النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى
الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب
للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر
الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين
هـ
٥٤٤ - ٢٠٤
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
الجُزْءُ الخَامِيسِ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

٢
قوله تعالى (( يا أيها الناس كلوا )) الآية. سورة البقرة
يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِبًا وَلَا تَّعُوْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُبِينٌ (٨َه إِنَّمَا يَأْمُ كُم بِالسُّوءِ وَالْفَخْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَالَا تَعْلُونَ (3)
قوله عز وجل ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان
إنه لكم عدو مبين ، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله ، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك
ومن يتخذ من دون الله أنداداً ، ويتبع رؤساء الكفرة أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين
وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم ،
فقال ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ) وفيه مسائل :
*
المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم
السوائب ، والوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني
مدلج .
٠٦
المسألة الثانية ﴾ الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي
هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به ، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا؛
وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإحرام ، وحلت
عليه العقوبة ، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب ، والحلة الإزار والرداء ، لأنه .
يحل عن الطي للبس ، ومن هذا تحلة اليمين ، لأنه عقدة اليمين تنحل به ، واعلم أن الحرام قد
يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر ، وقد يكون حراماً لا لخبئه ، كملك الغير إذا لم يأذن
في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين .
المسألة الثالثة﴾ قوله ( حلالاً طيباً) إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن
شئت نصبته على أنه مفعول.

٣
قوله تعالى ((ولا تتبعوا)) سورة البَقَرَة
المسألة الرابعة ﴾ الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب ،
لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) والطيب في الأصل هو
ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه
النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان
( الأول ) أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من
جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من
العاقل إلا عند شبهة ( والثاني ) المراد منه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فان قوله
( حلالاً ) المراد منه ما يكون جنسه حلالا وقوله ( طيباً ) المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير
فان أكل الحرام وإن استطابه الأكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون
مستطاباً ، كما قال تعالى ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً).
أما قوله تعالى ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر والكسائي، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير
وحفص عن عاصم ( خطوات ) بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء ، أما من ضم العين
فلأن الواحدة خطوة فاذا جمعت حركت العين للجمع ، كما فعل بالأسماء التي على هذا الوزن
نحو غرفة وغرفات ، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الاسم
والصفة ، وذلك أن ما كان اسماً جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة
وشهوات ، وما كان نعتاً جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات ، والخطوة
من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين ، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل
وطلب الخفة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد
وحكى عن الفراء : خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال : حثوت حثوة ، والحثوة
اسم لما تحثيت ، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت ، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان
المتخطي كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى : لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا
طريقه لأن الخطوة اسم مكان ، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا : خطوات الشيطان
طرقه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير : لا تأتموا به ولا تقفوا أثره

٤
قوله تعالى ((إنما يأمركم)) سورة البَقَرة
والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة ، وأما المعنى فليس مراد الله ههنا
ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما
يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه
إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله
تعالى عن ذلك ، ثم بين العلة في هذا التحذير ، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة ،
وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى ( ولأضلنهم ولأمنينهم
ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) وثلاثة منها في قوله تعالى ( الأقعدن
لهم صراطك المستقيم ، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا
تجد أكثرهم شاكرين ) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه
الله تعالى بذلك .
وأما قوله تعالى ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) فهذا
كالتفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثة ( أولها ) السوء ، وهو متناول جميع
المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب ( وثانيها )
الفحشاء وهي نوع من السوء ، لأنها أقبح أنواعه ، وهو الذي يستعظم ويستفحش من
المعاصي ( وثالثها ) ( أن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) وكأنه أقبح أنواع الفحشاء ، لأنه
وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله
تعالى (ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر
والكفر والجهل بالله ، وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها
من أنفسنا ، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه ( أحدها ) اختلفوا في ماهياتها فقال
بعضهم إنها حروف وأصوات خفية ، وقال الفلاسفة : إنها تصورات الحروف والأصوات
وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا ، فان تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض
الوجوه ، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه .
ولقائل أن يقول : صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حر وفاً
أو لا تشبهها؟ فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر
أصوات وحروف خفية ، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفاً ، لكني أجد
من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج ، والعربي لا
يتكلم في قلبه إلا بالعربية ، وكذا العجمي ، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا
٠

قوله تعالى ((إنما يأمركم)) سورة البَقَرة
يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج ، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية
(وثانيها ) أن فاعل هذه الخواطر من هو؟ أما على أصلنا وهو أن خالق الحوادث بأسرها هو الله
تعالى ، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك ، وأيضاً فلأن المتكلم
عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى ، وفيها ما يكون كذباً
وسخفاً ، لزم كون الله موصوفاً بذلك تعالى الله عنه ، ولا يمكن أن يقال : إن فاعلها هو
العبد ، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر ، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها البتة لا
تندفع ، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال ، فإذن لا بد ههنا من شيء آخر ، وهو
إما الملك وإما الشيطان ، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ ، وفي أقصى القلب ،
حتى إن الإِنسان وإن كان في غاية الصمم ، فإِنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن
الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها ، غير متحيزة البتة ، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه
الأفعال ، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضاً أن يقال : إنها وإن كانت لا تتولج بواطن
البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، ولا بعد أيضاً أن يقال إنها
لغاية لطاقتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى
قلبه ودماغه ، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب ، بحيث يكون اتصال بعض
أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل ، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق
انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الإحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها
عند الله تعالى ، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى (إذ يوحي ربك إلى الملائكة
أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم ، ويدل عليه من
الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام ((إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة )) وفي الحديث أيضاً
(( إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطاناً وقرن الله به ملكاً ، فالشيطان جاثم على أذن
قلبه الأيسر، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه)) ومن صوفية والفلاسفة من فسر
الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية ، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية
والغضبية .
﴿ المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره
بكلمة ( إنما) وهي للحصر، وقال بعض العارفين : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض
أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من
أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير
ازدياد المشقة سبباً لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.

٦
قوله تعالى ((وإذا قيل لهم اتبعوا)) الآية . سورة البَقَرة
وَ إِذَا قِبَلَ لَهُمُ أَتَِّعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَلْ نَبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَ نَآ أَوَلَوْ كَانَ
إِبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَ يَهْتَدُونَ (
١٧٠
المسألة الثالثة ﴾ قوله تعالى (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) يتناول جميع المذاهب
الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقاً
للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية .
﴿ المسألة الرابعة﴾ تمسك نفاة القياس بقوله (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)
أ ..
( والجواب عنه ) أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا
على الله بما يعلم لا بما لا يعلم .
قوله تعالى ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان
آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ .
اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله (لهم ) على ثلاثة أقوال ( أحدها) أنه عائد على
( من ) في قوله ( من يتخذ من دون الله أنداداً) وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم
( وثانيها ) يعود على ( الناس ) في قوله ( يا أيها الناس ) فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على
طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا
يقولون ( وثالثها ) قال ابن عباس : نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى
الإِسلام ، فقالوا : نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خير منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية
مستأنفة ، والكناية في ( لهم ) تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم ، كما
يعود على المذكور ، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا ( بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ الكسائي يدغم لام (هل) و(بل) في ثمانية أحرف: التاء كقوله
( بل تؤثرون ) والنون ( بل نتبع ) والثاء ( هل ثوب ) والسين ( بل سولت ) والزاي ( بل
زين) والضاد ( بل ضلوا) والظاء ( بل ظننتم ) والطاء ( بل طبع) وأكثر القراء على الإظهار ،
ومنهم من يوافقه في البعض ، والإظهار هو الأصل .
المسألة الثانية﴾ (ألفينا) بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى ( بل نتبع ما

٧
قوله تعالى ((وإذا قيل لهم اتبعوا)) سورة البَقَرة
وجدنا عليه آباءنا ) ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( وألفيا سيدها لدى الباب ) وقوله ( إنهم ألفوا
آباءهم ضالين ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ معنى الآية: أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل
الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك ، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا ، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد ،
وأجاب الله تعالى عنهم بقوله ( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الواو في ( أولو ) واو العطف ، دخلت عليها همزة الاستفهام
المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الإستفهام للتوبيخ ، لأنها تقتضي
الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضى الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه .
﴿ المسألة الثانية) تقرير هذا الجواب من وجوه (أحدها) أن يقال للمقلد : هل
تعترف بان شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا ؟ فان اعترفت بذلك لم نعلم جواز
تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً ، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم
التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت : ليس من شرط
جواز تقليده أن يعلم كونه محقاً ، فاذن قد جوزت تقليده ، وإن كان مبطلا فإذن أنت على
تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل ( وثانيها ) هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا
لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه البتة مذهباً ، فأنت ماذا كنت
تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا
ههنا ( وثالثها ) أنك إذا قلدت من قبلك ، فذلك المتقدم كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا
بتقليد ؟ فإِن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ، فإِذا
أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، لأنك لو طلبت بالتقليد
لا بالدليل ، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له ، فثبت أن القول
بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا .
المسألة الثالثة﴾ إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان ،
تنبيهاً على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان ، وبين متابعة التقليد ، وفيه أقوى دليل
على وجوب النظر والإستدلال ، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل ، أو على ما
يقوله الغير من غير دليل .
﴿ المسألة الرابعة ) قوله (لا يعقلون شيئاً) لفظ عام ، ومعناه الخصوص ، لأنهم كانوا
يعقلون کثیراً من أمور الدنيا ، فهذا يدل على جواز ذکر العام مع أن المراد به الخاص.
.

٨
قوله تعالى ((ومثل الذين كفروا)) الآية . سورة البقرة
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءَ هُمْ بُكْرُ عُمْىٌ فَهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ
١٧
﴿ المسألة الخامسة) قوله (لا يعقلون شيئاً) المراد أنهم لا يعلمون شيئاً من الدين وقوله
تعالى ( ولا يهتدون ) المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه.
قوله تعالى ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي
فهم لا يعقلون
: :
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر
والتدبر ، وأخلدوا إلى التقليد ، وقالوا ( بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) ضرب لهم هذا المثل
تنبيهاً للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء ، وقلة الإهتمام بالدين ،
فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام ، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ،
ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسراً لقلبه ، وتضييقاً لصدره ، حيث صيره
كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد ،
وههنا مسائل :
٠
المسألة الأولى ﴾ نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب فبالغين المعجمة.
المسألة الثانية) للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان (أحدهما) تصحيح
المعنى بالإضمار في الآية ( والثاني ) إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار ، أما الذين
أضمروا فذكروا وجوهاً ( الأول) وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة ، كأنه قال : ومثل
من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزلة الداعي
إلى الحق ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم
المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار كانوا
يسمعون صوت الرسول وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه
( الثاني ) مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع
كالغنم ، وما يجري مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم : فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه
البهائم ، فاذا كان لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو
الداعي ، وفيه سؤال ، وهو أن قوله ( إلا دعاء ونداء ) لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع
:

٩
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) الآية. سورة البَقَرة
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
تَعْبُدُونَ ﴿ُ
كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَ قْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ اللّه
إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
٠٠
شيئاً ( الثالث ) قال ابن زيد : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند
الجبل ، فانه لا يسمع إلا صدى صوته فاذا قال : يا زيد يسمع من الصدى : يا زيد . فكذلك
هؤلاء الكفار إذا دعوا هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء .
الطريق الثاني ﴾ في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان
( أحدهما ) أن يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان ، كمثل
الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل ، فكذا ههنا ( الثاني )
مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما
أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة ، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة .
أما قوله تعالى ( صم بكم عمى ) فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم ؛
فقال ( صم بكم عمى ) لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة
البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل
فصاروا كأنهم لم يشاهدوها ، قال النحويون ( صم ) أي هم صم وهو رفع على الذم ، أما
قوله ( فهم لا يعقلون ) فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم قال :
العقل عقلان مطبوع ومسموع .
ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا
عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل : من فقد حساً فقد علماً .
قوله عز وجل ﴿ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه
تعبدون ﴾ .
اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله ( كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ) ثم نقول :
إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد
على اليهود والنصارى ، ومن هنا شرع في بيان الأحكام ، اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن الأكل قد يكون واجباً، وذلك عند دفع الضرر عن

١٠
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) سورة البقرة
النفس ، وقد يكون مندوباً ، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا
سوعد ، فهذا الأكل مندوب ، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض ، والأصل في
الشيء أن يكون خالياً عن العوارض ، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك
كان قوله ( كلوا ) في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة.
المسألة الثانية ﴾ احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى ( من
طيبات ما رزقناكم ) فان الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله ( من طيبات ما
رزقناكم ) معناه من محللات ما أحللنا لكم ، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل ، أجابوا عنه
بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب ، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في
المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه . فأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما
أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى.
المسألة الثالثة ) قوله (وأشكروا لله) أمر: وليس بإباحة فان قيل: الشكر إما أن
يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح ، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك
المنعم ، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح ، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل ،
فان العاقل لا ينسى ذلك فاذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه ، وأما العزم على
تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان ، العمل بالجوارح ، فاذا
بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى ، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف
له بكونه منعماً أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات ، وأما الشكر
بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه ، وذلك أيضاً غير واجب ، وإذا ثبت
هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب
عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك
تهمة .
أما قوله تعالى ( إن كنتم إياه تعبدون ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في هذه الآية وجوهاً ( أحدها) ( واشكروا لله) إن كنتم عارفين
بالله وبنعمه ، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته ، إطلاقاً لإِسم الأثر على المؤثر ( وثانيها )
معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه ، فإِن الشكر رأس العبادات ( وثالثها )
( واشکروا لله) الذي رزقکم هذه النعم ( إن کنتم إياه تعبدون ) أي إن صح أنكم تخصونه
بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره، عن أنس رضي الله عنه عن النبي ◌َّة ((يقول الله

١١
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) الايه سورة البقرة
أَنَاحَّمَ عَلَيْكُ الْمَيْئَةَ وَلَّمَ وَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أَمِلَّ ◌ِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ
بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَ إِنَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري)).
المسألة الثانية﴾ احتج من قال : إن المعلق بلفظ : أن ، لا يكون عدما عند عدم
ذلك الشيء بهذه الآية ، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة ( إن ) على فعل العبادة ، مع أن
من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً .
قوله تعالى ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير
باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ﴾ .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع
الحرام ، والكلام فيها على نوعين ( النوع الأول ) ما يتعلق بالتفسير ( والنوع الثاني ) ما يتعلق
بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية ( فالنوع الأول ) فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن كلمة (إنما) على وجهين ( أحدهما ) أن تكون حرفاً
واحداً ، كقولك : إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك ( الثاني ) أن تكون ( ما ) منفصلة من :
إن ، وتكون ( ما ) بمعنى الذي ، كقولك : إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء
في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله ( إنما الله إله واحد وإنما أنت نذير ) وأما على
الثاني فقوله ( إنما صنعوا كيد ساحر ) ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل ( إنما ) حرفاً واحداً
كان صواباً ، وقوله ( إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم ) تنصب المودة وترفع على هذين
الوجهين، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال ( إنما ) تفيد الحصر واحتجوا
عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى ( إنما الله إله واحد ) أي ما هو إلا إله
واحد ، وقال ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد ( قل إنما
أنا بشرمثلكم ) أي ما أنا إلا بشرمثلكم ، وكذا هذه الآية فانه تعالى قال في آية أخرى ( قل لا
أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير )
وصارت الآيتان واحدة فقوله ( انما حرم عليكم ) في هذه الآية مفسر لقوله ( قل لا أجد فيما
أوحى، إلى محرماً ) : لا كذا في تلك الآية وأما الشعر فقول الأعشر:
ولست بالأكثر منهم حصى
للکاثر
وإنما العزة

١٢
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
وقول الفرزدق :
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما
يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى
وأما القياس ، فهو أن كلمة ( إن ) للإثبات وكلمة ( ما ) للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن
يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو
ثبوت المذكور ، ونفي غير المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله
تعالى ( إنما أنت نذير ) ولقد كان غيره نذيراً، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد
الحصر، ولا ينفي وجود نذير آخر .
المسألة الثانية) قرىء (حرم) على البناء للفاعل و( حرم) للبناء المفعول و( حرم)
بوزن كرم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الواحدي: الميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح ، وأما
الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، فحرم الله الدم وقوله ( لحم
الخنزير ) أراد الخنزير بجميع أجزائه ، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله ( وما
أهل به لغير الله ) قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ،
وقال ابن أحمر :
يصل بالفدفد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر
هذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم ، مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند
الإحرام ، هذا معنى الإهلال ، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي حرم بها ، وذلك لأنه
يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند
الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي ، فمعنى قوله ( وما أهل به لغير
الله) يعني ما ذبح للأصنام ، وهو قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن
زيد: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ ، قال
العلماء : لو أن مسلماً ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله ، صار مرتداً وذبيحة
ذبيحة مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله
تعالى ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) .
أما قوله تعالى ( فمن اضطر ) ففيه مسائل :

١٣
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع ، وابن كثير، وابن عامر والكسائي: ( فمن اضطر )
بضم النون والباقون بالكسر، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة لإِلتقاء الساكنين .
﴿ المسألة الثانية﴾ اضطر: أحوج وألجىء، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من
الضرر ، وهو الضيق .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة ، وهذه
الضرورة لها سبيان ( أحدهما ) الجوع الشديد ، وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق ،
فعند ذلك يكون مضطراً ( الثاني ) إذا أكرهه على تناوله مكره ، فيحل له تناوله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه ( لا إثم عليه
إن الله غفور رحيم ) فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم
عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر )
أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو
صدقة ) ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، ولدلالة الخطاب
عليه .
أما قوله تعالى ( غير باغ ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الفراء ( غير ) ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء ، لأن
غيرههنا بمعنى النفي ، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى : لا ، وهي ههنا حال للمضطر ،
كأنك قلت : فمن اضطر لا باغياً ، ولا عادياً فهو له حلال .
﴿ المسألة الثانية﴾ أصل البغي في اللغة الفساد، وتجاوز الحد قال الليث: البغي في
عدو الفرس اختيال ومروح ، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ ، والبغي الظلم
والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) وقال
الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغياً ، إذا بدأ بالفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها حتى
تجاوز الحد ، وبغي الجرح والبحر والسحاب إذا طغى .
أما قوله تعالى ( ولا عاد ) فالعدو هو التعدي في الأمور ، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر
عليه ، يقال عدا عليه عدواً ، وعدواناً ، واعتداء وتعدياً، إذا ظلمه ظلماً مجاوزاً للحد ، وعدا
طوره : جاوز قدره .
المسألة الثالثة﴾ لأهل التأويل في قوله ( غير باغ ولا عاد ) قولان ( أحدهما ) أن

١٤
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
يكون قوله ( غير باغ ولا عاد ) مختصاً بالأكل ( والثاني ) أن يكون عاماً في الأكل وغيره ، أما
على القول الأول ففيه وجوه ( الأول ) ( غير باغ ) وذلك بأن يجد حلالاً تكرهه النفس ، فعدل
إلى أكل الحرام اللذيذ ( ولا عاد ) أي متجاوز قدر الرخصة ( الثاني ) غير باغ للذة أي طالب
لها ، ولا عاد متجاوز سد الجوعة ، عن الحسن ، وقتادة ، والربيع ، ومجاهد ، وابن زيد
( الثالث ) غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه ، ولا عاد في سد الجوعة .
( القول الثاني ) أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي ، ولا
عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين ، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر
سيجىء إن شاء الله تعالى .
أما قوله ( فلا إثم عليه ) ففيه سؤالان ( أحدهما ) أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله
( لا إثم عليه) يفيد الإباحة ( الثاني ) أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا
إثم عليه ، قلنا : قد بينا في تفسير قوله ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) أن نفي الإثم قدر
مشترك بين الواجب والمندوب والمباح ، وأيضاً فقوله تعالى ( فلا إثم عليه ) معناه رفع الحرج
والضيق ، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة ، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة
فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك،
أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول
الميتة على ما هو عليه من النفار ، وههنا يتحقق معنى الوجوب .
أما قوله تعالی فی آخر الآية ( إن الله غفور رحيم ) ففیه إشکال وهو أنه لما قال ( فلا إثم
عليه ) فكيف يليق أن يقول بعده ( إن الله غفور رحيم ) فإن الغفران إنما يكون عند حصول
الإثم .
( والجواب ) من وجوه ( أحدها) أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم ، إلا أنه زالت
الحرمة لقيام المعارض ، فلما كان تناوله تناولاً لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة ،
ثم ذكر بعده أنه رحيم ، يعنى لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك ( وثانيها ) لعل المضطر
يزيد على تناول الحاجة ، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث أباح
في تناول قدر الحاجة ( وثالثها) أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقيها بكونه غفوراً رحيماً لأنه
غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى .
﴿ النوع الثاني ﴾ من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها
وهي مرتبة على فصول :

١٥
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البَقَرة
الفصل الأول
فيما يتعلق بالميتة
:
والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد : -
أما المقدمة ﴾ ففيها ثلاث مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضى الإجمال؟
فقال الكرخي : إنه يقتضى الإجمال ، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة ، فلا بد من
صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها ، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما
يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها ، وهو غير محرم ، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل
خاص ، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة ، وأما أكثر العلماء
فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه
الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها ، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم
كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا ، وقد استقصينا الكلام فيه في كتاب المحصول في علم
الأصول .
المسألة الثانية ) لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع
التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص ، فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم
بالأكل ، والذي يدل عليه وجوه (أحدها) أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها
( وثانيها ) أنه ورد عقيب قوله ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) (وثالثها ) ما روى عن الرسول
عليه السلام في خبر شاة ميمونة ، إنما حرم من الميتة أكلها .
( والجواب عن الأول ) لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها (وعن
الثاني ) أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم ، بل يجب إجراؤها على
ظاهرها ( وعن الثالث ) أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد ، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم
يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة
وجوه الحرمة إلى هذه الآية ، فدل إنعقاد إجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل ،
وللسائل أن يمنع هذا الإجماع .

١٦
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البَقَرة
المسألة الثالثة ﴾ الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حياً من دون نقض
بنيه ولذلك فرقوا بين المقتول والميت ، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكى إما لأنه لم يذبح أو
أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الذكاة في موضعه ، فإن قيل : كيف يصح ذلك
وقد قال تعالى في سورة المائدة ( حرمت عليكم الميتة والدم ) ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة
والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك ، قلنا لعل الأمر كان في
ابتداء الشرع على أصل اللغة ، وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه والله أعلم .
أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين ( أحدهما ) ما
أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها ( والثاني ) ما أدخلوه فيها وهو خارج عنها .
؛ أما القسم الأول ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذهب الشافعي رضي الله عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع
بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك : يحرم الانتفاع بعظمها خاصة وجل الفقهاء اتفقوا
على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير ، واحتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع
بها، إنما قلنا إنها ميتة لقوله عليه السلام ((ما أبين من حي فهو ميت)) وهذا الخبر يعم الشعر
والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى ( من يحيي العظام وهي
رميم ) فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها
لقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه ، لأن
حكم الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى
تنجيس العظام دون الشعور .
( والجواب ) أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل الآية
والخبر أما الآية فقوله تعالى ( كيف يحي الأرض بعد موتها) وأما الخبر فقوله عليه السلام ((من
أحيا أرضاً ميتة فهي له )) والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست
عبارة عما ذكرتموه ، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحاً في مزاجه معتدلاً في حاله غير
معترض للفساد والتعفن والتفرق ، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية ، واحتج أبو حنيفة
بالقرآن والخبر والإجماع والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى ( ومن أصوافها وأوبارها أثاثاً ومتاعاً
إلى حين) حيث ذكرها في معرض المنة ، والامتنان لا يقع بالنجس الذي لا يخل الانتفاع به ،
وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة ((إنما حرم من الميتة أكلها)) وأما الإجماع ، فهو أنهم
كانوا يلبسون جلود الثعالب ، ويجعلون منها القلانس ، وعن النخعي : كانوا لا يرون بجلود

١٧
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
السباع وجلود الميتة إذا دبغت بأساً ، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي : كانوا
إشارة إلى الصحابة وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي الله عنه حلال ، فلهذا
يقول بإباحته لأن الذكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب ، وأما القياس فلأن
هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة للتعفن والفساد ، فوجب أن يقضي
بطهارتها كالجلود المدبوغة ، وأما النفع بشعر الخنزير : ففي الفقهاء من منع نجاسته وهو
الأسلم ، ثم قالوا : هب أن عموم قوله ( حرمت عليكم الميتة ) يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف
والعظم وغيرهما إلا أن هذه الدلائل تنتج الانتفاع بها ، والخاص مقدم على العام فكان هذا
الجانب أولى بالرعاية .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا مات في الماء دابة ليس لها نفس
سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر ، وللشافعي رضي الله عنه قولان في الماء القليل ، واحتجوا
للشافعي ، بأنها حيوانات فإذا ماتت صارت ميتة فيحرم استعمالها بمقتضى الآية ، وإذا حرم
استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم بنجاستها ، وإذا ثبت الحكم بنجاستها ، وجب الحكم
بنجاسة الماء القليل الذي وقعت هي فيه ، وأجابوا عنه بأنه ميتة ، ويحرم الانتفاع بها ولكن لم
قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة ، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس الماء بها ، واحتجوا
على القول الثاني للشافعي رضي الله عنه بقوله عليه السلام ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم
فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء )) وأمر بالمقل فربما كان الطعام حاراً
فيموت الذباب فيه فلو كان ذلك سبباً للتنجيس لما أمر النبي عليه السلام به .
﴿ المسألة الثالثة ) للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ، فأوسع الناس فيه قولاً
الزهري ، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ ، ويليه داود فإنه قال تطهر كلها
بالدباغ ، ويليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها ، ويليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها
إلا جلد الخنزير ، ويليه الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير ، ويليه
الأوزاعي وأبو ثور فإنهما يقولان : يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط ، ويليه أحمد بن حنبل رضي
الله عنهم فإنه قال : لا يطهر منها شيء بالدباغ ، واحتج أحمد بالآية والخبر أما الآية فقوله تعالى
( حرمت عليكم الميتة ) أطلق التحريم وما قيده بحال دون حال ، وأما الخبر فقول عبد الله بن
حكيم : أتانا كتاب رسول الله له قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ، أجابوا
عن التمسك بالآية ، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد وبالقياس جائز ، وقد وجدا ههنا خبر
الواحد فقوله عليه الصلاة والسلام ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) وأما القياس: فهو أن الدباغ
يعود الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة وكما كان حال الحياة طاهراً كذلك بعد الدباغ وهذا
الفخر الرازي ج ٥ م٢
:

١٨
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
القياس والخبر هما معتمد الشافعي رحمه الله .
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة، بإطعام البازي والبهيمة ،
فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع بتلك الميتة والآية دالة على تحريم
الانتفاع بالميتة فأما إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه
احتمالان .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا في دهن الميتة وودكها هل يجوز الاستصباح به أم لا، وهذا
ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة ، أو في جملته ما هو هذا حاله ، فالظاهر يقُتَضَّى المنْعُ منه
وإن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة ، وإنما يحرم ذلك الدليل تشوى الظاهر ، وعن
عطاء ابن جابر قال لما قدم الرسول ل# مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك ، فقالوا يا رسول الله إنا
نجمع الأوداك وهي من الميتة وغيرها وإنما هي للأديم والسفن، فقال رسول الله له ((لعن الله
اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها )» فنهاهم عن ذلك وأخبرهم بأن تحريمه
إياها على الإطلاق أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها .
﴿ المسألة السادسة ﴾ الظاهر يقتضى حرمة السمك والجزاد إلا أنهما خصة بالخبر عن ابن
عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام ((أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان
فالجراد والنون وأما الدمان فالطحال والكبد)) وعن جابر في قصة طويلة: أن البحر ألقى
إليهم حوتاً فأكلوا منه نصف شهر ، فلما رجعوا أخبروا النبي * بذلك فقال: هل عندكم منه
شيء تطعموني ، وقال عليه الصلاة والسلام في صفة البحر ((هو الطهور ماؤه الخل مينة))
وأيضاً فإنه ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام : حل السمك ، واختلفوا في
السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه ، فقال مالك والشافعي رضي الله عنهما لا
بأس به ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح إنه مكروه واختلف الصحابة في هذه
المسألة فعن على رضى الله عنه أنه قال : ما طفه من صيد البحر فلا نأكله ، وهذا أيضاً مروى
عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبي أيوب
إباحته ، وروى أبو بكر الرازي روايات مختلفة عن جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام
قال (( ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه )) وأما الشافعي رضي الله
عنه فقد احتج بالآية والخبر والمعقول ، أما الآية فقوله تعالى ( أحل لكم صيد البحر وطعامه )
وهذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام
((أحلت لنا ميتتان السمك والجراد)) وهذا مطلق، وقوله في البحر ((هو الطهور ماؤه الحل
ميتة)) وهذا عام وروي عن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال (( كل ما طفا على
البحر )).
.

١٩
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
المسألة السابعة ﴾ قال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما : لا بأس بأكل الجراد كله
ما أخذته وما وجدته ، وروي عن مالك رضي الله عنه أن ما وجد ميتاً لا يحل ، وأما ما أخذ
حياً ثم قطع رأسه وشوى أكل ، وما أخذ حياً فغفل عنه حتى يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر
الآية، وحجة الشافعي وأبي حنيفة قوله عليه السلام ((أحلت لنا ميتتان السمك والجراد))
فوجب حملهما على الإطلاق فتبين بذلك أن قطع رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة فى أنه
لا يكون ميتة، فلا يكون لقوله عليه السلام ((أحلت لنا ميتتان)) فائدة وقال عبد الله بن أبي
أوفى : غزوت مع رسول الله ◌َ و سبع غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره ، فلم يفرق بين ميتة
وبين مقتولة .
﴿ المسألة الثامنة﴾ اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذبح الأم ، فقال أبو حنيفة، لا
يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح ، وهو قول حماد ، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : أنه يؤكل
وهذا هو المروي عن على ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وقال مالك : إن تم خلقه ونبت شعره
أكل ، وإلا لم يؤكل ، وهو قول سعيد بن المسيب ، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية وهو
أنه ميتة ، فوجب أن يحرم ، قال الشافعي ، أخصص هذا العموم بالخبر والقياس ، أما الخبر
فهو أنا أجمعنا على أن المذكي مباح وهذا مذكي ، لما روى أبو سعيد الخدري ، وأبو الدرداء ،
وأبو أمامة ، وكعب بن مالك ، وابن عمر وأبو أيوب ، وأبو هريرة رضى الله عنهم ، عن
النبي ◌َّ أنه قال ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) وتقريره أن كون الذكاة سبباً للإباحة حكم شرعي ،
فجاز أن تكون ذكاة الجنين حاصلة شرعاً بتحصيل ذكاة أمه ، أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة
الجنين ذكاة أمه ، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له ، ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته
كما تذكي أمه ، وأنه لا يؤكل بغير ذكاة ، كقوله تعالى ( وجنة عرضها السموات والأرض )
ومعناه كعرض السموات والأرض ، وكقول القائل : قولي قولك ، ومذهبي مذهبك ، وإنما
المعنى : قولي كقولك ، ومذهبي كمذهبك ، وقال الشاعر :
فعیناك عيناها
وجيدك جيدها
وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد الإحتمالين إيجاب تذكيته ، وأنه لا يؤكل غير مذكى فى
نفسه ، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله ، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله
على المعنى الموافق للآية ، أجاب الشافعي رضي الله عنه من وجوه ( أحدها ) أن على الإحتمال
الذي ذكر تموه لا بد فيه من إضمار وهو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه ، والإضمار خلاف الأصل
( وثانيها ) أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه ، ومتى ولد لا يسمى جنيناً ، والنبي
عليه الصلاة والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً ، فوجب أن يكون في تلك الحالة

٢٠
قوله تعالى ((إنما حرم عليكم)) سورة البقرة
مذكى بذكاتها ( وثالثها ) أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكائه إذا خرج حياً تسقط
فائدته ، لأن ذلك معلوم قبل وروده (ورابعها) ما روى عن أبي سعيد أنته عليه الصلاة
والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً ، قال: إن شئتم فكلوه ، فإن ذكاته ذكاة أمه، وأما
القياس فمن وجوه ( أحدها) أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقت جنيناً
ميتاً ، لم ينفرد الجنین بحکم نفسه ، ولو خرج الولد حیاً ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه
في إيجاب الغرة ، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتاً ، كان تبعاً للأم في
الذكاة ، وإذا خرج حياً لم يؤكل حتی یذکی ( وثانيها ) أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم
عضو من أعضائه فوجب أن يحل بذكاتها كسائر الأعضاء ( وثالثها ) الواجب في الولد أن يتبع
الأم في الذكاة ، كما يتبع الولد الأم في العتاق والإستيلاد والكتابة ونحوها .. ..
:
٠٫٠
المسألة التاسعة ﴾ ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة، فوجب أن
يكون حراماً إِنما قلنا : إنه ميتة ، للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام ( ما
أبين من حي فهو ميت)) وأما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم واللذة،
وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً ، فوجب أن يحرم لقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) .
المسألة العاشرة ﴾ اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد ،
فعند الشافعي رضي الله عنه ، لا يستعقبه ، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا
يستعقب الطهارة كذبح المجوسي ، وعند أبي حنيفة يستعقبه .
القسم الثاني ﴾ مما دخل في الآية وليس منها ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله تعالى ( إنما حرم عليكم الميتة والدم) و(حرمت
عليكم الميتة ) لا يقتضى تحريم ما مات فيه من المائعات ، وإنما يقتضى تحريم عين الميتة ، وما
جاور الميتة فلا يسمى ميتة ، فلا يتناوله لفظ التحريم ، كالسمن إذا وقعت فيه فأرة وماتت فإنه
لا يتناولها ، هذا الظاهر وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين (أحدهما ) أما الذي
ينجس بمجاورته الميتة فيحرم ، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم ( والثاني ) أن الذي ينجس كيف
الطريق إلى تطهيره ؟ .
المسألة الثانية ﴾ سأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقيع في قدر مطبوخ
فمات ، فقال أبو حنيفة لأصحابه : ما ترون فيها ؟ فذكروا له عن ابن عباس : أن اللحم
يؤكل بعدما يغسل ويراق المرق ، فقال أبو حنيفة : بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في
حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع في حال غليانها : لم يؤكل اللحم ولا المرق ، قال
.