النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ قوله تعالى ((أياماً معدودات)) سورة البَقَرة الحجة الثانية ﴾ من الخبر: وهو ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌ّ قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان ، قال أهل اللغة : وكل يريد أربعة فراسخ فيكون مجموعه ستة عشر فرسخاً ، وروى عن الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس : أقصر إلى عرفة؟ فقال : لا . فقال إلى مر الظهران ؟ فقال : لا . ولكن أقصر إلى جدة وعسفان والطائف، قال مالك : بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد ، وحجة أبي حنيفة أيضاً من وجهين ( الأول ) أن قوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) يقتضى وجوب الصوم عدلنا عنه في ثلاثة أيام بسبب الإجماع على أن هذا القدر مرخص ، والأقل منه مختلف فيه ، فوجب أن يبقى وجوب الصوم. ﴿ الحجة الثانية﴾ من الخبر وهو قوله عليه السلام ((يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أیام ولیالیهن ) دل الخبر على أن لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ، ولا يكون كذلك حتى تتقدر مدة السفر ثلاثة أيام ، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل السفر علة المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن وجعل هذا المسح معلولا والمعلول لا يزيد على العلة. ( والجواب عن الأول ) أنه معارض بما ذكرناه من الآية فان رجحوا جانبهم بأن الاحتياط في العبادات أولى ، رجحنا جانبنا بأن التخفيف في رخص السفر مطلوب الشرع ، بدليل قوله عليه السلام ((هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا منه صدقته )) والترجيح لهذا الجانب ، لأن الدليل الدال على أن رخص السفر مطلوبة للشرع أخص من الدليل الدال على وجوب رعاية الاحتياط (والجواب عن الثاني) أنه عليه السلام قال (( بمسح المقيم يوماً وليلة )) وهذا لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة ، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة صار مقيماً فكذا قوله ((والمسافر ثلاثة أيام)) لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام. المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول: رعاية اللفظ تقتضي أن يقال : فمن كان منكم مريضاً أو مسافراً ولم يقل هكذا بل قال ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ) . ( وجوابه ) أن الفرق هو أن المرض صفة قائمة بالذات : فان حصلت حصلت وإلا فلا وأما السفر فليس كذلك لأن الإنسان إذا نزل في منزل فان عدم الإقامة كان سكونه هناك إقامة لا سفراً وإن عدم السفر كان هو في ذلك الكون مسافراً فاذن كونه مسافراً أمر يتعلق بقصده واختياره ، فقوله ( على سفر ) معناه كونه على قصد السفر والله أعلم بمراده. المسألة الخامسة﴾ ( العدة) فعلة من العد ، وهو بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة وعدة المرأة من هذا. فان قيل : كيف قال ( فعدة) على التنكير ولم يقل فعدتها أي فعدة الأيام المعدودات. الفخر الرازي ج ٥ م ٦ ٨٢ قوله تعالى ((أياماً معدودات)) سورة البقرة قلنا : لأنا بينا أن العدة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها والظاهر أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة . ﴿ المسألة السادسة﴾ (عدة) قرئت مرفوعة ومنصوبة، أما الرفع فعلى معنى فعليه صوم عدة فيكون هذا من باب حذف المضاف، وأما إضمار ( عليه ) فيدل عليه حرف الفاء ، وأما النصب فعلى معنى : فليصم عدة. المسألة السابعة﴾ ذهب قوم من علماء الصحابة إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، ونقل الخطابي في اعلام التنزيل عن ابن عمر أنه قال لو صام في السفر قضى في الحضر، وهذا اختيار داود ابن علي الاصفهاني ، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة فان شاء أفطر وإن شاء صام حجة الأولين من القرآن والخبر أما القرآن فمن وجهين ( الأول ) أنا إن قرأنا ( عدة ) بالنصب كان التقدير : فليصم عدة من أيام أخر وهذا للايجاب ، ولو أنا قرأنا بالرفع كان التقدير : فعليه عدة من أيام ، وكلمة ( على ) للوجوب فثبت أن ظاهر القرآن يقتضى إيجاب صوم أيام أخر ، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجباً ضرورة أنه لا قائل بالجمع . الحجة الثانية ﴾ أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية، ثم قال عقيبها ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسرشيئاً تقدم ذكرهما ، وليس هناك يسر: إلا أنه أذن المريض والمسافر في الفطر وليس هناك عسر إلا كونهما صائمين مكان قوله ( يريد بكم اليسر ويريد بكم العسر) معناه يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم، فذلك تقرير قولنا، وأما الخبر فاثنان (الأول) قوله عليه السلام (( ليس من البر الصيام في السفر)) لا يقال هذا الخبر وارد عن سبب خاص ، وهو ما روى أنه عليه الصلاة والسلام مر على رجل جالس تحت مظلة فسأل عنه فقيل هذا صائم أجهده العطش ، فقال (( ليس من البر الصيام في السفر)) لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( والثاني ) قوله عليه الصلاة والسلام ((الصائم في السفر كالمفطر في الحضر)). أما حجة الجمهور : فهي أن في الآية إضماراً لأن التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر وتمام تقریر هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت.) والتقدير فضرب فانفجرت وكذلك قوله تعالى ( ولا تحلقوا رؤسكم ) إلى قوله ( أوبه أذى من رأسه فقدية ) أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه ( الأول ) قال القفال: قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) يدل على وجوب الصوم : : ٨٣ قوله تعالى ((أياماً معدودات)) سورة البقرة ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين ( الأول ) أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى ( والثاني) وهو أن ظاهر قوله تعالى ( فليصمه ) يقتضي الوجوب عيناً ، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه ( عدة من أيام أخر ) على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار . الوجه الثاني ﴾ ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال: القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، دل على أنه لا بد من إضمار الافطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم يقل : فعليه قضاء ما مضى بل قال : فعليه صوم عدة من أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في اخر لا يستدعي أن يكون مسبوقاً بالإفطار . ﴿ الوجه الثالث﴾ ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي ◌ّ فقال : يا رسول الله هل أصوم على السفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((صم إن شئت وأفطر إن شئت)) ولقائل أن يقول: هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد لأن ظاهر القرآن يقتضى وجوب صوم سائر الأيام ، فرفع هذا الخبر غير جائز إذا ثبت ضعف هذه الوجوه ، فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية ( وأن تصوموا خير لكم ) وسيأتي بيان وجه الاستدلال إن شاء الله تعالى . ﴿ المسألة الثامنة ﴾ لمذهب القائلين بأن الصوم جائز فرعان: ( الفرع الأول) اختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر ؟ فقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي أوفى الصوم أفضل وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد ، وقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق ، وقالت فرقة ثالثة : أفضل الأمرين أيسرهما على المرء . ( حجة الأولين ) قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقوله تعالى ( وأن تصوموا خير لكم ) . (حجة الفرقة الثانية ) أن القصر في الصلاة أفضل ، فوجب أن يكون الإفطار أفضل . ٨٤ قوله تعالى ((أياماً معدودات)) سورة البقرة ( والجواب ) أن من اصحابنا من قال : الإتمام أفضل إلا أنه ضعيف، والفرق من وجهين : (أحدهما ) أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون الصلاة إذا قصرها (والثاني) أن فضيلة الوقت تفوت بالفطر ولا تفوت بالقصر. ( حجة الفرقة الثالثة ) قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فهذا يقتضي أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر أفطر . ( الفرع الثاني ) أنه إذا أفطر كيف يقضي ؟ فمذهب على وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعاً وقال الباقون : التتابع مستحب وإن فرق جاز حجة الأولين وجهان ( الأول ) أن قراءة أبي (فعدة من أيام متتابعات)( والثاني ) أن القضاء نظير الأداء فلما كان الأداء متتابعاً ، فكذا القضاء . ( حجة الفرقة الثانية ) أن قوله ( فعدة من أيام أخر ) نكرة في سياق الإثبات ، فيكون ذلك أمراً بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقاً ، فيكون التقييد بالتتابع مخالفاً لهذا التعميم ، وعن أبي عبيدة ابن الجراح أنه قال : إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ، إن شئت فواتر وإن شئت ففرق والله أعلم . وروى أن رجلاً قال للنبي ◌ّ على أيام من رمضان أفيجزيني أن أقضيها متفرقاً فقال له ((أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك ؟ فقال: نعم . قال : فالله أحق أن يعفو ويصفح )) . المسألة التاسعة﴾ ( أخر ) لا ينصرف لأنه حصل فيه سببان الجمع والعدل أما الجمع فلأنها جمع أخرى ، وأما العدل فلأنها جمع أخرى ، وأخرى تأنيث آخر ، وآخر على وزن أفعل ، وما كان على وزن أفعل فإنه إما أن يستعمل مع ( من ) أو مع الألف واللام ، يقال : زيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل ، وكان القياس أن يقال رجل آخر من زيد كما تقول قدم أمن عمرو ، إلا أنهم حذفوا لفظ (من) لأن لفظه اقتضى معنى ( من) فأسقطوا ( من ) اكتفاء بدلالة اللفظ عليه ، والألف واللام منافيان ( من ) فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر وآخر وأخرى معدولة عن حكم نظائرها ، لأن الألف واللام استعملتا فيها ثم حذف . أما قوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ القراءة المشهورة المتواترة (يطيقونه ) وقرأ عكرمة وأيوب السختياني وعطاء ( يطيقونه ) ومن الناس من قال : هذه القراءة مروية عن ابن عباس وسعيد أبن القبط؟ : : ٨٥ قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه )) سورة البَقَرة بن جبير ومجاهد قال ابن جنى : أما عين الطاقة فواو كقولهم : لا طاقة لي به ولا طوق لي به وعليه قراءة ( يطوقونه ) فهو يفعلونه فهو كقولك : يجشمونه . أي يكلفونه . ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في المراد بقوله (وعلى الذين يطيقونه) على ثلاثة أقوال ( الأول) ان هذا راجع إلى المسافر والمريض وذلك لأن المسافر والمريض قد يكون منهما من لا يطيق الصوم ومنهما من يطيق الصوم . ﴿ وأما القسم الأول﴾ فقد ذكر الله حكمه في قوله ( ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) . ﴿واما القسم الثاني﴾ وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم، فاليهما الإشارة بقوله ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) فكأنه تعالى أثبت للمريض وللمسافر حالتين في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد الشديد لو صام ( والثانية ) أن يكون مطيقاً للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون مخيراً بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية . ﴿ القول الثاني﴾ وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله (وعلى الذين يطيقونه) المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولا بين هذين ، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقاً ء' معيناً . ﴿ القول الثالث﴾ أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم قالوا: وتقريره من وجهين : ( أحدهما ) أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله ( وعلى الذين يطيقونه ) أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة . الوجه الثاني ﴾ في تقرير هذا القول القراءة الشاذة (وعلى الذين يطيقونه ) فإن معناه وعلى الذين يشجمونه ويكلفونه ، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق من قدر على الشيء مع ضرب من المشقة . إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين ( أحدهما ) وهو قول السدي : أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، يروى أن أنساً كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم لكل يوم مسكيناً وقال آخرون : إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال : فأي مرض أشد من الحمل تفطر وتقضى . ٨٦ قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه)) سورة البقرة واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه : عليهما الفداية ، فقال أبو حنيفة : لا تجب حجة الشافعي أن قوله ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) يتناول الحامل والمرضع ، وأيضاً الفدية واجبة على الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضاً عليهما ، وأبو حنيفة فرق فقال : الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية ، أما الحامل والمرضع فالقضاء واجب، عليهما . فلو أوجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز لأن القضاء: بدل والفدية بدل ، فهذا تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في تفسير قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه ) . : : : أما القول الأول ﴾ وهو اختيار الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه ( أحدها ) أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية ، وهو الذي لا يمكن تحمله ، أو المراد كل ما يسمى مرضاً، أو المراد منه ما يكون متوسطاً بين هاتين الدرجتين ، والقسم الثاني باطل بالإتفاق ، والقسم الثالث أيضاً باطل ، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة ، وكل مرتبة منها فانها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية ، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، ولما بطل هذان القسمان تعين أن المراد هو القسم الأول ، وذلك لأنه مضبوط، فحمل الآية عليه أولى لأنه لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة . إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية دل على إيجاب الصوم ، وهو قوله : كتب عليكم الصيام أياماً معدودات ثم بين أحوال المعذورين ، ولما كان المعذرون على قسمين : منهم من لا يطيق الصوم أصلاً، ومنهم من يطيقه مع المشقة والشدة ، فالله تعالى ذكر حكم القسم الأول ثم أردفه بحكم القسم الثاني . ﴿ الحجة الثانية) في تقرير هذا القول أنه لا يقال في العرف للقادر القوي: إنه يطيق هذا الفعل لأن هذا اللفظ لا يستعمل إلا في حق من يقدر عليه مع ضرب من المشقة . ﴿ الحجة الثالثة) أن على أقوالكم لا بد من إيقاع النسخ في هذه الآية وعلى قولنا لا يجب ، ومعلوم أن النسخ كلما كان أقل كان أولى فكان المصير إلى إثبات النسخ من غير أن یکون في اللفظما يدل عليه غير جائز . الحجة الرابعة ﴾ أن القائلين بأن هذه الآية منسوخة اتفقوا على أن ناسخها آية شهود الشهر ، وذلك غير جائر لأنه تعالى قال في آخر تلك الآية ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم : ٨٧ قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه)) سورة البَقَرة العسر) ولو كانت الآية ناسخة لهذا لما كان قوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) لائقاً بهذا الموضع ، لأن هذا التقدير أوجب الصوم على سبيل التضييق ، ورفع وجوبه على سبيل التخيير ، فكان ذلك رفعاً لليسر وإثباتاً للعسر فكيف يليق به أن يقول ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) . واحتج القاضي رحمه الله على فساد قول الأثم فقال : إن قوله ( وعلى الذين يطيقونه ) معطوف على المسافر والمريض ، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه فبطل قول الأصم . ( والجواب ) أنا بينا أن المراد من المسافر والمريض المذكورين في الآية هما اللذان لا يمكنهما الصوم البتة ، والمراد من قوله ( وعلى الذين يطيقونه ) المسافر والمريض اللذان يمكنهما الصوم ، فكانت المغايرة حاصلة فثبت بما بينا أن القول الذي اختاره الأصم ليس بضعيف ، أما إذا وافقنا الجمهور وسلمنا فساده بقي القولان الآخران ، وأكثر المفسرين والفقهاء على القول الثاني ، واختاره الشافعي واحتج على فساد القول الثالث، وهو قول من حمله على الشيخ الهرم والحامل والمرضع بأن قال: لو كان المراد هو الشيخ الهرم لما قال في آخر الآية (وأن تصوموا خيرلكم ) لأنه لا يطيقه ، ولقائل أن يقول : هذا محمول على الشيخ الهرم الذي يطيق الحكم ولكنه يشق عليه ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع أن يقال له : لو تحملت هذه المشقة لكان ذلك خيراً لك فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثواباً . أما قوله تعالى ( فدية طعام مسكين ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (فدية) بغير تنوين (طعام) بالكسر مضافاً إليه (مساكين) جمعاً، والباقون ( فدية) منونة ( طعام) بالرفع ( مسكين ) مخفوض ، أما القراءة الأولى ففيها بحثان (الأول) أنه ما معنى إضافة فدية إلى طعام؟ فنقول فيه وجهان ( أحدهما ) أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام ، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : مسجد الجامع وبقله الحمقاء ( والثاني ) قال الواحدي : الفدية اسم للقدر الواجب ، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها ، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى ( من ) كقولك : ثوب خز وخاتم حديد ، والمعنى : ثوب من خز وخاتم من حديد ، فكذا ههنا التقدير : فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام . ﴿ البحث الثاني﴾ أن في هذه القراءة جمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل ٨٨ قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه )) سورة البقرة واحد منهم يلزمه مسكين ، وأما القراءة الثانية وهي ( فدية ) بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسراً له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين . المسألة الثانية ﴾ الفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم على الشيء وعند أبي حنيفة أنه نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، وهو مدان وعند الشافعي مد . المسألة الثالثة﴾ احتج الجبائي بقوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) على أن الاستطاعة قبل الفعل فقال : الضمير في قوله (وعلى الذين يطيقونه ) عائد إلى الصوم فأثبت القدرة على الصوم حال عدم الصوم ، لأنه أوجب عليه الفدية ، وإنما يجب عليه الفدية إذا لم يصم ، فدل هذا على أن القدرة على الصوم حاصلة قبل حصول الصوم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون الضمير عائد إلى الفدية ؟ قلنا لوجهين ( أحدهما ) أن الفدية غير مذكورة من قبل فكيف يرجع الضمير إليها ( والثاني ) أن الضمير مذكر والفدية مؤنثة ، فإن قيل : هذه الآية منسوخة فكيف يجوز الاستدلال بها قلنا : كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على أن القدرة حاصلة قبل الفعل ، والحقائق لا تتغير . أما قوله تعالى ( فمن تطوع خيراً فهو خير له ) ففيه ثلاثة أوجه ( أحدها) أن يطعم مسكيناً أو أكثر ( والثاني ) ان يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب ( والثالث ) قال الزهري : من صام مع الفدية فهو خير له . أما قوله ( وأن تصوموا خيرلكم ) ففيه وجوه ( أحدها ) لأن يكون هذا خطاباً مع الذين يطيقونه فقط ، فيكون التقدير : وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية ( والثاني ) أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم ، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه ، وهذا أولى لأن اللفظ عام ، ولا يلزم من اتصاله بقوله ( وعلى الذين يطيقونه ) أن يكون حكمه مختصاً بهم ، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل ، فوجب الحکم بذلك وعند هذا یتبین أنه لا بد من الإضمار في قوله ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) وان التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر ( الثالث ) أن يكون قوله ( وأن تصوموا خير لكم ) عطفاً عليه على أول الآية فالتقدير : كتب عليك الصيام وأن تصوموا خير لكم أما قوله ( إن كنتم تعلمون ) اي ان الصوم عليكم فاعلموا صدق قولنا وأن تصوموا خير لكم ( الثاني ) أن آخر الآية متعلق بأولها والتقدير كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم إن ٨٩ قوله تعالى ((شهر رمضان)) الآية • سورة البقرة شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ◌َنْ شَهِدَ مِنْكُ الَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فِدَةٌ مِنْ أَيَِّ أَ يُرِدُ اللهُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُ الْعُسْرَ وَلِتُكُلُواْ الِْدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( كنتم تعلمون أي أنكم إذا تدبرتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للتقوى وغيرها مما ذكرناه في صدر هذه الآية ( الثالث ) أن العالم باللّه لا بد وأن يكون في قلبه خشية الله على ما قال ( إنما يخشى الله من عبادة العلماء ) فذكر العلم والمراد الخشية ، وصاحب الخشية يراعي الإحتياط والاحتياط في فعل الصوم ، فكأنه قيل : إن كنتم تعلمون الله حتى تخشونه كان الصوم خيراً لكم . قوله تعالى ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ﴾فيهمسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة يقال، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر ، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم ، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهراً باسم الهلال . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في رمضان على وجوه (أحدها ) قال مجاهد: إنه إسم الله تعالى، ومعنى قول القائل: شهر رمضان أي شهر الله وروى عن النبي ◌َّ أنه قال (( لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا : جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى)). القول الثاني ﴾ أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان ، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه ( الأول ) ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم ، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطروحة الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم ( الثاني ) أنه مأخوذ -- " ٩٠ قوله تعالى ((شهر رمضان)) سورة البقرة من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس ، والإسم الرمضاء ، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته ، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم ، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ، وقيل : سمي بهذا الاسم برمض الذنوب أي يحرقها، وقد روى عن رسول الله وسلم أنه قال ((إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله)) ( الثالث ) أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا دفعته بین خجرین لیرق ، ونصل رمیض ومرموض ، فسمي هذا الشهر : رمضان ، ! لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم ، وهذا القول يحكي عن الأزهري ( الرابع ) لو صح قولهم : إن رمضان اسم الله تعالى ، وهذا الشهر أيضا سمي بهذا الاسم ، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت ، وهذا الشهر أيضاً رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته . ﴿ المسألة الثالثة) قرىء (شهر ) بالرفع وبالنصب ، أما الرفع ففيه وجوه ( أحدها ) وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام ، والمعنى : كتب عليكم شهر رمضان ( والثاني ) وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله ( أياما ) كأنه قيل : هي شهر رمضان ، لأن قوله ( شهر رمضان ) تفسير الأيام المعدودات وتبيين لها ( الثالث ) قال أبو علي : إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر ، كأنه لما تقدم ( كتب عليكم الصيام ) قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه (الرابع) قال بعضهم: يجوز أن يكون مبتدأ وخبره ( الذي ) مع صلته كقوله زيد الذي في الدار ، قال أبو علي : والأشبه أن يكون ( الذي) وصفاً ليكون لفظ القرآن نصاً في الأمر بصوم الشهر ، لأنك إن جعلته خبراً لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ ، إنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن فيه ، وأيضاً إذا جعلت ( الذي) وصفاً كان حق النظم أن يكفي عن الشهر لا أن يظهر كقولك : شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه ( أحدها ) التقدير : صوموا شهر رمضان (وثانيها) على الإبدال من أيام معدودات ( وثالثها) أنه مفعول (وأن تصوموا ) وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف واعترض عليه بأن قيل : فعلى هذا التقدير يصير النظم : وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرآن خير لكم ، وهذا يقتضى وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز . ((أما قوله ( أنزل فيه القرآن ) اعلم أنه تعالى لما خصّ هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة. : ٩١ قوله تعالى ((شهر رمضان)) سورة البقرة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبداً يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات)) فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصاً بنزول القرآن ، وجب أن يكون مختصاً بالصوم ، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا ، ثم ههنا ، مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى( أنزل فيه القرآن ) في تفسيره قولان ( الأول) وهو اختيار الجمهور: أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي وص له ((نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين)) وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجماً مبعضاً ، وکما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان . ( والجواب عنه من وجهين) ( الأول) أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام ، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته ، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجماً مفرقاً فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى ( وقال الذي كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ) . ( الجواب الثاني عن هذا السؤال) أن المراد منه أنه ابتدىء إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادىء الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة . ٩٢ قوله تعالى (( شهر رمضان)) سورة البقرة واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه . ﴿ السؤال الثاني﴾ كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول ، وبين قوله تعالی ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وبين قوله ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) . ( والجواب ) روى أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر ) أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان ، وذلك لأن ليلة القدر إذا کانت في رمضان کان إنزاله في ليلة القدر إنزالاً له في رمضان ، وهذا كمن يقول: لقيت فلاناً في هذا الشهر فيقال له . في أى يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيراً للكلام الأول فكذا ههنا . ﴿ السؤال الثالث﴾ أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إل محمد ي ليه منجماً إلى آخر عمره ، ويحتمل أيضاً أن يقال : إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمداً عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبداً ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب . ( الجواب) كلاهما محتمل ، وذلك لأن قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) يحتمل أن يكون المراد منه الشخص ، وهو رمضان معين ، وأن يكون المراد منه النوع ، وإذا كان كل واحد منهما محتملاً صالحاً وجب التوقف . القول الثاني ﴾ في تفسير قوله ( أنزل فيه القرآن ) قال سفيان بن عيينة : أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال : ومثله أن يقال : أنزل في الصديق كذا آية : يريدون في فضله قال ابن الأنباري : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كما يقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا یرید في تحريمها . المسألة الثانية ﴾ القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله، واختلفوا في اشتقاقه، فروي الواحدي في البسيط عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي رضي الله عنه كان يقول : إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل ، قال ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول (وإذا قرأت القرآن ) قال الواحدي: وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق ، وذهب آخرون إلى أنه مشتق ، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه ، أما الأولون فلهم ٩٣ قوله تعالى ((شهر رمضان)) سورة البَقَرة فيه اشتقاقان ( أحدهما ) أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر ، فهو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز ، فسمى القران قراناً إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض ، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب ، وعلى الأخبار عن المغيبات ، وعلى العلوم الكثيرة ، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والإِسم قران غير مهموز ( وثانيهما ) قال الفراء : أظن أن القرآن سمي من القرائن ، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضاً على ما قال تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) فهي قرائن ، وأما الذين همزوا فلهم وجوه ( أحدها) أنه مصدر القراءة يقال : قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآناً ، فهو مصدر، ومثل القرآن من المصادر : الرجحان والنقصان والخسران والغفران ، قال الشاعر : يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا ضحوا بأشمط عنوان السجود به أي قراءة، وقال الله سبحانه وتعالى (إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) هذا هو الأصل ، ثم إن المقروء يسمى قرآناً ، لأن المفعول يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب : شراب وللمكتوب كتاب ، واشتهر هذا الإسم في العرف حتى جعلوه إسماً لكلام الله تعالى ( وثانيها ) قال الزجاج وأبو عبيدة : إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع ، قال عمرو ؛ هجان اللون لم تقرأ جنيناً .. أي لم تجمع في رحمها ولداً، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآناً ، لأنه يجمع السور ويضمها ( وثالثها ) قول قطرب وهو أنه سمي قرآناً ، لأن القارىء يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذاً من قول العرب : ما قرأت الناقة سلي قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولداً قط وما طرحت ، وسمي الحيض ، قرأ لهذا التأويل ، فالقرآن يلفظه القارىء من فيه ويلقيه فسمي قرآناً . المسألة الثالثة ﴾ قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) أن التنزيل مختص بالنزول على سيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال الله تعالى ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ) إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد ههنا من قوله تعالى ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون ٩٤ قوله تعالى (( هدى للناس)) سورة البقرة التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال . أما قوله ( هدى للناس ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ بينا تفسير الهدى في قوله تعالى ( هدى للمتقين ). والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين ، وههنا جعله هدى للناس ، فكيف وجه الجمع؟ وجوابه ما ذكرناه هناك. ﴿ المسألة الثانية﴾ (هدى للناس وبينات) نصب على الحال ، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. أما قوله تعالى ( وبينات من الهدى والفرقان ) ففيه إشكال وهو أن يقال : ما معنى قوله ( وبينات من الهدى ) بعد قوله ( هدى ) . وجوابه من وجوه ( الأول ) أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين : تارة يكون كونه هدى للناس بيناً جلياً ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف أنواعه ، والتقدير كأنه قيل ؛ هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات ( الثاني ) أن يقال : القرآن هدى في نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى والفرقان : التوراة والإنجيل قال الله تعالى ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ) وقال ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) وقال ( ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين ) فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضاً هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان ( الثالث ) أن يحمل الأول على أصول الدين ، والهدى الثاني على فروع الدين ، فحينئذ يزول التكرار والله أعلم. وأما قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فيلصمه ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ نقل الواحدي رحمه الله في البسيط عن الأخفش والمازني أنهما قالا: الفاء في قوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) زائدة ، قالا : وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة ، وليس للعطف والجزاء ههنا وجه، ومن زيادة الفاء قوله تعالى ( قل إن الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ) . : : : : ٩٥ قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر)) سورة البقرة وأقول : يمكن أن يقال الفاء ههنا للجزاء فانه تعالى لما بين كون رمضان مختصاً بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها ، فيبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة ، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة ههنا وجه كأنه قيل : لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة ، أما قوله تعالى ( فانه ملاقيكم ) الفاء فيه غير زائدة وأيضاً بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل : لما فروا من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر. ﴿ المسألة الثانية﴾ ( شهد) أي حضر والشهود الحضور، ثم ههنا قولان ( أحدهما ) أن مفعول شهد محذوف لأن المعنى : فمن شهد منكم البلد أو بيته بمعنى لم يكن مسافراً وقوله ( الشهر ) انتصابه على الظرف وكذلك الهاء في قوله ( فليصمه ) . ﴿ والقول الثاني﴾ مفعول (شهد) هو (الشهر ) والتقدير : من شاهد الشهر بعقله ومعرفته فليصمه وهو كما يقال : شهدت عصر فلان ، وأدركت زمان فلان ، واعلم أن كلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر ، أما القول الأول فانما يتم بإِضمار أمر زائد ، وأما القول الثاني فيوجب دخول التخصيص في الآية ، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبي والمجنون والمريض والمسافر مع أنه لم يجب على واحد منهم الصوم إلا أنا بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى ، وأيضاً فلانا على القول الأول لما التزمنا الإضمار لا بد أيضاً من التزام التخصيص لأن الصبي والمجنون والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم بل المسافر لا يدخل فلا يحتاج إلى تخصيص هذه الصورة فيه فالقول الأول لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب الكشاف ذهبوا إلى الأول. المسألة الثالثة ﴾ الألف واللام في قوله ( ثمن شهد منكم الشهر ) للمعهود السابق وهو شهر رمضان ، ونظيره قوله تعالى ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فاذ لم يأتوا بالشهداء ) أي فاذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة . ﴿ المسألة الرابعة) اعلم أن في الآية إشكالا وهو أن قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره ، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضى أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال ، لأنه يفضي إلى إيقاع ٩٦ قوله تعالى (( فمن شهد منكم الشهر)) سورة البقرة الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع ، فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل ، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر ، في جانب الشرط فيصير تقريره : من شَهر جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر ، وقد تحقق الشرط فيترثب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كل الشهر ، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور . واعلم أن المنقول عن على أن المراد من هذه الآية ، فمن شهد منكم أول الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح البتة إلا هذا القول ، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان ( أحدهما ) أنه إذا شهد أول الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر ( والثاني ) أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر. ( أما الأول) فهو أنه نقل عن على رضى الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر ، أن الواجب أن يصوم الكل ، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر ، وأما سائر المجتهدين فيقولون : إن قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وإن كان معناه : أن من شهد أول الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر ، وقوله بعد ذلك ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) خاص والخاص مقدم على العام ، فثبت أنه وإن سافر بعد شهود الشهر فانه يحل له الإفطار. ( وأما الثاني ) وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى ، قال : لأنا قد دللنا على أن المفهوم من هذه الآية أن من أدرك جزأ من رمضان لزمه صوم كل رمضان والمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر فقد شهد جزأ من رمضان فوجب أن يلزمه صوم كل رمضان ، فاذا لم يمكن صيام ما تقدم فالقضاء واجب . المسألة الخامسة ﴾ اعلم أن قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) يستدعي بحثين : البحث الأول﴾ أن شهود الشهر بماذا يحصل؟ فنقول: إما بالرؤية وإما بالسماع، أما الرؤية فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان فاما أن يكون منفرداً بتلك الرؤية أو لا یکون ، فان كان منفرداً بها فاما أن يرد الإمام شهادته أولا يردها ، فان تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته ، لزمه أن يصوم ، لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سبباً لوجوب الصوم عليه ، وقد حصل شهود الشهر في حقه ، فوجب أن يجب عليه الصوم ، وأما إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أولم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم ، وأما السماع فنقول إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعاً ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال : ٠٫٠ ٩٧ قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر)) سورة البَقَرة لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطاً لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين ، وعلى أنه لا فرق بينهما في الحقيقة ، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطر وا احتياطاً فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً. ﴿ البحث الثاني في الصوم﴾ فنقول: إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائماً من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية وفي الحد قيود: القيد الأول ﴾ الإمساك وهو احتراز عن شيئين (أحدهما) لو طارت ذبابة إلى حلقه ، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه ، لأن الاحتراز عنه شاق ، والله تعالى يقول في آية الصوم ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ( والثاني ) لوصب الطعام أو الشراب في حلقه كرهاً أو حال النوم لا يبطل صومه ، لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ینافي ذلك . القيد الثاني ﴾ قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة : دخول داخل ، وخروج خارج ، والجماع ، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح الى الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة ، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقيء بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم ، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم. القيد الثالث ﴾ قولنا مع العلم بكونه صائماً فلو أكل أو شرب ناسياً للصوم لا يبطل صومه عند أبي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل. القيد الرابع ﴾ قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) وكلمة ( حتى) لانتهاء الغاية ، وكان الأعمش يقول : أول وقته إذا طلعت الشمس ، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس ، ويحتج بأن انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس ، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها ، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه ، وحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده ، فقال له الأعمش : إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك ، فكيف إذا زرتني ! فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده قيل له : لم سكت عنه ؟ فقال : وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره عنى به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الفخر الرازي ج ٥ م ٧ ٩٨ قوله تعالى (( فمن كان منكم مريضاً )) سورة البقرة الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له. القيد الخامس﴾ قولنا إلى غروب الشمس، ودليله قوله عليه السلام ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم)) ومن الناس من يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس ، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من النهار . القيد السادس﴾ قولنا مع النية، ومن الناس من يقول: لا حاجة لصوم رمضان إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله (فليصمه) والصوم هو الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول: لا بد من النية لأن الصوم عمل بدليل قوله عليه السلام ((أفضل الأعمال الصوم)» والعمل لا بد فيه من النية لقوله عليه السلام ((إنما الأعمال بالنيات)). ﴿ المسألة السادسة﴾ القائلون بأن الآية المتقدمة تدل على أن المقيم الصحيح مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية قالوا: هذه الآية ناسخة لها وأبو مسلم الأصفهاني والأصم. ينكرون ذلك، وقد تقدم شرح هذه المسألة ثم بتقدير صحة القول بهذا النسخ فهذا يدل على أن نسخ الأخف بالأثقل جائز، لأن إيجاب الصوم على التعيين أثقل من إيجابه على التخيير بينه وبين الفدية . أما قوله تعالى (فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فقد تقدم تفسير هذه الآية وقد تقدم بیان السبب في التكرير. أما قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فاعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره ههنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر ههنا كذلك لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسرفانه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة وههنا مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغنى والسعة اليسار لأنه يسهل به الأمور واليد اليسرى قيل تلي الفعال باليسر، وقيل إنه يتسهل الأمر بمعونتها اليمنى. المسألة الثانية ﴾ المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسردون ما تعسر فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسرلا يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم، وأيضا فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع. : ٠ ٩٩ قوله تعالى ((يريد الله بكم اليسر)) سورة البَقَرة المسألة الثالثة ﴾ المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر (الجواب) يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة. المسألة الرابعة ) قالوا: هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعبادته فلو أراد بهم ان يكفروا فيصيروا إلى النار، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقا به أن يقول (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والجواب أنه معارض بالعلم أما قوله تعالى ( ولتكملوا العدة ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم (ولتكملوا العدة) بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان: أكملت وكملت. المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول (ولتكملوا العدة) على ماذا علق؟. جوابنا: أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف، ثم فيه وجهان (أحدهما) ما قاله الفراء وهو أن التقدير: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون، فعل جملة ما ذكر وهو الأمر بصوم العدة، وتعليم كيفية القضاء، والرخصة في إباحة الفطر، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظاً ثلاثة، فقوله (ولتكملوا العدة) علة للأمر بمراعاة العدة (ولتكبروا) علة ما علمتم من كيفية القضاء (ولعلكم تشكرون) علة الترخص والتسهيل، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبلة عليه قوله تعالى (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) أي أريناه. الوجه الثاني﴾ ما قاله الزجاج، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح، والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء، فلا يكون عسراً، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيراً، بل يكون سهلا يسيراً، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضماراً وقع بعد قوله (ولتكملوا العدة) وفي الثاني قبله: المسألة الثالثة﴾ إنما قال (ولتكملوا العدة) ولم يقل: ولتكملوا الشهر، لأنه لما قال: ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعاً ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلا لعدد المقض، ولو قال تعالى: ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء. بسه ١٠٠ قوله تعالى (( يريد الله بكم اليسر)) سورة البقرة أما قوله (ولتكبروا الله على ما هداكم) ففيه وجهان (الأول) أن المراد منه التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا، وقال الشافعي: وأحب إظهار التكبير في العیدین، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك غداة الفطر، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ) وقال: معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل (إحداها) اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير؟ فقال في القديم: ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها، وقال في الجديد: ليلة الفطر أوكد لورود النص فيها (وثانيها) أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وقال مالك: لا یکېر في ليلة الفطر ولکنه یکبر في يومه، وروي هذا عن أحمد، وقال إسحق: إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى (ولتكبروا الله على ما هداكم) يدل على أنّ الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت (وثالثها) مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة، وقيل فيه قولان آخران (أحدهما) إلى خروج الإمام (والثاني) إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير. القول الثاني﴾ في تفسير قوله (ولتكبروا الله) أن المراد منه التعظيم لله شكراً على ما وفق على هذه الطاعة، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول: فالإقرار بصفاته العلى، وأسمائه الحسنى، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل: فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام، والحج واعلم أن القول الأول أقرب، وذلك لأن تكبير الله تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات. أما قوله تعالى (على ماهداكم) فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة، وعند أصحابنا بخلق الطاعة. وأما قوله تعالى (ولعلكم تشكرون) ففيه بحثان (أحدهما) أن كلمة (لعل) للترجي، والترجي لا يجوز في حق الله (والثاني) البحث عن حقيقة الشكر، وهذان بحثان قد مر تقریرهما . :