النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى ((ثم أتموا الصيام إلى الليل)) سورة البَقَرة داخلا فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذاً بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روي عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله وَال و ((إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وقد غربت الشمس فقد افطر الصائم)) فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت، فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شیئاً، فالدلیل علیه ما روی الشافعي رضي الله تعالى عنه باسناده عن ابن عمر أن النبي ◌ُّ نهى عن الوصال قيل: يا رسول الله تواصل، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، وقيل فيه معان (أحدها) أنه كان يطعم ويسقي من طعام الجنة (والثاني) أنه عليه الصلاة والسلام قال: إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلا، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ، أنه كان يواصل سبعة أيام فلما كبر جعلها خمسا، فلما كبر جداً جعلها ثلاثا ، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهى تحريم، وقيل: هو نهى تنزيه، لأنه ترك للمباح، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير، إذا عرفت هذا فنقول: إذا تناول شيئاً قليلا ولو قطرة من الماء ، فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف ، أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدراً يزول به هذا الخوف. المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن الليل ما هو؟ فمن الناس من قال: آخر النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس ، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفى بزوال الحمرة، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب ، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء. المسألة الثالثة﴾ الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم ، قالوا: الصوم في اللغة هو الإمساك ، وقد وجد ههنا فيكون صائما ، فيجب عليه إتمامه ، لقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فوجب القول بصحته ، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفی بقوله تعالى (ما جعل علیکم في الدين من حرج) وقوله (ولا يريد بكم العسر) ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل ثم نقول: مقتضى هذا الدليل، أن يصح صوم الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا: الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال. المسألة الرابعة ﴾ الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا: لأن قوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أمر وهو للوجوب ، وهو يتناول كل الصيامات ، والشافعية قالوا: هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض ، فكان المراد منه صوم الفرض . ١٢٢ قوله تعالى ((ولا تباشروهن)) سورة البقرة الحكم السابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف قوله تعالى ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) . اعلم أنه تعالى لما بین الصوم ، وبین أن من حکمه تحریم المباشرة ، کان يجوز أن يظن فى الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهاراً لا ليلاً، فبين تعالى تحريم المباشرة فیه نهاراً وليلاً ، فقال ( ولا تباشرون وأنتم عاكفون في المساجد ) ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: الإعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه ، براً كان أو إثماً ، قال تعالى ( يعكفون على أصنام لهم ) والاعتكاف الشرعي : المكث في بيت الله تقرباً إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف، وهو من الشرائع القديمة ، قال الله تعالى ( وطهرا بيتي للطائفين والعاكفين ) وقال تعالى ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) . ﴿ المسألة الثانية ﴾ لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأس رسول الله وَليل وهو معتكف، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف، وهل يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله ( ولا تباشروهن) منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها . كان قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟ .. قلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذناً فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال : إنها لا تبطل الإعتكاف، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، فوجب أن لا تفسد الاعتكاف، لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما (والجواب ) أن النص مقدم على القياس . المسألة الثالثة ﴾ اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن ١٢٣ قوله تعالى ((ولا تباشروهن)) سورة البقرة المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات فيه ، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى ( أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ) فعين ذلك البيت لجميع العاكفين ، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء : لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ، لما روي عبد الله بن الزبير أن النبي ◌ّ قال ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي )) وقال حذيفة : يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا)) وقال الزهري : لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة : لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز في جميع المساجد ، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، واحتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية لأن قوله ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) عام يتناول كل المساجد . ﴿ المسألة الرابعة﴾ يجوز الإعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم ، حجة الشافعي رضي الله عنه هذه الآية ، لأنه بغير الصوم عاكف والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي الله عنهما بأمور ثلاثة ( الأول ) لو كان الإعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان ، لأن الصوم الذي هو موجبه إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف ، أو صوم آخر سوى صوم رمضان ، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان ، علمنا أن الصوم لا يوجبه الإعتكاف ( والثاني ) أنه لو كان الإعتكاف لا يجوز إلا مقارناً بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الإعتكاف لخروجه فيه عن الصوم ، ولما كان الأمر بخلاف ذلك ، علمنا أن الإعتكاف يجوز مفرداً أبداً بدون الصوم ( والثالث ) ما روي ابن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف لله ليلة فقال عليه الصلاة والسلام : أوف بنذرك ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل . المسألة الخامسة ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه : لا تقدير لزمان الإعتكاف فلو نذر اعتكاف ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقاً يخرج عن نذره باعتكافه ساعة ، كما لو نذر أن يتصدق مطلقاً تصدق بما شاء من قليل أو كثير ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف ، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف ١٢٤ قوله تعالى ((تلك حدود الله)) سورة البَقَرة أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض ، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لا بد منه ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو حبس النفس عليه ، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة ، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة . أما قوله تعالى ( تلك حدود الله ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قوله ( تلك) لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الاعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الاعتكاف إلا حداً واحداً، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل . 1 المسألة الثانية ﴾ قال الليث : حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري: ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرهما من الدخول فيها ، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حداً ، وسمي الحديد : حديداً لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الإشتقاق فتقول : المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة . أما قوله تعالى ( فلا تقربوها ) ففیہ إشکالان ( الأول ) أن قوله تعالى ( تلك حدود الله ) إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل ( فلا تقربوها ) ( والثاني ) أنه تعالى قال في آية أخرى ( تلك حدود الله فلا تعتدوها) وقال في آية. المواريث ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) وقال ههنا ( فلا تقربوها ) فكيف الجمع: بينهما ؟ . ( والجواب عن السؤالين من وجوه) (الأول) وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيزا الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيداً عن الطرف فضلاً أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام ((إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) ( الثاني ) ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله (ولا تقربوا مال اليتيم) ١٢٥ قوله تعالى ((ولا تأكلوا أموالكم)) الآية. سورة البَقَرة وَلَا تَأْكُوْ أَمْوَّلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَيْطِ وَتُدْلُواْ بِهَاَ إِلَى الْحُكِْ لِتَأْكُوْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَّلٍ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ( الثالث ) أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) وقبل هذه الآية قوله ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار ، وقبل هذه الآية قوله ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) وهو يقتضى تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة ، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل ، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات ، لا جرم غلب جانب التحريم فقال ( تلك حدود الله فلا تقربوها) أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها . أما قوله تعالى ( كذلك يبين الله آياته للناس ) ففيه وجوه ( أحدها ) المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع ، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه ( وثانيها ) قال أبو مسلم : المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات ) ثم فسر الآيات بقوله ( الزانية والزاني ) إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا ، فكأنه تعالى قال : كذلك يبين الله للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم (وثالثها) يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بياناً شافياً وافياً ، قال بعده ( كذلك يبين الله آياته للناس ) أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس ، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان . أما قوله تعالى ( لعلهم يتقون ) فقد مر شرحه غير مرة . الحكم الثامن من الأحكام المذكورة في هذه السورة : حكم الأموال قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإِثم وأنتم تعلمون ﴾ . ١٢٦ قوله تعالى ((ولا تأكلوا أموالكم)» سورة البَقَرة إعلم أنهم مثلوا قوله تعالى ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم ) بقوله ( وتلمزوا أنفسكم ) وهذا مخالف لها ، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره ، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء : المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه والقسم الأول ﴾ الحرام لصفة في عينه . ١ واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات ، أو من الحيوانات ، أملا المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالأكل ، وهو ما يجري مجرى السم ، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة والصحة أو العقل ، فمزيل الحياة ! السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات . وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلا ما لا يؤكل ، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبخاً شرعياً ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم ، وكل ذلك مذکور في كتب الفقه . القسم الثاني ﴾ ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه، فنقول: أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك ، أو بغير اختياره كالإرث ، والذي باختياره إما أن يكون مأخوذاً من المالك كأخذ المعادن ، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك ، وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي ، والمأخوذ قهراً إما أن لسقوط عصمة الملك كالغنائم أو لاستحقاق الآخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم ، والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة ، وإما أن يؤخذ بغيرعوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة ( الأول) ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن ، وإحياء الموات، والاصطياد ، والاحتطاب ، والاستقاء من الأنهار ، والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين ( الثاني ) المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له ، وهو الفيء ، والغنيمة ، وسائر أموال الكفار المحاربين، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس، وقسموه بين المستحقين بالعدل، ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهد (والثالث) ما يؤخذ قهراً باستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه ، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق ، وتم وصف المستحق واقتصر على القدر المستحق ( الرابع ) ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين ؛ أعني الإيجاب والقبول تما يعتد الشرع به من اجتناب الشرط المفسد ( الخامس ) ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه ، وشرط العاقدين ، وشرط العقد ، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره ١٢٧ مه قوله تعالى ((وتدلوا به إلى الحكام)) سورة البقرة ( السادس ) ما يحصل بغير اختياره کالميراث ، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا ، وتعديل القسمة بين الورثة ، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة ، فهذا مجامع مداخل الحلال ، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان مالاً حلالاً ، وكل ما كان بخلافه كان حراماً ، إذا عرفت هذا فنقول : المال إما أن يكون لغيره أو له ، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة ، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط والقمار أو إلى السرف المحرم ، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله ( ولا تأكلوا أموالكم بینکم بالباطل ) واعلم أنه سبحانه کرر هذا النھي في مواضع من کتابه فقال ( یا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ) وقال ( الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) وقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) ثم قال ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) ثم قال ( وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ) ثم قال ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذناً بمحاربة الله ، وفي آخره متعرضاً للنار . المسألة الثانية ) قوله (ولا تأكلوا) ليس المراد منه الأكل خاصة ، لأن غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا الباب لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال إنما هو الأكل وقع التعارف فيمن ينفق ماله أن يقال أنه أكله فلهذا السبب عبر الله تعالى عنه بالأكل . المسألة الثالثة﴾ ( الباطل ) في اللغة الزائل الذاهب ، يقال: بطل الشيء بطولاً فهو باطل ، وجمع الباطل بواطل ، وأباطيل جمع أبطولة ، ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو . أما قوله تعالى ( وتدلوا بها إلى الحكام ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرسالك إياها في البئر للاستقاء يقال . أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى ( فأدلى دلوه ) ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء ، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته ، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة ، طلب المستحق بالدلو الماء ، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي ، والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولا تدلوا إلى الحكام ، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس ١٢٨ قوله تعالى « يسئلونك عن الأهلة)) الآية . سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ آلْأَمِلَّةِ قُلّ هِىَ مَوْقِتُ لِلنَّاسِ وَالْمَجْ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِّ مَنِ اتَّقَ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ بالباطل ، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان ( أحدهما ) أن الرشوة رشاء الحاجة ، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريباً بسبب الرشوة ( والثاني ) أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال ، ثم المفسرون ذكروا وجوهاً (أحدها ) قال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة ( وثانيها ) أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه ( وثالثها ) أن المراد من الحاكم شهادة الزور ، وهو قول الكلبي ( ورابعها ) قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه ( وخامسها ) هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة ، وهذا أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد أيضاً حمل اللفظ على الكل ، لأنها بأسرها أكل بالباطل . أما قوله تعالى ( وأنتم تعلمون ) فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون ، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتوبيخ أحق ، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، اختصم رجلان إلى النبي ◌َّر: عالم بالخصومة وجاهل بها ، فقضى رسول اللّه ◌َّ العالم، فقال من قضى عليه: يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق فقال: إن شئت أعاوده ، فعاوده فقضى للعالم ، فقال المقضى عليه مثل ما قال أولا ثم عاوده ثالثاً ، ثم قال عليه الصلاة والسلام (( من اقتطع حق امرء مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار)) فقال العالم المقضى له : يا رسول الله إن الحق حقه، فقال عليه الصلاة والسلام ((من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار )) . الحكم التاسع قوله تعالى ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرمن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ) . ١٢٩ قوله تعالى ((يسئلونك عن الأهلة)) سورة البقرة في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ نقل عن ابن عباس أنه قال: ما كان قوم أقل سؤالاً من أمة محمد عليه. سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا . وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة ( أولها ) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) ( وثانيها ) هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة ، فالمجموع ثمانية في هذه السورة ( والتاسع ) قوله تعالى في سورة المائدة ( يسألونك ماذا أحل لهم) ( والعاشر) في سورة الأنفال ( يسألونك عن الأنفال ) ( والحادي عشر) في بني إسرائيل ( يسألونك عن الروح ) ( والثاني عشر) في الكهف ( ويسألونك عن ذي القرنين ) ( والثالث عشر) في طه ( يسألونك عن الجبال ) ( والرابع عشر) في النازعات ( يسألونك عن الساعة ) ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : إثنان منها في الأول في شرح المبدأ ( فالأول ) قوله ( وإذا سألك عبادي عني ) وهذا سؤال عن الذات ( والثاني ) قوله ( يسألونك عن الأهلة ) وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه ، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد ( أحدهما ) قوله ( ويسألونك عن الجبال) (والثاني ) قوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان ( أولهما ) ( يا أيها الناس ) ( أحدهما ) في النصف الأول: وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول ، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثتها آل عمران ورابعتها النساء ( وثانيتهما ) في النصف الثاني من القرآن وهي أيضاً السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم ، وثانيتها طه ، وثالثتها الأنبياء ، ورابعتها الحج ، ثم (يا أيها الناس) التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) و( يا أيها الناس ) التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية ، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده . المسألة الثانية﴾ روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول الله : ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية ويروى أيضاً عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة . واعلم أن قوله تعالى ( يسألونك عن الأهلة ) ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال ، لأن قوله ( قل هي مواقيت للناس والحج ) يدل على أن الفخر الرازي ج ٥ م ٩ ١٣٠ قوله تعالى ((قل هي مواقيت للناس)) سورة البَقَرة سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة ، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى . المسألة الثالثة ﴾ الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس ، يقال له : هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمراً بعد ذلك ، وقال أبو الهيثم : يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالاً، وكذلك ليلتين من آخر الشهر، ثم يسمى ما بين ذلك قمراً، قال الزجاج : فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة ، نحو مثال وأمثلة ، وحمار وأحمرة ، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل ، نحو هللٍ وخللُ ، فاقتصروا على جمع أدنى العدد . أما قوله تعالى ( قل هي مواقيت للناس والحج ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ المواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت ، قال الله تعالى ( فتم ميقات ربه ) والهلال ميقات الشهر ، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مواضع ينتهي إليها ، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع ، فصار كأن الجمع يكرر فيها فإن قيل : لم صرفت قوارير؟ قيل : لأنها فاصلة وقعت في رأس آية ، فنون ليجري على طريقة الآيات ، كما تنون القوافي ، مثل قوله : أقل اللوم عاذل والعتابن المسألة الثانية ﴾ اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدراً من أربعة أوجه : السنة والشهر واليوم والساعة ، أما السنة فهي عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها ، إلا أن القوم اصطلحوا على أن تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل ، وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة ، ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع الشمس ، وأشهر أوضاعه من الشمس هو الهلال العربي ، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر ، وأما اليوم بليلته فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق ، أو نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها ، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم بليلته، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبدأ لليوم بليلته ، أما أكثر الأمم فانهم جعلوا مبادىء الأيام بلياليها من مفارقة الشمس أفق المشرق ١٣١ قوله تعالى ((قل هي مواقيت للناس)) سورة البَقَرة وعودها إليه من الغداة ، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى ، فزمان النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض ، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض ، وفي شريعة الإِسلام يفتتحون النهار من أول وقت طلوع الفجر في وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام ، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ ، وأما الساعة فهي على قسمين : مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة ، فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة . فنقول : أما السنة فهي عبارة عن دورة الشمس فتحدث بسببها الفصول الأربعة ، وذلك لأن الشمس إذا حصلت في الحمل فاذا تركت من هذا الموضع إلى جانب الشمال ، أخذ الهواء في جانب الشمال شيئاً من السخونة لقربها من مسامتة الرؤوس ، ويتواتر الإسخان إلى أن تصل أول السرطان ، وتشتد الحرارة ويزداد الحر ما دامت في السرطان والأسد لقربها من سمت الرؤوس ، ويتواتر الإِسخان ، ثم ينعكس إلى أن يصل الميزان : وحينئذ يطيب الهواء ويعتدل ، ثم يأخذ الحر في النقصان والبرد في الزيادة ، ولا يزال يزداد البرد إلى أن تصل الشمس إلى أول الجدي ، ويشتد البرد حينئذ لبعدها عن سمت الرؤوس ، ويتواتر البرد ثم إن الشمس تأخذ في الصعود إلى ناحية الشمال ، وما دامت في الجدي والدلو ، فالبرد أشد ما يكون إلى أن تنتهي إلى الحمل ، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل ، وعادت الشمس إلى مبدأ حركتها وانتهى زمان السنة نهايته ، وحصلت الفصول الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء ، ومنافع الفصول الأربعة وتعاقبها ظاهرة مشهورة في الكتب . وأما الشهر فهو عبارة عن دورة القمر في فلكه الخاص وزعموا أن نوره مستفاد من الشمس وأبداً يكون أحد نصفيه مضيئاً بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون النصف المضيء هو النصف الفوقاني فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئاً وعند الإستقبال يكون نصفه المضيء مواجهاً لنا فلا جرم نراه مستنيراً بالتمام ، وكلما كان القمر أقرب إلى الشمس ، كان المرئي من نصفه المضيء أقل وكلما كان أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر ، ثم أنه من وقت الإجتماع إلى وقت الانفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس ، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت الإستقبال إلى وقت الإجتماع ، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس ، فلا جرم يرى كل ليلة ضوءه أقل ، ولا يزال يقل ويقل ( حتى عاد كالعرجون القديم ) فهذا ماقاله أصحاب الطبائع والنجوم . وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم ، والأجسام كلها متساوية في الجسمية ، ١٣٢ قوله تعالى ((قل هي مواقيت للناس)) سورة البقرة والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم ، وهذه مقدمة يقينية فإِذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل ، وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار ، وكل ما كان فعلا لفاعل مختار ، فإن ذلك يكون قادراً على إيجاده وعلى إعدامه ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الإختلافات الحاصلة في نور القمر إلى قربها وبعدها من الشمس ، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان بسبب إيجاد القادر المختار ، وكذا الذي في جرم القمر . بقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الإختلافات ، فنقول لعلماء الإِسلام في هذا المقام جوابان ( أحدهما ) أن يقال : إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة ، ويدل عليه وجوه ( أحدها ) أن من فعل فعلا لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة ، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثاً ، وإن لم يقدر فهو عاجز ( وثانيها ) أن كل من فعل فعلا لغرض ، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته ، مستكمل بغيره ، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضاً ( وثالثها ) أنه لو کان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن کان محدثاً افتقر إحداثه إلى غرض آخر ، وإن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، فلا جرم قالوا : كل شىء صنعه ولا علة لصنعه ، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه البتة ( فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) . والجواب الثاني ﴾ قول من قال: لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم ، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته ، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله ( قل هي مواقيت للناس والحج ) وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهي قوله ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) وقال في آية ثالثة ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ) وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا ، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة منها الصوم ، قال الله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) ( وثانيها) الحج ، قال الله تعالى ( الحج أشهر معلومات ) ( وثالثها ) عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى ( يتربصن بانفسهن أربعة أشهر وعشراً) (ورابعها) النذور التي تتعلق بالأوقات ، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة . وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإِجارات والمواعيد ولمدة الحمل والرضاع كما ١٣٣ قوله تعالى ((قل هي مواقيت للناس)) سورة البقرة قال ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الإختلاف في شكل القمر . فان قيل : لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر ، وذلك لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وباجرائها مثل أن يقال : كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة ، أو في سدسها ، أو نصفها ، وهكذا سائر الأجزاء ، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال : كلفتم بالطاعة الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوماً من أول السنة ، وأيضاً بتقدير أن يساعد على أنه لا بد مع تقدير الزمان بالسنة وباليوم تقديره بالقمر لكن الشهر عبارة عن دورة من اجتماعه مع الشمس إلى أن يجتمع معها مرة أخرى هذا التقدير حاصل سواء حصل الإختلاف في أشكال نوره أو لم يحصل ، ألا ترى أن تقدير السنة بحركة الشمس وإن لم يحصل في نور الشمس اختلافاً ، فكذا يمكن تقدير الشمس بحركة القمر ، وإن لم يحصل في نور القمر إختلاف، وإذا لم يكن لنور القمر مخالفة بحال ولا أثر في هذا الباب لم يجز تقديره به . ( والجواب عن السؤال الأول) أن ما ذكرتم وإن كان ممكناً إلا أن إحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام ، لأن الأهلة اثنا عشر شهراً ، والأيام كثيرة ، ومن المعلوم أن تقسيم جملة الزمان إلى السنين ، ثم تقسيم كل سنة إلى الشهور ، ثم تقسيم الشهور إلى الأيام ، ثم تقسيم كل يوم إلى الساعات ، ثم تقسيم كل ساعة إلى الأنفاس أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخبط ، ولهذا قال سبحانه ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً) وهذا كما أن المصنف الذي يراعي حسن الترتيب يقسم تصنيفه إلى الكتب ، ثم كل كتاب إلى الأبواب ، ثم كل باب إلى الفصول ثم كل فصل إلى المسائل فكذا ههنا الجواب عنه . وأما السؤال الثاني ﴾ فجوابه ما ذكرتم ، إلا أنه متى كان القمر مختلف الشكل ، كان معرفة أوائل الشهور وأنصافها وأواخرها أسهل مما إذا لم يكن كذلك ، وأخبر جل جلاله أنه دبر الأدلة هذا التدبير العجيب لمنافع عباده في قوام دنياهم مع ما يستدلون بهذه الأحوال المختلفة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته، كما قال تعالى (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ) وقال تعالى ( تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً) وأيضاً لو لم يقع في جرم القمر هذا الإختلاف لتأكدت شبه الفلاسفة في قولهم : أن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها ، فهو سبحانه وتعالى بحكمته القاهرة أبقى الشمس على حالة واحدة ، وأظهر الاختلاف في أحوال القمر ١٣٤ قوله تعالى (( ليس البران تأتوا البيوت)) سورة البقرة ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا بإبقاء الله وتغير القمر فی أشكاله لیس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا الطريق شاهداً على افتقارها إلى مدبر حكيم قادر قاهر ، كما قال ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) إذا عرفت هذه الجملة فنقول : أنه لما ظهر أن الإختلاف في أحوال القمر ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا بإبقاء الله وتغير القمر في أشكاله ليس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا الطريق شاهداً على افتقارها إلی مدبر حکیم قادر قاهر ، کما قال( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون. تسبيحهم ) إذا عرفت هذه الجملة فنقول : أنه لما ظهر أن الإختلاف في أحوال القمر معونة عظيمة في تعيين الأوقات من الجهات التي ذكرناها نبه تعالى بقوله ( قل هي مواقيت للناس والحج ) على جميع هذه المنافع ، لأن تعديد جميع هذه الأمور يقضى إلى الإطناب والاقتصار على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح فلم يبقى إلا الاقتصار على كونه ميقاتاً فكان هذا الاقتصار دليلاً على الفصاحة العظيمة. أما قوله تعالى ( والحج ) ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ) أي لأولادكم ، واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فافراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة ، قال تعالى ( الحج أشهر معلومات ) وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالاهلة ، قال تعالى ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وقال عليه السلام ((صوموا لرؤيته وافطر والرؤيته)) وأحسن الوجوه فيه ما ذكره القفال رحمه الله: وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسىء والله أعلم. أما قوله تعالى ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً ( أحدها) قال الحسن والأصم كان الرجل في الجاهلية إذا هم بشيء فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً، وعلى هذا تأويل الآية ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها على وجه التطير ، لكن البر من يتقي الله ولم يتق غيره ولم يخف شيئاً كان يتطير به ، بل توكل على الله تعالى واتقه وحده ، ثم قال( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي لتفوزوا بالخير في الدین والدنیا کقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً) وتمام ١٣٥ قوله تعالى (( ليس البربان تأتوا البيوت)) سورة البقرة التحقيق في الآية أن من رجع خائباً يقال : ما أفلح وما أنجح ، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا الله حتى تصيروا مفلحین منجحین وقد وردت الأخبار عن النبي ◌َّله بالنهي عن التطير، وقال ((لا عدوى ولا طيرة)) وقال من ((رده عن سفره تطير فقد أشرك)) أو كما قال وأنه كان يكره الطيرة ويحب الفأل الحسن وقد عاب الله تعالى قوماً تطيروا بموسى ومن معه ( قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله ) . الوجه الثاني ﴾ في سبب نزول هذه الآية ، روى أنه في أول الإسلام كان إذا أحرم الرجل منهم فان كان من أهل المدن نقب في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلما يصعد منه سطح داره ثم ينحدر ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ، فقيل لهم : ليس البر بتحرجكم عن دخول الباب ، ولکن البر من اتقى. الموجه الثالث ﴾ أن أهل الجاهلية إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقباً منه يدخل ويخرج إلا الحمس ، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصرابن معاوية ، وهؤلاء سموا حمساً لتشددهم في دينهم ، الحماسة الشدة ، وهؤلاء متى أحرموالم يدخلوا بيوتهم البتة ولا يستظلون الوبر ولا يأكلون السمن والأقط ، ثم أن رسول الله ◌َلي كان محرماً ورجل آخر كان محرماً ، فدخل رسول الله پے حال كونه محرماً من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الرجل الذي كان محرماً فاتبعه ، فقال عليه السلام : تنح عني ، قال : ولم يا رسول الله ؟ قال : دخلت الباب وأنت محرم فوقف ذلك الرجل فقال : إني رضيت بسنتك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلت فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر ولكن البر من اتقى مخالفة الله وأمرهم بترك سنة الجاهلية فقال (وأتوا البيوت من أبوابها ) فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية. ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه ( الأول) وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول ، إلا أن على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية ، فان القوم سألوا رسول الله له عن الحكمة في تغيير نور القمر، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك ، وهي قوله ( قل هي مواقيت للناس والحج ) فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر ، وبين هذه القصة ، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن هذا السؤال من وجوه ( أحدها ) أن الله تعالى لما ذكر أن الحكمة في اختلاف أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس والحج ، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج لا جرم تكلم الله تعالى فيه ( وثانيها) أنه تعالى إنما وصل قوله ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) بقوله ( يسألونك عن الأهلة ) لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الأية فيهما معاً في ١٣٦٠ قوله تعالى ((ليس البربان تأتوا البيوت)) سورة البقرة وقت واحد ووصل أحد الأمرين بالآخر ( وثالثها ) كأنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة فقيل لهم : اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم. لكم فانكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها بر وليس الأمر كذلك . ﴿ القول الثاني﴾ في تفسير الآية أن قوله تعالى (وليس البر بأن تأتوا البيوت من، ظهورها) مثل ضربه الله تعالى لهم ، وليس المراد ظاهره ، وتفسيره أن الطريق المستقيم المعلوم هو أن يستدل بالمعلوم على المظنون ، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب! وضد الحق وإذا عرفت هذا فنقول : إنه قد ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً ، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه ، ومتى عرفنا ذلك ، وعرفنا أن }. اختلاف أحوال القمر في النور من فعله علمنا أن فيه حكمة ومصلحة ، وذلك لأن علمنا بهذا الحكيم الذي لا يفعل إلا الحكمة يفيدنا القطع بأن فيه حكمة ، لأنه استدلال بالمعلوم على المجهول ، فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بالحكيم ، فهذا! الاستدلال باطل ، لأنه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم إذا عرفت هذا فالمراد من قوله. تعالی ( ولیس البر بأن تأتوا البیوت من ظهورها ) یعني أنکم لما لم تعلموا حکمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق ، فقد أتيتم الشيء لا من البر ولا من كمال العقل إنما! البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها فتستدلوا بالمعلوم المتيقن وهو حكمة خالقها على هذا المجهول. فتقطعوا بأن فيه حكمة بالغة ، وإن كنتم لا تعلمونها ، فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية. عن العدول عن الطريق الصحيح ، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم،. وهذا طريق مشهور في الكتابة فان من أرشد غيره إلى الوجه الصواب يقول له : ينبغي أن تأتي. الأمر من بابه وفي ضده يقال : إنه ذهب إلى الشيء من غير بابه قال تعالى ( فنبذوه وراء ظهورهم ) وقال ( واتخذتموه وراءكم ) فلما كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات ، ذكره الله تعالى ههنا ، وهذا تأويل المتكلمين ولا يصح تفسير هذه الآية فان تفسيرها بالوجه الأول، يطرق إلى الآية سوء الترتيب وكلام الله منزه عنه. ١ القول الثالث﴾ في تفسير الآية ما ذكره أبو مسلم، أن المراد من هذه الآية ما كانواء يعلمونه من النسىء ، فانهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له فيحرمون الحلال. ويحلون الحرام فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. المسألة الثالثة ) قوله تعالى (ولكن البر من اتقى) تقديره: ولكن البربر من اتقى فهو كقوله ( ولكن البر من آمن بالله ) وقد تقدم تقريره . ٠٫١ ١٣٧ قوله تعالى ((وقاتلوا في سبيل الله) الآية . سورة البقرة ١٩ وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الِّ الَّذِينَ يُقَدِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوّاْ إِنَّ الَّ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وقالون عن نافع ( البيوت ) بكسر الباء لأنهم استثقلوا الخروج من ضمة باء إلى ياء ، والباقون بالضم على الأصل. وللقراء فيها وفي نظائرها نحو بيوت ، وعيون ، وجيوب : مذاهب واختلافات يطول تفصيلها . أما قوله ( واتقوا الله ) فقد بينا دخول كل واجب واجتناب كل محرم تحته ( لعلكم تفلحون ) لكي تفلحوا ، والفلاح هو الظفر بالبغية ، قالت المعتزلة : وهذا يدل على إرادته تعالى الفلاح من جميعهم ، لأنه لا تخصيص في الآية والله أعلم . الحكم العاشر ما يتعلق بالقتال قوله تعالى ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ أنه تعالى أمر بالاستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله ، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالإستقامة علم ، والتقوى عمل ، وليس التكليف إلا في هذين ، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس ، وهو قتل أعداء الله فقال ( وقاتلوا في سبيل الله ). ﴿ المسألة الثانية﴾ في سبب النزول قولان (الأول ) قال الربيع وابن زيد: هذه الآية أول آية نزلت في القتال ، فلما نزلت كان رسول الله عليه يقاتل من قاتل ، ويكف عن قتال من تركه ، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى ( اقتلوا المشركين ). ( والقول الثاني ) أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية ١٣٨ قوله تعالى ((وقاتلوا في سبيل الله)) سورة البقرة وهو موضع کثیر الشجر والماء فصدهم المشرکون عن دخول البیت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ، ویترکون له مكة ثلاثة أيام حتی یطوف وینحر الهدى ویفعل ما شاء ، فرض رسول الله ټ بذلك وصالحهم علیه، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة ، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم : عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم ، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل ! الله تعالى هذه الآيات ، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها ، فقال ( وقاتلوا في سبيل: الله ) . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ ( وقاتلوا في سبيل الله ) أي في طاعته وطلب رضوانه ، روی أبو موسى أن: النبي ◌َّ سئل عمن يقاتل في سبيل الله، فقال : هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يقاتل رياء ولا سمعة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في المراد بقوله ( الذين يقاتلونكم) على وجوه (أحدها) وهو قول ابن عباس ، المراد منه : قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج ، أو على وجه المقاتلة ابتداء ، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية ( وثانيها) قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال ( وثالثها ) قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم ، قال تعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى ( الذين يقاتلونكم ) يقتضي كونهم فاعلين للقتال ، فاما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه ، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلا إلا على سبيل المجاز. ﴿ المسألة الخامسة﴾ من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين ، ونهي عن قتال غير المقاتلين ، بدليل أنه قال ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) ثم بعده : ولا تعتدوا هذا القدر ، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين ، ثم قال تعالى بعد ذلك ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) فاقتضى هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل ، فدل على أن هذه الآية منسوخة ، ولقائل أن يقول : نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا ، لكن هذا الحكم ما صار منسوخاً. أما قوله : إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله تعالى ( ولا تعتدوا ) فهذا يحتمل وجوهاً أخر سوى ما ذكرتم ، منها أن يكون المعنى : ولا تبدؤا في ١٣٩ قوله تعالى ((واقتلوهم حيث ثقفتموهم)) الآية .سورة البقرة وَقُلُهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ وَأْتِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَنْرَجُوُرْ وَاَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقُتِلِ وَلَا تُقَدِلُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَّى يُقَدِلُكُمْ فِيهِ فَإِن قَلُوكُمْ فَقْتُلُهُمْ كَذَلِكَ ◌َآءُ ١٩٢ الْكَفِرِينَ ﴿ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الحرم بقتال ، ومنها أن يكون المراد : ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد ، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة ، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني ، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة. فإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية ، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل ، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. قلنا : لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين ، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة ، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع ، وأقام من أقام منهم على الشرك ، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال ، حصل اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق . المسألة السادسة﴾ المعتزلة احتجوا بقوله تعالى (إن الله لا يحب المعتدين ) قالوا : لو كان الإعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا الكلام ، وجوابه قد تقدم والله أعلم. قوله تعالى ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإِن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ، فإِن انتهوا فإن الله غفور رحيم ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه ، قال : فمن أثقف فليس إلى خلود فأما تثقفوني فاقتلوني ثم نقول قوله تعالى ( اقتلوهم ) الخطاب فيه واقع على النبي ◌َّ ومن هاجر معه وإن كان ١٤٠ قوله تعالى ((واقتلوهم حيث ثقفتموهم)) سورة البقرة الغرض به لازماً لكل مؤمن ، والضمير في قوله ( اقتلوهم ) عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة ، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم ، وفي الشهر الحرام ، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. المسألة الثانية ﴾ نقل عن مقاتل أنه قال: إن الآية المتقدمة على هذه الآية، وهي قوله ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) منسوخة بقوله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام) ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وهذا الكلام ضعيف. أما قوله : إن قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) منسوخ بهذه الآية ، فقد تقدم إبطاله ، وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ ، وأما قوله ( ولا تقاتلوهم عند المسجد !. الحرام) منسوخ بنوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) فهو خطأ أيضاً لأنه لا يجوز الابتداء! بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم. أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى. أما قوله تعالى ( وأخرجوهم من حیث أخرجوکم ) ففیه بحثان: ﴿ البحث الأول﴾ أن الإخراج يحتمل وجهين (أحدهما) أنهم كلفوهم الخروج قهراً ( والثاني ) أنهم بالغوآ فی تخویفهم وتشدید الأمر علیهم ، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج: :١ البحث الثاني﴾ أن صيغة ( حيث) تحتمل وجهين ( أحدهما ) أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة ( والثاني ) أخرجوهم من منازلكم ، إذا عرفت هذا فنقول : أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه ، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد، ولهذا السبب أجلى رسول الله# كل مشرك من الحرم . ثم أجلاهم أيضاً من المدينة ، وقال عليه الصلاة والسلام (( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )).