النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا)) الآية .. سورة البَفَرة
١٨
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الله والله غفور رحيم ﴾ .
في الآية مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ فی تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان ( الأول ) أن عبد الله بن جحش
قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا ، فعل نطمع منه أجراً وثواباً فنزلت هذه الآية ،
لأن عبد الله كان مؤمناً، وكان مهاجراً، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً ( والثاني ) أنه تعالى
لما أوجب الجهاد من قبل بقوله ( کتب علیکم القتال وهو کره لكم) وبین أن تركه سبب الوعيد
أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ) ولا
یکاد یوجد وعید إلا ويعقبه وعد .
﴿ المسألة الثانية﴾ (هاجروا) أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم، وأصله من الهجر الذي
هو ضد الوصل ، ومنه قيل للكلام القبيح : هجر ، لأنه مما ينبغي أن يهجر ، والهاجرة وقت
يهجر فيه العمل ، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة ، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب
والأقارب هجروه بسبب هذا الدين ، وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب ، فكان ذلك مهاجرة ،
وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة ، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم
جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله ، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد
أخر ليحصل التأييد والقوة ، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو ،
وعند فعل العدو ، ومثل ذلك فتصير مفاعلة.
ثم قال تعالى ( أولئك يرجون رحمة الله ) وفيه قولان ( الأول ) أن المراد منه الرجاء ،
وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها ، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله
وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالفوز والثواب في عمله ، بل كان يتوقعه ويرجوه .
فان قيل : لم جعل الوعد مطلقاً بالرجاء ، ولم يقع به كما في سائر الآيات ؟ ..
قلنا : الجواب من وجوه ( أحدها) أن مذهبنا أن الثواب على الايمان والعمل غير
واجب عقلا ، بل بحكم الوعد ، فلذلك علقه بالرجاء ( وثانيها ) هب أنه واجب عقلا بحكم
الوعد ، ولکنه تعلق بأن لا یکفر بعد ذلك وهذا الشرط مشکوك فیه لا متیقن ، فلا جرم کان
الحاصل هو الرجاء لا القطع ( وثالثها) أن المذكور ههنا هو الايمان ، والهجرة ، والجهاد في

٤٢
قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر)) الآية. سورة البقرة
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيِهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لنَّاسِ وَإِنْمُهُمَا أَكْبَرُ
مِن نَّفْعِهِمَا
سبيل الله ، ولا بد للانسان مع ذلك من سائر الأعمال ، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها ، كما
وفقه لهذه الثلاثة ، فلا جرم علقه على الرجاء ( ورابعها ) ليس المراد من الآية أن الله شكك
العبد في هذه المغفرة ، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد ، مستقصرين
أنفسهم في حق الله تعالى ، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته ، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة
دينه ، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء ، كما قال ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
أنهم إلى ربهم راجعون ) .
القول الثاني ﴾ أن المراد من الرجاء : القطع واليقين في أصل الثواب ، والظن إنما
دخل في كميته وفي وقته ، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقوا
ربهم ).
ثم قال تعالى ( والله غفور رحيم ) أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على
الإيمان والعمل الصالح ، وأنه غفور رحيم ، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا
ورحمهم.
الحكم الثالث
في الخمر
قوله عز وجل ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر
من نفعهما ﴾
اعلم أن قوله ( يسألونك عن الخمر والميسر) ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا ،
فانه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به ، ويحتمل
أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لماأجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على
أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة .

٤٣
قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر.)) سورة البقرة
وفي الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى ) قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله تعالى (ومن
١
ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) وكان المسلمون يشربونها وهي
حلال لهم ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر ، فانها
مذهبة للعقل ، مسلبة للمال ، فنزل فيها قوله تعالى ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) فشربها
قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم ، فشربوا وسكروا ، فقام بعضهم
يصلى فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، فنزلت ( لا تقربوا الصلاة وأنتم
سكارى ) فقل من شربها ، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص ، فلما
سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار ، فضربه
أنصاري بلحي بعير فشجه شجة موضحة ، فشكا إلى رسول الله و له فقال عمر: اللهم بين لنا
فى الخمر بياناً شافياً فنزل ( إنما الخمر الميسر) إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) فقال عمر : انتهينا
يا رب ، قال القفال رحمه الله: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم
أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً ، فعلم أنه لو منعهم دفعة
واحدة لشق ذلك عليهم ، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج ، وهذا الرفق ، ومن
الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية ، ثم نزل قوله تعالى ( لا تقربوا الصلاة
وأنتم سكارى ) فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة ، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن
يصلى إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعاً من الشرب ضمناً ، ثم نزلت آية المائدة فكانت
في غاية القوة في التحريم ، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان
أن الخمر ما هو؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر .
أما المقام الأول﴾ في بيان أن الخمر ما هو؟ قال الشافعي رحمه الله: كل شرب مسكر
فهو خمر ، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد ، حجة
الشافعي على قوله وجوه ( أحدها ) ما روى أبو داود في سننه : عن الشعبي عن ابن عمر رضي
الله عنهما ، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والحنطة
والشعير، والذرة ، والخمر ما خامر العقل ، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه ( أحدها) أن
عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير ، كما أنها
كانت تتخذ من العنب والتمر ، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمراً (وثانيها) أنه
قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمر ، وهذا كالتصريح بأن

٤٤
قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر)) سورة البقرة
تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة ( وثالثها ) أن عمر رضى الله عنه ألحق بها كل
ما خامر العقل من شراب ، ولا شك أن عمر كان عالماً باللغة ، وروايته أن الخمر اسم لكل
ما خامر العقل فغيره .
﴿ الحجة الثانية) روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله
وَ* («إن من العنب خمراً، وإن من الثمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البرخراً، وإن
من الشعير خمراً)) والاستدلال به من وجهين ( أحدهما ) أن هذا صريح في أن هذه الأشياء.
داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر ( والثاني ) أنه ليس
مقصود الشارع تعليم اللغات ، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في
الخمر ثابت فيها ، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب ، فوجب أن
يكون ثابتاً في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة
لیس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها ، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها
معهودة في ذلك الزمان ، فكل ما کان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة ، فحكمها
حكم هذه الخمسة ، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم
الربا في غيرها .
﴿الحجة الثالثة﴾ روي أبو داود أيضاً عن نافع عن ابن عمر، قال قال رسول الله وَل
« كل مسكر خمر ، وکل مسكر حرام » قال الخطابي : قوله عليه السلام (( كل مسكر خمر)» دل
على وجهين ( أحدهما ) أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها ، والمقصود منه
أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولاً للقوم حسن من الشارع أن
يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية ، أو
على سبيل أن يضع اسماً شرعياً على سبيل الأحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما .
والوجه الآخر﴾ أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا خمر
فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمراً فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازاً على
المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء .
﴿ الحجة الرابعة) روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سئل رسول الله
وَّر عن البتع، فقال ((كل شراب أسكر فهو حرام)) قال الخطابي: البتع شراب يتخذ من
العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال : إن
القليل من المسكر مباح ، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم

٤٥
قوله تعالى: (( يسألونك عن الخمر)) سورة البَقَرة
الجنس ، فيدخل فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره
لذكره ولم يهمله .
﴿ الحجة الخامسة) روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول اللهله((ما
أسكر كثيرة فقليله حرام » .
﴿الحجة السادسة) روى أيضاً عن القاسم عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله له
يقول ((كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)) قال الخطابي ((الفرق))
مكيال يسع ستة عشر رطلاً ، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب .
﴿ الحجة السابعة) روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة ، قالت : نهى
رسول الله ليه عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في
الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن
كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام .
﴿ النوع الثاني﴾ من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل
اللغة : أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة ، والخمر ما
واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء أي غطيته ، والخامر هو الذي
يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري : سميت خمراً لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال :
خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد لكثير :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر
ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط
الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل ، كما
سميت مسكراً لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً إذا ستره
للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من
وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو
المسكر ، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير
جائز ، لأنا نقول : ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه
الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء

٤٦
قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر)). سورة البقرة
ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه بالاشتقاقات .
﴿ النوع الثالث﴾ من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على
أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر ( أحدهما ) هذه الآية ( والثانية )
آية المائدة ( والثالثة ) وردت في السكر وهو قوله ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) وهذا يدل
على أن المراد من الخمر هو المسكر .
﴿ النوع الرابع﴾ من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذاً قالا: يا رسول
الله إن الخمر مسلبة للعقل ، مذهبة للمال ، فبين لنا فيه ، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله
بسبب كون الخمر مذهبة للعقل ، فوجب أن يكون كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما
أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في هذا الحكم .
﴿ النوع الخامس﴾ من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى (إنما يريد الشيطان
أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) ولا
شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني ، فعلى هذا تكون هذه الآية نصاً في
أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة ، فأما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر ، وإن لم يكن
كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر ، وكل من أنصف وترك العناد ، علم أن هذه
الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه ( أحدها ) قوله
تعالى ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) من الله تعالى علينا
باتخاذ السكر والرزق الحسن ، وما نحن فيه سكر ورزق حسن ، فوجب أن يكون مباحاً لأن
المنة لا تكون إلا بالمباح .
﴿ والحجة الثانية ﴾ ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة
الوداع فاستند إليها ، وقال : اسقوني ، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا ؟
فقال : ما تسقى الناس ، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه ، فقطب وجهه ورده ، فقال العباس : یا
رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم ، فقال : ردوا على القدح ، فردوه عليه ، فدعا بماء
من زمزم وصب عليه وشرب ، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا منتهاً بالماء .
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد ، ولأن المزج بالماء كان لقطع
الشدة بالنص ، ولأن اغتلام الشراب شدته ، كاغتلام البعير سكره .
الحجة الثالثة ﴾ التمسك بآثار الصحابة

٤٧
قوله تعالى: (( يسألونك عن الخمر)). سورة البقرة
( والجواب عن الأول) أن قوله تعالى ( تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) نكرة في
الإثبات ، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على
أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر ، فكانت هذه الثلاثة
إما ناسخة ، أو مخصصة لها .
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء
قليلاً إلى الحموضة ، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك
الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضاً كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة
أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر
من الاستدلال الضعيف غير جائز .
وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله
وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر .
المقام الثاني ﴾ في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه (الأول)
أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام لقوله تعالى ( قل إنما حرم ربي
الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ) فكان مجموع هاتين الآيتين دليلاً على تحريم
الخمر ( الثاني ) أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب ،
وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم ( الثالث ) أنه تعالى قال ( وإثمهما أكبر من
نفعهما ) صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم .
فإن قيل : الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثماً ، فهب أن
ذلك الإثم حرام فلم قلتم : إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراماً ؟ .
قلنا : لأن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثماً ، كان المراد
أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرمة ،
ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب محرماً ، ومنهم من قال : هذه الآية لا تدل على
حرمة الخمر ، واحتج عليه بوجوه ( أحدها ) أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا
يكون فيه منفعة ( والثاني ) لو دلت هذه الآية على جرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية
المائدة وآية تحريم الصلاة؟ ( الثالث ) أنه تعالى أخبر أن فيهما إثماً كبيراً فمقتضاه أن ذلك
الإثم الكبير يكون حاصلاً ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سبباً لحرمتها لوجب
القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع .

٤٨
قوله تعالى: (( يسألونك عن الخمر)) سورة البقرة
( والجواب عن الأول ) أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرماً، ومتى
كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعاً من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق
العام .
( والجواب عن الثاني ) أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف
الذي ذكرته غير مروي عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من
هذه الآية في التحريم، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد
سكوناً وطمأنينة .
( والجواب عن الثالث) أن قوله ( فيهما إثم كبير) إخبار عن الحال لا عن الماضي ،
وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان ، وعلم أنه ما كان مفسدة
للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في حقيقة الميسر فنقول: الميسر القمار، مصدر من يسر كالموعد
والمرجع من فعلهما ، يقال يسرته إذا قمرته ، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه ( أحدها ) قال
مقاتل : اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهلوة من غير كد ولا تعب ، كانوا
يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور ، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس : كان
الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله ( وثانيها) قال ابن قتيبة : الميسر من التجزئة
والإقتسام ، يقال: يسروا الشيء ، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزا
أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، والياسر الجازر ، لأنه يجزىء لحم الجزور ، ثم يقال للضاربين
بالقداح والمتقامرين على الجزور : إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور
( وثالثها ) قال الواحدي : إنه من قولهم : يسر لي هذا الشيء ييسر يسراً وميسراً إذا وجب ،
والياسر الواجب بسبب القداح ، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة .
وأما صفة الميسر فقال صاحب الكشاف : كانت لهم عشرة قداح ، وهي الأزلام والأقلام
الفذ ، والتوأم، والرقيب ، والحلس ، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون
اللام ، والمسبل ، والمعلى ، والنافس ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب
معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرين جزئاً إلا ثلاثة ،
وهي : المنيح والسفيح ، والوغد ، ولبعضهم في هذا المعنى شعر :
ليس فيهن ربيح
لی في الدنيا سهام
ومنیح
وسفیح
وأسامیهن وغد

٤٩
قوله تعالى: (( يسألونك عن الخمر)) .سورة البَقَرة
فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، والرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة،
وللمسبل ستة ، وللمعلى سبعة ، يجعلونها في الربابة ، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل ،
ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات
الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً ،
وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ،
ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن الميسرهل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم
لجميع أنواع القمار، روي عن النبي ◌ّله(( إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم)) وعن
ابن سيرين ومجاهد وعطاء : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز ،
وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر، وقال
الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن
النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ
مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر
فبالإتفاق ليس من الميسر، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ الإثم الكبير، فيه أمور (أحدها) أن عقل الإنسان أشرف
صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس ، فيلزم أن يكون شرب
الخمر أخس الأمور ، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة ، فإن
الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح ، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه ، فإذا شرب الخمر
بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل المانع منها ، والتقريب بعد ذلك معلوم ،
ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضى ،
ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له
في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك ؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله
جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم (وثانيها ) ما ذكره الله تعالى من إيقاع
العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ( وثالثها ) أن هذه المعصية من خواصها أن
الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها
أقوى . بخلاف سائر المعاصي ، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغتبه في ذلك العمل ،
وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم ، بخلاف الشرب ، فإنه كلما كان
إقدامه عليه أكثر ، كان نشاطه أكثر ، ورغبته فيه أتم . فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان
جـ ٤٢٠٦
١٠

٥٠
قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر.)). سبرة البَقَرة
غرقاً في اللذات البدنية ، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد ، حتى يصير من الذين نسوا الله
فأنساهم أنفسهم ، وبالجملة فالخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((الخمر أم الخبائث)) وأما الميسر فالإِثم فيه أنه يفضي إلى
العداوة ، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث
العداوة ، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً ، وهو أيضاً يشتغل عن ذكر الله وعن
الصلاة ، وأما المنافع المذكورة في قوله تعالى ( ومنافع للناس ) فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون
بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ترك الماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة
ومركة ، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب ، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين
على الباه ، ويسلي المحزون ، ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ويصفي اللون ، وينعش
الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء(١) ومن منافع الميسر: التوسعة على ذوي الحاجة
لأن من قمر لم يأكل من الجزور ، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم
كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير ، فيحصل له مال من غير كد وتعب ، ثم يصرفه إلى
المحتاجين ، فيكتسب منه المدح والثناء .
﴿ المسألة السادسة﴾ قرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء
المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي ، أن الله وصف أنواعاً كثيرة من الإثم في الخمر والميسر
وهو قوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) فذكر أعداداً
من الذنوب فيهما ولأن النبي ◌َّ لعن عشرة بسبب الخمر، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما ،
ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه قال : فيهما إثم ومنافع، وكما أن المنافع أعداداً
كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال : فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة
في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيراً يدل عليه قوله تعالى ( كبائر الإثم ، وكبائر ما
(١) قول الفخر رحمه الله تعالى في شرب الخمر: أنه يقوي الضعيف، ويهضم الطعام، ويعين على الباه ، ويسلي المحزون
ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ، ويصفي اللون ، وينعش الحرارة الغريزية ، ويزيد في الهمة والاستعلاء ، هو قول
عجيب لا يصدر من لبيب ولو كان فيها من المزايا بعض ما ذكر : لما منعنا اللّه تعالى عنها ، وأحرمنا منها ، ولم ينهنا تعالى
إلا عما فيه فساد الدين والبدن ، فله الحمد على أمره ونهيه ، وتحريمه وتحليله ! .
والخمر : كما يشهد بذلك العقل والطب، تضعف القوى ، وتعسر الهضم ، وتتلف المعدة ، وتضعف الباه ، وإن دل
ظاهرها على إذهاب الحزن ، فهي جالبة الهم والغم والكدر ، وتورث الشجاع الجبن والخور ، وتحض الكريم على
البخل ، وتفسد الدم وتكدر اللون وتظهر غضون الوجه ، وهي في جملتها مبعث لسائر الشرور والفجور والخصال
الذميمة .
أما تأويل قوله تعالى ( منافع للناس ) فهو خاص بالمنافع الدنيوية الفانية والربح التجاري الزائل : انتهى مصححه .

٥١
قوله تعالى: ((ويسألونك ماذا ينفقون)) الآية . سورة البقرة
وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَقْوَ كَذَلِكَ يُبَِنُ اللهُ لَكُمُ الَيَتِ لَعَلَّكُمْ نَتَفَكَّرُونَ:
فِ الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ
تنهون عنه، إنه كان حوباً كبيراً) وأيضاً القراء اتفقوا على قوله ( وإثمهما أكبر ) بالباء المنقوطة
من تحت ، وذلك يرجح ما قلناه .
الحكم الرابع
في الإنفاق
قوله تعالى ﴿ ويسألونك ماذا يتفقون قل العفو كذلك یبین الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون
في الدنيا والآخرة ﴾ .
اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب عنه
بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان
هذا ؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول : كان الناس
لما رأوا الله ورسوله یحضان على الإنفاق ويدلان على عظیم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا
به ، هل هو كل المال أو بعضه ، فأعلمهم الله أن العفو مقبول ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله : أصل العفو في اللغة الزيادة، قال تعالى
( خذ العفو ) أي الزيادة ، وقال أيضاً ( حتى عفوا ) أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال
القفال : العفوما سهل وتيسر مما يكون فاضلاً عن الكفاية يقال : خذ ما عفالك ، أي ما تيسر
ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسر والتسهيل ، قال عليه الصلاة والسلام
(( عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم )) معناه التخفيف بإسقاط زكاة
الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى فلان فلاناً بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ،
وهو راجع إلى التخفيف ويقال : أعطاه كذا عفواً صفراً ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال :
خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر، ومنه قوله تعالى ( خذ العفو ) أي ما سهل لك من
- الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون
فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو
الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال
تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً إن

٥٢
قوله تعالى: ((كذلك يبين الله لكم ... ))
المبذرين كانوا اخوان الشياطين ) وقال ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل
البسط) وقال ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) وقال مدير ((إذا كان عند أحدكم شىء
فليبدأ بنفسه، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا)) وقال عليه الصلاة والسلام (( خير الصدقة ما
أبقت غنى ولا يلام على كفاف)) وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله عليه ، إذ
جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها ،
فأعرض عنه رسول الله عليه، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضباً فأخذها منه ، ثم
حدفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس
يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غني خذها فلا حاجة لنا فيها ، وعن النبي ◌َّ أنه كان يحبس
لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء : الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط، فالإنفاق الكثير هو
التبذير ، والتقليل جداً هو التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله ( قل العفو ) ومدار
شرع محمد ◌ّ على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة ، وشرع النصارى
على المسامحة التامة ، وشرع محمد ب متوسط في كل هذه الأمور، فلذلك كان أكمل من
الكل .
المسألة الثانية ﴾ قرأ أبو عمرو ( العفو) بضم الواو والباقون بالنصب ، فمن رفع
جعل (ذا) بمعنى ( الذي ) وينفقون صلته كأنه قال : ما الذي ينفقون ؟ فقال: هو العفو ومن
نصب كان التقدير : ما ينفقون وجوابه : ينفقون العفو .
المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع،
أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب ، فلهم قولان ( الأول ) قول أبي مسلم يجوز أن يكون
العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة
( الثاني ) أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من
مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ، ثم ينفقوا الباقي ، ثم صار هذا منسوخاً بآية الزكاة فعلى هذا
التقدير تكون الآية منسوخة .
: القول الثاني ﴾ أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو الصدقة
واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضاً لبين الله تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي
المخاطب علمنا أنه ليس بفرض .
وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئاً على سبيل الإجمال ، ثم يذكر تفصيله
وبيانه بطريق آخر .

٥٣
قوله تعالى: ((ويسألونك عن اليتامى)) الآية. سورة البقرة
وَيَسْعَلُونَكَ عَنِ الَْمَنْ قُلْ إِصْلَاحُ لَّهُمْ تَخْرٌ وَ إِن تُخَالِكُوهُمْ فَإِخْوَاتُكُمْ وَاللهُ يَعْلمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَأَعْتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
أما قوله ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من
وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون .
وقوله (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) فيه وجوه ( الأول ) قال الحسن : فيه تقديم
وتأخير ، والتقدير: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون ( والثاني )
( كذلك يبين الله لكم الآيات) فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في
الآخرة فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا
( الثالث ) يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون
في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا .
واعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم
والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولاً عن الظاهر لا لدليل وأنه لا يجوز .
الحكم الخامس
فی الیتامی
قوله تعالى ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم
المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ﴾ .
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتدوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما
تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده ، ثم إن الله تعالى
انزل قوله ( إن الذين يأكلوا أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) وأنزل في الآيات
( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) وقوله ( ويستفتونك في
النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللآتى لا تؤتونهن ما كتب
لهن وترغبون أن تنكحواهن ، والمستضعفين من الولدان ، وأن تقوموا لليتامى بالقسط ، وما
تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً) وقوله ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) فعند
ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى ، والمقاربة من أموالهم ، والقيام بأمورهم ، فعند ذلك اختلت
:

٥٤
قوله تعالى: ((ويسألونك عن اليتامى)) سورة البقرة
مصالح اليتامى وساءت معيشتهم ، فثقل ذلك على الناس ، وبقوا متحيرين إن خالطواهم
وتولوا أمر أموالهم ، استعدوا للوعيد الشديد ، وإن تركوا وأعرضوا عنهم ، اختلت معيشة
اليتامى ، فتحير القوم عند ذلك .
ثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة ، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم ،
وأنهم تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويروى أنه
لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى ، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء ، حتی کان یوضع
لليتيم طعام فيفضل منه شيء فیترکونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له
منزلا وطعاماً وشرابا فعظم ذلك على ضعفة المسلمين ، فقال عبدالله بن رواحة : يا رسول الله
ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم ، فنزلت هذه الآية .)
﴿ المسألة الثانية) قوله (قل إصلاح لهم خير) فيه وجوه (أحدها ) قال القاضي : هذا
الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما ، لكي ينشأ على علم
وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيراً فيه من إصلاح حاله بالتجارة ، ويدخل فيه أيضاً
إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة ، ويدخل فيه أيضاً معنى قوله تعالى ( وآتوا
اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) ومعنى قوله ( خير ) يتناول حال المتكفل ، أي
هذا العمل خير له من أن يكون مقصراً في حق اليتيم ، ويتناول حال اليتيم أيضاً ، أي هذا
العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه ، وصلاح ماله ، فهذه الكلمة جامعة
جمیع مصالح اليتيم والولي.
فان قيل : ظاهر قوله ( قل إصلاح لهم خير ) لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم.
قلنا : ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون إصلاحاً له ، فلا
يمتنع دخوله تحت الظاهر ، وهذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع ( وثانيها ) قول
من قال : الخبر عائد إلى الولي، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير المولى
وأعظم أجرأ له ، (والثالث) أن يكون الخبر عائداً إلى اليتيم ، والمعنى أن مخالطتهم
٠

٥٥٠
قوله تعالى: ((ويسألونك عن اليتامى )) سورة البقرة
بالاصلاح خيرلهم من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم ، والقول الأول أولى ، لأن اللفظ
مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز ، فوجب
حمله على الخيرات العائدة إلى الولي ، وإلى اليتيم في إصلاح النفس، وإصلاح المال ،
وباجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة ، فينبغي أن يكون عين
المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه ، واليتيم في ماله وفي نفسه ،
فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية .
أما قوله تعالى ( وإن تخالطوهم فاخوانكم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز، ومنه يقال للجماع: الخلاط
ويقال : خولط الرجل إذا جن ، والخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله.
المسألة الثانية﴾ في تفسير الآية وجوه ( أحدها ) المراد: وإن تخالطوهم في الطعام
والشراب والمسكن والخدم فاخوانكم ، والمعنى : أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم ،
وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم ، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين
والشرابین ، والاجتماع في المسكن الواحد ، كما يفعله المرء بمال ولده ، فان هذا أدخل في حسن
العشرة والمؤالفة ، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز ( وثانيها ) أن
يكون المراد بهذه المخالفة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجرة مثل ذلك العمل والقائلون
بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنياً أو فقيراً ، ومنهم من قال : إذا كان القيم
غنياً لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ،
واحتجوا عليه بقوله تعالى (ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) وأما إن
كان القيم فقيراً فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم ،
وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم : إن
استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثم قضيت ، وعن مجاهد أنه إذا كان
فقيراً وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه .
﴿ القول الثالث﴾ أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على
سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي .
﴿ والقول الرابع﴾ وهو اختيار أبي مسلم: أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح ، على
نحو قوله ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ) وقوله عز من قائل ( ويستفتونك في
النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ) قال وهذا القول راجح

٥٦.
قوله تعالى: ((والله يعلم المفسد من المصلح)) سورة البقرة
على غيره من وجوه ( أحدها ) أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله ( وثانيها ) أن
الشركة داخلة في قوله ( قل إصلاح لهم خير ) والخلط من جهة النكاح ، وتزويج البنات منهم
لم يدخل في ذلك ، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب ( وثالثها ) أن قوله تعالى ( فاخوانكم )
يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط ، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين
لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً ، فوجب أن تكون الإشارة بقوله
( فاخوانكم ) إلى نوع آخر من المخالطة (ورابعها ) أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( ولا تنكحوا
المشركات حتى يؤمن ) فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم
إخوان بالإِسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة ، فان كان اليتيم من المشركات
فلا تفعلوا ذلك.
المسألة الثالثة ﴾ قوله ( فاخوانکم ) أي فهم إخوانكم ، قال الفراء ، ولو نصبته کان
صواباً ، والمعنى فاخوانكم تخالطون .
أما قوله ( والله يعلم المفسد من المصلح ) فقيل : المفسد لأموالهم من المصلح لها ،
وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح ، يعني : إنكم إذا
أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فاذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضاً
آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ، والسبب أن اليتيم لا
يمكنه رعاية الغبطة لنفسه ، وليس له أحد يراعيها فكأنه تعالى قال : لما لم يكن له أحد يتكفل
بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل : والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر
اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له
بسببه الانتفاع بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئاً من غير إصلاح منكم لما لهم.
أما قوله تعالى ( ولو شاء الله لأعنتكم ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ((الإعنات)) الحمل على مشقة لا تطاق يقال: أعنت فلان فلانا إذا
أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتاً إذا لبس عليه في سؤاله ، وعنت العظم المجبور
إذا انكسر بعد الجبر وأصل ( العنت ) من المشقة ، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدوداً ، ومنه
قوله تعالى ( عزيز عليه ما عنتم ) أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي
شدد على وطلب عنتي وهو الإِضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما
أصبتم من أموال اليتامى موبقاً وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم
على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد
عليكم .

٥٧
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) الآية. سورة البقرة
وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ خَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةُ خَيْرٌمِنِ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَتَبْكُرْ
وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ خَّى يُؤْمِنُواْ وَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌمِنْ مُشْرِكُ وَلَوْ أَعْبَكْ
المسألة الثانية﴾ احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف
العبد بما لا يقدر عليه ، لأن قوله ( ولو شاء الله لأعنتكم) يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات
والضيق في التكليف، ولو كان مكلفاً بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد
الضيق .
واعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، ثم سألوا
أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم ، وأجابوا عنه بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب وأيضاً فولى هذا اليتيم قد لا يفعل تعالى فيه قدرة الإصلاح ، لأن هذا هو
قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة ( ولو
شاء الله لأعنتكم ) مع أنه كلفه بما لا يقدر عليه، ولا سبيل له إلى فعله ، وأيضاً فالإعنات لا
يصح إلا فيمن يتمكن من الشيء فيشق عليه ويضيق ، فأما من لا يتمكن البتة فذلك لا يصح
فيه ، وعند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فانه لا يمكنه فعل الفساد ، وإذا لم يقدر على الفساد
لا يصح أن يقال فيه ( ولو شاء الله لأعنتكم ) .
( والجواب عنه) المعارضة بمسألة العلم والداعي والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل، لأنه
لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول ( ولو شاء الله لأعنتكم ) وللنظام أن يجيب
بأن هذا معلق على مشيئة الإعنات ، فلم قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى ،
والله أعلم .
الحكم السادس
فيما يتعلق بالنكاح
قوله تعالى ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم

٥٨
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) الآية. سورة البقرة
أَوْلَبِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَ كَّرُونَ.
١٠٠١٠
وَيَبْيِنَ ءَايَتِهِ
الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى
النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ﴾ .
اعلم أن هذه الآية نظير قوله ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) وقرىء بضم التاء ، أي لا
تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن .
واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع ، أو هو متعلق بما
تقدم ، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم ، وقال أبو مسلم : بل هو متعلق
بقصة اليتامى ، فانه تعالى لما قال ( وإن تخالطوهم فاخوانكم) وأراد مخالطة النكاح عطف عليه
ما يبعث على الرغبة في اليتامى ، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات ،
وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها ، ليدل بذلك على ما
يبعث على التزوج باليتامى ، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من
النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم ، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف، ثم في الآية
مسائل :
المسألة الأولى﴾ روى عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي
مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها سراً ، فعند قدومه جاءته امرأته
يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية ، أعرضت عنه عند الإسلام ، فالتمست الخلوة ، فعرفها
أن الإسلام يمنع من ذلك، ثم وعدها أن يستأذن الرسول ◌َله ثم يتزوج بها ، فلما انصرف إلى
رسول اللّه وَ س عرفه ما جرى في أمر عناق، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه
الآية .
المسألة الثانية ﴾ اختلف الناس في لفظ النكاح ، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه
الله: إنه حقيقة في العقد، واحتجوا عليه بوجوه ( أحدها) قوله عليه الصلاة والسلام ((لا
نكاح إلا بولي وشهود)» وقف النكاح على الولي والشهود ، والمتوقف على الولي والشهود هو
العقد لا الوطء ، ( والثاني ) قوله عليه الصلاة والسلام ((ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح))
دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح ، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان
النكاح اسما للوطء لامتنع كون النكاح مقابلا للسفاح ( وثالثها ) قوله تعالى ( وأنكحوا الأيامى
منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) ولا شك أن لفظ ( أنكحوا) لا يمكن حمله إلا على

٥٩
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) سورة البقرة
العقد ( ورابعها ) قول الأعشى ، أنشده الواحدي في البسيط .
فلا تقربن من جارة إن سرها
عليك حرام فانكحن أو تأيما
وقوله ( فانكحن) لا يحتمل إلا الأمر بالعقد، لأنه قال (( لا تقربن جارة )) يعني مقاربتها
على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء ، وقال الجمهور من أصحاب
أبي حنيفة : أنه حقيقة في الوطء ، واحتجوا عليه بوجوه ( أحدها ) قوله تعالى ( فان طلقها فلا
تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح ، والنكاح الذي تنتهي به
هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام (( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق
عسيلتك)) فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء ( وثانيها) قوله عليه الصلاة والسلام ((ناكح
اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون)) أثبت النكاح مع عدم العقد (وثالثها ) أن النكاح في اللغة
عبارة عن الضم والوطء ، يقال : نكح المطر الأرض إذا وصل إليها ، ونكح النعاس عينه ،
وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى ، وقال الشاعر :
التاركين على طهر نساءهم
والناكحين بشطى دجلة البقرا
وقال المتنبي :
تعثرت بي إليك السهل والجبلا
أنکحت صم حصاها خفيعملة
ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد ، فوجب حمله عليه ، ومن
الناس من قال : النكاح عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء ، فيحسن
استعمال هذا اللفظ فيهما جميعاً ، قال ابن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ،
فقال : فرقت العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الإلتباس ، فاذا قالوا : نكح فلان
فلانة : أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا غير
المجامعة ، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد ، فلم تحتمل
الكلمة غير المجامعة ، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث ، وأجمع المفسرون على أن المراد
من قوله ( ولا تنكحوا ) في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن لفظ (المشرك) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ،
فأنكر بعضهم ذلك ، والأكثرون من العلماء على أن لفظ (المشرك ) يندرج فيه الكفار من أهل
الكتاب وهو المختار ، ويدل عليه وجوه ( أحدها ) قوله تعالى ( وقالت اليهود عزير ابن الله
وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ثم قال في آخر الآية ( سبحانه عما يشركون ) وهذه الآية
صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك (وثانيها) قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر

٦٠
قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركات)) سورة البقرة
ما دون ذلك لمن يشاء) دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى فى الجملة فلو
كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة،
ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن كفرهما شرك (وثالثها) قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث
ثلاثة ) فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة ، أو لاعتقادهم وجود ذوات
ثلاثة ، والأول باطل ، لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً ومن كونه
حياً؛ وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها ، كان القول باثبات صفات
ثلاثة من ضرورات دين الإِسلام ، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك ، ولما بطل ذلك
علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتاً ثلاثة قديمة مستقلة ، ولذلك فانهم جوزوا في أقنوم
الكلمة أن يحل في عيسى ، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء
المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها ، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات ،
فثبت أنهم قائلون باثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك ، وقول باثبات الآلهة ،
فكانوا مشركين ، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك ؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة
أنه لا قائل بالفرق (ورابعها) ما روى أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميراً وقال : إذا لقيت
عدداً من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وإن أبوا فادعهم إلى
الجزية وعقد الذمة ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، سمى من يقبل منه الجزية وعقد
الذمة بالمشرك ، فدل على أن الذمى يسمى بالمشرك ( وخامسها ) ما احتج به أبو بكر الأصم
فقال : كل من جحد رسالته فهو مشرك ، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده
كانت خارجة عن قدرة البشر، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى ، بل كانوا يضيفونها إلى
الجن والشياطين ، لأنهم كانوا يقولون فيها : إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين ، فالقوم
قد أثبتوا شريكاً لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر، فوجب القطع بكونهم
مشركين لأنه لا معنى للاله إلا من كان قادراً على خلق هذه الأشياء ، واعترض القاضي فقال :
إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد ◌ّ من الأمور الخارجة عن قدرة البشر،
فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركاً ، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد
محمد ◌َّ من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب ذلك إلى غير الله تعالى.
( والجواب ) أنه لا اعتبار باقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشرأم لا ، إنما
الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان
مشركاً ، كما أن إنساناً لوقال : إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشرثم أسند خلق
الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركاً فكذا ههنا ، فهذا مجموع ما يدل على أن
اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك ، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل