النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ قوله تعالى : إن الذين يكتمون. سورة البَقَرة أما قوله تعالى ( ما أنزلنا من البينات ) فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً وحياً دون أدلة العقول ، وقوله تعالى ( والهدى) يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية ، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى ( هدى للمتقين ) أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فان قيل : فقد قال ( والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ) فعاد إلى الوجه الأول قلنا : الأول هو التنزيل والثانى ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلاً تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد ، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجاً إليها ثم تركها أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوماً ، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى . : ﴿ المسألة الخامسة﴾ من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال: دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب ، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجباً وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) فحكم بوقوع البيان بخبرهم فان قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان ومأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟ . قلنا : هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والاقتراء فلا يكون خبرهم موجباً للعلم. المسألة السادسة ﴾ احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا) وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعاً لأن قوله ( ويشترون به ثمناً قليلا) مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه. أما قوله تعالى ( ومن بعد ما بيناه للناس في الكتاب ) قيل في التوراة والإنجيل من صفة : ١٨٢ قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا .. سورة البقرة ! إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَّنُواْ فَأُوْلَِّكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا الَّابُ الرَّحِيمُ محمد ◌َّ، ومن الأحكام ، وقيل : أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين ، والثاني ما في القرآن. أما قوله تعالى ( أولئك يلعنهم الله) فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب . أما قوله تعالى (ويلعنهم اللاعنون ) فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير ، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة ويؤكده قوله تعالى (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) والناس ذكروا وجوهاً أخر ( أخذها) أن اللآعنين هم دواب الأرض وهوامها ، فانها تقول: منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال ( اللاعنون) ولم يقل اللاعنات لأنه" تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) و( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) و(قالوا لجلودهم ثم شهدتم علينا، وكل في فلك يسبحون) ( وثانيها) كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس ، فان قيل: كيف يصبح اللعن من البهائم والجمادات ؟ قلنا : على وجهين: ( الأول ) على سبيل المبالغة ، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم ( الثاني ) أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فانها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه ( وثالثها) أن أهل النار يلعنونهم أيضاً حيث كتموهم. الدين ، فهو على العموم ( ورابعها) قال ابن مسعود : إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق ، فان لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى ( وخامسها) عن ابن عباس : إن لهم لعنتين : لعنة الله . ولعنة الخلائق ، قال : وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ، ما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن ربك؟ فيقول : ما أدرى فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن ، فلا يسمع شىء عسوته إلا لعنه، ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت ، كذلك كنت في الدنيا ( وسادسها ) قال أبو مسلم ( اللاعنون ) هم الذين آمنوا به ، ومعنى اللعن منهم : مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه قال القاضي : دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن ، ويدل على أن أحداً من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلاً في الآية .. قوله عز وجل ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ﴾ . ١٨٣ قوله تعالى: إن الذين كفروا .. سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَيْمَعِينَ ﴿) خَلِينَ فِيَهَا لَا يَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال ، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعيد ، وقد ذكرنا أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لا لغرض سواه ، لأن من ترك رد الوديعة ثم ندم عليه لأن الناس ذموه ، أو لأن الحاکم رد شهادته لم یکن تائباً ، وكذلك لو عزتم على رد كل وديعة ، والقيام بكل واجب ، لكي تقبل شهادته ، أو يمدح بالثناء عليه لم یکن تائباً ، وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بین تعالى أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة ، ثم بين ثالثاً أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان وهو البيان وهو المراد بقوله ( وبينوا ) فدلت هذه الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي ، قالت المعتزلة : الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الأصرار على البعض لا تصح ، لأن قوله ( وأصلحوا ) عام في الكل ( والجواب عنه ) أن اللفظ المطلق يكفي في صدقة حصول فرد واحد من أفراده . قال أصحابنا : تدل الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً ، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ولو كان كذلك واجباً لما حسن هذا المدح ومعنى ( أتزب عليهم ) أقبل توبتهم وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل : هلا قلتم أن معنى ( فأولئك أتوب عليهم ) هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في قبول الطاعة قلنا : الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب ، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لإسقاط العقاب ، وهو الغرض بفعلها ، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئاً ، ومعنى قوله ( وأنا التواب ) القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب ، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده ، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم . قوله عز وجل ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ اعلم أن في الآية مسائل: ١٨٤ قوله تعالى : إن الذين كفروا. سورة البقرة ﴿ المسألة الأولى ﴾ أن ظاهر قوله تعالى (إن الذين كفروا وماقوا وهم كفار) علم في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك ، وقال أبو مسلم : يجب حمله علی الذین تقدم ذكرهم ، وهم الذین یکتمون الآيات ، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون ، ثم ذكر حال التائبين منهم ، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة ، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة ، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات ( والجواب عنه) أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غيرا توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف . المسألة الثانية﴾ لما ذكر فى الكلام أنه إذا ماتُ على كفْرَه صَار الوعيد لازماً مَنَّ غِيرٌ. شرط ولما كان المعلق على الشرط عدما عند عدم الشرط؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لمّ یکن حاله كذلك . المسألة الثالثة﴾ إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ( أحدها ) أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة ، لقوله تعالى ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً) (وثانيها) قال قتادة والربيع: أراد بالناس أجمعین المؤمنین ، كأنه لم يعتد بغیرهم وحکم بأن المؤمنین هم الناس لا غیر ( وثالثها ) أن کل .. أحد یلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول ، فاذا کان هو في نفسه جاهلا أو ظالماً وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك ، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدى ( ورابعها ) أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن ، وحينئذ یعم ذلك. المسألة الرابعة﴾ قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافراً، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه، لأن قوله( والناس أجمعین ) قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو جن لم يكنعزوال التكليف ... عنه بالجنون مسقطاً للعنة والبراءة منه، وكذلك السبيل فيما يوجب المدخ والموالاة من الإيمان والصلاح ، فإن موت من كان كذلك أو جنونه ، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال بهملايتقا :٥التا مينه عش للط هي ياتي نية هياا ذ ه ٠٠ ٢ عاية ﴿المسألة الخامسة﴾ القائلون بالموافاة الختجوا بهذه الآية فقالوا :عَلَقَ تَعالَى وَجُوبٌ الْعَنّة بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد ١٨٥ قوله تعالى : إن الذين كفروا . سورة البقرة استحقاق اللعن لومات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه ( الجواب ) الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات ، ومنها الخلود في النار ، وعندنا أن هذا المجموع وهو العن وحده ، لم قلتم : أنه لا يحصل إلا فيه . المسألة السادسة ﴾ القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى (وماتوا وهم كفار) والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية، لا يبقى فيهم حال الموت، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم. المسألة السابعة ) الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد، لأنه تعالى قال (والناس أجمعين) مع أنه مخصوص على مذهب من قال: المراد بالناس بعضهم. وأما قوله تعالى (خالدين فيها) ففيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ الخلود اللزوم الطويل، ومنه يقال: أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه . المسألة الثانية ﴾ العامل في (خالدين) الظرف من قوله (عليهم) لأن فيه معنى. الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك: عليهم المال صاغرين. المسألة الثالثة ﴾ (خالدين فيها) أي في اللعنة، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيا لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) والاول أولى لوجوه (الأول) أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر (الثاني) أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعن هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدني فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى (الثالث) أن قوله (خالدين فيها) إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة (أحدها) الخلود وهو المكث الطويل عندنا، والمکث الدائم عند المعتزلة، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى (بلی من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (وثانيها) عدم. التخفيف، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها، لا يصير بعض ١٨٦ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد. سورة البقرة وَإَِهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لََّإِلَهَ إِلَّ هُوَ الْمَنُ الَّحِيمُ الأوقات أقل من بعض، فان قيل: هذا التشابه ممتنع لوجوه (الأول) أنه إذا تصور حال غيره في شدة کالعقاب، كان ذلك كالتخفيف منه (الثاني) أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفاً (الثالث) أنهم حيثما يخاطبون بقوله (اخسوا فيها ولا تكلمون) لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت (أجابوا عنه) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت؛ قالوا: ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه، وجب أن يكون دائما لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام. فإنه یفرح ویسر ويسهل علیه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر. ١٠ (الصفة الثالثة) من صفات ذلك العقاب: قوله (ولا هم ينظرون) والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى (فنظرة إلى ميسرة) والمعنى: إن عذابهم لا يؤجل ، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون ، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون ، وقيل لهم (اخسئوا فيها ولا تكلمون) نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من لإنقطاع والتخفيف والتأخير. قوله عز وجل ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أمنا: الواحد ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو على: قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم (أحدهما) أن يكون اسما والآخر أن يكون وصفا، فالإسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد نحو: واحد اثنان ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك ، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا شيء واخد فإذا أجرى هذا الإسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر ، وجاز أن یکون الذي هو الإسم کقولنا شىء ویقوی الأول قوله ( وإلهكم إله واحد) وأقول : تحقيق هذا .. الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية،ومختلفة فى ١٨٧ قوله تعالى : وإلهكم إله واحد. سورة البقرة في خصوصيات ماهياتها ، أعني كونها جوهراً، أو عرضاً، أو جسماً ، أو مجرداً، ويصح أيضاً لعمل كل واحد منهما ، أعني ماهيته ، وكونه واحداً مع الذهول عن الآخر ، فإذن كون الجوهر مثلاً غير ، وكونه واحداً غير ، والمركب منهما غير، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد، وهذا هو الإسم ، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتاً لشيء آخر ، وهذا معنى كونه نعتاً . ﴿ المسألة الثانية﴾ الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا؟ اختلفوا فيها فقال قوم: إنها صفة زائدة على الذات، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا: هذا الجوهر واحد فالمفهوم من كونه جوهراً، غير المفهوم من كونه واحداً، لدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحداً، ولا يشاركه في كونه جوهراً، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهراً حال الذهول عن كونه واحداً والمعلوم مغاير لغير المعلوم، ولأنه لو كان كونه واحداً نفس كونه جوهراً، لكان قولنا الجوهر واحد جاريا مجرى قولنا: الجوهر جوهر، ولأن مقابل الجوهر هو العرض، ومقابل الواحد هو الكثير، فثبت أن المفهوم من كونه واحداً، إما أن يكون سلبيا أو ثبوتيا لا جائز أن يكون سلبيا لأنه لو كان سلبيا لكان سلبا للكثرة والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، فان كانت الكثرة سلبية، والوحدة سلب الكثرة، كانت الوحدة سلبا للسلب وسلب السلب ثبوت فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمراً موجوداً وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن الذهني مطابقا لما في الخارج، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحداً وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن وجد ذهنيا وفرضيا واعتباريا، فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات ، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال : لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات ، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها ، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى ، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الابعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فان العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فان قلت: عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة ١٨٨ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد . سورة البقرة بالموجود فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه لیس كذلك، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام. المسألة الرابعة ﴾ الحق سبحانه وتعالى (واحد) باعتبارين (أحدهما) أنه ليست ذاته. مركبة من اجتماع أمور كثيرة (والثاني) أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي. كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول، وليس واحد بالتفسير الثاني. والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركباً لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته فما لا يكون. کذلك استحال أن یکون مرکباً، فان حقیقته سبحانه حقیقة أحدية فردية لا گثرة فيها بوجه من الوجوه لا كثرة مقدارية، كما تكون للأجسام، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتُركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخيص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاتهٍ أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه (أحدها) أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كُل واحد من هذه الصفات، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول: إن ذاته المخصوصة غير معلومة، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم فاذن هذه الصفات أمور. زائدة على الذات (وثانيها) أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات: إنها عالمة أو ليست عالمة جاريا مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فان من قال: الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال: الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبة، ولما كان قولنا: الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات (وثالثها) أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئاً واحداً لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادراً تغنى عن إقامة الدلالة على كونه عالماء وعلى ؛كونه حياء فلما لم يكن كذلك بل أفترقنا في كل صفة إلى دليل خاص، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات إذا ثبت أن .. هذه الصفات أمور زائدة على الذات، فنقولى: هذه الصفات إماأن تكون لسلبية أو ثبوتية ، لا. جائز أن تكون سلبية، لأن السلب نفي محض، والنفي المحض لا تخصص فيه، ولأنا جعلنا؛كونه. علما قادراً عبارة عن نفي الجهل والعجز فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه» ١٨٩ قوله تعالى : وإلهكم إله واحد . سورة البَقَرة ليس بعالم ولا قادر، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي: وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة، فان كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب، فيكون ثبوتيا، وإن كان الثاني لم يلزم من انتقاء الجهل والعجز بهذا المعنى، تحقق العلم والقدرة، فان الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف. بالعلم والقدرة، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة فكيف القول فيه؟ . (وإشكال آخر) وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة، فهناك أمور ثلاثة: تلك الحقيقة ، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية ، فذلك ثالث ثلاثة ، فأين التوحيد؟ . (وإشكال ثالث) وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا؟ فان كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها ، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الإنتساب مغايرة لهما أولى ، وأيضاً فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمرا قائماً بالنفس ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائدا على ذاته ، فهناك أمران تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث. (وإشكال رابع) وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن التعبير عنها أم لا . والأول محال لأن الإِخبار إنما يكون بشيء عن شيء فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد وإن لم يكن التعبير عنه فهو غير معلوم البتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه، فهذا جملة ما فى هذا المقام من السؤال: (والجواب عن الأول) أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا امتناع فيه عند العقل. (وأما الإشكال الثاني) وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد فالجواب أن الذي ذكرته حق ولكن فرق بين النظر ١٩٠ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد. سورة البقرة إلیه من حیث أنه هو وبین النظر إليه من حیث أنه محکوم علیه بأنه واحد، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الالتفات إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وههنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة فاذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضاً هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب . (أما الإشكال الرابع) وهو أنه هل يمكن التعبير عنه؟ فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة فليس هناك توحيد ، ولو أخبرت عنه بأنه لا يمكن الإخبار عنه ، فهناك ذات مع سلب خاص ، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات فهناك تحقق الوصول إلى مبادىء عالم التوحيد ، ثم الإلتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله (هو) فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد ، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى، أما الوحدة بالمعنى، الثاني، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود، فكان هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أما الوحدة بالتفسير الأول، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات، فالمركب لا بد فيه من المفردات فثبت أنه لا بد من إثبات المفردات في عالم الممكنات فالوا حدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي توحد الحق سبحانه بها ، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى متوحد بها ومتفرد بها ، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه ، فهذه تلخيص الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر، مع الاعتراف بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام ، وعلائق العقول والأفهام. المسألة الخامسة﴾ قال الجبائي: يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة: لأنه ليس بذي أبعاض ، ولا بذي أجزاء ، ولأنه منفرد بالقدم ، ولأنه منفرد بالإلهية، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالما بنفسه ، وقادرا بنفسه ، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه: فجعل تفرده بالقدم ، وبصفات الذات وجها واحدا، قال القاضي: وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك، ولذلك عقبه بقوله (لا إله إلا هو) وقال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له ، وواحد في صفاته لا شبيه له ، وواحد في أفعاله لا شريك له ، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشار إليها بقولنا هو ١٩١ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد .. سورة البقرة الحق سبحانه وتعالى إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه ، أولا تكون ، فإن كان الأول کان امتیاز ذاته المعینة عن المعنی الآخر ، لا بد وأن يكون بقید زائد ، فيكون هو في نفسه مركبا بما به الإشتراك وما به الإمتياز ، فيكون ممكنا معلولا مفتقرا وذلك محال ، وإن لم يكن فقد ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له ، وأما أنه واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من وجوه (أحدها) أن كل ما عداه فان لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره (وثانيها) أن صفات غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة ، وصفات الحق ليست كذلك (وثالثها) أن صفات الحق غير متناهية بحسب المتعلقات فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات بل له في كل واحد من المعلومات الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه کیف کان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة (ورابعها) أنه سبحانه ليست موصوفية ذاته بتلك الصفات بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذاته محلالها ، ولا أيضاً بحسب كون ذاته مستكملة بها لأنا بينا أن الذات كالمبدأ لتلك الصفات فلو كانت الذات مستكملة بالصفات لكان المبدأ ناقصاً لذاته مستكملا بالممكن لذاته وهو محال ، بل ذاته مستكملة لذاته ومن لوازم ذلك الإستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال معه إلا أن التقسيم يعود في نفس الإستكمال فينتهي إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به ( خامسها ) أنه لا خبر عند العقول من كنه صفاته كما لا خبر عندها من كنه ذاته ، وذلك لأنا لا نعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في عالم المخلوقات فالمعلوم من علمه أنه أمر مالا ندري أنهالأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في عالم المخلوقات فالمعلوم من علمه أنه أمر مالا ندري أنه ما هو ولكن نعلم منه أنه يلزمه هذا الأثر المحسوس وكذا القول في كونه قادرا وحياً ، فسبحان من ردع بنور عزته أنوار العقول والأفهام ، وأما إنه سبحانه وتعالى واحد في أفعاله فالأمر ظاهر لأن الموجود إما واجب وإما ممكن فالواجب ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان ملكا أو ملكا أو كان فعلا للعباد أو كان غير ذلك فثبت أن كل ما عداه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته واستيلائه ، وعند هذا تدرك شمة من روائح أسرار قضائه وقدره ، ويلوح لك شيء من حقائق قوله ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وتعرف أن الموجود ليس البتة إلا ما هو هو، وما هو له وإذا وقعت سفينة الفكرة في هذه اللجنة ، فوسارت إلى الأبد لم تقف ، لأن السير إنما يكون من شيء إلى شيء ، فالشيء الأول متروك ، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران ، فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية ، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم الحدوث والقدم ، فهناك تنقطع الحركات ، وتضمحل العلامات ١٩٢٠ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد. سورة البقرة والأمارات ، ولم يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو ، فيا هو ويا من لا هو إلا أحسن إلى عبدك الضعيف ، فإن عبدك بفنائك ومسكينك بيانك . المسألة السادسة﴾ إن قيل: ما معنى إضافته بقوله (وإلهكم) وهل تصح هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف؟ قلنا: لما كان الإله هو يستحق أن يكون معبودا والذي يليق به أن يكون معبودا بهذا الوصف ، إنما يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة الله تعالى، فإذن هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى كل المكلفين ، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفاً تقديراً. ﴿المسألة السابعة﴾ قوله (وإلهكمْ) يدل على أن معنى الإله ما يصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود. المسألة الثامنة) قوله (وإلهكم إله واحد) معناه أنه واحد في الإلهية، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهيّة لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد ، وبأنه عالم واحد ، ولما قال (وإلهكم إله واحد) أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد ، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال (لا إله إلا هو) وذلك لأن قولنا: لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية ، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها ، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فتمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهية ، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية: فثبت أن قولنا: لا رجل يقتضى النفي العام الشامل ، فإذا قيل بعد: إلا زيدا ، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث (أحدها) أن جماعة من التحويين قالوا: الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير: لا إله لنا، أولا إله في الوجود إلا الله، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لوقلت: التقدير أنه لا إله لنا إلا الله، لكان هذا توحيداً لالمنا لا توحيد للاله المطلق، ف بينئذ لا يبقى بين قوله (وإلهكم إله واحد) وبين قوله (لا إله إلا هو) فرق، فيكون ذلك تكراراً محضاً، وأنه غير جائز ، وأما لو قلنا: التقدير لا إله في الوجود، فذلك الإشكال زائل، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر ، وذلك لأنك إذا قلت: لا إله في الوجود لا إله إلا هو؛ كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني ، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك: لا إله إلا الله نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى، فإن قيل: نفی الماهية کیف یعقل؟ فإنك إذا قلت السواد لیس بسواد، کان ذلك حكما بأن السواد ليس بسواد، وهو غير معقول، أما إذا قلت السواد ليس بموجود، فهذا معقول منتظم مستقيم، قلنا ١٩٣ قوله تعالى : وإلهكم إله واحد ... بنفي الماهية أمر لا بد منه، فإنك إذا قلت: السواد ليس بموجود، فقد نفيت الوجود، والوجود من حيث هو وجود ماهية، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية ايضاً، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا: لا إله إلا الله على ظاهره، من غير حاجة إلى الإضمار، فإن قلت: إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود، قلت :: فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفيا لتلك الماهية، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمراً منفصلا عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار البتة. البحث الثاني ﴾ فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات ، فإنك ما لم تتصور الوجود أولاً ، استحال أن تتصور العدم ، فإنك لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود ، فتصور الوجود غني عن تصور العدم ، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود ، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات . ( والجواب ) أن الأمر في العقل على ما ذكرت ، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد . البحث الثالث ﴾ في كلمة (هو ) اعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهوقد تقدمت في ( بسم الله الرحمن الرحيم) أما الأسرار المعنوية فنقول ، اعلم أن الألفاظ على نوعين : مظهرة ومضمرة : أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي ، كالسواد ، والبياض ، والحجر ، والإِنسان ، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما ، هو المتكلم ، والمخاطب ، والغائب ، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين ، وهي ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرفها أنا ، ثم أنت ، ثم هو ، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الإشتباه ، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبهاً بغيري ، أو يشتبه بي غيري ، بخلاف أنت ، فإنك قد تشتبه بغيرك ، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني ، وأيضاً فأنت أعرف من هو ، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفاناً ( أنا) وأشدها بعداً عن العرفان ( هو ) وأما ( أنت ) فكالمتوسط بينهما ، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه ج ١٤- ١٣٢ ١٩٤ قوله تعالى: وإلهكم إله واحد. سورة البقرة القضية ، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولاً قولى (أنا) أن المتكلم حصل له عند الإنفراد لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل ، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند الخوف من الالتباس ، وههنا لا يمكن الالتباس ، فلا حاجة إلى الفصل ، وأما عند التثنية والجمع فاللفظ واحد، أما في المتصل فكقولك : شربنا ، وأما المنفصل فقولك : نحن ، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس ، وأما المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره ، ويثني ويجمع ، لأنه قد يكون بحضرة المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما ، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى بينه بعلامة : وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة ، وأما إن الحاضر أعرف من الغائب فهذا أمر كالضروري ، إذا عرفت هذا فنقول : ظهر أن عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضراً أو غائباً ؛ فالعرفان التام بالله ليس إلا الله : لأنه هو الذي يقول لنفسه ( أنا ) ولفظ ( أنا) أعرف الأقسام الثلاثة ، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذى هو أعرف الضمائر وهو قول ( أنا ) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه وتعالى لیس إلا له . بقي أن هناك قوماً يجوزون الاتحاد : الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار معرفةُ تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن يقول: أنا الله إلا أن القول بالاتحاد غير معقول ، لأن حال الاتحاد إن فنيا أو أحدهما ، فذاك ليس باتحاد ، وإن بقيا فهما إثنان لا واحد ، ولما انسد هذا الطريق الذي هو أكمل الطرق في الإشارة بقي الطريقان الآخران ، وهو ( أنت) و(هو) أما ( أنت ) فهو للحاضر ين في مقامات المكاشفات والمشاهدات لمن فني عن جميع الحظوظ البشرية على ما أخبر الله تعالى عن يونس عليه السلام أنه بعد أن فني عن ظلمات عالم الحدوث وعن آثار الحدوث وصل إلى مقام الشهود فقال ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ) وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى الوصول إلى مقام المشاهدة والمخاطبة إلا بالغيبة عن كل ما سواه وقال محمد ◌َله(( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وأما (هو ) فللغائبين ، ثم ههنا بحث وهو: أن ( هو ) في حقه أشرف الأسماء ؛ ويدل عليه وجوه : ( أحدها ) أن الإسم إما كلي أو جزئي ، وأعني بکلی أن یکون مفهومه بحيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة ، وأعني بالجزئي أن يكون نفس تصوره مانعاً من الشركة ، وهو اللفظ الدال عليه من حيث إنه ذلك المعين ، فإن كان الأول فالمشار إليه بذلك الإسم ليس هو الحق. سبحانه ، لأنه لما كان المفهوم من ذلك الإسم أمراً لا يمنع الشركة وذاته المعينة سبحانه وتعالى: مانعةٍ من الشركة وجب القطع بأن المشار إليه بذلك الإسم ليس هو الحق سبحانه ، فإذن جميع ١٩٥ قوله تعالى : وإلهكم إله واحد . سورة البقرة الأسماء المشتقة : كالرحمن ، والرحيم ، والحكيم ، والعليم ، والقادر . لا يتناول ذاته المخصوصة ولا يدل عليها بوجه البتة ، وإن كان الثاني فهو المسمى باسم العلم والعلم قائم مقام الإِشارة فلا فرق بين قولك : يا زيد وبين قولك : يا أنت ويا هو. وإذا كان العلم قائماً مقام الإِشارة فالعلم فرع واسم الإشارة أصل والأصل أشرف من الفرع ، فقولنا : يا أنت ، يا هو أشرف من سائر الأسماء بالكلية إلا أن الفرق أن ( أنت ) لفظ يتناول الحاضر و(هو) يتناول الغائب وفيه سرآخر وهو أن (هو ) إنما يصح التعبير عنه إذا حصل في العقل صورة ذلك الشيء وقولك ( هو ) يتناول تلك الصورة وهي حاضرة ، فقد عاد القول إلى أن ( هو ) أيضاً لا يتناول إلا الحاضر (وثانيها) أنا قد دللنا على أن حقيقة الحق منزهة عن جميع أنحاء التراكيب ، والفرد المطلق لا يمكن نعته ، لأن النعت يقتضى المغايرة بين الموصوف والصفة وعند حصول الغيرية لا تبقى الفردانية ، وأيضاً لا يمكن الإخبار عنه لأن الإخبار يقتضى مخبراً عنه ومخبراً به وذلك ينافي الفردانية ، فثبت أن جميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الوصول إلى كنه حقيقة الحق وأما لفظ ( هو ) فإنه يصل إلى كنه تلك الحقيقة المفردة المبرأة عن جميع جهات الكثرة فهذه اللفظة لوصولها إلى كنه الحقيقة وجب أن تكون أشرف من سائر الألفاظ التي يمتنع وصولها إلى كنه تلك الحقيقة ( وثالثها ) أن الألفاظ المشتقة دالة على حصول صفة للذات ثم ماهيات صفة الحق أيضاً غير معلومة إلا بآثارها الظاهرة في عالم الحدوث ، فلا يعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي باعتباره صح منه الإحكام والإتقان ، ومن قدرته إلا أنها الأمر الذي باعتباره صح منه صدور الفعل والترك ، فإذن هذه الصفات لا يمكننا تعقلها إلا عند الالتفات إلى الأحوال المختلفة في عالم الحدوث ، فالألفاظ المشتقة لا تشير إلى الحق سبحانه وحده ، بل تشير إلیه وإلى عالم الحدوث معاً والناظر إلى شیئین لا یکون مستكملاً فی کل واحد منهما بل يكون ناقصاً قاصراً ، فإذن جميع الأسماء المشتقة لا تفيد كمال الاستغراق في مقام معرفة الحق بل كأنها تصیر حجاباً بين العبد وبين الاستغراق في معرفة الرب ، وأما ( هو ) فإنه لفظ يدل عليه من حيث هو هو لا من حيث عرضت له إضافة أو نسبة بالقياس إلى عالم الحدوث ، فكان لفظ ( هو ) يوصلك إلى الحق ويقطعك عما سواه ، وما عداه من الأسماء فإنه لا يقطعك عما سواه ، فكان لفظ ( هو ) أشرف (ورابعها) أن البراهين السالفة قد دلت على أن منبع الجلال والعزة هو الذات ، وأن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لكمالها استلزمت صفات الكمال ، ولفظ (هو ) يوصلك إلى ينبوع الرحمة والعزة والعلو وهو الذات وسائر الألفاظ لا توقفك إلا في مقامات النعوت والصفات ، فكان لفظ ( هو ) أشرف، فهذا ما خطر بالبال في الكشف عن أسرار لفظ ( هو ) وإليه الرغبة سبحانه في أن ينور بدرة من لمعات أنوارها صدورنا وأسرارنا ويروح بها عقولنا وأرواحنا حتى نتخلص من ضيق عالم الحدوث إلى فسحة معارج القدم ، ١٩٦ قوله تعالى: إن في خلق السموات . سورة البقرة إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ آَّى تَجْرِى ◌ِ الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيَهَا مِن كُلِّ دَآَةٍ وَتَصْرِيِفِ الْرِيَجِ وَالنَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيْتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ١٦٤ ونرقى من حضيض ظلمة البشرية إلى سموات الأنوار وما ذلك عليه بعزيز . '٠۶ المسألة التاسعة﴾ قال النحويون في قوله تعالى ( لا إله إلا هو) أرتفع (هو) لأنه بدل من موضع ( لا) مع الإسم ولنتكلم في قوله : ما جاءني رجل إلا زيد فقوله : إلا زيذٌ مرفوع على البدلية لأن البدلية هي الإعراض عن الأول والأخذ بالثاني فكأنك قلت : ما جاءني إلا زيد وهذا معقول لأنه يفيد نفي المجيء عن الكل إلا عن زيد، أما قوله: جاءني إلا زيداً فههنا البدلية غير ممكنة لأنه يصير في التقدير : جاءني خلق إلا زيداً ، وذلك يقتضى أنه جاء كلّ أحد إلا زيداً وذلك محال فظهر الفرق والله أعلم . أما ( الرحمن الرحيم ) فقد تقدم القول في تفسيرهما وبينا أن الرحمة في حقه سبحانه هي النعمة وفاعلها هو الراحم فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا ( رحيم ) وإذا أردنا المبالغة التامة التي ليست إلا له سبحانه قلنا ( الرحمن ) . واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية ، وعزة الفردانية وإشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان . قوله تعالى ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولاً وعلى توحيده وبراءته عن الأضداد والأنداد ثانياً.، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لا بد من بيان مسائل : ١٩٧ قوله تعالى : إن في خلق السموات . سورة البقرة المسألة الأولى ﴾ وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره ؟ فقال عالم من الناس : الخلق هو المخلوق . واحتجوا عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قال ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ) إلى قول ( لآيات لقوم يعقلون ) ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق ، لأن المخلوق هو الذي يدل على الصانع فدلت هذه الآية على أن الخلق هو المخلوق ، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور (أحدها ) أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، فهذا الإِخراج لو كان أمراً مغايراً للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديماً أو حادثً ، فإن كان قديماً فقد حصل في الأزل مسمى الإِخراج من العدم إلى الوجود والإِخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإِخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال ، وإن كان محدثاً فلا بد له أيضاً من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل ( وثانيها ) أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجاً للأشياء من عدمها إلى وجودها ، ثم في الأزل هل أحدث أمراً أو لم يحدث ؟ فإن أحدث أمراً فذلك الأمر الحادث هو المخلوق ، وإن لم يحدث أمراً فالله تعالى قط لم يخلق شيئاً (وثالثها) أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى ، وحصول الأثر إما في الحال أو في الاستقبال من لوازم هذه الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادراً مختاراً بل ملجأ مضطراً إلى ذلك التأثير فيكون علة موجبة وذلك كفر . واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه ( أولها ) أن قالوا : لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء ، والخالق هو الموصوف بالخلق ، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفاً بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات ، وذلك لا يقوله عاقل ( وثانيها ) أنا إذا رأينا حادثاً حدث بعد أن لم يكن قلنا : لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن ، فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا : إنه حق وصواب ، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض ، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه ، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه ، فالخلق غير المخلوق ( وثالثها ) أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غيرما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس : ١٩٨ قوله تعالى: إن في خلق السموات . سورة البقرة ذلك المقدور ، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية ، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب ( ورابعها ) أن النحاة قالوا : إذا قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به ، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم ( وخامسها) أنه يصح أن يقال : خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام ، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة . ٠ المسألة الثانية﴾ قال أبو مسلم رحمه الله: أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك إسماً لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صواباً قال تعالى ( وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً) ویقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقاً البتة إلى تحصيل هذا الغرض . .. المسألة الرابعة ﴾ ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية: عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه ( وإلهكم إله واحد ) فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى ( إن في خلق السموات والأرض ) وعن سعيد بن مسروق قال : سألت قریش الیهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بابراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد يقيناً وقوة على عدونا ، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً. من العالمين فقال عليه السلام ذرني وقومي أدعوهم يوماً فيوماً فأنزل الله تعالى هذه الآية مبيناً لهم. أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهباً ليزدادوا يقيناً فخلق السموات والأرض وسائر» . ما ذكر أعظم . واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام : فالقسم الأول ﴾ في تفصيل القول في كل واحد منها ، فالنوع الأول من الدلائل : الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في تفسير قوله تعالى ( الذي جعل لكم. ٠٠٠ الأرض فراشاً والسماء بناء ) ولنذكر ههنا نمطاً آخر من الكلام : ١٩٩ قوله تعالى : إن في خلق السموات . سورة البقرة روى أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري ، فقال بعض الفقهاء يوماً ما الذي تقرؤنه فقال: أفسرآية من القرآن ، وهي قوله تعالى ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها) فأنا أفسر كيفية بنيانها ، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول : الفصل الأول في ترتيب الأفلاك قالوا : أقربها إليناكرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس ، ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، ثم كرة الثوابت ، ثم الفلك الأعظم . واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً : ﴿ البحث الأول﴾ ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه ( الأول) السير، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد ، ويتميز الساتر عن المستور بلونه الغالب ، كصفرة عطارد ، وبياض الزهرة وحمرة المريخ ، ودرية المشتري ، وكمودة زحل ، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة ، وكثيراً من الثوابت في طريقه في ممر البروج ، وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به ، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها ، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس ، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس ( الثاني ) اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة ، وغير محسوس للمريخ والمشترى وزحل ، وأما في حق الشمس فقليل جداً ، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الطريق بين جداً لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب ، وشاهده على الوجه الذي حكيناه ، فأما من لم يمارسه ، فإنه يكون مقلداً فيه ، لا سيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه : ٢٠٠ قوله تعالى : إن في خلق السموات. سورة البقرة الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر ( الثالث ) قال بطليموس : إن زحل والمشترى والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد ، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلاً عن سائر الأبعاد ، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض بالقمر ، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد ، مع أنه تحت الكل . ﴿ البحث الثاني ﴾ في أعداد الأفلاك ، قالوا إنها تسعة فقط، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها ، فأما ما عداها ، فلما لم يدل الرصد عليه ، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها ، وذكر ابن سينا في الشفاء : أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة ، أو كرات منطبق بعضها على بعض ، وأقول : هذا الإحتمال واقع ، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال : إن حركاتها متساوية ، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة ، والمقدمتان ضعيفتان . ( أما المقدمة الأولى) فلأن حركاتها وإن كانت في حواسئا متشابهة ، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك ، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة ، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة ، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة لا شك أن حصة كل يوم ، بل كل سنة ، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوساً ، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت . ( وأما المقدمة الثانية ) وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في کرة واحدة وهي أيضاً ليست يقينية ، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد ، بل أقول هذا الإحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات ، لأن الطريق إلى وحدة . كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه ، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جداً لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا » .. وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل . ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت ، وتحت الفلك الأعظم ، واحتجوا من وجوه ( الأول) أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار ، وكل من كان رصدهأقدم کان وجدان المیل الأعظم أعظم ، فإن بطلیموس وجده ( کج نا ) ثم وجد في زمان المأمول ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة ، وذلك يقتضى أن من شأن القطبين أن يقل میلهما تارة ویکثر أخری ، وهذا إنما يمكن إذا كان بین کرة الکل ، وکرة الثوابت کرة أخرى