النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل .. سورة البقرة
أنهم ماتوا وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون طلباً لمرضاة محمد من غير
فائدة فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية ﴾ ( أموات ) رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : لا تقولوا هم
أموات .
المسألة الثالثة ﴾ في الآية أقوال :
( القول الأول) أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا
قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور فإن قيل :
نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور ، فكيف يصح ما ذهبتم إليه ؟ قلنا : أما عندنا فالبنية
ليست شرطاً في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء
الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف ، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة
إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف ، ويحتمل أيضاً أن يجيبهم إذا لم
يشاهدوا .
﴿ القول الثاني﴾ قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل
أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال الله تعالى ( أو من كان ميتاً فأحييناه ) فقال ولا
تقولوا للشهداء ما قاله المشركون ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون ، يعني
المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين ، وعلى
هدى من ربه ونور كما روى في بعض الحكايات أن رجلاً قال لرجل ، ما مات رجل خلف
مثلك ، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته : موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح .
القول الثالث﴾ أن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد ل يقتلون أنفسهم
ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء وهؤلاء
الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد
إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال الله
تعالى ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في
الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله
( أحياء ) بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال الله تعالى ( إن الأبرار لفي نعيم ، وإن الفجار لفي
جحيم) وقال ( أحاط بهم سرادقها ) وقال ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) وقال
( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ) على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا
٣ ٤ - ٢ ١١

١٦٢
قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل . سورة البقرة
القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ،
والذي يدل عليه وجوه ( أحدها ) الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى ( قالوا ربنا
أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر، وقال الله تعالى
( أغرقوا فأدخلوا ناراً) والفاء للتعقيب . وقال ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم
الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول نثواب القبر
أيضاً لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى ، فاسقاط العقاب
أحسن من اسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في
الثواب أولى ( وثانيها) أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله
( ولكن لا تشعرون ) معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم
القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في
قبورهم ( وثالثها ) أن قوله ( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ) دليل على حصول الحياة في
البرزخ قبل البعث ( ورابعها) قوله عليه الصلاة والسلام ((القبر روضة من رياض الجنة أو
حفرة من حفر النيران )) والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ، وكان عليه الصلاة والسلام
يقول في آخر صلاته ((وأعوذ بك من عذاب القبر)) ( وخامسها ) أنه لو كان المراد من قوله :
أنهم أحياء أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم
بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين ) فأرادهم بالذكر تعظيما .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله
تعالى ما خصهم بالذكر ( وسادسها ) أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل
من بعض الوجوه على ما ذكرناه ، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذکر هذه الآية في
آل عمران فقال (بل أحياء عند ربهم ) وهذه العندية ليست بالمكان بل بالكون في الجنة ،
ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة ( والجواب ) لا نسلم أن هذه العندية
ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في
موضع آخر ، واعلم أن في الآية قولاً آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، .
وهذا القول بناء على معرفة الروح ، ولنشر إلى خلاصةٍ حاصل قول هؤلاء ، فنقول : إنهم
قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس ، أما إنه لا يجوز أن يكون
عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين :

١٦٣
قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل. سورة البقرة
( الوجه الأول ) أن أجزاء هذا الهيكل أبداً في النمو والذبول والزيادة والنقصان
والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو هو أمر باق من أول عمره ، والباقي
غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله ( أنا) وجب أن يكون مغايراً لهذا
الهيكل .
( الوجه الثاني ) أني أكون عالماً بأني أنا حال من أكون غافلاً عن جميع أجزائي
وأبعاضي ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم ، فالذي أشير إليه بقولي ( أنا ) مغاير لهذه الأعضاء
والأبعاض ، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون ، ولا شك
أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح ، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل
أحد بقوله ( أنا ) أي شيء هو؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصاً وتحصيلاً وجهان
( أحدهما ) أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم
وماء الورد في الورد والقائلون بهذا القول فريقان ( أحدهما ) الذين اعتقدوا تماثل الأجسام
فقالوا : إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار
سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره . فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل
أحد بقوله ( أنا ) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت
وهذا قول أكثر المتكلفين ( وثانيهما ) الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي
هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها
هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها ، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية
في هذا الهيكل ، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيراً بنور ذلك الروح متحركاً
بتحركه ، ثم إن هذا الهيكل أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل ، إلا أن تلك الأجزاء باقية
بحالها ، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية ، فإذا فسد هذا
القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهارة إن كانت
من جملة السعداء ، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء .
( والقول الثاني) أن الذی یشیر إليه كل أحد بقوله ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم
بالمتحيز، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله
تعالى لأن الاشتراك في السلوب لا يقتضى الاشتراك في الماهية ، واحتجوا على ذلك بأن في
المعلومات ما هو فرد حقاً فوجب أن يكون العلم به فرداً حقاً ، فوجب أن يكون الموصوف
بذلك العلم فرداً حقاً ، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقاً ، فلذلك الذي يصدق
عليه منا أنه يعلم هذه المفردات ، وجب أن لا يكون جسماً ولا جسمانياً أما أن في المعلومات ما

١٦٤
قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل. سورة البقرة
هو فرد حقاً فلأنه لا شك في وجود شيء ، فهذا الموجود إن كان فرداً حقاً فهو المطلوب ، وإن
كان مركباً فالمركب مركب على الفرد فلا بد من الفرد على كل الأحوال ، وأما أنه إذا كان في
المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسماً فكل
واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علماً بذلك المعلوم وهو محال لأنه يلزم أن يكون
الجزء مساوياً للكل وهو محال ، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علماً بذلك المعلوم ، فعند
اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد ، فحينئذ يكون العلم
بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن
كانت منقسمة عاد الحديث وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا
يقبل القسمة كان الموصوف به أيضاً كذلك ، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة ، لكان كل
واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفاً به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالا.
في أشياء كثيرة وهو محال ، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل ، فيقسم الحال وقد فرضنا.
أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك
الحال ، فحينئذ يكون ذلك المحل خالياً عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفاً به هذا خلف،.
وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد ، قالوا فثبت أن الذي يشير
إليه كل أحد بقوله ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول : هذا الموجود لا بد أن
يكون مدركاً للجزئيات لأنه لا يمكني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان،
وليس بفرس ، والحاكم بشىء على شيء لا بد وأن يحضر المقضى عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا.
الجزئي وللانسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي والمدرك للكليات هو:
النفس والمدرك للجزئيات أيضاً هو النفس . فكل من كان مدركاً للجزئيات بإنه لا يمتنع أن
يلتذ ويتألم ، قالوا إذا ثبت هذا فنقول هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله .
تعالى إلى الأبدان يوم القيامة فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان ، فهذاقول قال به عالم من
الناس قالوا : وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن لم يقم دليل على فساده ، فإنه.
مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب
القبر وعذابه فوجب المصير إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول ، والله هو
العالم بحقائق الأمور .
قالوا : ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه البنية أو
إلى جزء من أجزائها ، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة متمزقة فكيف يمكن القول
بوصول الثواب والعقاب إليها ؟ فلم يبق إلا أن يقال : إن الله تعالى يحي بعض تلك الأجزاء:
:

,١٦٥
قوله تعالى: ولنبلونكم بشىء من الخوف ... سورة البَفَرة
وَلَنَبْلُوْنَّكُم بِشَىْءٌ مِّنَ الْحَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصِ مِّنَ الْأُمْوَلِ وَالْأُنْفُسِ
وَالَثَّمَرَتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ
١٥٥
الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال : الإنسان هو
الروح فإنه لا يعرض له التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى
يرد الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى ، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال
الروحانية .
قوله تعالى ﴿ ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات
وبشر الصابرين ﴾ .
اعلم أن القفال رحمه الله قال : هذا متعلق بقوله ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) أي
استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) فإن قيل إنه تعالى قال ( واشكروا لي ولا تكفرون ) والشكر يوجب
المزيد على ما قال ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) فكيف أردفه بقوله ( ولنبلونكم بشيء من الخوف)
( والجواب) من وجهين ( الأول) أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة ، فكان ذلك
موجباً للشكر ، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن ، فلا جرم أمر فيها
بالصبر ( الثاني) أنه تعالى أنعم أولاً فأمر بالشكر ، ثم ابتلى وأمر بالصبر ، لينال الرجل درجة
الشاكرين والصابرين معاً، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام ((الإيمان نصفان :
نصف صبر ونصف شكر )) .
المسألة الثانية ) روى عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب
النبي ◌َّو بعد الهجرة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أما أن الابتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير
قوله تعالى (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء ففيها وجوه
( أحدها) ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع ،
وأسهل عليهم بعد الورود ( وثانيها ) إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، اشتد
خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلاً للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب ( وثالثها) أن
الكفار إذا شاهدوا محمداً وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية
:

١٦٦
قوله تعالى: ولنبلونكم بشىء من الخوف. سورة البقرة
1
الضر والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته ، فيدعوهم
ذلك إلى مزيد من التأمل في دلائله ، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم
المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب کان ذلك أدعى
إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب ( ورابعها ) أنه تعالى أخبر
بوقوع ذلك الإبتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخباراً عن
الغيب فكان معجزاً ( وخامسها) أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه في المال
وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق
إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة ( وسادسها ) أن إخلاص
الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه ،
فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ إنما قال بشيء على الوحدان ، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين
( الأول) لئلا يوهم بأشياء من كل واحد ، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشىء من كذا
وشيء من كذا ( الثانى ) معناه بشىء قليل من هذه الأشياء .
المسألة الخامسة ﴾ اعلم أن كل ما يلاقيك من مكر وه ومحبوب ، فینقسم إلى موجود في
الحال وإلى ما كان موجوداً في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل ، فإذا خطر ببالك موجود فيما
مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان موجوداً في الحال : يسمى ذوقاً ووجداً وإنما سمي وجداً لأنها
حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على
قلبك ، سمي انتظاراً وتوقعاً ، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً
وإشفاقاً ، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً، والإرتياح رجاء ، فالخوف هو تألم القلب
لانتظار ما هو مكروه عنده ، والرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ، وأما الجوع
فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل
لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين ، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم ،
وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ، قال الله تعالى ( هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا
زلزالا شديداً) وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي ◌ّ إلى المدينة لقلة أموالهم،
حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه ، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام
لما خرج التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع قال : أخرجني ما أخرجك :
وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في
الاستعداد للجهاد وقد يقتل ، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى ( وجاهدوا

١٦٧
قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف. سورة البقرة
بأموالكم وأنفسكم ) وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى ( ذلك بأنهم
لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ) وقد يكون النقص في النفس بموت بعض
الإِخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله ( ولا تقتلوا أنفسكم ) وأما نقص الثمرات فقد
يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك
بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله له من الوفود، هذا آخر كلام القفال رحمه الله ، قال
الشافعي رضي الله عنه ، الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من
الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم
إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى ( وبشر الصابرين )
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه
یعلم أن كل ذلك عدل وحكمة ، فأما من لم یکن محققاً في الإيمان کان کمن قال فيه ( ومن
الناس من یعبد الله علی حرف فإن أصابه خیر اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب عل وجهه خسر
الدنيا والآخرة) فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله : أن المراهق يلزمه
أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب ، ولو فعله به غيره ، لكان له أن يمانع بل يحارب ،
وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ذلك ليس ذلك إلا حكمة وصواباً بخلاف ما
يفعل العباد من الظلم .
المسألة الثانية﴾ الخطاب في (وبشر) لرسول الله ير أو لكل من يتأتى منه البشارة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشيخ الغزالي رحمه الله: اعلم أن الصبر من خواص الإنسان
ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة ، أما في البهائم فلنقصانها ، وأما في الملائكة فلكمالها ،
بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وليس لشهواتها عقل يعارضها ، حتى يسمى ثبات
تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً ، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة
الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها ، حتى تحتاج إلى
مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً
مثل البهيمة ، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم يظهر فيه شهوة اللعب ،
ثم شهوة النكاح ، وليس له قوة الصبر البتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند
آخر ، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات
العاجلة ، والإعراض عن الدار الآخرة ، وعقلاً يدعوه إلى الإعراض عنها ، وطلب اللذات
الروحانية الباقية ، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة ، عن الوصول

:١٦٨
قوله تعالى: ولنبلونكم بشىء من الخوف. سورة البقرة
إلى تلك اللذات الباقية ، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل ، فيسمى
ذلك الصد والمنع صبراً ، ثم اعلم أن الصبر ضربان ( أحدهما ) بدني ، كتحمل المشاق بالبدن
والثبات عليه ، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب
الشديد والألم العظيم ( والثاني ) هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة
ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن سمي عفة ، وإن كان على
احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في
مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في
رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس
ويضاده حالة تسمى : البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ،
وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلماً ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب
الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء
كلام يسمى: كتمان النفس ويسمى صاحبه مكتوماً، وإن كان عن فضول العيش سمي
زهداً ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضادة الشكر، ،وقد جمع
الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال ( الصابرين في البأساء) أي المصيبة (والضراء).
أي الفقر ( وحين البأس ) أي المحاربة ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) قال القفال
رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن یکره ذلك لأن ذلك غير ممكن ،
إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن ابراز اثاره
كان صاحبه صابراً، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال عليه السلام ((الصبر عند الصدمة
الأولى)) وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الابتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ،
فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه
والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ فى فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر
في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال ( وجعلنا منهم أئمة يهدون
بأمرنا لما صبروا) وقال (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) وقال
( وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقال ( أولئك يؤتون أجرهم.
مرتين بما صبروا ) وقال ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) فما من طاعة إلا وأجرها
مقدراً إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى ((الصوم لي )) فأضافه إلى نفسه ،
ووعد الصابرين بأنه معهم فقال ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) وعلق النصرة على الصبر

١٦٩
قوله تعالى : ولنبلونكم بشىء من الخوف . سورة البقرة
فقال ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة )
وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
وأولئك هم المهتدون). وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام ((الصبر نصف الإيمان))
وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما
ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا
الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبراً إلا إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقاً
للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفاً للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم
جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام (( من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن
أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار)) وقال عليه السلام ((الإيمان هو
الصبر)) وهذا شبه قوله عليه السلام ((الحج عرفة)).
المسألة الخامسة﴾ في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر ؟ قال الشيخ الغزالي رحمه الله:
دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام (( من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة
الصبر)) وقال (( يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل
الأرض فيقال له : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول الله
تعالى : لقد أنعمت عليك فشكرت ، وابتليتك فصبرت ، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف
جزاء الشاكرين)) وأما قوله عليه السلام ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر))؛ فهو دليل على
فضل الصبر ، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة ، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم
درجة من المشبه كقوله عليه السلام ((شارب الخمر كعابد الوثن)) وأيضاً روى أن سليمان عليه
السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه ، وآخر الصحابة دخولا الجنة عبد
الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي الخبر أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع
واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام .
المسألة السادسة ﴾ دلت هذه الآية على أمور (أحدها) أن هذه المحن لا يجب أن
تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه ( وثانيها ) أن هذه المحن إذا
قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين (وثالثها) أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف
قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين
ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها ( ورابعها) أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ،
وشرب الماء لا يفيد الري بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن
قوله (ولنبلونكم) صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال: إنه تعالى لما خلق

١٧٠
قوله تعالى: الذين إذا أصابتهم مصيبة . سورة البَقَرة
٠.٤
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
الَّذِينَ إِذَا أَصَدَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآَ إِلَيْهِ رَحِعُونَ.
١٥٦
صَلَوَّتٌ مِّن رَّبِهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥٧
أسبابها صح منه هذا القول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر
الحقيقة .
قوله تعالى ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قال ( وبشر الصابرين ) بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون
صابراً ، وأن تلك البشارة كيف هي ؟ ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من
فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة
وغيرها، والذي من فعل العبد، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي ◌َله، وأما:
الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن
يغلبوا عليه فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال
والثمرات ، ومن العباد إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لا يتفرغون لعمارة الأراضي ، ونقص
الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل ..
المسألة الثانية﴾ قال القاضي: إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم
وقال ( الذين إذا أصابتهم مصيبة ) فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى ،
وينالها من قبل العباد ، لأن في الوجهين جميعاً عليه تكليفاً ، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركاً
للتمسك بأدائه فالذی یناله من قبله تعالی یجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخیر
وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله (إنا لله ) لأن فى
إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به ، لأنه لا يقضي إلا بالحق
كما قال تعالى ( والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ) أما إذا نزلت به.
المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا
يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه ، ويدخل أيضاً تحت قوله ( إنا لله ) لأنه الذي ألزمه.
سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول ، إنا لله يدبر فينا كيف يشاء ، وفي

١٧١
قوله تعالى: إنا لله وإنا إليه راجعون . سورة البقرة
الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أمال الكسائي في بعض الروايات من (إنا) ولام ( الله ) والباقون
بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال ، حتى صارت بمنزلة
الكلمة الواحدة ، قال الفراء والكسائي : لا يجوز إمالة ( إنا ) مع غير اسم الله تعالى ، وإنما
وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة
( حتى) و( لكن ) .
أما قوله (إنا لله وإنا إليه راجعون ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال أبو بكر الوراق (إنا لله) إقرار منا له بالملك (وإنا إليه
راجعون) إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الإنتقال إلى مكان
أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ،
وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً، وما داموا في الدنيا قد
يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى ، كما
يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة .
﴿ المسألة الثانية﴾ هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور، والاعتراف بأنه
سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم ، ولا يضيع عنده أجر المحسنين .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( إنا لله) يدل على كونه راضياً بكل ما نزل به في الحال من أنواع
البلاء وقوله( وإنا إليه راجعون ) يدل على كونه في الحال راضیاً بكل ما سینزل به بعد ذلك ،
من إثباته على ما كان منه ، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به ، ومن الإنتصاف ممن ظلمه ،
فيكون مذللاً نفسه ، راضياً بما وعده الله به من الأجر في الآخرة .
المسألة الرابعة﴾ الأخبار في هذا الباب كثيرة (أحدها) عن النبي ◌َّر ((من استرجع
عند المصيبة : جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه)) ( وثانيها )
روى أنه طفىء سراج رسول الله وَ له فقال ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) فقيل أمصيبة هي؟ قال:
نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة ( وثالثها ) قالت أم سلمة : حدثني أبو سلمة أنه عليه
الصلاة والسلام قال « ما من مسلم يصاب بمصيبة فیفزع إلى ما أمر الله به من قوله ( إنا لله وإنا
إليه راجعون ) اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيراً منها إلا آجره الله
عليها وعوضه خيراً منها )) قالت فلما توفى أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول

١٧٢
قوله تعالى: إنا لله وإنا إليه راجعون . سورة البقرة
فعوضني الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام ( ورابعها ) قال ابن عباس : أخبر الله أن
المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال :
الصلاة من الله ، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى (وخامسها ) عن عمر رضى الله عنه قال : نعم
العدلان وهما ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) ونعمت العلاوة وهي قوله ( وأولئك
هم المهتدون ) وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله
تعالی : لیته لم یکن.
أما قوله ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) فاعلم أن الصلاة من الله هي :
الثناء والمدح والتعظيم ، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به عاجلا ثم آجلا.
وأما قوله ( وأولئك هم المهتدون ) ففيه وجوه ( أحدها ) أنهم المهتدون لهذه الطريقة
الموصلة بصاحبها إلى كل خير ( وثانيها) المهتدون إلى الجنة ، الفائزون بالثواب (وثالثها)
المهتدون لسائر ما لزمهم ، والأقرب فيه ما يصير داخلا في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره
من الصلوات والرحمة صحيحاً ، ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب
والجنة ، والطريق إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء ، وإن كان لا يمتنع أن يُراد بذلك أنهم
المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر ، قال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين:
فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، والصبر على أداء
فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فاظهاراً لقول ( إنا لله وإنا إليه راجعون )
فإِن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده
واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكى عن داود الظائي قال : الزهد في الدنيا
: أن لا يجب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم
أن لكل مصيبة ثواباً .
ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر راضياً بقضاء الله
تعالى بطريقين : إما بطريق التصرف، أو بطريق الجذب ، أما طريق التصرف فمن وجوه
( أحدها ) أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات
فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق
قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف
عليهما السلام أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد عليه السلام
من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس علیه حتى قال « ما أوذي نبي مثل ما
أوذيت)) (وثانيها) أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا

١٧٣
قوله تعالى : إن الصفا والمروة . سورة البقرة
٠٠٠٤٠٠٠٠٠٠
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرَوَّةَ مِنْ شَعَآَ بِ اللَّهِ فَمَنْ جُّ الْبَيْتَ أَوْ أَعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَفَ
بِمَا وَمَن تَطَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاحِكِرٌ عَلِيمٌ
١٥٨
الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى ( وثالثها ) أن العبد متى توقع من جانب شيئاً أعطاه الله .
تعالى بلا واسطة خيراً من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله.
وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام ((جذبة من جذبات الحق توازي عمل
الثقلين )) ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب لا مغلوب ، وصفة الرب
الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد ، وصفة الحق
حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من
صفة إلى صفة تليق به ، والعبد إذا دخل السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره
وحسه مقبلا عليه ومشتغلا به وغافلا عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذی کل
من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير
هنالك راضياً بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.
قوله تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناج عليه أن
يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم ﴾ وفي الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه ( أحدها ) أن الله تعالى
بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد يله وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه
على ما قال ( ولأتم نعمتي عليكم ) وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما
ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم
عقيب تلك الآية ( وثانيها) أنه تعالى لما قال ( ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ) إلى قوله
( وبشر الصابرين ) قال (إن الصفا والمروة من شعائر الله) وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار
هاجر و إسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد
وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات ( وثالثها) أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة
( أحدها ) ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله ( اذكروني
أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) فان كل عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة
على شكره أمرَ مستحسن في العقول ( وثانيها ) ما يحكم العقل يقبحه في أول الأمر إلا أنه

١٧٤
قوله تعالى : إن الصفا والمروة . سورة البَقَرة
بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فان ذلك كالمستقبح
في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد
به وبين الحكمة فيه ، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال ( ولنبلونكم بشىء من الخوف
والجوع) فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا ( وثالثها ) الأمر الذي لا يهتدي لا
إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالى عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من
السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نيه
على جميع أقسام تكاليفه وذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم.
﴿المسألة الثانية﴾ اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس
تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي
وأصفاء كما يقال عصا وعصي ، ورحا وأرحاء قال الراجز :
مواقع الطير من الصفي
كأن متنيه من النفي ....
وقد یکون بمعنی جمع واحدته صفاة قال جرير :
إنا إذا قرع العدو صفاتنا
لاقوا لنا حجراً أصم صلوداً
وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس ، وإذا نعتوا الصخرة قالوا
صفاة صفواء ، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان ، فجعل الصفا والصفاة كانهما في معنى واحد
وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به ، واشتقاقه من صفا
يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد
الصلابة ، وقاله غير: هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مروقال أبو
ذؤيب :
حتىی كأني للحسوادث مروة
بصفا المشاعر كل يوم يقرع
وأما ( شعائر الله) فهي أعلام طاعته ، وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله فهو من
شعائر الله ، قال الله تعالى ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) أي علامة للقربة ، وقال
( ذلك ومن يعظم شعائر الله) وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار
السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علماً على إحرام صاحبها ، وعلى أنه قد جعله هديا
لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب ، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى
والشعائر جمع شعيرة ، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومته قولك : شعرت بكذا أى
علمت .

١٧٥
قوله تعالى: إن الصفا والمروة. سورة البقرة
المسألة الثالثة﴾ الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك ، أو نحملها
على مواضع العبادات والنسك ، فان قلنا بالأول حصل في الكلام حذف ، لأن نفس الجبلين لا
يصح وصفهما بانهما دين ونسك فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى ، وإن
قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام ، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات
والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه وقد شرعه الله
تعالى لأمة محمد ◌َّ ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك ، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى
عن إبراهيم عليه السلام أنه قال ( وأرنا مناسكنا) واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه
بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه
يصير السعي عبادة فقال ( فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناج عليه أن يطوف بهما ) .
﴿ والمسألة الرابعة ﴾ الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم
إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغائها الله تعالى
بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتی یعلم الخلق أنه سبحانه وإن کان لا يخلى أولياءه في دار
الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فانه غياث المستغيثين ، فانظر إلى حال هاجر
وإسماعيل كيف أغائهما وأجاب دعاءهما ، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم
القيامة ، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وكل ذلك
تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال
والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في
المنزلين .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ذكر القفال في لفظ الحج أقوالا (الأول) الحج في اللغة كثرة
الاختلاف إلى شيء والتردد إليه فمن زار البيت للحج فانه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف
ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر ( الثاني ) قال قطرب
الحج الحلق يقال : احجج شجتك ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل
المحجاج في الشجة، فيكون المعنى : حج فلان أي حلق ، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى
( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين ) أي حجاجاً وعما راً فعبر
عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق ( الثالث) قال قوم
الحج القصد ، يقال : رجل محجوج ، ومكان محجوج إذا كان مقصوداً ، ومن ذلك محجة
الطريق ، فكان البيت، لما كان مقصوداً بهذا النوع من العبادة سمى ذلك الفعل حجاً ، وقال
القفال : والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد

١٧٦
قوله تعالى : إن الصفا والمروة . سورة البَهَرة
أخرى ، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه .
وأما العمرة فقال أهل اللغة : الاعتمار هو القصد والزيارة ، قال الاعشى :
وراكب جاء من تثليث معتمر
وجاشت النفس لما جاء جمعهم
وقال قطرب : العمرة في كلام عبد القيس: المسجد ، والبيعة ، والكنيسة ، قال
القفال : ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة لأن المعتمر يطوف
بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ينصرف كالزائر، وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال
إليه ، قال الله تعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم
تمض ، وجنح الرجل في الشىء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع : جوانح
لاعوجاجها ، وجناح الطائر من هذا ، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت
أن أصله من الميلى، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضاً فمعنى: لا
جناح عليه أينما ذكر في القرآن : لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء ، ومنهم من قال :
بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به .
وقوله ( أن يطوف بهما ) أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال ( يا أيها المدثر ، يا
أيها المزمل ) أي المتدثر والمتزمل ، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد .
المسألة السادسة﴾ ظاهر قوله تعالى ( لا جناح عليه) أنه لا إثم عليه ، والذي يصدق
عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة
عن الآخر بقيد زائد ، فاذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ،
أو ليس بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على
خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي رحمه الله أن
هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن ، ويقوم
الدم مقامه ، وروى عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة
الشافعي رضي الله عنه من وجوه ( أحدها) ما روى عن النبي ) أنه قال ((إن الله كتب عليكم
السعي فاسعوا)) فان قيل: هذا الحديث متروك الظاهر ، لأنه يقتضى وجوب السعي وهو
العدو ، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله ( فاسعوا إلى
ذكر الله) والعدو فيه غير واجب ، وقال الله تعالى ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وليس
المراد منه العدو ، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية ، سلمنا أنه يدل على العدو ، ولكن
العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة ، فيبقى أصل المشى واجباً ( وثانيها)

١٧٧
قوله تعالى : إن الصفا والمروة . سورة البقرة
ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال ((إن الصفا والمروة من شعائر
الله ابدؤا بما بدأ الله به)) فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت ، وإذا ثبت أنه عليه السلام
سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر ، أما القرآن : فقوله تعالى ( واتبعوه ) وقوله
( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) وقوله ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وأما الخبر
فقوله عليه السلام ((خذوا عني مناسككم)) والأمر للوجوب ، ( وثالثها ) أنه أشواط شرعت في
بقعة من بقاع الحرم ، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة ، ولا يلزم
طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين
( أحدهما ) هذه الآية وهي قوله ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) وهذا لا يقال في الواجبات ،
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله ( ومن تطوع خيراً ) فبين أنه تطوع وليس بواجب ( وثانيهما ) قوله
((الحج عرفة)) ومن أدرك عرفة فقد تم حجه ، وهذا يقتضى التمام من جميع الوجوه ترك العمل
به في بعض الأشياء ، فیبقی معمولاً به في السعي والجواب عن الأول من وجوه ( الأول) ما بينا
أن قوله ( فلا جناح عليه) ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله ، وهذا القدر المشترك بين الواجب
وغيره ، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى ( فليس عليكم
جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) والقصر عند أبي حنيفة واجب ، مع أنه قال فيه ( فلا
جناح عليه) فكذا ههنا ( الثاني ) أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما ،
وعندنا الأول غير واجب ، وإنما الثاني هو الواجب ( الثالث ) قال ابن عباس : كان على الصفا
صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره
المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، إذا عرفت هذا فنقول
انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب
نجاسة يسيرة عندكم ، أودم البراغيث عندنا ، فقيل : لا جناح عليك أن تصلي فيه ، فان رفع
الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة ( الرابع ) روى عن عروة أنه قال لعائشة
إني أرى أن لا حرج على في أن لا أطوف بهما ، فقالت : بئس ما قلت لو كان كذلك لقال :
أن لا يطوف بهما ، ثم حكى ما تقدم من الصنمين ، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين ،
فإن قالوا قرأ ابن مسعود ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) واللفظ أيضاً محتمل له كقوله ( يبين
الله لكم أن تضلوا ) أي أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى ( أن تقولوا يوم القيامة ) معناه : أن لا
تقولوا ، قلنا : القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن
متواتراً ( الخامس) كما أن قوله ( فلاجناح عليه ) لا يطلق على الواجب ، فكذلك لا يطلق على
المندوب ، ولا شك في أن السعي مندوب ، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها.
٤٢ - ١٢٢

١٧٨
قوله تعالى : ومن تطوع خيراً . سورة البقرة
وأما التمسك بقوله ( فمن تطوع خيراً) فضعيف، لأن هذا لا يقتضى أن يكون المراد
من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا ، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً آخر قال الله
تعالی( وعلی الذین یطیقونه فدية طعام مسکین ) ثم قال ( فمن تطوع خيراً فهو خیر له ) فأوجب
عليهم الطعام ، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى : فمن تطوع وزاد على طعام مسكين
كان خيراً ، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفاً إلى شيء آخر وهو من وجهسين
( أحدهما ) أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر
( الثاني ) أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفنا
والمروة تطوعاً وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص
مقدم على العام والله أعلم.س : : مفى هنا . اسماً ا
أما قوله تعالى (ومن تطوع خيراً) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قراءة حمزة وعاصم والكسائي (يطواع) بالباء وجزم العين،
وتقديره : يتطوع ، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما ، وهذا أحسن لأن المعنى على
الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال ، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته
فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن ، وأما
الباقون من القراء فقرؤا ( تطوع) على وزن تفعل ماضياً وهذه القراءة تحتمل أمرين
( أحدهما ) أن يكون موضع ( تطوع) جزما ( الثاني ) أن لا يجعل ( من ) للجزاء ، ولكن
يكون بمنزلة ( الذي) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ
الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر ، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة
الموصوفة ، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله ( وما بكم من نعمة فمن الله ) فما
مبتدأ موصول ، والفاء مع ما بعدها خبر له ، ونظيره قوله ( الذين ينفقون أموالهم ) إلى قوله
( فلهم أجرهم) وقوله ( إن الذين فتنوا المؤمنين ) إلى قوله ( فلهم عذاب جهنم ) وقوله ( ومن
عاد فينتقم الله منه) وقوله ( ومن كفر فأمتعه قليلاً) وقوله ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)
وقوله ( ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله ( الذين
ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ) .
المسألة الثانية﴾ قال أبو مسلم ( تطوع ) تفعل من الطاعة وسواء قول القائل: طاع
وتطوع ، كما يقال : حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل بمعنى فعل كثيراً ، والطوع
هو الانقياد والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك .

١٧٩
قوله تعالى: إن الذين يكتمون . سورة البَقَرة
لنَّاسِ فِى
وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنْهَ
إِنَّ الَّذِينَ يَكُتُّمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ
أْسِكَتَبِ أُوْلَئِكَ يَلْعَهُمُ اللهُ وَ يَلْغُهُمُ الَّاحِنُونَ
٠٠٠٤٠٠٠
﴿ المسألة الثالثة﴾ الذين قالوا : السعي واجب، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد
على قدر الواجب ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة وقال الحسن :
المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ .
أما قوله تعالى ( فان الله شاكر عليم ) فاعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للانعام
عليه ، وذلك في حق الله تعالى محال ، فالشاكر في حقه تعالى مجاز ، ومعناه المجازي على الطاعة :
وإنما سمى المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه ( الأول ) أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد
مبالغة في الإِحسان إليهم ، كما قال تعالى ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسناً) وهو تعالى لا
يستقرض من عوض ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ذا الذي يعمل عمل المقرض
بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم ( الثاني) أن الشكر لما كان مقابلاً للانعام أو الجزاء عليه سمى
كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه ( الثالث ) كأنه يقول : أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك
إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل
وبالجملة فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع القبول في أقصى
الدرجات .
وأما قوله ( عليم) فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم
بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل ، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى ( عليم ) تعلق
بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا
على هذا الحد ، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه ، وتحذير من خلاف ذلك .
قوله تعالى ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في
الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ في قوله (إن الذين يكتمون) قولان (أحدهما) أنه كلام مستأنف
يتناول كل من كتم شيئاً من الدين ( والثاني ) أنه ليس يجري على ظاهره في العموم ثم من هؤلاء
من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس إن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في
التوراة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن الأحكام فكتموا فنزلت الآية وقيل :

١٨٠
قوله تعالى: إن الذين يكتمون. سورة البقرة
نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع
والسدى والأصم . والأول أقرب إلى الصواب لوجوه ( أحدها) أن اللفظ عام والعارض
الموجود ، وهو نزوله عند سبب معين لا يقتضى الخصوص على ماثبت في أصول الفقه أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( وثانيها) أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم
على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم ،
ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى ، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا
الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف (وثالثها ) أن جماعة من الصحابة حملوا هذا
اللفظ على العموم ، وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمداً عليه الصلاة
والسلام كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله تعالى يقول : إن الذین یکتمون ما
أنزلنا من البينات والهدى فحملت الآية على العموم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنهقال: لولاء.
آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس : أكثر أبوا هريرة . وتلا (إن الذين
يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) واحتج؛ من خص الآية بأهل الكتاب ، أن الكتمان لا
يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فأما القرآن فانه معوائز، فلا يصح
كتمانه، قلنا: القرآن قبل صيرورته متواتراً يصح كتمانه، والمجمل من القرآن، إذا كان بيانه عند
الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية .
i
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضي: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول
الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً ، فلما كان ما أنزله الله من البينات
والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين ، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان ، كما يوصف
أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان ، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها ، وعلى هذا الوجه
ـانفلت
٠٫٠
يمدح من يقدر على كتمان السر، لأن الكتمان مما يشق على النفس.
المسألة الثالثة﴾ هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز
أن يكتم ومن كتمه فقد عظمت خطيئته ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق
الذین أوتوا الكتاب لتبیننه للناس ولا تكتمونه) وقریب منھما قوله تعالى (إن الذین یکتمون ما
أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً) فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهاً.
للناس وزاجرة عن كتمانها ، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله
تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
لعلهم يحذرون) وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ◌َّل قال ((من كتم علما
يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار )).