النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة ابن المبارك : ولم ذاك ؟ قال : لأنه إذا سقط فيها في غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم ، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم ، قال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين : هذا زرين ، بالفارسية يعني المذهب ، وروي ابن المبارك مثل هذا عن الحسن . المسألة الثالثة ﴾ قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهرتان ، وقال الشافعي ومالك : لا يحل هذا اللبن والأنفحة ، وقال الليث : لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة ، واعلم أن الشافعي رضي الله عنه لا يتمسك في هذه المسألة بظاهر قوله ( حرمت عليكم الميتة ) لأن اللبن لا يوصف بأنه ميتة ، فوجب الرجوع فيه نفياً وإثباتاً إلى دليل آخر ، ومعتمد الشافعي أن اللبن لو كان مجموعاً في إناء فسقط فيه شيء من الميتة ينجس فكذلك إذا ماتت وهو في ضرعها ، وهكذا الخلاف في الأنفحة ، أما البيض إذا أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل ، ويحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت بين المأكول وبين الميتة فتحل ، ولذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت . ولنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين القسمين . و المسألة الأولى﴾ اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت ، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة ، على ما قال تعالى ( هو الذي خلق الموت والحياة ) ومنهم من قال : إنه عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة وهذا أقرب : المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضى نجاستها ، والحق أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة ، لأنه لا يمتنع في العقل أن يحرم الانتفاع بها ، ويحل الانتفاع بما جاورها ، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة . الفصل الثاني في تحريم الدم ، وفيه مسألتان ﴿ المسألة الأولى ﴾ الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية ، وهو قوله ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) وهذا دم فوجب أن يحرم ، وابو حنيفة تمسك بقوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه إلى أن يكون ميتة أو دماً ٢٢ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة مسموحاً ) فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور ، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله ( حرمت عليكم الميتة والدم ) عام والخاص مقدم على العام ، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً) ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية ، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء ، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها ، فلعل قوله تعالى ( إنما حرم عليكم الميتة ) نزلت بعد ذلك ، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح ، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جميع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن ، وكذا في السمك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنّه ينجس ذلك المورود . ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام ((أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد)) هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا ؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيها ، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث . الفصل الثالث في الخنزير، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الإنتفاع متعلق به ، وهو كقوله ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا. إلى ذكر الله وذروا البيع ) فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه ، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخرز به ، وروى عنه الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به ؟ . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي ٢٣ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة والأوزاعي : لا بأس بأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) وحجة أبي حنيفة ، أن هذا خنزير فيحرم لقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) وقال الشافعي : الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر ، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء . ﴿ المسألة الثالثة﴾ للشافعي رضي الله عنه قولان: في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً؟ ( أحدها ) نعم تشبيهاً له بالكلب ( والثاني ) لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطماً لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق . الفصل الرابع في تحريم ما أهل به لغير الله من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم ، كقوله تعالى ( وما ذبح على النصب ) وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير اللّه، فوجب أن يحرم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم ، وهو يعلم ما يقولون ، واحتج المخالف بوجوه ( الأول ) إنه تعالى قال ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) وهذا عام، ( الثاني ) أنه تعالى قال ( وما ذبح على النصب ) فدل على أن المراد بقوله ( وما أهل به لغير الله) هو المراد بقوله ( وما ذبح على النصب ) ( الثالث ) أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح . ( والجواب عن الأول ) أن قوله ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) عام وقوله ( وما أهل به لغير اللّه) خاص والخاص مقدم على العام ( وعن الثاني ) أن قوله (وما ذبح على ٢٤ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البَقَرة النصب) لا يقتضي تخصيص قوله ( وما أهل به لغير الله ) لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما ( وعن الثالث) أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن . فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل ، ولا سبيل لنا إلى الباطن . الفصل الخامس القائلون بأن كلمة ( إنما ) للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضى أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة ( إنما ) متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل . الفصل السادس في المضطر وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: قوله تعالى ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) معناه أن من كان مضطراً ولا يكون موصوفاً بصفة البغي ، ولا بصفة العدوان البتة فأكل، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غيرباغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل یترخص أم لا؟ فقال الشافعي رضي الله عنه لا یترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول ، أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله ( حرمت عليكم الميتة والدم ) ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بإِنه غير باغ ولا عاد ، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا : فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا : فلان متعد ويكفي في صدقه كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر ، أو في الأكل ، أو في غيرهما ، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر کان وجب أن یکون قولنا : فلان غیر معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شيء من الأشياء البتة ، فاذن قولنا : غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه ، والعاصي بسفره متعد بسفره ، فلا يصدق عليه كونه غير عاد ، وإذا لم يصدق عليه ٢٥ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم )) سورة البَقَرة ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله ( حرمت عليكم الميتة والدم) أقصى ما في الباب أن يقال : هذا يشكل بالعاصي في سفره ، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول : إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة ، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية ، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق ، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلا عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله ( غير باغ ولا عاد ) أي باغ على إمام المسلمين ، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية ، ثم قالا . تفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه ، وذلك لأن قوله (غير باغ ولا عاد ) شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو البتة غير مذكور . واعلم أن هذا الكلام ضعيف، وذلك لأنا بينا أن قوله ( غير باغ ولا عاد ) لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور ، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمناً ، ولا نقول: اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة ، فكان على خلاف الأصل ، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأکل وجوه ( أحدها ) أن قوله ( غیر باغ ولا عاد ) حال من الاضطرار، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقياً مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد فلو کان المراد بکونه غیر باغ ولا عاد کونه کذلك في الأکل لاستحال ان یبقی وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار ( وثانيها ) أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم ، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة ( وثالثها ) أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان ، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز ، وأما الشافعي رضي الله عنه فانه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره ، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه ، ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده ( ورابعها) أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإِثم ) وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه ( أحدها ) قوله تعالى في آية أخرى ( وقد فصل لكم ما ٢٦ قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص ( وثانيها ) قوله: تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) وقال ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ). والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة، فوجب أن يحرم ( وثالثها): روى أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين؛ العاصي والمطيع ( ورابعها ) أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى ( وخامسها ) أن يدفع أسباب الهلاك ، كالفيل ، والجمل الصؤل ، والحية ، والعقرب ، بل يجب عليه، فكذا ههنا ( وسادسها): أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئاً من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا ههنا، والجامع دفع الضرر عن النفس ( وسابعها ) أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه ، فكذلك يدفع ضرر الهلاك عن نفسه بهذا الأکل وإن كان عاصياً ، ( وثامنها ) أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل. القهر ، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام ، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا لم يتب فهو الجاني على: نفسه ، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر فاذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعى في تحصيلها والجمع بينهما متناقص والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، وقال عبد الله بن الحسن العنبري : يأكل منها ما يسد جوعه ، وعن. مالك : يأكل منها حتى يشبع ويتزود ، فإن وجد غني عنها طرحها ، والأقرب في دلالة الآية ما. ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة ، كما لو. وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال ، فكذلك إذا زال. الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم ، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري ، .. لأن الجوعة في الابتداءء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه )) فكذا ههنا ، ويدل عليه .. أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة ، فإذا،" أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة ، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال: معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأکل بعد ذلك . ٢٧ قوله تعالى ((إن الذين يكتمون)) الآية. سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنًا قَلِلًا أُوْلَكَ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء في التحريم والاضطرار ، فوجب أن يكون مخيراً في الكل وهذا هو الأليق بظاهر هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم. المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر ، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة ، فإِن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعاً للهلاك عنها ، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، والقياس وهو قول سعيد بن جبير وأبي حنيفة ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يشرب لأنه يزيده عطشاً وجوعاً ويذهب عقله ، وأجيب عنه بأن قوله : لا يزيده إلا عطشاً وجوعاً مكابرة ، وقوله : يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك . المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص والمعنى ، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي ، وأما المعنى فمن وجوه ( الأول ) أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى ( أحل لكم الطيبات ) غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة ( الثاني ) أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة ، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة ( الثالث ) أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا ههنا ، ومن الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام ((إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم)) وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله، والنزاع ليس إلا فيه . المسألة السادسة ﴾ اختلفوا في التداوي بالخمر، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة ، فان لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة : الحكم الثاني قوله تعالى ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما ٢٨ قوله تعالى ((إن الذين يكتمون)) الآية . سورة البقرة مَايَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمُ إِلَّ النَّارَ وَلَا يُكُِّهُمُ الَّهُ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ وَلَا يُزَكِِّمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴾ . اعلم أن في قوله ( إن الذين يكتمون ) مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود ؛ كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف، وحيى بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون ؟ فقيل : كانوا يكتمون صفة محمد * ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدى والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله تعالى ( إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروي عن ابن عباس : أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب . : أما قوله تعالى ( ویشترون به ثمناً قليلاً) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ الكناية في : به ، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم . المسألة الثانية ﴾ معنى قوله (ويشترون به ثمناً قليلا ) كقوله ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان : أخذ الأموال بسبب ذلك ، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً. ٠ ٢٩ قوله تعالى ((إن الذين يكتمون)) سورة البَقَرة المسألة الثالثة﴾ إنما سماه قليلا إما لأنه في نفسه قليل، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ من الناس من قال: كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم ، وقال آخرون : بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب ، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل ، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه ، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل ، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه ( أولها ) قوله تعالى ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال · إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله (في بطونهم ) أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه . المسألة الثانية ﴾ قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روى في حديث آخر ((الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)» وقوله ( إني أراني أعصر خمراً) أي عنباً فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل: إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم (وثالثها) قوله تعالى ( ولا يكلمهم الله ) فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلالكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منهما يجري مجرى العقوبة لهم، وذكروا فيه ثلاثة أوجه (الاول) أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، وذلك قوله ( فور بك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) وقوله ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالو: وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) (والثاني) أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السُرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ، ٣٠ قوله تعالى ((أولئك الذين اشتروا ) الآية . سورة البقرة أَوْلَكَ الَّذِينَ أَشْتَرُواْ الضََّةَ بِلْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَهُمْ عَلَى الَِّ ◌َ) ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد. (والثالث) أن قوله ( ولا يكلمهم ) استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث ( وثالثها ) قوله ( ولا يزكيهم) وفيه وجوه (الأول ) لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثنى عليهم ( الثاني) لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأذكياء ( الثالث ) لا ينزلهم منازل الأزكياء (ورابعها) قوله ( ولهم عذاب أليم) واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم ، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل: المسألة الأولى﴾ أن علماء الأصول قالوا: العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله ( ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم) إشارة إلى الإهانة والاستخفاف، وقوله ( ولهم عذاب أليم ) إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق وأصعب . المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره . المسألة الثالثة ﴾ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله أعلم. قوله تعالى ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب وبالمغفرة فما أصبرهم على النار ﴾ . اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه ، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم ، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة ، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا ، ورضوا بالضلال والجهل ، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا ، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة ، وأخسرها العذاب ، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب ، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه ، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حكم تعالى عليهم : : : ٣١ قوله تعالى ((أولئك الذين اشتروا)) سورة البقرة بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة ، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق ، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب ، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب ، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة . أما قوله ( فما أصبرهم على النار ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أن في هذه اللفظة قولان (أحدهما) أن (ما) في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه : ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري : وقد يكون أصبر بمعنى صبر وكثيراً ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم ، وأخبر وخبر ( الثاني ) أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لا بد وأن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار ويقتضى عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى ، والصابرين عليه ، فلهذا قال تعالى ( فما أصبرهم على النار ) وهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله ( فما أصبرهم على النار ) على حالهم في الدنيا لأن ذلك وصف لهم في حال التكليف ، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى ، وقال الأصم : المراد أنه إذا قيل لهم ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص ، وهذا ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن الله تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر ( وثانيها ) أن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة . المسألة الثانية ﴾ في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة وههنا بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ في التعجب : وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل ، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول ، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ ( بل عجبت ويسخرون ) بضم التاء من عجبت ، فانه رأى أن خفاء شي ما على الله محال قال النخعي: معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعنى الذي يضاف إلى العباد . ﴿ البحث الثاني﴾ اعلم أن للتعجب صيغتين (أحدهما ) ما أفعله كقوله تعالى ( فما أصبرهم على النار ) ( والثاني ) أفعل به كقوله ( أسمع بهم وأبصر) . ٣٢ قوله تعالى ((أولئك الذين اشتروا)) سورة البقرة أما العبارة الأولى﴾ وهي قولهم ؛ ما أصبره ففيها مذاهب . القول الأول﴾ وهو اختيار البصريين أن (ما) اسم مبهم يرتفع بالابتداء، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيداً مفعول وتقديره : شيء حسن زيداً أي صيره حسناً . واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً واحتجوا عليه بوجوه الحجة الأولى أنه يصح أن يقال ما أكرم الله، وما أعظمه وما أعلمه، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل شيء جعل الله كريماً وعظيماً وعالماً ، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فان قيل. هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب . قلنا: إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة ( ما ) ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ ، ولا يكون أعظم خبراً عنه ، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر ، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح . ﴿ الحجة الثانية ﴾ أنه لو كان معنى قولنا. ما أحسن زيداً شيء حسن زيداً، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام ، ومعلوم أنا إذا قلنا : شيء حسن زيداً فانه لا يبقى فيه معنى التعجب البتة ، بل كان ذلك كالهذيان ، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً . الحجة الثالثة ﴾ أن الذي حسن زيداً والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكان التعبير عنه سبحانه بمن أولى ، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيداً أن يبقى معنى التعجب ، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه . و الحجة الرابعة ) أن على التفسير الذي قالوه لا فرق بين قوله: ما أحسن زيداً وبين قوله زيداً ضرب عمراً فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك. الحجة الخامسة ﴾ أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن یکون له من نفسه أو من غيره فاذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسناً ، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره ، فاذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علمٍ ضروري والعلم بكونه متعجباً منه غير ضروري ، فاذن لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً . الحجة السادسة ﴾ أنهم قالوا: المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا ههنا أشد : ٣٣ قوله تعالى ((أولئك الذين اشتروا)) سورة البَقَرة الأشياء تنكيراً مبتدأ ؟ وقالوا : لا يجوز أن يقال : رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلا كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً : وكذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار ؟ . ﴿ الحجة السابعة ﴾ دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك: ما أحسن زيداً، فان قيل : جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة ، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا : لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان : إما أن يكونا متنافيتين ، أو لا يكون متنافيتين فان كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما ههنا علمنا أن هذا ليس بفعل ، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم . الحجة الثامنة﴾ تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب: ما أقوم زيداً بتصحيح الواوكما تقول : زيد أقوم من عمرو ، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها ، ألا تراهم يقولون : أقام يقيم فإن قيل : هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم ، وتمام التقدير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الإسمية ، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف ، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة ، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل. الحجة التاسعة﴾ أن قولك: أحسن لو كان فعلاً، وقولك : زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما بالظرف، فيقال : ما أحسن عندك زيداً ، وما أجمل اليوم عبد الله ، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز ، فبطل ما ذهبتم إليه . الحجة العاشرة ﴾ أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً ، ثلاثياً كان أو رباعياً ، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول ، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا ، ما أحسن زيداً فعل بوجوه ( أولها ) بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه ( وثانيها ) أن أحسن مفتوح الآخر ، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ (وثالثها ) الدليل على كونه فعلا اتصال الضمير المنصوب به ، وهو قولك : ما أحسنه. الفخر الرازي ج ٥ م ٣ ٣٤ قوله تعالى : ((أولئك الذين اشتروا )) سورة البقرة ( والجواب عن الأول ) أن أحسن كما أنه قد يكون فعلا ، فهو أيضاً قد يكون اسماً ، حين ما يكون كلمة تفضيل ، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلا وأنتم ما طلبتمونا إلا بالدلالة . ( والجواب عن الثاني ) أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة". ( والجواب عن الثالث) أنه منتقض بقولك : لعلى وليتني ، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية ، فاذا تركتم ذلك الدليل القوي ، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى ، فهذه جملة الكلام في هذا القول. القول الثاني ﴾ وهو اختيار الأخفش قال: القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة ( ما ) وهو قولك : أحسن صلة لما ، ويكون خبر ( ما) مضمراً، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم ، وقولك : ما أحسن زيداً ، كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه. القول الثالث﴾ وهو اختيار الفراء: أن كلمة ( ما) للاستفهام وأفعل اسم ، وهو للتفضيل ، كقولك ، زيد أحسن من عمرو ، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شىء أحسن منه ، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان؟ اظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق ، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل ، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه ، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا ، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن ، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد ، وبينهما فرق كما ترى ، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه ، ونصب هنا للفرق ، وأيضاً ففي كل تفضيل معنى الفعل ، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول ، فان معنى قولك : زيد أعلم من عمرو، أن زيداً جاوز عمراً في العلم ، فجعل هذا لمعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق . القول الرابع﴾ وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن ( ما) للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون ، معناه : أي شيء حسن زيداً، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن ، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله ، فتسأل غيرك أن يشرح لك : ٣٥ قوله تعالى (( ذلك بأنّ الله)) الآية . سورة البقرة ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ زَّلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِى الْحِكْتَبِ نَفِى شِفَاقٍ بعید كماله ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله ( أسمع بهم وأبصر ) . قوله تعالى ﴿ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ﴾ اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن قوله ( ذلك) إشارة إلى ماذا؟ فذكروا وجهين : ( الأول) أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : ( أحدها ) أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة ( وثانيها) اشتروا الضلالة بالهدى ( وثالثها ) أن لهم عذاباً أليماً (ورابعها) أن الله لا يزكيهم (وخامسها ) أن الله لا يكلمهم فقوله ( ذلك ) يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها . ( الثاني) أن (ذلك ) إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما قال ( إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) . المسألة الثانية ﴾ قوله ( ذلك ) يحتمل أن يكون في محل الرفع ، أو في محل النصب ، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ ، ولا محالة له خبر ، وذلك الخبر وجهان ( الأول ) التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق ، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوماً لهم لا محالة ( الثاني ) التقدير : ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفعَ بالخبرية ، وأما في محل النصب فلأن التقدير : فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه . ٣٦ قوله تعالى ((ذلك بأن الله)) سورة البَقَرة المسألة الثالثة ﴾ المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد بية، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند الله لفي شقاق بعيد . المسألة الرابعة ﴾ قوله ( بالحق ) أي بالصدق ، وقيل ببيان الحق. وقوله تعالى ( وإن الذين اختلفوا ) فيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ إن الذين اختلفوا قيل: هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد # فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، فإِذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم ، أما قوله ( بالحق ) فقيل : بالصدق ، وقيل : ببيان الحق ، وأما قوله ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) فاعلم أنا وإن قلنا : المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة ، وآخرون قالوا : إنه سحر ، وثالث قال : رجز ، ورابع قال : إنه أساطير الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا : المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها ( أحدها ) أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح ، فاليهود قالوا : إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته (وثانيها) أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد # فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسداً لأن الشيء إذا لم يكن حقاً واجب القبول بل كان متكلفاً كان كل أحد يذكر شيئاً آخر على خلاف قول صاحبه ، فكان هذا هو الإختلاف ( وثالثها ) ما ذكره أبو مسلم فقال : قوله ( اختلفوا ) من باب افتعل الذي يكون مكان فعل ، كما يقال : كسب واكتسب ، وعمل واعتمل ، وكتب واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله ( الذين اختلفوا في الكتاب ) الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله ( فخلف من بعدهم خلف) وقوله ( إن في اختلاف الليل والنهار ) أي كل واحد يأتي خلف الآخر ، وقوله ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر ) أي كل واحد منهما يخلف الآخر ، وفي الآية تأويل ثالث ، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب ، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن. أما قوله ( لفي شقاق بعيد ) ففيه وجوه ( أحدها ) أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية : ٣٧ قوله تعالى (( ليس البران تولوا وجوهكم)) الآية سورة البقرة لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ آلْأَنِ وَالْمَلَبِّكَّةِ وَالْكِتَبِ وَالنَِّنَ وَى الْمَالَ عَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَمَىِ وَالْمَسَلِكِينَ وَأَبْنَ السَِّلِ وَالسَّيِلِينَ وَفِى الْرّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الَّكَوَةَ وَالْمُوْفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّدْبِرِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِيْنَ الْبَأْسِ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة ( وثانيها) كأنه تعالی يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا فيما بينهم فانهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله بذلك الوعيد ( وثالثها ) أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في كيفية التحريف فان كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه ، وإذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحاً فيك البتة ، والله اعلم. الحكم الثالث قوله تعالى ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبة ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن! السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم: أراد بقوله ( ليس البر أهل الكتاب ) لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال ٣٨ قوله تعالى (( ليس البران تولوا وجوهكم)) سورة البقرة تعالى: ليس البرهذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام ، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً، وإنما البركيت وكيت ، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها . ﴿ المسألة الثانية ﴾ الأكثرون على أن ( ليس ) فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه حرف، حجة من قال : إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك : لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين ، وهذه الحجة منقوضة بقوله : إنني وليتي ولعل وحجة المنكرين ( أولها ) أنها لو كانت فعلاً لكانت ماضياً ولا يجوز أن تكون فعلاً ماضياً . فلا يجوز أن تكون فعلاً ، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال : إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلاً ماضياً اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال ، ولو كان ماضياً لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال ( وثانيها ) أنه يدخل على الفعل ، فنقول : ليس يخرج زيد، والفعل لا يدخل على الفعل عقلاً ونقلاً ، وقول من قال إن ( ليس ) داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف ، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في ( ما ) (وثالثها ) أن الحرف ( ما ) يظهر معناه في غيره ، وهذه الكلمة كذلك فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام ، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائماً (ورابعها) أن (ليس) لوكان فعلاً لكان ( ما) فعلاً وهذا باطل ، فذاك باطل بيان الملازمة أن ( ليس ) لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال ، وهذا المعنى قائم في ( ما) فوجب أن يكون ( ما) فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول في ذلك ، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فتقول ( ليس ) كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت ( ما ) في نفي الفعلية (وخامسها ) إنك تصل ( ما ) بالأفعال الماضية فتقول : ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل ( ما ) بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك ( وسادسها ) أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل ، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل . فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف للزومه حالة واحدة ، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها ، وجعلوا ٣٩ ٠ قوله تعالى (( ليس البران تولوا وجوهكم)) سورة البقرة للبناء الذي خصوه به ماضياً ، لأنه أخف الأبنية . قلنا : هذا كله خلاف الأصل ، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات ، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً (وسابعها ) ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو : لا ، و : أيس ، أي موجود قال ولذلك يقولون: أخرجه من الليسية إلى الايسية أي من العدم إلى الوجود ، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب ، قال وذكر الخليل أن ( ليس ) كلمة جحود معناها : لا أيس ، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام ، والدليل عليه قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس ، ومعناه : من حيث هو ولا هو ( وثامنها ) الاستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر ، وهذا إنما يفيد السلب أو لا فلا يكون فعلاً، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفي زيداً وأعدمه ، قلنا : قولك نفي زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها ، فلم يكن السؤال وارداً ، وأما القائلون بأن ( ليس ) فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن ( ليس ) قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم ليس زيداً ، (وعن الثاني ) أنه منقوض بقولهم : أخذ يفعل كذا ( وعن الثالث ) أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة ( وعن الرابع ) أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضى المماثلة ( وعن الخامس ) أن ذلك إنما امتنع من قبل أن : ما ، للحال ( وليس ) للماضي ، فلا يكون الجمع بينهما ( وعن السادس ) أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل مما ذكرنا من الدليل ( وعن السابع ) أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما قوله : من حیث أیس ولیس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه إسماً ، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل ( وعن الثامن ) أن (ليس ) مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية ، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ حمزة وحفص عن عاصم (ليس البر ) بنصب الراء، والباقون بالرفع ، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم ( ليس ) وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسما ، والآخر خبراً، وحجة من رفع ( البر ) أن اسم ( ليس ) مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول ، ومن نصب ( البر ) ذهب إلى أن بعض النحويين قال ( أن ) مع صلتها أولى أن تكون اسم ( ليس) لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، فكان ههنا اجتمع مضمر ٤٠ قوله تعالى (( ليس البران تولوا وجوهكم)) سورة البقرة ومظهر ، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الإختصاص من المظهر ، وعلى هذا قرىءفي التنزيل قوله ( فكان عاقبتهما أنهما في النار ) وقوله ( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا ، وما كان حجتهم إلا أن قالوا ) والاختیار رفع البر لأنه روی عن ابن مسعور أنه قرأ ( ليس البر بأن ) والباء تدخل في خبر ليس . المسألة الرابعة﴾ البراسم جامع للطاعات ، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى، ومن هذا بر الوالدين ، قال تعالى ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) فجعل البر ضد الفجور وقال ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه . المسألة الخامسة ﴾ قال القفال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال ، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب ، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور ( أحدها ) الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أما اليهود فقولهم : بالتجسيم ولقولهم : بأن عزيراً ابن الله ، وأما النصارى فقولهم: المسيح ابن الله ، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل ، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله ( قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) ( وثانيها ) الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وقالوا ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) والنصارى أنكروا المعاد الجسماني ، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر ( وثالثها ) الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبريل عليه السلام ( ورابعها ) الإيمان بكتب الله ، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك ، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن کتاب الله ردوه ولم یقبلوه قال تعالی ( وإن یأتوکم أسارى تفادوهم وهو محرم علیکم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) (وخامسها ) الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء على ما قال تعالى (ويقتلون النبيين بغير الحق ) وحيث طعنوا في نبوة محمد ◌َّليه (وسادسها) بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود أخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قالى ( واشتروا به ثمنا قليلا) ( وسابعها) إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنحون الناس منها ( وثامنها ) الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد حيث قال ( أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براًثم حكم بأن البر مجموع أمور .