النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١. قوله تعالى (( ولا تحلقوا رؤوسكم)) سورة البقرة الحال أو يقيم على إحرامه فيه قولان ( أحدهما ) أنه يقيم على إحرامه حتى يجده ، وهو قول أبي حنيفة ويدل عليه ظاهر الآية (والثاني ) أن يتحلل في الحال للمشقة ، وهو الأصح ، فإذا قلنا بالقول الثاني ففيه اختلافات كثيرة وأقربها أن يقال : يقوم الهدي بالدراهم ويشتري بها طعام ويؤدي ، وإنما قلنا ذلك لأنه أقرب إلى الهدى . المسألة الخامسة﴾ المحصر إذا أراد التحلل وذبح ، وجب أن ينوي التحلل عند الذبح ، ولا يتحلل البتة قبل الذبح . المسألة السادسة ﴾ اختلفوا في العمرة فأكثر الفقهاء قالوا حكمها في الإحصار كحكم الحج ، وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيه لأنه غير مؤقت ، وهذا باطل لأن قوله تعالى ( فإن أحصرتم ) مذكور عقيب الحج والعمرة ، فكان عائداً إليهما . أما قوله تعالى ( ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية : حتى يبلغ الهدى محله وينحر فإذا نحر فاحلقوا . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: يجوز إراقة دم الإِحصار لا في الحرم بل حيث حبس ، وقال ابو حنيفة رضي الله تعالى عنه ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، وقال أبو حنيفة: إنه إسم للمكان . حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوه ( الأول ) إنه عليه الصلاة والسلام أحصر بالحديبية ونحر بها ، والحديبية ليست من الحرم ، قال أصحاب أبي حنيفة إنه إنما أحصر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة ، وهو من الحرم ، قال الواقدي : الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، أجاب القفال رحمه الله في تفسيره عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدى ما وقع في الحرم قوله تعالى ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ) فبين تعالى أن الكفار منعوا النبي ◌َّر عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على أنهم نحروا ذلك الهدى في غير الحرم . الحجة الثانية ﴾ أن المحصر سواء كان في الحل أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدى فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى . و بيان المقام الأول﴾ أن قوله ( فإن أحصرتم) يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك ( فما استيسر من الهدى ) معناه فما ستيسر من الهدى نحره الفخر الرازي ج ٥ م ١! ١٦٢ قوله تعالى ((ولا تحلقوا رؤوسكم)) سورة البقرة واجب ، أو معناه فانحروا ما استيسر من الهدى ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدى واجب على المحصر سواء كان محصراً في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشيء أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أخصر .. الحجة الثالثة﴾ أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال ، فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفي الخوف، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه ( الأول ) أن المحل بكسرعين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس فقوله ( حتى يبلغ الهدى محله) يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال ، ( جوابه) المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه ( الثاني ) هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا الإحتمال بقوله ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) وفي قوله ( هدياً بالغ الكعبة ) ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت عينه لا يراق فيه الدماء ( جوابه ) قال الشافعي رضي الله عنه : كل ما وجب على المجرم في ماله من بدنة وجزاء هدى فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين ( أحدهما ) من ساق هدياً فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين ( والثاني ) دم المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس ، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة ( الثالث ) قالوا : الهدى سمي هدياً لأنه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه ، والهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدى هو الحرم . ( جوابه) هذا التمسك بالإسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة ( الرابع ) أن سائر دماء الحج كلها قربة كانت أو كفارة لا تصح إلا في الحرم ، فكذا هذا . (جوابه) أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر، أما لو وجب إرساله إلى الحرم لا يحصل هذا المقصود ، وهذا المعنى غير موجود في سائر الدماء فظهر الفرق . ٠ ١٦٣ قوله تعالى ((فمن كان منكم مريضاً)) الآية سورة البقرة. ◌َنْ كَانَ مِنْكُم مَِّيضًا أَوْبِهِةَ أَذِى مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ تٍُ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ ◌َا أَسْتَيْسَرٌ مِنَ أَلْهَدْىٍ فَمَنْ لَمْيَجِدُ فَصِيَمُ ثَةِ أٍَّ فِى الْحَجْ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَلِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ أَّْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ الَهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ المسألة الثالثة ﴾ هذه الآية دالة على أنه لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدى كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة . قوله تعالى ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أونسك فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة ، قال كعب : مربي رسول الله وَّه زمن الحديبية ، وكان في شعر رأسي كثير من القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي ، فقال عليه الصلاة والسلام تؤذيك هوام رأسك؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال أحلق رأسك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض أو بهوام رأسه أبيح له المداواة والحلق بشرط الفدية والله أعلم. المسألة الثانية ﴾ ففدية رفع لأنه مبتدأ خبره محذوف، والتقدير : فعليه فدية ، وأيضاً ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية . المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم : هذه الآية مختصة بالمحصر، وذلك لأن قبل بلوغ الهدى محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله أذن له في ذلك بشرط بذل الفدية ، وقال آخرون بل الكلام مستأنف لكل محرم لحقه المرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق ، فبين الله تعالى أن له ذلك ، وبين ما يجب عليه من الفدية . ١٦٤ قوله تعالى ((فمن كان منكم مريضاً)) سورة البقرة إذا عرفت هذا فنقول : المرض قد يحوج إلى اللباس ، فتكون الرخصة في اللباس كالرخصة في الحلق ، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله فأبيح له بشرط الفدية ، وقد يحتاج أيضاً إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض فيكون الحكم فيه ذاك ، وأما من يكون به أذى من رأسه فقد يكون ذلك بسبب القمل والصئبان وقد يكون بسبب الصداع وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ألم ، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحج . المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أنه هل يقدم الفدية ثم يترخض أو يؤخز الفدية عن الترخص والذي يقتضيه الظاهر أنه يؤخر الفدية عن الترخص لأن الإقدام على الترخص كالعلة في وجوب الفدية فكان مقدماً عليه ، وأيضاً فقد بينا أن تقدير الآية : فحلق فعليه فدية ، ولا ينتظم الكلام إلا على هذا الحد ، فإذن يجب تأخير الفدية . أما قوله تعالى ( من صيام أو صدقة أو نسك ) فالمراد أن تلك الفدية أحد هذه الأمور الثلاثة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ أصل النسك العبادة ، قال ابن الاعرابي النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة ، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ، هذا أصل معنى النسك ، ثم قيل للذبيحة : نسك من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله . المسألة الثانية﴾ اتفقوا في النسك على أن أقله شاة ، لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة : الجمل ، والبقرة ، والشاة، ولما كان أقلها الشاة ، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة ، أما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على کمیتهما وكيفيتهما ، وبماذا يحصل بيانه فيه قولان ( أحدهما ) أنه حصل عن كعب بن عجرة ، وهو ما روى أبو داود في سننه أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بكعب بن عجرة ورأى كثرة الهوام في رأسه ، قال له : احلق ثم اذبح شاة نسكاً أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. ﴿ والقول الثاني ﴾ ما يروي عن ابن عباس والحسن أنهما قالا: الصيام للمتمتع عشرة أيام ، والإطعام مثل ذلك في العدة ، وحجتهما أن الصيام والإطعام لما كانا مجملين في هذا الموضع وجب حملهما على المفسر فيما جاء بعد ذلك ، وهو الذي يلزم المتمتع إذا لم يجد الهدى ، والقول الأول عليه أكثر الفقهاء. المسألة الثالثة ﴾ الآية دلت على حكم من أقدم على شيء من محظورات الحج بعذر ، ١٦٥ قوله تعالى ((فما استيسر من الهدى)) سورة البَقَرة أما من حلق رأسه عامداً بغير عذر فعند الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة الواجب عليه الدم ، وقال مالك رضي الله عنه : حكمه حكم من فعل ذلك بعذر ، والآية حجة عليه ، لأن قوله ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ) يدل اشتراط هذا الحكم بهذه الاعذار ، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط ، وقوله تعالى ( فإذا أمنتم ) فاعلم أن تقديره : فإذا أمنتم من الإِحصار ، وقوله ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ معنى التمتع التلذذ، يقال: تمتع بالشيء أي تلذذ به ، والمتاع : كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أي طويل ، وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به ، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج، ثم يقيم بمكة حلالاً ينشىء منها الحج ، فيحج من عامه ذلك ، وإنما سمي متمتعاً لأنه يكون مستمتعاً بمحظورات الإحرام فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج ، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه ، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه ، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله له وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج ، والمراد من هذه المتعة أن يجمع بين الإِحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ، وروى أن رسول الله وم سير أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ ، روى عن أبي ذر أنه قال : ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة ، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله ورسله إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ الحج خاصاً بهم. المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة ) أي فمن يتمتع بسبب العمرة فكأنه لا يتمتع بالعمرة ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة ، وهذا هو معنى التمتع بالعمرة إلى الحج. أما قوله تعالى ( فما استيسر من الهدى ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال أصحابنا: لوجوب دم التمتع خمس شرائط (أحدها ) أن يقدم العمرة على الحج ( والثاني ) أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فان أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بشيء من الطواف وإن كان شرطاً واحداً ثم أكمل باقيه في أشهر الحج وحج في هذه السنة لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، وأتى بأعمالها في أشهر الحج ، فيه قولان : قال في الأم وهو الأصح : لا يلزمه دم التمتع لأنه ١٦٦ قوله تعالى ((فما استيسر من الهدى)) سورة البقرة أتى بركن من أركان العمرة قبل أشهر الحج ، كما لو طاف قبله ، وقال في القديم والإملاء : يلزمه ذلك ويجعل استدامة الإحرام في أشهر الحج كابتدائه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا أتى ببعض الطواف قبل أشهر الحج فهو متمتع إذا لم يأت بأكثره ( الشرط الثالث ) أن يحج في هذه السنة، فان حج في سنة أخرى لا يلزمه الدم ، لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة في عام واحد ( الشرط الرابع ) أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وحاضر المسجد الحرام من كان أهله على مسافة أقل من مسافة القصر، فإن كان على مسافة القصر فليس من الحاضرين ، وهذه المسافة تعتبر من مكة أو من الحرم ، وفيه وجهان ( الشرط الخامس ) أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإِن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع لأن لزوم الدم لترك الاحرام من الميقات ولم يوجد ، فهذه هي الشروط المعتبرة في لزوم دم التمتع . المسألة الثانية﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: دم التمتع دم جبران الاساءة ، فلا يجوز له أن يأكل منه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه دم نسك ويأكل منه ، حجة الشافعي من وجوه : ﴿ الحجة الأولى﴾ أن التمتع حصل فيه خلل فوجب أن يكون الدم دم جبران ، بيان حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة ( الأول) روی أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي رضي الله عنهما : عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة ، وذلك يدل على حصول نقص فيها ( الثاني ) أنه تعالى سماه تمتعاً، والتمتع عبارة عن التلذذ والإرتفاع ، ومبنى العبادة على المشقة ، فیدل على أنه حصل في كونه عبادة نوع خلل ( الثالث ) وهو بیان الخلل على سبيل التفصيل : أن في التمتع صار السفر للعمرة ، وكان من حقه أن يكون للحج ، فان الحج الأكبر هو الحج ، وأيضاً حصل الترفه وقت الاحلال بينهما وذلك خلل ، وأيضاً كان من حقه جعل الميقات للحج ، فانه أعظم ، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل ، وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج وجب جعل الدم دم جبران لا دم نسك . ﴿ الحجة الثانية﴾ أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو أفرد بهما ، وكما في حق المكي ، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضاً بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والاعتكاف لا يلزمه الدم ، فثبت بهذا أن هذا الدم ليس دم نسك فلا بد وأن یکون دم جبران. ﴿ الحجة الثالثة ) أن الله تعالى أوجب الهدى على التمتع بلا توقيت ، وكونه غير مؤقت دليل على أنه دم جبران لأن المناسك كلها مؤقتة. : : . ١٦٧ قوله تعالى ((فمن لم يجد فصيام ثلاثة)) سورة البقرة الحجة الرابعة ) أن للصوم فيه مدخلا ، ودم النسك لا يبدل بالصوم ، وإذا عرفت صحة ما ذكرنا فنقول : أن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وقد دللنا على أن حج التمتع غيرتام ، فلهذا قال تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) وذلك لأن تمتعکم یوقع نقصاً في حجتکم فاجبر وه بالهدی لتكمل به حجتكم فهذا معنى حسن مفهوم من سياق الآية وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه . المسألة الثالثة﴾ الدم الواجب بالتمتع : دم شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، ولو تشارك ستة في بقرة أو بدنة جاز، ووقت وجوبه بعد ما أحرم بالحج ، لأن الفاء في قوله (فما استيسر من الهدى) يدل على أنه وجب عقيب التمتع، ويستحب أن يذبح يوم النحر، فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز ، وأصل هذا أن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات ، وعنده دم نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر. أما قوله تعالى ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) فالمعنى أن المتمتع إن وجد الهدى فلا كلام وإن لم يجد فقد بين الله تعالى بدله من الصيام ، فهذا الهدى أفضل أم الصيام ؟ الظاهر أن يكون المبدل الذي هو الأصل أفضل ، لكنه تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب کالهدى وهو كقوله ( تلك عشرة كاملة ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ الآية نص فيما إذا لم يجد الهدى، والفقهاء قاسوا عليه ما إذا وجد الهدى ولم يجد ثمنه ، أو كان ماله غائباً ، أو يباع بثمن غال فهنا أيضاً يعدل إلى الصوم. ﴿المسألة الثانية) قوله ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) أي فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج ويتفرع عليه مسألة فقهية ، وهي أن المتمتع إذا لم يجد الهدى لا يصح صومه بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يصح حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه ( الأول ) أنه صام قبل وقته فلا يجوز كمن صام رمضان قبله ، وكما إذا صام السبعة أيام قبل الرجوع وإنما قلنا : إنه صام قبل وقته ، لأن الله تعالى قال ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) وأراد به إحرام الحج ، لأن سائر أفعال الحج لا تصلح طرفاً للصوم ، والإِحرام يصلح فوجب حمله عليه ( الثاني ) أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت للهدى الذي هو أفضل ، فكذا لا يكون وقتاً للصوم الذي هو بدله اعتباراً بسائر الأصول والإبدال ، وتحقيقه أن البدل حال عدم الأصل يقوم مقامه فيصير في الحكم كأنه الأصل ، فلا يجوز أن يحصل في وقت لو وجد الأصل لم يجز إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع في الحج إلى يوم النحر والأصح ١٦٨ قوله تعالى (( تلك عشرة كاملة)) سورة البقرة أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق لقوله عليه الصلاة والسلام ((ولا تصوموا في هذه الأيام)) والمستحب أن يصوم في أيام الحج حيث يكون يوم عرفة مفطراً. المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله (إذا رجعتم ) فقال الشافعي رضى الله عنه في الجديد : هو الرجوع إلى الأهل والوطن ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع ، ويتفرع عليه أنه إذا صام الأيام السبعة بعد الرجوع عن الحج ، وقبل الوصول إلى بيته، لا يجزيه عند الشافعي رضي الله عنه ، ويجزيه أبي حنيفة رحمه الله ، حجة الشافعي وجوه ( الأول) قوله (إذا رجعتم ) معناه إلى الوطن ، فان الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطاً وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط والرجوع إلى الوطن لا يحصل إلا عند الانتهاء إلى الوطن فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد المشروط ويتأكد ما قلنا بأنه لومات قبل الوصول إلى الوطن لم يكن عليه شيء ( الثاني ) ما روى عن ابن عباس قال: لما قدمنا مكة قال النبي ◌َّر ((اجعلوا إهلا لكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى)) فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فلما فرغنا قال ((عليكم الهدى فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم)) (الثالث) أن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر في رمضان ، فصوم التمتع أخف شأناً منه. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن أبي عبلة (سبعة) بالنصب عطفاً على محل ثلاثة أيام كأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام ، كقوله ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ) ". أما قوله تعالى ( تلك عشرة كاملة ) فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين ( أحدهما ) أن من المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحاً للواضح ( والثاني ) أن قوله ( كاملة ) يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعاً من الفوائد في هذا الكلام (الأول) أن الواو في قوله (وسبعة إذا رجعتم) ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله ( مثنى وثلاث ورباع ) وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله (عشرة كاملة ) إزالة لهذا الوهم ( النوع الثاني) أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدل ليكون الفاقد للهدى المتحمل لکلفة الصوم ساکن النفس إلى ما حصل له من الأجر الکامل من عند اللّه، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله ( كاملة ) كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر : . ١٦٩ قوله تعالى ((تلك عشرة كاملة)) سورة البَقَرة العشرة ، ثم اعلم أن قوله ( كاملة ) يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنها كاملة في البدل عن الهدى قائمة مقامه ( وثانيها ) أنها كاملة في أن ثواب صاحبه کامل مثل ثواب من يأتي بالهدى من القادرين عليه ( وثالثها ) أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملاً ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع . : النوع الثالث ﴾ أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضى خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصاً بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصاً على أن هذا المخصص لم يوجد البتة ، فتكون دلالته أقوى ، واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد. ﴿ النوع الرابع﴾ أن مراتب الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركباً أو مكسوراً، وكون العشرة عدداً موصوفاً بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عدداً موصوفاً بصفة الكمال خالياً عن الكسر والتركيب. النوع الخامس ﴾ أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وقال ( ولا طائر يطير بجناحيه") والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملاً على مصالح كثيرة ولا يجوز الاخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فانه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الاخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة. ﴿ النوع السادس﴾ في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب، فبين الله تعالى ذلك بياناً قاطعاً للشك والريب ، وهذا كما روى أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثاً ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبهاً بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين. ﴿ النوع السابع﴾ أن هذا الكلام يزيل الابهام المتولد من تصحيف الخط، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه . .---- ١٧٠ قوله تعالى ((تلك عشرة كاملة)) سورة البقرة النوع الثامن﴾ أن قوله (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة. المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة: المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فاذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة. النوع التاسع ﴾ أن اللفظ وإن كان خبراً لكن المعنى أمر والتقدير: فلتكن تلك! الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال ( وأتموا الحج والعمرة لله): وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة، حتى يكون جابراً للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاماً كاملاً ، والمراد بكون! هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاماً ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكداً جداً فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إايجابه . النوع العاشر﴾ أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد. الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال بعده ( تلك عشرة كاملة ) دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص على ما قال تعالى((الصوملی)والحج أيضاًمضاف إلى الله. تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضاً على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل البتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جداً، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى، والحج أيضاً عبادة لا يطلع العقل البتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين شيئين شاقين جداً، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم. أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال؟ والعلو، فقال ( تلك عشرة كاملة) فان التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على : ١٧١ قوله تعالى ((ذلك لمن لم يكن أهله)) سورة البَقَرة هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين. أما قوله تعالى ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قوله ( ذلك) إشارة إلى ما تقدم ، وأقرب الأمور المذكورة ذكر ما يلزم المتمتع من الهدى وبدله ، وأبعد منهم ذكر تمتعهم . فلهذا السبب اختلفوا ، فقال الشافعي رضي الله عنه ، إنه راجع إلى الأقرب ، وهو لزوم الهدى وبدله على المتمتع ، أي إنما يكون إذا لم يكن المتمتع من حاضري المسجد الحرام ، فاما إذا كان من أهل الحرم فانه لا يلزمه الهدى ولا بدله ، وذلك لأن عند الشافعي رضي الله عنه هذا الهدى إنما لزم الآفاقي لأنه كان من الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات . فلما أحرم من الميقات عن العمرة ، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات ، فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبوراً بهذا الدم ، والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات ، فاقدامه على التمتع لا يوقع خللاً في حجه ، فلا جرم لا يجب عليه الهدى ولا بدله ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن قوله ( ذلك ) إشارة إلى الأبعد ، وهو ذكر التمتع ، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، ومن تمتع أو قرن كان عليه دم هو دم جناية لا یأکل منه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه : الحجة الأولى) قوله تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) عام يدخل فيه الحرمی. ﴿ الحجة الثانية) قوله (ذلك) كناية فوجب عودها إلى المذكور الأقرب ، وهو وجوب الهدى ، وإذا خص إيجاب الهدى بالتمتع الذي يكون آفاقياً لزم القطع بأن غير الآفاقي قد يكون أيضاً متمتعاً . ﴿ الحجة الثالثة) أن الله تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحر مهم العمرة في أشهر الحج والنسخ یثبت في حق الناس كافة. الحجة الرابعة ﴾ أن من كان من أهل الإفراد كان من أهل المتعة قياساً على المدني ، إلا أن المتمتع المكي لا دم عليه لما ذكرناه ، حجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن قوله ( ذلك ) كناية فوجب عودها إلى كل ما تقدم ، لأنه ليس البعض أولى من البعض . (وجوابه ) لم لا يجوز أن يقال عوده إلى الأقرب أولى لأن القرب سبب للرجحان أليس أن مذهبه أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة ، وإنما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب فكذا ههنا . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بحاضري المسجد الحرام ، فقال مالك: هم أهل مكة ١٧٢ قوله تعالى ((ذلك لمن لم يكن)) .. . وأهل ذي طوى قال: فلو أن أهل منى أحرموا بالعمرة من حيث يجوز لهم ، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا كانوا متمتعين ، وسئل مالك رحمه الله عن أهل الحرم أيجب عليهم ما يجب على المتمتع ، قال : نعم وليس هم مثل أهل مكة فقيل له : فأهل مني فقال : لا أرى ذلك إلا لأهل مكة خاصة وقال طاوس حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة ، فان كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : حاضروا المسجد الحرام أهل المواقيت ،، وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات العرق ، فكل من كان من أهل موضع من هذه المواضع ، أو من أهل ما وراءها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام ، هذا هو تفصيل مذاهب الناس ، ولفظ الآية توافق لمذهب مالك رحمه الله ، لأن أهل مكة هم الذين يشاهدون المسجد الحرام ويحضرونه ، فلفظ الآية لا يدل إلا عليهم ، إلا أن الشافعي قال : كثيراً ما ذكر الله المسجد الحرام ، والمراد منه الحرم ، قال تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد: الحرام) ورسول الله وَ له إنما أسرى به من الحرم لا من المسجد الحرام، وقال ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) والمراد الحرم ، لأن الدماء لا تراق في البيت والمسجد ، إذا ثبت هذا فنقول :: المراد من المسجد الحرام ههناما ذكرناه ويدل عليه وجهان ( الأول ) الحاضر ضد المسافر ، وكل: من لم يكن مسافراً كان حاضراً ، ولما كان حكم السفر إنما ثبت في مسافة القصر، فكل من كان دون مسافة القصر لم يكن مسافراً وكان حاضراً ( الثاني ) أن العرب تسمي أهل القرى : حاضرة وحاضرين ، وأهل البر: بادية وبادين ومشهور كلام الناس : أهل البدو والحضر يراد بهما أهل الوبر والمدر . المسألة الثالثة ﴾ قال الفراء : اللام في قوله ( لمن ) بمعنى على ، أي ذلك الفرض . الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة ، كقوله عليه الصلاة والسلام. (( واشترطي لهم الولاء)) أي عليهم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ الله تعالى ذكر حضور الأهل والمراد حضور المحرم لا حضور الأهل ، لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث أهله ساكنون . المسألة الخامسة ﴾ المسجد الحرام إنما وصف بهذا الوصف لأن أصل الحرام والمحروم الممنوع عن المكاسب والشىء المنهى عنه حرام لأنه منع من إتيانه ، والمسجد الحرام الممنوع من أن يفعل فيه ما منع عن فعله قال الفراء : ويقال حرام وحرم مثل زمان وزمن. أما قوله تعالى ( واتقوا الله) قال ابن عباس : يريد الله فيما فرض عليكم (وأعلموا أن : : : : ١٧٣ قوله تعالى ((الحج أشهر معلومات)) الآية، سورة البَفَرة الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيِنَّ الْحَجَّ فَلَاَ رَفَتَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى وَأَتَّقُونٍ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ ٩٧ الله شديد العقاب ) لمن تهاون بحدوده قال أبو مسلم : العقاب والمعاقبة سيان ، وهو مجازاة المسيء على إساءته وهو مشتق من العاقبة : كأنه يراد عاقبة فعل المسيء ، كقول القائل : لتذوقن عاقبة فعلك . قوله تعالى ﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى الألباب فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه ( أحدها ) التقدير : أشهر الحج أشهر معلومات ، فحذف المضاف وهو كقولهم : البرد شهران ، أي وقت البرد شهران (والثاني ) التقدير الحج حج أشهر معلومات ، أي لا حج إلا في هذه الأشهر ، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر ، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر ( الثالث ) يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم . ﴿ المسألة الثانية﴾ أجمع المفسرون على أن شوالا وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة ، فقال عروة بن الزبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله : العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج ، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن ، وقال الشافعي رضي الله عنه : التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج ، حجة مالك رضي الله عنه من وجوه ( الأول) أن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقلة ثلاثة. الحجة الثانية﴾ أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر، ومذهب عروة ١٧٤ قوله تعالى ((الحج أشهر معلومات)) سورة البقرة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر (والجواب عن الأول) من وجهين (أحدهما) أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ، بدليل قوله (فقد صغت قلوبكما) (والثاني) أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها (والجواب عن الثاني) أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج ، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء ، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج، فقد تمسكوا فيه بوجهين (الأول) أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر (والثاني) أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة ، وأما الشافعي رضي الله عنه فانه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها ، فهذا تقرير هذه المذاهب. بقي ههنا إشكالان (الأول) أنه تعالى قال من قبل (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل كل الأهلة مواقيت للحج (الثاني) أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله ، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص (والجواب عن الأول) أن تلك الآية عامة ، وهذه الآية وهي قوله (الحج أشهر معلومات) خاصة والخاص مقدم على العام (وعن الثاني) أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة . ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (معلومات) فيه وجوه (أحدها) أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً ، وأحالهم في معرفة تلك الاشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقررا له (الثاني) أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام (الثالث) المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، لا كما يفعله الذين نزل فيهم (إنما النسيء زيادة في الكفر). ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل اشهر الحج ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي الله عنهم: لأيجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي الله عنه قوله (الحج أشهر معلومات) وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير، فلا يتناول الكل ، وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى ، فثبت أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة ، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة: شوال ، وذو القعدة ، وبعض من ذي الحجة ، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يجوز احرام إهذه لا زائدة وأجمله يحا بحمول : : ١٧٥ قوله تعالى ((فمن فرض فيهن الحج )) سورة البَقَرة بالحج قبل الوقت ، ويدل عليه ثلاثة أوجه (الأول) أن الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا على الصلاة (الثاني) أن الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت ، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر ، حكما فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى (الثالث) أن الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحا لاداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان (الأول) قوله تعالى (ويسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج ، وهي ليست بمواقيت للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام ، ويجوز أن يسمى حجا مجازاً كما سمي الوقت حجاً في قوله (الحج أشهر معلومات) بل هذا أولى لأن الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت. والحجة الثانية﴾ أن الإحرام التزام للحج ، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر. والجواب عن الأول﴾ أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها. ﴿ والجواب عن الثاني﴾ أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر للأداء والأتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ وأما الإِحرام فانه مع كونه التزاما فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه ، فلا جرم افتقر إلى الوقت . وقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) فيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ معنى (فرض) في اللغة ألزم وأوجب، يقال: فرضت عليك كذا أى أوجبته واصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع ، قال ابن الاعرابي: الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره، وفرضة القوس، الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الوتد الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة وغيرها، لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح، ففرض ههنا بمعنى أوجب، وقد جاء في القرآن: فرض بمعنى أبان، وهو قوله (سورة أنزلناها وفرضناها) بالتخفيف، وقوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وهذا أيضاً راجع إلى معنى القطع، لأن من قطع شيئاً فقد أبانه من غيره والله تعالى إذا فرض شيئاً أبانه عن غيره ، ففرض بمعنى أوجب، وفرض بمعنى أبان، كلاهما يرجع إلى أصل واحد. المسألة الثانية﴾ اعلم أن في هذه الآية حذفا، والتقدير: فمن ألزم نفسه فيهن الحج، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرماً إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجا إلا بفعل يفعله ، فيخرج عن أن يكون حلالا ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى ١٧٦ قوله تعالى ((فلا رفت ولا فسوق)) سورة البقرة غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرما ، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضاً سميت البقعة حرما لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله لأجله یصیر حاجا ومحرما ، ثم أختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو؟ قال الشافعي رضي الله عنه: أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصح الشروع في الأحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى، قال القفال رحمه الله في تفسيره: یروي عن جماعة أن من أشعر هدية أو قلده فقد أحرم، وروی نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم، وعن ابن عباس: إذا قلد الهدى وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه: ﴿ الحجة الأولى ﴾ قوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدى فانه لا إشعار البتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج، بدليل قوله تعالى (فلا رفث) فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج. ﴿ الحجة الثانية﴾ ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام ((وإنما لكل امرئ ما نوى)). الحجة الثالثة ﴾ القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات ، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان (الأول) ما روي أبو منصور الماتريدي في تفسيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يحرم إلا أهل أو لبى (الثاني) أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة. وأما قوله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ففيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع والتنوين (ولا جدال) بالنصب، والباقون قرؤا الكل بالنصب. واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقا بمقدمتین (الاولى) أن كل شيء له اسم، فجوهر الأسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى، فقولك: رجل يفيد الماهية المخصوصة، وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل والصفة بإزاء : ١٧٧ قوله تعالى ((فلا رفت ولا فسوق)) سورة البَقَرة الصفة، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال: رحل جدار حجر، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خاليا عن الحركات، فان أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون . المقدمة الثانية﴾ إذا قلت: لا رجل بالنصب، فقد نفيت الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً، أما إذا قلت: لا رجل بالرفع والتنوين، فقد نفيت رجلا منكراً مبهما ، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك: لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك: لا رجل بالرفع والتنوين. إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول: أما الذين قرؤا (ثلاثة) بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الإهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق، وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملا على جميع انواع القبح لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي، أما المفسرون فانهم قالوا: من قرأ الأولين بالرفع والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء الجدال، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي . المسألة الثانية﴾ أما الرفث فقد فسرناه في قوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) والمراد: الجماع، وقال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد والغمز، والرفث بالفرج الجماع، وهؤلاء قالوا: التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثاً، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره وهو محرم ويقول: وهن یمشین بنا همیسا إن تصدق الطیر ننك لميسا فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء، وقال آخرون: الرفث هو قول الخناوالفحش، واحتج هؤلاء بالخبر واللغة أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام (((إذا كان الفخر الرازي ج ٥ م ١٢ ١٧٨ قوله تعالى ((فلا رفت ولا فسوق)) سورة البَقَرة صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فان امرؤ شاتمه فليقل إني صائم)) ومعلوم أن الرفث ههنا لا يحتمل إلا قول الخنا والفحش، وأما اللغة فهو أنه روي عن أبي عبيد أنه قال: الرفث الإِفِحاش في المنطق، يقال أرفث الرجل إرفاثاً، وقال ابو عبيدة: الرفث اللغو من الكلام. أما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق یفسق، وقد ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا : لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى (ففسق عن أمر ربه) وبقوله (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها: (الأول) المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (والثاني) المراد منه الإيذاء والإفحاش، قال تعالى (لا يضار كاتب ولا شهيد، وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) (والثالث) قَالُ ابن زيد: هو الذبح للأصنام فانہم کانوا في حجھم یذبحون لأجل الحج، ولأجل الأصنام، وقال تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) وقوله (أو فسقا أهل لغير الله به) (والرابع) قال ابن عمر: إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه (والخامس) أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا (والسادس) قال محمد بن الطبري: الفسوق ، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته. وأما الجدال فهو فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي من القتل، يقال: زمام مجدول وجديل، أي مفتول، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا مفتولا، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه، وذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال (فالأول) قال الحسن: هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب والتكذيب ١٧٩ قوله تعالى (( فلا رفت ولا فسوق )) سورة البَقَرة والتجهيل (والثاني) قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى، قال بعضهم: حجنا أتم، وقال آخرون: بل حجنا أتم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. (والثالث) قال مالك في الموطأ الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، قال الله تعالى (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر، وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم، وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) قال مالك هذا هو الجدال فيما يروي والله أعلم. (والرابع) قال القاسم بن محمد؛ الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج اليوم، وآخرون يقولون: بل غداً، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب الشهور على رؤية الأهلة، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا يختلفون فبعضهم يقول: هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول: بل غدا، فالله تعالى نهاهم عن ذلك، فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الآهلة مواقيت للناس والحج، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة. (والخامس) قال القفال رحمه الله تعالى: يدخل في هذا النهى ما جادلوا فيه رسول الله له حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة» وتركوا الجدال حينئذ . (السادس) قال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام. (السابع) أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم: لا جدال في الحج فإن الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام ١٨٠ قوله تعالى ((فلا رفت ولا فسوق)) سورة البَقَرة في حجة الوداع ((ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» فهذا مجموع ما قاله المفسرون في هذا الباب. وذكر القاضي كلاما حسنا في هذا الموضع فقال: قوله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) يحتمل أن یکون خبرا وأن یکون نهیا کقوله (لا ريب فيه) أي لا ترتابوا فیه، وظاهر اللفظ للخبر فاذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه يفسد الحج، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفراً فلا يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، فان قيل: أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحج فاسدا ويجب على صاحبه المضي فيه ، وإذا كان الحج باقياً معها لم يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، قلنا: المراد من الآية حصول المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها، والحجة الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء، وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإِسلام فثبت أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه، أما إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أنواعه، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون النهي عنها نهيا عن جميع أقسامها، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث على الأخلاق الجميلة، والتمسك بالآداب الحسنة، والاحتراز عما يحبط ثواب الطاعات. ﴿ المسألة الثالثة﴾ الحكمة فى أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة : قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة، أعني الشهوانية، والغضبية، والوهمية، فقوله (فلا رفث) إشارة إلى قهر القوة الشهوانية، وقوله (ولا فسوق) إشارة إلى قهر :