) وقوله ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) وقوله ( لا تسمع فيها لاغية ) ( أما قوله وإذا مروا باللغوا مروا كراماً) فيحتمل أن يكون المراد ، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغواً، وأن يكون المراد ، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغواً . وأما الخبر فقوله وي ليه((من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا)). وأما الرواية فيقال : لغا الطائر يلغو لغواً إذا صوت ، ولغوا الطائر تصويته ، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام ، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل : لغو ، قال جرير : بيوت المجد أربعة كباراً يعد الناسبون بني تميم كما ألغيت في الدية الحوارا وتخرج منهم المرئي لغواً وقال العجاج : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم قال الفراء : اللغا ، مصدر للغيت ، و( اللغو) مصدر للغوت ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً (الأول ) قال الشافعي رضي الله عنه : إنه قول العرب : لا والله ، وبلى والله، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا والله ألف مرة ( والثاني ) وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو ، وفائدة هذا الإختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة ، والشعبي ، وعكرمة ، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والنخعي والزهري ، وسليمان بن يسار ، وقتادة ، والسدي ، ومكحول ، حجة الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه (الأول) ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي و طل أنه قال ((لغو اليمين قول الرجل في ٠٠ ٨٣ قوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله)) سورة البقرة كلامه كلا والله، وبلى والله، ولا والله)) وروى أنه مل# مر بقوم ينتضلون ، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم ، فقال : أصبت والله ، ثم أخطأ ، ثم قال الذي مع النبي ◌َلقّ: حنث الرجل يا رسول الله، فقال : ((كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة)) وعن عائشة أنها قالت : أيمان اللغوما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب ، وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة . ﴿ الحجة الثانية ) أن قوله ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب ، ولكن المراد من قوله ( بما كسبت قلوبكم ) هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد ، ولا يربط قلبه به ، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام : لا والله بلى والله ، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلاً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك ، فلم يكن ذلك لغواً البتة بل كان ذلك حاصلاً بكسب القلب . الحجة الثالثة﴾ أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد : لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف، فذكر تعالى عقیب قوله ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين ، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه . ﴿ الحجة الأولى﴾ قوله ◌َله((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه )) الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل . ﴿ الحجة الثانية) أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق ، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس : لا والله بلى والله ، إذا حصل : ٨٤ قوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله)). سورة البقرة الحنث ، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي ، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة ، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين ، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلاً للتقوية ، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل ، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية البتة ، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها ، والخالي عن المطلوب يكون لغواً، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي ، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية ، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغواً . القول الثالث ﴾ في تفسير يمين اللغو: هو أنه إذا حلف على ترك طاعة . أو فعل معصية ، فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية . قال تعالى ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ، ثم قال ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية ، قالوا : وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر )) وهذا التأويل ضعيف من وجهين (الأول) هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة ، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة ( الثاني ) أنه تعالى جعل المقابل للغوهو كسب القلب ، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الإستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب . القول الرابع ﴾ في تفسير يمين اللغو: أنها اليمين المكفرة سميت لغواً لأن الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم ، وهذا قول الضحاك . ﴿ القول الخامس) وهو قول القاضى: أن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس ، قال : إنه تعالى ذكر ههنا ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) ، وقال في آية ٨٥ قوله تعالى: (( للذين يؤلون من نسائهم )) الآية . سورة البقرة لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن ◌ِّسَاءِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن ◌َاءُ وفَإِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٧ وَإِنْ عَزَمُوْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ المائدة ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل ، فلما ذكرههنا قوله ( بما كسبت قلوبكم ) علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب ، وأيضاً ذكر المؤاخذة ههنا ، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي ، وبينها في آية المائدة بقوله (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) فبين أن المؤاخذة هي الكفارة ، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه ، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب ، فالكفارة واجبة فيها ، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها . أما قوله تعالى ( والله غفور رحيم ) فقد علمت أن : الغفور ، مبالغة في ستر الذنوب ، وفي إسقاط عقوبتها ، وأما : الحليم ، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون ، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال ، أي على أشدها تؤدة في السير ، ومنه الحلم لأنه یری في حال السكون ، وحلمة الثدي ، ومعنى : الحليم ، في صفة الله : الذي لا يعجل بالعقوبة ، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار الحكم العاشر فيما يتعلق بالإيلاء والطلاق قوله تعالى ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ . في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ آلى يؤالى إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي انتلاء، والإِسم منه ألية وألوة ، كلاهما بالتشديد ، وحكى أبو عبيدة الوة وألوة والوة ثلاث لغات ، وبالجملة فالألية والقسم واليمين ، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد ، وفي الحديث حكاية عن الله ٨٦ قوله تعالى: ((تربص أربعة أشهر)) سورة البقرة تعالی (« آلیت أفعل خلاف المقدرین » وقال کثیر : فإن سبقت منه الآلية برت قليل الألايا حافظ ليمينه هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء ، كما إذا قال: والله لا أجامعك، ولا أباضعك، ولا أقربك، ومن المفسرين من قال : في الآية حذف تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم ، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه ، وأنا أقول: هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي ، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار . ﴿ المسألة الثانية ﴾ روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً قال سعيد بن المسيب : کان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً ، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها . المسألة الثالثة﴾ قرأ عبد الله ( آلوا من نسائهم) وقرا ابن عباس رضي الله عنهما ( يقسمون من نسائهم ) . أما قوله ( من نسائهم ) ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة (على ) ههنا بلفظة ( من ) ؟ . ( والجواب من وجهين) ( الأول) أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كما يقال : لي منك كذا ( والثاني ) أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين . أما قوله تعالى ( تربص أربعة أشهر ) فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصاً ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله کثیر . أما قوله ( فان فاءوا ) فمعناه فان رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشى ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان ٨٧ قوله تعالى: ((فإن الله غفور رحيم)) سورة البَقَرة بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فىء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى ( وظل ممدود ) وأنشدوا : ولا الفيء من برد العشى يذوق فلا الظل من برد الضحى يستطيعه وقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل: لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله ( فإن فاءوا ) معناه فان رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ( فإن الله غفور رحيم ) للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين . أما قوله تعالى (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً ، وقال الليث : طلقت بضم اللام، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالا في الشرع ، وأصله من الإنطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن انطلاق : المرأة ، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية : أما الأحكام فكثيرة ونذكر ها ههنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل : المسألة الأولى﴾ كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبراً في الشرع ، فانه يصح منه الإيلاء، وهذا القيد معتبر طرداً وعكساً، أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه، ويتفرع عليه أحكام (الأول) يصح إيلاء الذمى، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم . - الحكم الثاني ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين ، أو أحدهما كان حراً والآخر رقيقاً ، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق، إلا أن عند أبي حنيفة تتصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل ، کما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالی ( للذین یؤلون من نسائهم) يتناول الكل ، والتخصيص خلاف الظاهر ، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع ، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق ، كالحيض ، ومدة الرضاع ومدة العنة . ٨٨ قوله تعالى: ((وأن عزموا الطلاق))، سورة البقرة الحكم الثالث﴾ يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية . ﴿ الحكم الرابع﴾ يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح ، أو كانت مطلقة طلقة رجعية ، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه ، بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق ، وقع الطلاق عليها ، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله ( للذين يؤولون من نسائهم ) . أما عكس هذه القضية ، وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه ، ففيه حكمان : ﴿ الحكم الأول﴾ إيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كما يجامع الفحل ، إنما المفقود في حقه الا يزال وذلك لا أثر له ولأنه داخل تحت عموم الآية . ﴿ الحكم الثاني﴾ المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان (أحدهما ) أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه (والثاني ) أنه يصح لعموم هذه الآية ، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه . القيد الثاني ﴾ أن يكو زوجاً، فلو قال لأجنبية: والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤلياً لأن قوله تعالى ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم ، كقوله (لكم دينكم ولي دين ) أي لكم لا لغيركم . ﴿ المسألة الثانية﴾ المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره ، فإن كان بالله كان مولياً ، ثم إن جامعها في مدة الايلاء فرج عن الإيلاء ، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين ، والقديم أنه إذا فاء بعد مضى المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه ، حجة القول : والله لا أقربك ثم يقربها ، وبين أن يقول : والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى ( فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ) الإستدلال به من وجهين ( أحدهما ) أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله ههنا ، لأن الحاجة ههنا داعية إلى معرفتها ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ( والثاني ) أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله ( فإن فاءوا فان الله غفور رحيم ) والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله ي ليه في سائر المواضع. ٨٩ قوله تعالى: ((فإن الله غفور رحيم، سورة البَقَرة أما قوله ( غفور رحيم ) فهو يدل على عدم العقاب، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل ، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص ، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال : إن وطئتك فعبدي حر ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو ألزم أمراً في الذمة ، فقال : إن وطئتك فالله علي عتق رقبة ، أو صدقة ، أو صوم ، أو حج ، أو صلاة ، فهل يكون مولياً للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : قال في القديم : لا يكون مولياً ، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الاپلاء معهود في الجاهلية ، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله ، وأيضاً روى أنه * قال: من حلف فليحلف بالله فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله ، وقال في الجديد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون مولياً لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل ، وعلق القولين فيمينه منعقدة فان كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً ، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق ، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج ، وفيه أقوال أحثها أن عليه كفارة اليمين ( الثاني ) عليه الوفاء بما سمي ، ( والثالث ) أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بماسمي ، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا أنه يكون مولياً فبعد مضى أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون مولياً لا يضيق عليه الأمر . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في مقدار مدة الاپلاء على أقوال( فالأول ) قول ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً (والثاني) قول الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً ، وهذان المذهبان في غاية التباعد ( والثالث ) قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فما زاد ( والرابع) قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقاً للزوج ، فاذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعند أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي من وجوه : ﴿ الحجة الأولى﴾ أن الفاء في قوله ( فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخياً عن انقضاء الأربعة أشهر . فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله ( فان فاؤا ، وإن عزموا الطلاق ) تفصيل لقوله ( الذين يؤلون من نسائهم ) والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول : أنا أنزل عندكم هذا ٩٠ قوله تعالى: ((وأن عزموا الطلاق)) ، سورة البقرة الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم . قلنا : هذا ضعيف لأن قوله ( ( للذين يؤلوا من نسائهم تربص ) هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله ( فإن فاؤا) ورد عقيب ذكرهما ، فيكون هذا الحكم مشروعاً عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله ؛ أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعاً عقيب هذين الأمرين ، وهذا كلام ظاهر . الحجة الثانية) الشافعي رضي الله عنه أن قوله (وإن عزموا الطلاق ) صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج ، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بايقاع الزوج . فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه . فالمراد من قوله (وإن عزموا الطلاق ) الإيلاء المتقدم . قلنا : هذا بعيد لأن قوله ( وإن عزموا الطلاق ) لا بد وأن يكون معناه : وإن عزم الذين يؤلون الطلاق ، فجعل المؤلى عازماً ، وهذا يقتضى أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطلاق فهو متعلق العزم ، ومتعلق العزم متأخر عن العزم ، فإذاً الطلاق متأخر عن العزم لا محالة ، والإيلاء إما أن يكون مقارناً للعزم أو متقدماً ، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر . الحجة الثالثة ) أن قوله تعالى (وإن عزموا الطلاق فان الله سميع عليم ) يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعاً ، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فان عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء . قلنا هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء ، وهو كلام غيره حتى يكون ( فإن الله سميع عليم ) تهديداً عليه . ﴿ الحجة الرابعة) أن قوله تعالى ( فان فاؤا، وإن عزموا) ظاهره التخيير بين الأمرين ، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحداً ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك . ٩١ قوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن)) الآية . سورة البقرة وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِنَّ ثَلَاثَةَ فُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَاخَلَقَ الَّهُ فِىّ ارحامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴿ الحجة الخامسة﴾ أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقداراً معلوماً من الزمان ، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة ، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيراً ، فأما ترك الجماع زماناً طويلاً فلا يكون إلا عند قصد المضارة ، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمراً غير مضبوط ، بين تعالى حداً فاصلاً بين القصير والطويل ، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة ، وذلك لا يوجب البتة وقوع الطلاق ، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبدالله بن مسعود قرأ ، فإن فاؤا فيهن . ( والجواب الصحيح ) أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة ، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن ، وأيضاً فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة ، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها . الحكم الحادي عشر في الطلاق قوله تعالى ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ . اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاماً كثيرة للطلاق : ﴿ فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة ﴾ اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها ، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة ، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة ، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع ، والعدة غير واجبة عليها ٩٢ قوله تعالى: ((والمطلقات)) سورة البقرة بالإجماع ، وأما المنکوحة فهي إما أن تكون مدخولاً بها أو لا تكون ، فإن لم تکن مدخولاً بها لم تجب العدة عليها ، قال الله تعالى ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) وأما إن كانت مدخولاً بها فهي إما أن تكون حائلاً أو حاملاً، فإن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وأما إن كانت حائلاً فإما أن يكون الحيض ممكناً في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط ، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء ، قال الله تعالى ( واللائي يئسن من المحيض ) وأما إذا كان الحيض في حقها ممكناً فاما أن تكون رقيقة ، وإما أن تكون حرة ، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة ، أما إذا كانت المرأة منكوحة ، وكانت مطلقة بعد الدخول ، وكانت حائلاً ، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة ، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة باطلاق لفظ الكل على الغالب ، يقال في الثوب : إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد ، أو حصل فيه بياض قليل ، فأما إذا كان الغالب عليه البياض ، وكان السواد قليلاً، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذباً ، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصاً أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر ، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسماً واحداً ، فاطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى . ( والجواب ) أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها : إنها مطلقة ، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم ، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل ، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالاقراء إنما يكون حيث تحصل الاقراء ، وهذان القسمان لم تحصل الاقراء في حقهما ، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم . ﴿ السؤال الثاني ﴾ قوله ( يتربصن ) لا شك أنه خبر ، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر . ( والجواب من وجهين ) ( الأول ) أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار ، وعلى هذا التقدير فلومات الزوج ولم ٩٣ قوله تعالى: ((والمطلقات)) سورة البقرة تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافياً في المقصود ، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم ، وعرف أنه مهما انقضت هذه العدة حصل المقصود ، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب ( الثاني ) قال صاحب الكشاف: التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر اشعاراً بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى إمتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونظيره قولهم في الدعاء : رحمك الله أخرج في صوره الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها . ﴿ السؤال الثالث﴾ لوقال يتربص المطلقات: لكان ذلك جملة من فعل وفاعل ، فما الحكمة في ترك ذلك ، وجعل المطلقات مبتدأ ، ثم قوله ( يتربصن ) إسناد الفعل إلى الفاعل ، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المبتدأ . ( الجواب ) قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب دلائل الإعجاز: إنك إذا قدمت الاسم فقلت : زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك : فعل زيد، وذلك لأن قولك : زيد فعل يستعمل في أمرين ( أحدهما ) أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل ، كقولك : أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان ، والمراد دعوى الإنسان الانفراد ( الثاني ) أن لا يكون المقصود ذلك ، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل ، كقولهم : هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى ( والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ) ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى ( وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ) وقول الشاعر : هما يلبسان المجد أحسن لبسة شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت : عبدالله ، فقد أشعرت بأنك تريد الاخبار عنه ، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة . ﴿ السؤال الرابع﴾ هلاقيل: يتربصن ثلاثة قروء كما قيل ( تربص أربعة أشهر) وما الفائدة في ذكر الأنفس . ( الجواب ) في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن ٩٤ قوله تعالى: ((والمطلقات)). سورة البقرة منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص . ﴿ السؤال الخامس﴾ لفظ (أنفس ) جمع قلة ، مع أنهن نفوس كثيرة ، والقروء جمع كثرة ، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة . ( والجواب ) أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في معنى الجمعية ، أولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الإقراء . ﴿ السؤال السادس﴾ لم لم يقل: ثلاث قروء، كما يقال : ثلاثة حيض. ( الجواب ) لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية وبقي من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة القروء ، فنقول : القروء جمع قرء وقرء ، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر ، قال أبو عبيدة : الاقراء من الأضداد في كلام العرب ، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعاً ، وقال آخرون إنه حقيقة في الحيض ، مجاز في الطهر ، ومنهم من عكس الأمر ، وقال قائلون : إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر ، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال ( فالأول ) أن القرء هو الاجتماع ، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم ، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي . والقول الثاني ﴾ وهو قول أبي عبيد: أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة . والقول الثالث﴾ وهو قول أبي عمرة بن العلاء: أن القرء هو الوقت، يقال : أقرأت النجوم إذا طلعت ، وأقرأت إذا أفلت ، ويقال : هذا قارىء الرياح لوقت هبوبها ، وأنشدوا للهذلي : إذا هبت لقارئها الرياح وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر، لأن لكل واحد منهما وقتاً معيناً ، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء ، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك ، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين ، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار ، روى ذلك عن ابن عمر ، وزيد ، وعائشة ، والفقهاء السبعة ، ومالك ، وربيعة ، وأحمد رضى الله عنهم في رواية ، وقال علي وعمر وابن مسعود : ٩٥ قوله تعالى: ((والمطلقات»، سورة البقرة هي الحيض ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وإسحاق رضي الله عنهم ، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر ، وعندهم أطول ، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال ، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر ، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض، لا يحكم بانقضاء عدتها ، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضى عليها وقت صلاة ، حجة الشافعي من وجوه : ﴿ الحجة الأولى ﴾ قوله تعالى ( فطلقوهن لعدتهن) ومعناه في وقت عدتهن ، لكن الطلاق في زمان الحيض منهى عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض ، أجاب صاحب الكشاف عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن ، كما يقول لثلاث بقين من الشهر ، يريد مستقبلاً لثلاث ، وأقول هذا الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبة ، فكذا ههنا قوله ( فطلقوهن لعدتهن ) معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه ، ولما كان الأمر حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة ، وذلك هو المطلوب . ﴿ الحجة الثانية﴾ ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : والنساء بهذا أعلم ، لأن هذا إنما يبتلي به النساء . ﴿ الحجة الثالثة﴾ (القرء) عبارة عن الجمع، يقال: ما قرأت الناقة نسلاً قط، أي ما جمعت في رحمها ولداً قط ومنه قول عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا وقال الأخفش يقال : ما قرأت حيضة ، أي ما ضمت رحمها على حيضة ، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء ، وأقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب ، وسمي القرآن قرآناً لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه، وقرأ القارىء أي جمع الحروف بعضها إلى بعض . إذا ثبت هذا فنقول ، وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك ٩٦ قوله تعالى: ((والمطلقات.)) سورة البقرة الزمان في البدن . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم ، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم . قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم البتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم ، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً في الدم آخر الطهر ، إذ لو لم تمتلىء بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج ، فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره ، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين . الحجة الثالثة﴾ أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه ، وهو أقل ما يسمى بالاقراء الثلاثة وهي الأطهار ، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض ، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع . ﴿ الحجة الرابعة﴾ أن ظاهر قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) يقتضى أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة ، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم ، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير ، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض ، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة ، أو بالمدة الزائدة، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل ، وكل ما كان كذلك لم يكن واجباً فإذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب وذلك يقتضي أن لا يكون الاعتداد بمدة الحيض واجباً وهو المطلوب ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه ( الأول ) أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض ، لما روى عن النبي وَ لقر أنه قال ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى . ﴿ الحجة الثانية﴾ أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكما لها لأن هذا القائل يقول : إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض ، وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ومن قال : إنه طهر يجعلها خارجة من العدة بقرأين وبعض الثالث ، لأن عنده ٩٧ قوله تعالى: ((والمطلقات)) سورة البقرة إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك قرءاً فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان القول الأول أليق بالظاهر ، أجاب الشافعي رضي الله عنه عن ذلك أن الله قال ( الحج أشهر معلومات ) والأشهر جمع وأقله ثلاثة ، ثم إنا جملنا الآية على شهرين وبعض الثالث ، وذلك هو شوال ، وذو القعدة ، وبعض ذو الحجة ، فكذا ههنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر ، أجاب الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين ( الأول) أنا تركنا الظاهر في تلك الآية لدليل ، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر ههنا من غير دليل ( والثاني ) أن في العدة تربصاً متصلاً، فلا بد من استيفاء الثلاثة وليس كذلك أشهر الحج ، لأنه ليس فيها فعل متصل ، فكأنه قيل : هذه الأشهر وقت الحج لا على سبيل الاستغراق ، وأجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من وجهين ( الأول ) كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة ، فحمله على الحيض يوجب الزيادة ، لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة وعذرهم عنه أن هذه لا بد من تحملها لأجل الضرورة ، لأنه لو جاز الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة ، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة متحملة للضرورة ، فنحن أيضاً نقول : لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار ، والله تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر ، صار تقدير الآية يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار طهر الطلاق فيه . ﴿ والوجه الثاني﴾ في الجواب أنا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءاً تاماً، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء . ﴿ الحجة الثالثة﴾ لهم: أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضاً لما كانت الأشهر شرعت بدلاً عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضاً أن يكون الكمال معتبراً في المبدل ، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض ، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض . ﴿الحجة الرابعة﴾ لهم: قوله ◌َل} ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)) وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض . ﴿ الحجة الخامسة) أجمعنا على أن الأستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد . ٦٣-٧٢ ٩٨ قوله تعالى: ((ولا يحل لهن)) سورة البقرة ﴿ الحجة السادسة﴾ لهم: أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر . ﴿ الحجة السابعة﴾ لهم : أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة ، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فان جعلنا القرء هو الحيض ، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها ، وإن جعلنا القرء طهراً ، فحينئذ يحل للغير التزوج بها، وجانب التحريم أولى بالرعاية، لقوله ويليه((ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال)) ولأن الأصل في الابضاع الخرمة ، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى لقوله وَس* ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) فهذا جملة الوجوه في هذا الباب. " واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ویکون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه . أما قوله تعالى ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذراً جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوماً وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة فحاضت بعد ساعة ، ثم حاضت يوماً وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر ، مرة أخرى يوماً وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً ، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها . وأعلم أن للمفسرين في قوله ( ما خلق الله في أرحامهن ) ثلاثة أقوال ( الأول ) أنه الحبل والحيض معاً ، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما ، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زماناً من انقضاء عدتها بوضع الحمل ، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة ، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول ، وربما أحبت التزوج بزوج آخر ، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني ، فلهذه الأغراض تكتم الحبل ، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول ، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ، ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت أولا فكتمته ، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة ، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت ٩٩ قوله تعالى: ((وبعولتهن)) الآية . سورة البقرة وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ ◌ِرَدِّمِنَّ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَئِحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِ جَالٍ عَيْنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (2) فكمثل ، وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها ، فثبت أنه كما أن لها غرضاً في كتمان الحبل ، فكذلك في كتمان الحيض ، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين . القول الثاني ﴾ أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط، واحتجوا عليه بوجوه ( أحدها ) قوله تعالى (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) ( وثانيها ) أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم ( وثالثها ) أن حمل قوله تعالى ( ما خلق الله في أرحامهن ) على الولد الذي هو جوهر شريف، أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر ، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة ، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها ، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح ، فوجب حمل اللفظ على الكل . ﴿ القول الثالث﴾ المراد هو النهي عن كتمان الحيض ، لأن هذه الآية وردت عقيب ذکر الاقراء ، ولم يتقدم ذكر الحمل ، وهذا أيضاً ضعيف، لأن قوله ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يضاف إلى ما تقدم ، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم . أما قوله تعالى ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمناً فلا تظلم ، تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء ، وهو كما قال في الشهادة ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) وقال ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه ) والآية دالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد . قوله تعالى ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ﴾ . اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية ، وفي البعولة قولان ( أحدهما ) أنه جمع بعل ، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة ، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ١٠٠ قوله تعالى: ((وبعولتهن أحق بردهن)). سورة البَقَرة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب ، فلا يقال في كعب : كعوبة ، ولا في كلب : كلابة ، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال وللمرأة بعلة ، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات ، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان ، كما أنهما زوجان ، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل ، يقال : من بعل هذه الناقة ؟ كما يقال : من ربها ، وبعل اسم صنم كانوا يتخذونه رباً ، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد . ﴿ القول الثاني﴾ أن البعولة مصدر، يقال: بعل الرجل يبعل بعولة، إذا صار بعلا، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وفي الحديث أن النبي وت سير قال في أيام التشريق (( أنها أيام أكل وشرب وبعال )) وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها ، ومنه الحديث ((إذا أحسنتن ببعل أزواجكن)) وعلى هذا الوجه كان معنى الآية : وأهل بعولتهن. وأما قوله ( أحق بردهن في ذلك ) فالمعنى : أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص وههنا سؤالات . السؤال الأول﴾ ما فائدة قوله (أحق) مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك. ( الجواب من وجهين ) ( الأول) أنه تعالى قال قبل هذه الآية ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) كان تقدير الكلام : فانهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر ، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن ، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ، فبين أن الزوج الأول أحق منه ، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة (الثاني) إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول ( وبعولتهن أحق ) من حيث أن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة. ﴿ السؤال الثاني ﴾ ما معنى الرد؟ ( الجواب ) يقال : رددته أي رجعته قال تعالى في موضع ( ولئن رددت إلى ربي ) وفي موضع آخر ( ولئن رجعت ) . السؤال الثالث﴾ ما معنى الرد في المطلقة الرجعية؟ وهي ما دامت في العدة فهي زوجته کما کانت. ( الجواب ) أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة فهي ما دامت في العدة كأنها كانت جارية في إبطال حق الزوج وبالرجعة يبطل ذلك ، فلا جرم سميت الرجعة رداً، لا سيما ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة ، ففي الرد :