النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) سورة البقرة
الكتاب وبين المشركين في الذكر ، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم
المشرك ، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين
والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) وقال أيضاً ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا
المشركين ) وقال ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) ففي هذه الآيات فصل بين
القسمين وعطف أحدهما على الآخر ، وذلك يوجب التغاير .
( والجواب ) أن هذا مشكل بقوله تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن
نوح ) وبقوله تعالى ( من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) فان قالوا إنما خص
بالذكر تنبيهاً على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور ، قلنا : فههنا أيضاً إنما خص عبدة
الأوثان في هذه الآيات بهذا الإسم تنبيهاً على كمال درجتهم في هذا الكفر ، فهذا جملة ما في هذه
المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين
فقال قوم : وقوع هذا الإِسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون
بالشرك ، وقال الجبائي والقاضى هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية ، واحتجا على ذلك بأنه
قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافراً بالمشرك ،
وقد كان في الكفار من لا يثبت إلهاً أصلا أو كان شاكاً في وجوده ، أو كان شاكاً في وجود
الشريك، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكراً للبعث والقيامة ، فلا جرم كان منكراً للبعثة
والتكليف ، وما كان يعبد شيئاً من الأوثان ، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا
يقولون : إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم ، بل كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله
فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق
العالم وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من
الأسماء اللغوية ، بل من الأسماء الشرعية ، كالصلاة والزكاة وغيرهما ، وإذا كان كذلك وجب
اندراج كل كافر تحت هذا الإسم ، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق .
المسألة الرابعة ﴾ الذين قالوا : إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا : إن
قوله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات ) نهى عن نكاح الوثنية ، أما الذين قالوا : إن اسم المشرك
يتناول جميع الكفار قالوا : ظاهر قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركات) يدل على أنه لا يجوز نكاح
الكافرة أصلا ، سواء كانت من أهل الكتاب أولا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا
فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية ، وعن ابن عمر ومحمد بن
الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام ، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة
المائدة ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء
قط .

٦٢
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) سورة البَقَرة
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب؟.
قلنا : هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أولا أحل المحصنات من المؤمنات ، وهذا يدخل
فيه من آمن منهن بعد الكفر ، ومن كن على الإيمان من أول الأمر ، ولأن قوله ( من الذين
أوتوا الكتاب ) یفید حصول هذا الوصف في حال الإباحة ، وما يدل على جواز ذلك ماروی أن
الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات ، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك ، فكان هذا
إجماعاً على الجواز.
نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية ، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها ، فكتب
إليه : أتزعم أنها حرام؟ فقال : لا ولكنني أخاف.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله وي ليه ((نتزوج نساء أهل الكتاب ولا
يتزوجون نساءنا)) ويدل عليه أيضاً الخبر المشهور، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله
عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ناكحي
نسائهم ولا أكلي ذبائحهم)) ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الاستثناء عبثاً، واحتج
القائلون بأنه لا يجوز بأمور ( أولها) أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه فقوله ( ولا
تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) صريح في تحريم نكاح الكتابية ، والتخصيص والنسخ خلاف
الظاهر ، فوجب المصير إليه ، ثم قالوا : وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى
قال في آخر الآية ( أولئك يدعون إلى النار ) والوصف إذا ذكر عقيب الحكم ، وكان الوصف
مناسباً للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال : حرمت عليكم
نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية ، فوجب القطع بكونها
محرمة .
والحجة الثانية﴾ لهم : أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية
التحليل ، ووجه الاستدلال أن الأصل في الابضاع الحرمة ، فلما تعارض دليل الحرمة
تساقطا ، فوجب بقاء حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في
ملك اليمين ، فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي
ذكرناه فكذا ههنا .
و الحجة الثالثة ﴾ لهم: حكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس تحريم
أصناف النساء إلا المؤمنات ، واحتج بقوله تعالى ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) وإذا
كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها .
/

٦٣
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) أ سورة البقرة
﴿ الحجة الرابعة﴾ التمسك بأثر عمر: حكى أن طلحة نكح يهودية ، وحذيفة
نصرانية ، فغضب عمر رضى الله عنه عليهما غضباً شديداً ، فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين
فلا تغضب ، فقال : إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم .
أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال : اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم
المشرك فالإشكال عنه ساقط، ومن سلم ذلك قال : إن قوله تعالى (والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب ) أخص من هذه الآية ، فان صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله
( والمحصنات) ناسخاً ، وإن لم تثبت جعلناه مخصصاً، أقصى ما في الباب أن النسخ
والتخصيص خلاف الأصل ، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق
وجب المصير إليه ، أما قوله ثانياً أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار ، وهذا
المعنى قائم في الكتابية ، قلنا : الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة ، فلعل
الزوج يحبها ، ثم أنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذمية ،
لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة ، فلا يفضى حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة ، أما قوله ثالثاً
إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا ، فنقول : لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع ،
فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك
اليمين ، ؛ لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ،
فلم يحصل سبب الترجيح فيه .
أما قوله ههنا ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) أخص من قوله ( ولا تنكحوا
المشركات حتى يؤمن ) مطلقاً ، فوجب حصول الترجيح.
وأما التمسك بقوله تعالى ( فقد حبط عمله ) .
فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم لا يجوز الفرق
بينهما أيضاً في هذا الحكم؟.
وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال : ليس بحرام ، وإذا حصل التعارض سقط
الاستدلال والله أعلم.
﴿ المسألة الخامسة﴾ اتفق الكل على أن المراد من قوله (حتى يؤمن) الإقرار بالشهادة
والتزام احكام الإسلام ، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد
الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل الإيمان ههنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم ههنا
الإقرار ، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار ، واحتج أصحابنا على فساد هذا
المذهب بوجوه : ( أحدها ) أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) أن
الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ( وثانيها ) قوله تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم
٠

٦٤
قوله تعالى: ((ولعبد مؤمن )) سورة البقرة
الآخر وما هم بمؤمنين) ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفرار لكان قوله تعالى (وما هم
بمؤمنين ) كذبا ( وثالثها ) قوله ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا) ولو كان الإيمان عبارة عن
مجرد الإقرار لكان قوله ( قل لم تؤمنوا ) كذبا ، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق
الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب.
﴿ المسألة السادسة﴾ نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من
تزويج المشركات قال القاضي: كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان
على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة ، لأنه ثبت في أصول
الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين ، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل
نزول هذه الآية ثابتاً من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة .
أما قوله تعالى ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو مسلم: اللام في قوله (ولأمة) في إفادة التوكيد تشبه لام
القسم .
المسألة الثانية﴾ الخير هو النفع الحسن: والمعنى : أن الشركة لو كانت ثابتة في المال
والجمال والنسب ، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق بالدين والمال والجمال والنسب
متعلق بالدنيا والدين خير من الدنيا ولأن الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في
الدين تكمل المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد وعند
الإختلاف في الدين لا تحصل المحبة ، فلا يحصل شيء من منافع الدنيا من تلك المرأة ، وقال
بعضهم المراد ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة ، واعلم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لوجهين
( أحدهما ) أن اللفظ مطلق ( والثاني ) أن قوله ( ولو أعجبتكم) يدل على صفة الحرية ، لأن
التقدير : ولو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو حريتها أو نسبها ، فكل ذلك داخل تحت قوله
( ولو أعجبتكم ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الجبائي: إن الآية دالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له
التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة ، وذلك لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة
المشركة يجوز له التزوج بالأمة لكن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة
المسلمة لأن سبب التفاوت في الكفر والإيمان لا يتفاوت بقدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح ،
فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة ، وهذا استدلال لطيف في
هذه المسألة.

٦٥
قوله تعالى: ((ولعبد مؤمن)). سورة البَقَرة
المسألة الرابعة ) في الآية إشكال وهو أن قوله ولا تنكحوا المشركات ) يقتضي حرمة
نكاح المشركة ، ثم قوله ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) يقتضى جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة
أفعل تقتضي المشاركة في الصفة ولأحدهما مزية.
قلنا : نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا ، ونكاح المؤمنة مشتمل على منافع
الآخرة ، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعاً، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى ،
فاندفع السؤال والله علم.
أما قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل وأن
المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة.
وقوله ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ) فالكلام فيه على نحو ما تقدم.
أما قوله ( أولئك يدعون إلى النار ) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية نظير قوله (ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى
النار ) .
فان قيل : فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلا ، فكيف يدعون إليها .
وجوابه : أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها ( أحدها ) أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى
النار ، فان الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ذلك يوجب الموافقة في
المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإِسلام بسبب موافقة حبيبه.
فان قيل : احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافراً بسبب
الألفة والمحبة ، يحتمل أيضاً أن يصير الكافر مسلماً بسبب الألفة والمحبة ، وإذا تعارض
الإحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز .
قلنا : إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به
مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة ،
والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع ، وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي
مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على
جانب الإطلاق.
﴿ التأويل الثاني﴾ أن في الناس من حمل قوله (أولئك يدعون إلى النار ) أنهم يدعون
إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من
ج٠٢٠٦

٦٦
قوله تعالى: ((ويسألونك عن المحيض)) الآية. سورة البقرة
وَيَسْعَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأْتَزِلُواْ الْنِسَآءَ فِ الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَظْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُاللهُ إِنَّ لَّهَ يُحِبُّ الثَّوَّبِينَ وَيُحِبُ
اَلْمُتَطَهِّرِينَ
هذا التأويل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وبين غيرها ، فان الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة
فظهر الفرق .
التأويل الثالث ﴾ أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من
أهل النار، فهذا هو الدعوة إلى النار (والله يدعو إلى الجنة ) حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى
يكون الولد مسلماً من أهل الجنة.
أما قوله تعالى ( والله يدعو إلى الجنة والمغفرة باذنه ) ففيه قولان:
القول الأول﴾ أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل: أعداء الله
يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور
حول المشركات اللوائي هن أعداء الله تعالى ، وأن ينكح المؤمنات فانهن يدعون إلى الجنة
والمغفرة ( والثاني ) أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها ، قال ( والله
يدعوا إلى الجنة والمغفرة ) لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة.
أما قوله ( باذنه ) فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة ،
ونظيره قوله ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله ) وقوله ( وما كان لنفس أن تموت إلا باذن
الله) وقوله ( وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ) وقرأ الحسن ( والمغفرة باذنه ) بالرفع
أى والمغفرة حاصلة بتيسيره .
أما قوله تعالى ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) فمعناه ظاهر.
الحكم السابع
في المحیض
قوله تعالى ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن
حتى يطهرن فاذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾.

٦٧
قوله تعالى: (( ويسألونك عن المحيض)) سورة البقرة
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة، فذكر الثلاثة
الأول بغير الواو، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول
وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف ، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال
مبتدأ ، وسألوا عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع لذلك ، كأنه
قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا ، والسؤال عن كذا .
المسألة الثانية ﴾ روى أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال
حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن، ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا
حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت
كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن
فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فان آثرناهن بالثياب هلك
سائر أهل البيت، وأن استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة والسلام: إنما أمرتكم ان
تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن،، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم، فلما سمع
اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، ثم جاء عباد بن
بشیر، وأسید بن حضیر إلى رسول الله ټټ، فأخبراه بذلك وقالا : یا رسول الله أفلا ننکحهن في
المحيض؟ فتغير وجه رسول الله له حتى ظننا أنه غضب عليهما فقاما، فجاءته هدية من لبن،
فأرسل النبي ◌َّل إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أصل الحيض في اللغة السيل يقال: حاض السيل وفاض، قال
الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه، والعرب تدخل الواو
على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد.
إذا عرفت هذا فنقول: إن هذا البناء قد يجيء للموضع، كالمبيت، والمقيل، والمغيب، وقد
يجيء أيضاً بمعنى المصدر، يقال: حاضت محيضاً، وجاء مجيئًا، وبات مبيتاً، وحكي الواحدي في
البسيط عن ابن السكيت: إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة، نحو: كال يكيل، وحاض يحيض،
وأشباهه فان الإسم منه مکسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال ممالا، وهذا مميله يذهب بالکسر
إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً أو كسرهما في المصدر والاسم لجاز، تقول
العرب: المعاش والمعيش، والمغاب والمغيب، والمسار والمسير، فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في
موضع الحيض، وهو أيضاً اسم لنفس الحيض وإذا ثبت هذا فاعلم أن أكثر المفسرين من الأدباء
:

٦٨
قوله تعالى: ((قل هو اذى)) سورة البقرة
زعموا أن المراد بالمحيض ههنا الحيض، وعندی أنه ليس كذلك، إذ لو كان المراد بالمحيض ههنا
الحيض لكان قوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) معناه: فاعتزلوا النساء في الحيض، ويكون
المراد فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، فيكون ظاهره مانعاً من الإستمتاع بها فيما فوق السرة
ودون الركبة ولما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى الآية،
ومعلوم أن ذلك خلاف الأصل أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية:
فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، ويكون المعنى: فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، وعلى
هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص، ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركا بين
معنيين، وكان حمله على أحدهما يوجب محذورا وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فان حمل
اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور أولى، هذا إذا سلمنا أن لفظ المحيض مشترك بين
الموضع وبين المصدر، مع أنا نعلم أن استعمال هذا اللفظ في موضع أكثر وأشهر منه في
المصدر.
فان قيل: الدليل على أن المراد من المحيض الحيض أنه قال (هو أذى) أي المحيض
أذى، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صح هذا الوصف.
قلنا: بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض، فالحيض في نفسه ليس بأذى لأن
الحيض عبارة عن الدم المخصوص، والأذى كيفية مخصوصه، وهو عرض، والجسم لا يكون
نفس العرض، فلا بد وأن يقولوا: المراد منه أن الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك
فيجوز لنا أيضاً أن نقول: المراد أن ذلك الموضع ذو أذى، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد من
المحيض الأول هو الحيض، ومن المحيض الثاني موضع الحيض، وعلى هذا التقدير يزول ما
ذكرتم من الإشكال، فهذا ما عندي في هذا الموضع وبالله التوفيق.
أما قوله تعالى (قل هو أذى) فقال عطاء وقتادة والسدى: أي قذر، واعلم أن الأذى في
اللغة ما يكره من كل شيء وقوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) الاعتزال التنحي عن الشيء،
قدم ذكر العلة وهو الأذى، ثم رتب الحكم عليه، وهو وجوب الإعتزال.
فان قيل: ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة في
الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة.
قلنا: العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من
طريق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط،
فكان أذى وقذر، أما دم الاستحاضة فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر

٦٩
قوله تعالى: ((قل هو اذى)) سورة البَقَرة
في عمق الرحم فلا يكون أذى، هذا ما عندي في هذا الباب، وهو قاعدة طيبة، وبتقريرها
يتلخص ظاهر القرآن من الطعن والله أعلم بمراده.
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام
شرعية، أما الصفات الحقيقية فأمران (أحدهما) المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم، قال
تعالى (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) قيل في تفسيره: المراد منه الحيض
والحمل، وأما دم الاستحاضة، فانه لا يخرج من الرحم، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم،
قال عليه السلام في صفة دم الاستحاضة ((إنه دم عرق انفجر)) وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع
للنقض عن تعليل القرآن.
﴿ والنوع الثاني﴾ من صفات دم الحيض: الصفات التي وصف رسول الله وصل﴾ دم
الحيض بها (أحدها) أنه أسود (والثاني) أنه ثخين (والثالث) أنه محتدم وهو المحترق من شدة
حرارته (الرابعة) أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلانا (والخامسة) أن له رائحة كريهة بخلاف سائر
الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة (السادسة) أنه بحراني، وهو شديد الحمرة
وقيل: ما تحصل فيه كدورة تشبيها له بماء البحر، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية.
ثم من الناس من قال: دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفا بهذه
الصفات فهو دم الحيض، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل
بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض، فاذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف
التي كانت واجبة على ما كان، ومن الناس من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف،
فايجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضى عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً
مضبوطا متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء، ومتى
حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء،
والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع
من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن، وتصير المرأة به
بالغة، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية
علیه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه الله تعالى: أقلها
يوم وليلة، وأكثرها خمسة عشر يوما، وهذا قول علي بن ابي طالب وعطاء بن أبي رباح
والأوزاعي وأحمد وإسحق رضى الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام ولياليهن
٠٠

٧٠
قوله تعالى: ((قل هو اذى )) سورة البقرة
فان نقص عنه فهو دم فاسد، وأكثره عشرة أيام، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد
كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء: إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما، ثم تركه
وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة، فأن وجد ساعة فهو حيض، وإن وجد أياما
فكذلك، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال: لو كان المقدار
ساقطا في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا
يوجد في الدنيا مستحاضة، لأن كل ذلك الدم يكون حيضا على هذا المذهب وذلك باطل باجماع
الأمة، ولأنه روى أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي ◌ّه إني أستحاض فلا أطهر، وأيضاً
روى أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي وَي لهما إن جميع ذلك حيض، بل أخبرهما
أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة، فبطل هذا القول والله أعلم.
وأعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول: إنما يميز دم الحيض عن دم
الاستحاضة بالصفات التي ذكرها رسول الله وَل و لدم الحيض، فإذا علمنا ثبوتها حكمنا
بالحيض، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض، وإذا ترددنا في الأمرين كان طريان الحيض
مجهولا وبقاء التكليف الذي هو الأصل معلوم والمشكوك لا يعارض المعلوم، فلا جرم حكم ببقاء
التكاليف الأصلية، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زمان
معين، وحجة مالك من وجهين (الأول) أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين علامة دم
الحيض وصفته بقوله ((دم الحيض هو الاسود المحتدم)» فمتى كان الدم موصوفاً بهذه الصفة كان
الحيض حاصلا، فيدخل تحت قوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) وتحت قوله عليه السلام
نفاطمة بنت أبي حبيش ((إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة)).
﴿ الحجة الثانية﴾ أنه تعالى قال في دم الحيض (هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) ذكر
وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الإعتزال، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي
فيه، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللا بهذه المعاني فعند
حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملا بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل
التصريح، وعندي أن قول مالك قوى جداً، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة بوجهين:
﴿ الحجة الأولى﴾ أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه
عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فاذا وجد ذلك فقد حصل الحيض، فيدخل
تحت عموم قوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم
وليلة، وفي الأكثر من خمسة عشر يوما بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة، فوجب أن يبقى معمولا به
في هذه المدة.
:

٧١
قوله تعالى: ((قل هو أذى)) سورة البقرة
الحجة الثانية ﴾ للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه # لما وصف النسوان بنقصان
الدين، فسرذلك بأن قال: تمكث أحداهن شطر عمرها لا تصلي، وهذا يدل على أن الحيض قد
يكون خمسة عشر يوما، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضاً خمسة عشر يوما فيكون الحيض
نصف عمرها، ولو کان الحیض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها، أجاب
أبو بكر الرازي عنه من وجهين (الأول) أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض (والثاني) أنه
لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من
عمرها.
(والجواب عن الأول) أن الشطر هو النصف، يقال: شطرت الشيء أي جعلته نصفين،
ويقال في المثل: أجلب جلبا لك شطره، أي نصفه، وعن الثاني أن قوله عليه السلام ((تمكث
إحداهن شطر عمرها لا نصلي)) إنما يتناول زمان هي تصلي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان
البلوغ، واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة من وجوه:
﴿ الحجة الأولى) ما روي عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ أنه قال ((أقل الحيض ثلاثة أيام
وأكثره عشرة أيام)) قال ابو بكر: فان صح هذا الحدیث فلا معدل عنه لأحد.
﴿ الحجة الثانية) ما روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا
الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة والاستدلال به من وجهين
(أحدهما) أن القول إذا ظهر عن الصحابي ولم يخالفه أحد كان إجماعا (والثاني) أن التقدير مما
لا سبيل إلى العقل إليه متى روي عن الصحابي فالظاهر أنه سمعه من الرسول اليه .
﴿ الحجة الثالثة) قوله عليه السلام لحمنة بنت جحش ((تحيضى في علم الله ستا أو سبعا
كما تحيض النساء في كل شهر)) مقتضاه أن يكون حيض جميع النساء في كل شهر هذا القدر
خالفنا هذا الظاهر في الثلاثة إلى العشرة فيبقى ما عداه على الأصل.
﴿ الحجة الرابعة) قوله عليه السلام في حق النساء ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين
أغلب لعقول ذوي الألباب منهن، فقيل ما نقصان دينهن؟ قال تمكث إحداهن الأيام والليالي لا
تصلي)) وهذا الخبر يدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليال ، وأقلها ثلاثة
وأكثرها عشرة لأنه لا يقال في الواحد والإثنين لفظ الأيام، ولا يقال في الزائد على العشرة أيام،
بل يقال: أحد عشر يوما أما الثلاثة إلى العشرة فيقال فيها أيام، وأيضاً قال مسلية لفاطمة بنت أبي
حبيش دعى الصلاة أيام أقرائك ولفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة، وفي حديث أم سلمة في
المرأة التي سألته أنها تهرق الدم، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر
فلتترك الصلاة ذلك القدر من الشهر، ثم لتغتسل ولتصل.
فإن قيل: لعل حيض تلك المرأة كان مقدراً بذلك المقدار.

٧٢
قوله تعالى: ((ولا تقربوهن)) سورة البقرة
قلنا: إنه عليه السلام ما سألها عن قدر حيضها بل حكم عليها بهذا الحكم مطلقا فدل
على أن الحيض مطلقا مقدر بما ينطلق عليه لفظ الأيام وأيضاً قال في حديث عدى بن ثابت
المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، وذلك عام في جميع النساء.
الحجة الخامسة﴾ وهي حجة ذكرها الجبائي من شيوخ المعتزلة في تفسيره فقال: إن
فرض الصوم والصلاة لازم يتعين للعمومات الدالة على وجوبهما ترك العمل بها في الثلاثة إلى
العشرة فوجب بقاؤها على الأصل فيما دون الثلاثة وفوق العشرة وذلك لأن فيما دون الثلاثة حصل
اختلاف للعلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضا وما زاد على العشرة ففيه أيضاً اختلاف العلماء
فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً، فأما من الثلاثة إلى العشرة فهو متفق عليه فجعلناه حيضاً فهذا
خلاصة كلام لفقهاء في هذه المسألة وبالله التوفيق.
﴿ المسألة السادسة﴾ اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واتفقوا على حل
الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة
وفوق الركبة، فنقول: إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على
تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه، بل من يقول: إن تخصيص
الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى
الجماع، أما من يفسر المحيض بالحيض، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض،
ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة
وبالله التوفيق .
أما قوله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن فاذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله)
فاعلم أن قوله (ولا تقربوهن) أي ولا تجامعوهن، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها، وهذا
كالتأكيد لقوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) ويمكن أيضاً حملها على فائدة جليلة جديدة
وهي أن يكون قوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) نهيا عن المباشرة في موضع الدم وقوله (ولا
تقربوهن) يكون نهيا عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع .
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب الحضرمي،
وأبو بكر عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة من الطهارة، وقرأ حمزة والكسائي (يطهرن)
بالتشديد، وكذلك حفص عن عاصم، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت المرأة
من حيضها، وذلك إذا انقطع الحيض، فالمعنى: لا تقربون حتى يزول عنهن الدم، ومن قرأ
(يطهرن) بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله (يا أيها المزمل، ويا أيها المدثر) أي
المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق .

٧٣
قوله تعالى: ((إن الله يحب التوابين)» سورة البقرة
المسألة الثانية ﴾ أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج
مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري،
والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة
أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال، حجة الشافعي من وجهين :
﴿ الحجة الأولى﴾ أن القراءة المتواترة، حجة بالإجماع، فاذا حصلت قراءتان متواترتان
وأمكن الجمع بينهما، وجب الجمع بينهما .
إذا ثبت هذا فنقول: قرىء (حتى يطهرن) بالتخفيف وبالتثقيل (ويطهرن) بالتخفيف
عبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع بين الأمرين ممكن، وجب
دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول
الأمرین.
الحجة الثانية ﴾ أن قوله تعالى (فإذا تطهرن فأتوهن ) علق الإتيان على التطهر بكلمة
(إذا) وكلمة ( إذا ) للشرط في اللغة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فوجب أن لا
يجوز الإتيان عند عدم التطهر ، حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى ( ولا تقربوهن حتى
يطهرن ) نهى عن قربانهن وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن ، وإذا كان
انقطاع الحيض غاية لهذا النهي وجب أن لا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض ، أجاب
القاضي عنه بأنه لو اقتصر على قوله ( حتى يطهرن ) لكان ما ذكرتم لازماً ، أما لما ضم إليه قوله
( فإذا تطهرن ) صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل : لا تكلم فلاناً حتى
يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه ، فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين
جميعاً ، وإذا ثبت أنه لا بد بعد انقطاع الحيض من التطهر فقد اختلفوا في ذلك التطهر فقال
الشافعي وأكثر الفقهاء : هو الاغتسال وقال بعضهم : هو غسل الموضع ، وقال عطاء
وطاوس : هو أن تغسل الموضع وتتوضأ، والصحيح هو الأول لوجهين ( الأول ) أن ظاهر
قوله ( فإذا تطهرن ) حكم عائد إلى ذات المرأة ، فوجب أن يحصل هذا التطهر في كل بدنها لا
في بعض من أبعاض بدنها ( والثاني ) أن حمله على التطهر الذي يختص الحيض بوجوبه أولى من
التطهر الذي يثبت في الاستحاضة كثبوته في الحيض ، فهذا يوجب أنَّ المراد به الاغتسال وإذا
أمكن بوجود الماء وإن تعذر ذلك فقد أجمع القائلون بوجوب الاغتسال على أن التيمم يقوم
مقامه ، وإنما أثبتنا التيمم مقام الاغتسال بدلالة الإجماع ، وإلا فالظاهر يقتضى أن لا يجوز
قربانها إلا عند الاغتسال بالماء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في المراد بقوله تعالى (فأتوهن من حيث أمركم الله) وفيه

٧٤
فوله تعالى: ((إن الله يحب التوابين)) سورة البقرة
وجوه ( الأول ) وهو قول ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة : فأتوهن في المأتى فإنه هو
الذي أمر الله به ، ولا تؤتوهن في غير المأتى ، وقوله ( من حيث أمركم الله ) أي في حيث
أمركم الله ، كقوله ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، أي في يوم الجمعة ( الثاني ) قال
الأصم والزجاج : أي فأتوهن من حیث يحل لكم غشیانهن ، وذلك بأن لا یکن صائمات ولا
معتكفات ، ولا محرمات ( الثالث ) وهو قول محمد ابن الحنفية فأتوهن من قبل الحلال دون
الفجور ، والأقرب هو القول الأول لأن لفظة ( حيث ) حقيقة في المكان مجاز في غيره .
أما قوله ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) فالكلام في تفسير محبة الله تعالى ، وفي
تفسير التوبة قد تقدم فلا نعيده إلا أنا نقول : التواب هو المكثر من فعل ما يسمى توبة ، وقد
يقال هذا من حق الله تعالى من حيث يكثر في قبول التوبة .
فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقاً والعقل يدل على أن التوبة لا
تليق إلا بالمذنب ، فمن لم يكن مذنباً وجب أن لا تحسن منه التوبة .
( والجواب من وجهين) (الأول ) أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير، فتلزمه التوبة
دفعاً لذلك التقصير المجوز ( الثاني ) قال أبو مسلم الأصفهاني ( التوبة ) في اللغة عبارة عن
الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن
كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع ، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في
الماضي ، والترك في الحاضر، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على هذا
المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي ، ولأبي مسلم أن يجيب عنه فيقول : مرادي من هذا
الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية ، فقد صح اللفظ وسلم عن السؤال ، وإن
تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية ، لئلا يتوجه الطعن والسؤال .
أما قوله تعالى ( ويحب المتطهرين ) ففيه وجوه ( أحدها ) المراد منه التنزيه عن الذنوب
والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه ، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه ، ولا
ثالث لهذين القسمين ، واللفظ محتمل لذلك ، لأن الذنب نجاسة روحانية ، ولذلك قال ( إنما
المشركون نجس ) فتركه يكون طهارة روحانية ، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى بأنه طاهر مطهر
من حيث كونه منزهاً عن العيوب والقبائح ، ويقال : فلان طاهر الذيل .
والقول الثاني ﴾ أن المراد: لا يأتيها في زمان الحيض، وأن لا يأتيها في غير المأتى على
ما قال ( فأتوهن من حيث أمركم الله) ومن قال بهذا القول قال : هذا أولى لأنه أليق بما قبل
الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط ( أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) فكان

٧٥
قوله تعالى: ((نساؤكم حرث لكم )) الآية . سورة البقرة
نِسَآ ؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُرْ فَأْتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلُواْ
أَنَّكُمْ مَلَقَوَهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
٢٢
قوله ( ويحب المتطهرين ) ترك الإتيان في الأدبار .
﴿ والقول الثالث) أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله (فإذا تطهرن) فلا جرم مدح
المتطهر فقال ( ويحب المتطهرين ) والمراد منه التطهر بالماء ، وقد قال تعالى ( رجال يحبون أن
يتطهروا والله يحب المتطهرين ) فقيل في التفسير : إنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم .
الحكم الثامن
قوله تعالى ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا
أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ﴾ . في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب النزول وجوهاً (أحدها) روى أن اليهود قالوا:
من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلاً ، وزعموا أن ذلك في التوراة ،
فذكر ذلك لرسول الله وَله فقال: كذبت اليهود ونزلت هذه الآية (وثانيها ) روى عن ابن
عباس أن عمر جاء إلى النبي ◌َّ# فقال : كذبت اليهود ونزلت هذه الآية ( وثانيها ) روى عن
ابن عباس أن عمر جاء إلى النبي ◌َلّ فقال: يا رسول الله هلكت ، وحكى وقوع ذلك منه ،
فأنزل الله تعالى هذه الأية ( وثالثها ) كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من دبرها في
قبلها ، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود ، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت الأنصار ذلك
عليهم ، فنزلت الآية .
﴿ المسألة الثانية﴾ (حرث لكم) أي مزرع ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه ،
ففرج المرأة كالأرض ، والنطفة كالبذر ، والولد كالنبات الخارج ، والحرث مصدر ، ولهذا
وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون للولد ، فحذف المضاف ،
وأيضاً قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة كقوله :
فإنما هي إقبالي وإدبار

٧٦
قوله تعالى: ((نساؤكم حرث لكم)) سورة البقرة
ويقال : هذا أمر الله ، أي مأموره ، وهذا شهوة فلان ، أي مشتهاه ، فكذلك حرث
الرجل محرثه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها
من قبلها في قبلها ، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها ، فقوله ( أنى شئتم ) محمول على ذلك ،
ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن ، وسائر
الناس كذبوا نافعاً في هذه الرواية ، وهذا قول مالك ، واختيار السيد المرتضى من الشيعة ،
والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه ، وحجة من قال : إنه لا يجوز إتيان
النساء في أدبارهن من وجوه .
﴿ الحجة الأولى﴾ أن الله تعالى قال في آية المحيض ( قل هو أذى فاعتزلوا النساء في
المحيض ) جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى ، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى
الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر
فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة .
﴿ الحجة الثانية) قوله تعالى ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) وظاهر الأمر للوجوب ،
ولا يمكن أن يقال : إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب ، فوجب حمله على أن المراد
منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول
على الدبر ، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولاً على القبل ، وذلك هو
المطلوب .
﴿الحجة الثالثة) روى خزيمة ابن ثابت أن رجلاً سأل النبي و له عن إتيان النساء في
أدبارهن ، فقال النبي ◌َّ: حلال، فلما ولى الرجل دعاه فقال: كيف قلت في أي الخربتين ،
أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أمن قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها
فنعم ، أمن دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق ((لا تؤتوا النساء في أدبارهن))
وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها، والخرزة هي التي يثقبها
الخراز ، كنى به عن المأتى ، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من
قال بالجواز وجوه :
﴿ الحجة الأولى﴾ التمسك بهذه الآية من وجهين (الأول) أنه تعالى جعل الحرث اسماً
للمرأة فقال ( نساؤكم حرث لكم ) فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين ،
فلما قال بعده ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقاً

٧٧
قوله تعالى: ((نساؤكم حرث لكم)) سورة البقرة
في إتيانهن على جميع الوجوه ، فيدخل فيه محل النزاع .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن كلمة ( أنى) معناها أين، قال الله تعالى ( أنى لك هذا قالت هو
من عند الله ) والتقدير : من أين لك هذا فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة :
أين شئتم ، تدل على تعدد الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييراً بين الأمكنة .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها ، أو من
دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ
اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف ، بل لفظة
( أنى ) ويثبت أن لفظه (أنى ) مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل
ما ذكرناه .
﴿ الحجة الثانية﴾ لهم: التمسك بعموم قوله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت
أيمانهم ) ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق
النسوان .
﴿ الحجة الثالثة) توافقنا على أنه لو قال للمرأة: دبرك على حرام ونوي الطلاق أنه
يكون طلاقاً ، وهذا يقتضى كون دبرها حلالاً له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب .
( أجاب الأولون فقالوا) الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان
النساء في غير المأتى وجوه ( الأول ) أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المرأة بجميع
أجزائها ليست موضعاً للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا
الدليل أن لا يطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله ( نساؤكم
حرث لكم ) لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على
المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله ( فأتوا
حرثكم ) فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها
إلا على إتيان النساء في المأتى .
﴿ الوجه الثاني ﴾ في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكر وه لما بينا أن ما
قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين ( أحدهما ) قوله ( قل هو أذى ) ( والثاني )
قوله ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعاً بين ما
يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز .

٧٨
قوله تعالى: ((نساؤكم حرث لكم)) سورة البقرة
الوجه الثالث﴾ الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل
يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجاً عن الآية فوجب كون الآية
متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة
الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي
تمسكوا بها على التفصيل .
أما الوجه الأول﴾ فقد بينا أن قوله ( فأتوا حرثكم ) معناه : فأتوا موضع الحرث .
﴿ وأما الثاني﴾ فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله ( فأتوا حرئكم ) ذلك الموضع المعين
لم يكن حمل ( أنى شئتم ) على التخيير في مكان ، وعند هذا يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون
المراد من ( أنى شئتم ) فيضمر لفظة : من ، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ،
والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا
الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى ، لأن الأصل في الإيضاع الحرمة .
وأما الثالث﴾ فجوابه: أن قوله ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) عام،
ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام .
: وأما الرابع ﴾ فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن
الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق ، والله أعلم .
المسألة الرابعة ﴾ اختلف المفسرون في تفسير قوله (أنى شئتم ) والمشهور ما ذكرناه أنه
يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في قبلها ( والثاني ) أن المعنى : أي وقت
شئتم من أوقات الحل : يعني إذا لم تكن أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضاً
( والثالث ) أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في
الفرج ( الرابع ) قال ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد
بن المسيب ( الخامس ) متى شئتم من ليل أو نهار .
فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ .
قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من
أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان
الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن ( أنى ) يكون بمعنى
( متى) ويكون بمعنى ( كيف) وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت ( أنى ) لأن حال الجماع لا
.

٧٩
قوله تعالى: ((وقدموا لأنفسكم)) سورة البَقَرة
يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا .
أما قوله (وقدموا لأنفسكم ) فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن
يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملاً صالحاً ، وهو كقوله ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )
ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله ( قالوا بل أنتم لا
مرحبابكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ) .
فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ .
قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ،
والذي عندي فيه أن قوله ( نساؤكم حرث لكم ) جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ،
كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي
بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أي لما كان السبب في إباحة
وطئها لكمّ حصول الحرث ، فأتوا حرثكم ، ولا تأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله ( فأتوا
حرثكم ) دليلاً على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية
على الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال ( وقدموا لأنفسكم ) أي
لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيدم تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله
( واتقوا الله) ثم أكده ثالثاً بقوله ( واعلموا أنكم ملاقوه ) وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا
يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال
على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضاً دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير
هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين .
أما قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) فاعلم أن الكلام في التقوى قد
تقدم ، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم )
واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة ( أولها ) وقدموا لأنفسكم ) والمراد منه فعل الطاعات
( وثانيها ) قوله ( واتقوا الله) والمراد منه ترك المحظورات (وثالثها) قوله ( واعلموا أنكم
ملاقوه ) وفيه إشارة إلى أنى إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات
لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات
وترك المحظورات عبثاً وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال ( وبشر المؤمنين ) والمراد منه رعاية
الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعداً والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب
والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهما كالمعلوم ، فصار كقوله (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً
كبيراً ) .

٨٠
قوله تعالى: ((ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم)) الآية . سورة البقرة
وَلَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةُ لِّأَ يْمَتِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَنَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ
الحكم التاسع
في الإيمان
قوله تعالى ﴿ ولا تجعلوا الله عرضه لإيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع
عليم ﴾ .
والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية ، وأجود ما ذكروه وجهان ( الأول ) وهو
الذي ذكره أبومسلم الأصفهاني ، وهو الأحسن أن قوله ( ولا تجعلوا الله عرضه لأيمانكم ) نهى
عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله
عرضة له يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك ، وقال الشاعر :
ولا تجعلني عرضة للوائم
وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله ( ولا تطع كل حلاف مهين ) وقال تعالى
(واحفظوا أيمانكم ) والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كثير :
قليل الألا يا حافظ ليمينه
وإن سبقت منه الألية برت
والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك
ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض
الأصلي في اليمين ، وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن
كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من
الأغراض الدنيوية .
وأما قوله تعالى بعد ذلك ( أن تبروا ) فهو علة لهذا النهي ، فقوله ( أن تبروا ) أي إرادة
أن تبروا ، والمعنى : إنما نهيتكم عن هذا لما أن توفي ذلك من البر والتقوى والإصلاح .
فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين .