النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس ...
الثاني .
ويعاد فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى. فصح على هذا التأويل أن يقال: سيقول
السفهاء من الناس ذلك ، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية (القول الثاني) إن
الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكرِوا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد (أحدها) أنه عليه
الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه كان اخباراً عن الغيب فيكون معجزاً (ثانيها)
انه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولا ثم سمعه منهم، فانه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا
سمعه منهم أولا (وثالثها) أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه
النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه
ولا يكون الجواب حاضراً، وأما السفه في أصل اللغة فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى (قالوا
أنؤمن كما آمن السفهاء) وبالجملة فان من لا يميز بين ماله وعليه ، ويعدل عن طريق منافعه إلى
ما يضره ، يوصف بالخفة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب
الدنیا فاذا کان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه یعد سفيها ، فمن یکون کذلك في أمر
دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود ، وعلى
المشركين وعلى المنافقين ، وعلى جملتهم ، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من
المفسرين (فأولها) قال ابن عباس ومجاهد: هم اليهود ، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة
الرسول لهم في القبلة ، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً
لهم بالكلية فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتنموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة
آبائه ، واشتاق إلى دينهم ، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة ،
فقالوا ما حكى الله عنهم في هذا الآية (وثالثها) قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن
والأصم. انهم مشركو العرب ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى بيت المقدس
حين كان بمكة ، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة
قالوا أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به (وثالثها) أنهم المنافقون وهو قول
السدى ، وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية
معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها ، فكان التحويل مجرد العبث والعمل بالرأى والشهوة وإنما
حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الأسم مختص بهم قال الله تعالى (ألا أنهم هم السفهاء
ولكن لا يعلمون) (ورابعها) أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم دخل فيه الألف
واللام، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي والنص أيضاً يدل عليه وهو قوله
(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) فوجب أن يتناول الكل قال القاضي المقصود
من الآية بیان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم یکن ادعاء العموم فیه بعیدا
قلنا: هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضى تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن

١٠٢
قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس . سورة البقرة
الاعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة.
أما قوله تعالى (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) ففيه مسائل.
﴿ المسألة الأولى﴾ ولاه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولىعنه ومنهقوله (ومن یوهم يومئذ
دبره) وقوله (ما ولاهم) استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب.
المسألة الثانية﴾ في هذا التولي وجهان (الأول) وهو المشهور المجمع عليه عند.
المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا ما
ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي
كانوا عليها هي بيت المقدس واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد
ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ
بعد ثلاثة عشر شهرا وعن قتادة بعد ستة عشر شهرا وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة
عشرشهرا وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا من مقدمه،
قال الواقدي صرفت القبلة يوم الإثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا وقال
آخرون بل سنتان (الوجه الثاني) قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن
بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا
عليها، أي السفهاء كانوا عليها فانهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى فالأولى إلى
المغرب والثانية إلى المشرق وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما
رأوا رسول الله پڼ متوجها نحو الكعبة کان ذلك عندهم مستنكرا فقالوا کیف یتوجه أحد إلى
هاتين الجهتين المعروفتين. فقال الله تعالى راداً عليهم (قل لله المشرق والمغرب) واعلم أن أبا
مسلم صدق فانه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم.
المسألة الثالثة﴾ قال القفال: القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من
:
المقابلة ، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلى يقابلها وتقابله ، وقال قطرب: يقولون في كلامهم
ليس لفلان قبلة ، أي ليس له جهة يأوى إليها ، وهو أيضاً مأخوذ من الإستقبال ، وقال غيره :
إذا تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر ، وقال بعض المحدثين :
لجأت
حیثما
وقبلة
جعلت مأواك لي قراراً
أما قوله تعالى ( قل لله المشرق والمغرب ) فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك
الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكاً وملكاً ، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون
قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه
بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى فان قيل : ما الحكمة أولا في تعيين القبلة ؟ ثم ما الحكمة في

١٠٣
قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس . سورة البقرة
تحويل القبلة من جهة إلى جهة ؟ قلنا : أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة
والمعتزلة ، أما أهل السنة فانهم يقولون : لا يجب تعليل أحكام الله تعالى البتة ، واحتجوا عليه
بوجوه ( أحدها ) أن كل من فعل فعلا لغرض ، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من
لا وجوده ، وإما أن لا يكون كذلك بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان ، فان كان الأول ،
كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره ، وذلك على الله محال ، وإن كان الثاني استحال أن يكون
غرضاً ومقصوداً ومرجحاً فان قيل : إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن
وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه ، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا : عود النفع إلى
الغير لا عوده إليه ، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء ، أو ليس الأمر كذلك ، وحينئذ
يعود التقسيم ( وثانيها ) أن كل من فعل فعلا لغرض فاما أن يكون قادراً على تحصيل ذلك
الغرض من دون تلك الواسطة ، أو لا يكون قادراً عليه ، فان كان الأول كان توسط تلك
الواسطة عبثاً ، وإن كان الثاني كان عجزاً وهو على الله محال ( وثالثها) أنه تعالى إن فعل فعلا
لغرض فذلك الغرض إن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، وإن كان محدثاً توقف
إحداثه على غرض آخر ، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال ( ورابعها ) أن تخصيص إحداث
العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن کان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما
بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات
کطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات . فان استغنى أحدهما
عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل
توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض (وخامسها) ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات
من الخير والشر، والكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته ، وذلك
يبطل القول بالغرض ، لأنه يستحيل أن يكون الله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه
وتعذيبه عليه أبد الآباد ( وسادسها ) أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بايجاد الفعل المعين في
الأزل ، إما أن يكون جائزاً أو واجباً ، فإن كان جائزاً افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل ،
ولأنه يلزم صحة العدم على القديم ، وإن كان واجباً فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه
أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال ، وإذا كان كذلك كانت فاعليته
بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء ، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى ( قل الله
المشرق والمغرب ) فإِنه علل جواز النسخ بكونه مالكاً المشرق والمغرب ، والملك يرجع حاصله
إلى القدرة ، ولم يغلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة ، فثبت أن هذه الآية دالة بتصريحها
على قولنا ومذهبنا ، أما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم ، والحكيم لا
يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض ، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكماً
٠٠

١٠٤
قوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب . سورة البقرة
وأغراضاً ، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا ، وتارة مستورة خفية عنا ، وتحويل القبلة من
جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا ، وإذا كان الأمر كذلك :
استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام .
المسألة الرابعة ﴾ في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل ، واعلم أن أمثال هذه
المباحث لا تكون قطعية بل غايتها أن تكون أموراً احتمالية أما تعيين القبلة في الصلاة فقد
ذكروا فيه حكماً ( أحدها) أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات
والمفعولات ، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجساد ، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة
الخيالية ومصاحبتها ، فاذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة
خيالية يحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ، ولذلك
فإِن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير ، وضع له صورة معينة وشكلا معيناً
ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي ، ولما كان العبد الضعيف إذا
وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لا بد وأن يستقبله بوجهه ، وأن لا يكون معرضاً عنه ،
وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة في الصلاة
يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك لا معرضاً عنه ، والقراءة والتسبيحات تجرى مجرى الثناء عليه
والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة ( وثانيها) أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا !
الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة ، وهذ لا يتأنى إلا إذا بقي في جميع
صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين ، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرففي الأوهام ،
كان استقبال تلك الجهة أولى ( وثالثها ) أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد
ذكر المنة بها عليهم ، حيث قال ( واذكروا نعمة الله عليكم ) إلى قوله ( إخواناً) ولو توجه كل
واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً ، فعين الله تعالى لهم جهة
معلومة ، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن
الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير ( ورابعها ) أن الله تعالى خص الكعبة باضافتها
إليه في قوله ( بيتي) وخص المؤمنين باضافتهم بصفة العبودية اليه ، وكلتا الإضافتين
للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال : يا مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة
خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي ، وبقلبك إلى ( وخامسها) قال بعض المشايخ :
إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله ( وما كنت بجانب
الغربي) الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم
عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله تعالى ( واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها
مكاناً شرقياً) والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله ، ومولد حبيب الله ، وهي موضع
.

١٠٥
قوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب . سورة البقرة
1
حرم الله ، وكان بعضهم يقول : استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد
الأنوار، وهو محمد ◌َّر، فمن نوره خلقت الأنوار جميعاً ( وسادسها) قالوا : الكعبة سرة
الأرض ووسطها ، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم ، وهو إشارة
إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق (وسابعها ) أنه تعالى
أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة
والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في
السماء) الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا : فلان يحول القبلة
لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة
والسلام على جهة التحقيق ، وقال ( فلنولينك قبلة ترضاها) ولم يقل قبلة أرضاها ، والإِشارة
فيه كأنه تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين أما في الدنيا
فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى) وفيه إشارة أيضاً
إلى شرف الفقراء ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) وقال في الإعراض عن القبلة ( ولئن اتبعت
أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين ) فكأنه تعالى قال : الكعبة قبلة
وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإِعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب كونك ظالماً ، فالإِعراض
عن قبلة رحمتي كيف يكون ( وثامنها ) العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت
المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين ، قال الله تعالى
( فأينما تولوا فثم وجه الله ) وثبت أن العرش مخلوق من النور ، والكرسى من الدر ، والبيت
المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة : من طور سينا ، وطور زيتا، والجودى ،
ولبنان ، وحراء ، والإِشارة فيه كأن الله تعالى يقول : إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال
فأتيت الكعبة حاجا أو توجهت نحوها مصليا كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه
المذكورة في هذا الباب ، والتحقيق هو الأول .
﴿ المسألة الخامسة﴾ في حكمة تحويل القبلة من جهة إلى جهة، قد ذكرنا شبهة القوم في
إنكار هذا التحويل ، وهي أن الجهات لما كانت متساوية في جميع الصفات كان تحويل القبلة من
جهة إلى جهة مجرد العبث ، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم .
( والجواب عنه) أما على قول أهل السنة : إنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى بالحكم
فالأمر ظاهر ، وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان ( الأول ) أنه لا يمتنع اختلاف المصالح
بحسب اختلاف الجهات ، وبيانه من وجوه ( أحدها) أنه إذا ترسخ في أوهام بعض الناس أن
هذه الجهات أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل وعظمه ، كان هذا الإنسان عند

١٠٦
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. سورة البقرة
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُواْ ثُمَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الَّسُولُ عَلَيْكُرْ شَرِيدًا
استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً ، وذلك مصلحة مطلوبة (وثانيها ) أنه لما كان بناء هذا البيت
سبباً لظهور دولة العرب کانت رغبتهم فی تعظیمه أشد ( وثالثها) أن اليهود لما كانوا يعيرون
المسلمين عند استقبال بيت المقدس بأنه لولا أنا أرشدناكم إلى القبلة لما كنتم تعرفون القبلة ،
فصار ذلك سبباً لتشويش الخواطر ، وذلك مخل بالخضوع والخشوع ، فهذا يناسب الصرف عن
تلك القبلة (ورابعها) أن الكعبة منشأ محمد عليه، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد عليه
الصلاة والسلام ، وذلك أمر مطلوب لأنه متى رسخ في قلبهم تعظيمه ، كان قبولهم لأوامره
ونواهيه في الدين والشريعة أسرع وأسهل ، والمفضي إلى المطلوب مطلوب ، فكان تحويل القبلة
مناسباً (وخامسها) أن الله تعالى بين ذلك في قوله ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم .
من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) فأمرهم الله تعالى حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت
المقدس ليتميزوا عن المشركين ، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود، أمروا بالتوجه إلى الكعبة
ليتميزوا عن اليهود .
أما قوله ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فالهداية قد تقدم القول فيها قالت
المعتزلة : إنما هي الدلالة الموصلة ، والمعنى أنه تعالى يدل على ما هو للعبادة أصلح ، والصراط
المستقيم هو الذي يؤديهم إذا تمسكوا به إلى الجنة قال أصحابنا : هذه الهداية إما أن يكون المراد
منها الدعوة أو الدلالة أو تحصيل العلم فيه ، والأولان باطلان لأنهما عامان لجميع المكلفين
فوجب حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضى بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.
قوله تعالى ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيداً ﴾ .
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الكاف في ( كذلك) كاف التشبيه ، والمشبه به أي شيء هو ؟ وفيه
وجوه (أحدهما) أنه راجع إلى معنی یہدی ، أی کما أنعمنا علیکم بالهداية ، كذلك أنعمنا
عليكم بأن جعلناكم أمة وسطاً ( وثانيها) قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي
أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً (وثالثها) أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق

١٠٧
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البَقَرة
إبراهيم عليه السلام ( ولقد إصطفيناه في الدنيا ) أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم
أمة وسطاً (ورابعها) يحتمل عندي أن يكون التقدير ( ولله المشرق والمغرب ) فهذه الجهات
بعد استوائها في كونها ملكا لله وملكاً له ، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة
فضلا منه وإحساناً فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد
الفضل والعبادة فضلا منه وإحساناً لا وجوباً (وخامسها ) أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم
يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً كقوله تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ثم
من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء
فقوله ( وكذلك جعلناكم ) أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه
جعلناكم أمة وسطاً .
﴿ المسألة الثانية) اعلم أنه إذا كان الوسط اسما حركت الوسط كقوله ( أمة وسطاً)
والظرف مخفف تقول: جلست وسط القوم، واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أموراً (أحدها)
أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى ، أما الآية فقوله تعالى
( قال أوسطهم ) أي أعدلهم ، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري
عن النبي ◌َلي ((أمة وسطاً قال عدلا)) وقال عليه الصلاة والسلام ((خير الأمور أوسطها)) أي
أعدلها وقيل: كان النبي ( أوسط قريش نسبا. وقال عليه الصلاة والسلام ((عليكم بالنمط
الأوسط)) وأما الشعر فقول زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم
إذا نزلت إحدى الليالي العظائم
وأما النقل فقال الجوهري في الصحاح ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) أي عدلاً وهو
الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب ، وأما المعنى فمن وجوه ( أحدها) أن الوسط حقيقة في
البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً
عن الطرفين فكان معتدلاً فاضلا ( وثانيها) إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد
الخصمين ، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين ( وثالثها) لا شك أن المراد
بقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً
ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت
أن المراد بقوله ( وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين ، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال
حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولا ، فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة
( ورابعها) أن أعدل بقاع الشيء وسطه لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال ،
والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه

١٠٨
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البقرة
عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة .
( القول الثاني ) أن الوسط من كل شىء خياره قالوا : وهذا التفسير أولى من الأول
لوجوه : ( الأول ) أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب الكشاف: اكتريت جملا
من أعرابي بمكة للحج فقال : أعطني من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير ووصف العدالة لا
يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى ( الثاني) أنه مطابق لقوله تعالى ( كنتم خير أمة
أخرجت للناس ) .
(القول الثالث ) أن الرجل إذا قال : فلان أوسطنا نسباً فالمعنى أنه أكثر فضلا وهذا
وسط فيهم كواسطة القلادة ، وأصل هذا أن الأتباع يتحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم
حوله فقيل وسط لهذا المعنى.
( القول الرابع ) يجوز أن يكونوا وسطاً على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط
والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابناً وإلهاً ولا
قصروا کتقصیر اليهود في قتل الأنبياء وتبدیل الکتب وغير ذلك مما قصروا فيه .
واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم .
المسألة الثالثة﴾ احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن
هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه وهذا صريح في المذهب ،
قالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة
اختاروا عندها الصواب في القول والعمل أجاب الأصحاب عنه من وجوه ( الأول ) أن هذا
ترك للظاهر وذلك مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل على أنه لا يمكن لحمل الآية على
ظاهرها ، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا ، أقصى ما للمعتزلة في هذا
الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب ، وقد بينا مراراً كثيرة أن هذه الطريقة
منتقضة على أصولهم بمسئلة العلم ومسئلة الداعي ، والكلام المنقوض لا التفات إليه البتة
( الوجه الثاني) أنه تعالى قال قبل هذه الآية ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وقد بينا دلالة
هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض بالهداية دون البعض فهذه الآية يجب أن تكونه
محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى ( الوجه الثالث ) أن كل ما في
مقدور الله تعالی من الألطاف فی حق الكل فقد فعله ، وإذا كان كذلك لم یکن لتخصيص
المؤمنين بهذا المعنى فائدة ( الوجه الرابع ) وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان على
هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان .

١٠٩
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البقرة
﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع
الأمة حجة فقالوا أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم فلو أقاموا على شيء من
المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شىء من المحظورات وجب أن
يكون قولهم حجة فان قيل : الآية متروكة الظاهر ، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف
كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة فلا بد من حملها على البعض فنحن نحملها
على الأئمة المعصومين ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء
خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين ( الأول ) أن عدالة الرجل عبارة عن أداء
الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر الله تعالى أن جعلهم وسطاً فاقتضى
ذلك أن كونهم وسطاً من فعل الله تعالى ، وذلك يقتضى أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم
عدولا وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال ( الثاني ) أن الوسط اسم لما يكون
متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضى الاشتراك وهو خلاف الأصل ،
سلمنا اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط ،
وإذا كان كذلك احتمل أن الذی أجمعوا علیه وإن کان خطأ لکنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في
خيريتهم ، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس
وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة ، سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالی بین أن
اتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة
فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل،
وذلك لا نزاع فيه ، لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك؟ سلمنا
وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول
هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضى عدالة أولئك
الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم ، فهذه الآية تدل على أن إجماع
أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك
لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما
بعد وفاة محمد ◌ّ وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر امتنع
التمسك بالإجماع.
( والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر ) قلنا : لا نسلم فان قوله ( وكذلك جعلناكم
أمة وسطاً) يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند إجتماعه مع غيره بهذه الصفة . وعندنا
أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فان كل واحد منهم يكون عدلا في ذلك الأمر ، بل إذا اختلفوا

١١٠
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البقرة
فعند ذلك قد يفعلون القبيح ، وإنما قلنا إن هذا خطاب معهم حال الإجتماع . لأن قوله
(جعلناكم) خطاب لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده ، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضى
كون كل واحد منهم عدلا لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن
يبقى معمولا به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك ،
بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة ، فاذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا
إلى اجتماع جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم ، مثاله : أن الرسول
عليه الصلاة والسلام إذا قال إن واحداً من أولاد فلان لا بد وإن یکون مصيباً في الرأي والتدبير
فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأى علمناه حقاً لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك
المحق ، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأى لم نحكم بكونه حقاً لتجويز أن يكون
الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف، ولهذا قال كثير من العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من
كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر البتة بقول المخطىء
قوله : لو كان المراد من كونهم وسطاً هو المراد من عدالتهم ، لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله
تعالى قلنا : هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه ، قوله: لم قلتم أن إخبار الله تعالى عن عدالتهم
وخيريتهم يقتضى اجتنابهم عن الصغائر؟ قلنا : خبر الله تعالى صدق ، والخبر الصدق يقتضي
حصول المخبر عنه ، وفعل الصغيرة ليس بخير ، فالجمع بينهما متناقض ، ولقائل أن يقول :
الإخبار عن الشخص بأنه خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور ، أو في بعض
الأمور ، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال : الخير إما أن يكون خيراً في
بعض الأمور دون البعض أو في كل الأمور ، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فمن كان
خيراً من بعض الوجوه دون البعض ، يصدق عليه أنه خير ، فإذن إخبار الله تعالى عن خيرية
الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور ، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على
الكبائر فضلا عن الصغائر ، وكناقد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلاّ أنَّ هذا السؤال وارد
عليها ، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) خطاب
لجميع الأمة أولها وآخرها ، من كان منهم موجوداً وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى
قيام الساعة ، كما أن قوله ( كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام ) يتناول الكل ، ولا
يختص بالموجودين في ذلك الوقت ، وكذلك سائر تكاليف الله تعالى وأوامره وزواجره خطاب
لجميع الأمة فإن قيل : لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطاباً لجميع من يوجد إلى قيام الساعة ،
فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة فمن أين حكمت لاهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة
على من بعدهم ؟ قلنا : لأنه تعالى لما جعلهم شهداء على الناس ، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها
بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة

١١١
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البقرة
عليه ، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة ، فإِن الأمة
اسم للجماعة التي تؤم جهة واحدة ، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ولأنه تعالى قال ( أمة
وسطاً) فعبر عنهم بلفظ النكرة ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر.
المسألة الخامسة ﴾ اختلف الناس في أن الشهادة المذكورة في قوله تعالى (لتكونوا شهداء
على الناس ) تحصل في الآخرة أو في الدنيا ( فالقول الأول ) إنها تقع في الآخرة ، والذاهبون
إلى هذا القول لهم وجهان ( الأول ) وهو الذي عليه الأكثرون : أن هذه الأمة تشهد للأنبياء
على أمهم الذين يكذبونهم، روى أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالب الله تعالى
الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد ◌ّ فيشهدون فتقول الأمم من
أين عرفتم فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ،
فيؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك
قوله ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) وقد طعن القاضي في هذه
الرواية من وجوه:
( أولها) أن مدار هذه الرواية عن أن الأمم يكذبون أنبياءهم وهذا بناء على أن أهل
القيامة قد يكذبون، وهذا باطل عند القاضي ، إلا أنا سنتكلم على هذه المسألة في سورة الأنعام
في تفسير قوله تعالى ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، انظر كيف كذبوا
على أنفسهم )
( وثانيها ) أن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة الله تعالى على
صدق الأنبياء ، وإذا كان كذلك فلم لم يشهد الله تعالى لهم بذلك ابتداء ؟ (وجوابه ) الحكمة
في ذلك تمييز أمة محمد عليه في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع
الأنبياء والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق ، فلذلك
يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم عليهم إظهاراً لعدالتهم وكشفاً عن
فضیلتهم ومنقبتهم.
( وثالثها) أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام
((إذا علمت مثل الشمس فاشهد )) والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس
فوجب جواز الشهادة عليه.
( الوجه الثاني ) قالوا معنى الآية : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها
قال ابن زيد الأشهاد أربعة ( أولها ) الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد قال تعالى ( وجاءت

١١٢
قوله تعالى : وكذلك جعلناكم . سورة البقرة
كل نفس معها سائق وشهيد ) وقال ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وقال ( وإن عليكم
لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ) ( وثانيها ) شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكياً عن
عيسى عليه السلام ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم
وأنت على كل شيء شهيد) وقال في حق محمد ◌ّ وأمته في هذه الآية ( لتكونوا شهداء على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) وقال ( فكيف إذا جئنامن كل أمة بشهيد وجئنا بك على
هؤلاء شهيداً) (وثالثها) شهادة أمة محمد خاصة قال تعالى ( وجيء بالنبيين والشهداء ) وقال
تعالى (ويوم يقوم الأشهاد) (ورابعها) شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه قال
تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم) الآية، وقال ( اليوم نختم على أفواههم) الآية ( القول
الثاني) أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا وتقريره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو
الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته ، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة
بالقلب مناسبة شديدة لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب : مشاهدة وشهوداً ، والعارف
بالشيء : شاهداً ومشاهداً ، ثم سميت الدلالة على الشيء : شاهداً على الشيء لأنها هي التي
بها صار الشاهد شاهداً ، ولما كان الخبر عن الشيء والمبين لحاله جاریا مجرى الدليل على ذلك
سمى ذلك المخبر أيضاً شاهداً ، ثم اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق
الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن كل من عرف حال
شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة فهذه الشهادة إما أن
تكون في الآخرة أو في الدنيا لا جائز أن تكون في الآخرة لأن الله تعالى جعلهم عدولا في الدنيا
لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا ، إنما قلنا : إنه تعالى جعلهم
عدولا في الدنيا لأنه تعالى قال ( وكذلك جعلناكم أمة ) وهذا إخبار عن الماضي فلا أقل من
حصوله في الحال ، وإنما قلنا : إن ذلك يقتضى صيرورتهم شهوداً في الدنيا لأنه تعالى قال
( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ) رتب كونهم شهداء على صيرورتهم
وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط ، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا وجب أن يحصل
وصف كونهم شهداء في الدنيا فإن قيل : تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا ، ومتحمل
الشهادة قد يسمى شاهداً وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة قلنا : الشهادة المعتبرة في الآية
لا التحمل ، بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي يعتبر فيها العدالة ،
هي الأداء لا التحمل ، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا ، وذلك
يقتضى أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجة ولا معنى لقولننا
الإجماع حجة إلا هذا ، فثبت أن الآية تدل على أن الإجماع حجة من هذا الوجه أيضاً ، واعلم
أن الدليل الذي ذكرناه على صحة هذا القول لا يبطل القولين الأولين لأنا بينا بهذه الدلالة أن

١١٣
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبَةَ أَِّ كُنْتَ عَلَيْهَآَ إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يَِّعُ الَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْهِ
وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُلِيُضِيعَ إِيَكُمْ إِنَّ اللهَ
بِالنَّاسِ لَرَءُ وفٌ رَّحِيمٌ
١٤٣
الأمة لا بد وأن يكونوا شهوداً في الدنيا وهذا لا ينافي كونهم شهوداً في القيامة أيضاً على الوجه
الذي وردت الأخبار به ، فالحاصل أن قوله تعالى ( لتكونوا شهداء على الناس ) إشارة إلى أن
قولهم عند الاجماع حجة من حيث أن قولهم : عند الإجماع يبين للناس الحق ، ويؤكد ذلك قوله
تعالى ( ويكون الرسول عليكم شهيداً) يعني مؤدياً ومبيناً ، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم
الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا أثبتوا الحق عرفوا
عنده من القابل ومن الراد ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد على العقود يعرف ما
الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم.
المسألة السادسة ﴾ دلت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبهة والخوارج
والروافض فإنه لا يعتد به في الإجماع لأن الله تعالى إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة
والخيرية ، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقول أو فعل ، ومن كفر برد النص أو
کفر بالتأويل.
﴿ المسألة السابعة﴾ إنما قال (شهداء على الناس ) ولم يقل: شهداء للناس لأن قولهم
يقتضى التكليف إما بقول وإما بفعل وذلك عليه لا له في الحال فان قيل : لم أخرت صلة
الشهادة أولا وقدمت آخراً؟ قلنا : لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر
الاختصاص بكون الرسول شهيداً عليهم.
قوله تعالى ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف
رحیم
اعلم أن قوله (وما جعلنا) معناه ما شرعنا وما حكمنا كقوله (وما جعل الله من بحيرة) أي
ماشرعها ولا جعلها دينا، وقوله (كنت عليها) أي كنت معتقداً لاستقبالها ، كقول القائل: كان
لفلان على فلان دين، وقوله (كنت عليها) ليس بصفة للقبلة، إنما هو ثاني مفعولی جعل یرید
١١٢-٨٢
-----

١١٤
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
(وما جعلنا القبلة) الجهة التي كنت عليها. ثم ههنا وجهان (الأول) أن يكون هذا الكلام بيانا
للحكمة في جعل القبلة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر
بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة فنقول (وما جعلنا القبلة)
الجهة (التي كنت عليها) أولا يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء (الثاني) يجوز
أن يكون قوله (التي كنت عليها) لساناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة إن أصل أمرك أن
تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضاً لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة
التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس متحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا
يتبعه وينفر عنه (وههنا وجه ثالث ذكره أبو مسلم) فقال لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من
قبل الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى (كنتم
خير أمة) وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى (وكان الله عزيزاً حكيماً) فلا يمتنع أن يراد
بقوله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا.
أما قوله (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) ففيه مسائل:
!
المسألة الأولى ﴾ اللام في قوله (إلا لنعلم) لأم الغرض والكلام في أنه هل يصح
الغرض على الله أولا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا الكلام فقد تقدم.
المسألة الثانية﴾ وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم
يكن حاصلا فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم
تلك الأشياء قبل وقوعها ونظيره في الإشكال قوله (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين) وقوله (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً) وقوله (لعله يتذكر أو يخشى)
وقوله (فليحلمن الله الذين صدقوا) وقوله (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلسم الله الذين
جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) وقوله (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن
بالآخرة) والكلام في هذه المسألة مر مستقصى في قوله (وإذ ابتلى) والمفسرون أجابوا عنه من
وجوه (أحدها) أن قوله (إلا لنعلم) معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك:
فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال: فتح عمر السواد ، ومنه قوله عليه
الصلاة والسلام فیما یحکیه عن ربه «استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي
له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر» وفي الحديث ((من أهان لي ولياً فقد أهانني)» (وثانيها)
معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً ، فقوله (إلا لنعلم) معناه: إلا لنعلمه موجوداً ، فان قيل:
فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده
إذا الخلاف فيه مشهور (وثالثها) إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص

١١٥
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمى التمييز علماً، لأنه أحد فوائد
العلم وثمراته (ورابعها ) ( إلا لنعلم ) معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم
مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله ( ألم تر كيف) ورأيت ، وعلمت ، وشهدت ،
ألفاظ متعاقبة ( وخامسها ) ما ذهب إليه الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى
المخاطبين ، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول
العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا
الجاهل ، فكذلك قوله ( إلا لنعلم ) إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام :
الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله ( وإنا أو إياكم لعلى هدى ) فأضاف الكلام الموهم للشك
إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب ، فكذا قوله ( إلا لنعلم ) ( وسادسها ) نعاملكم
معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم ، إذ العدل يوجب ذلك ( وسابعها ) أن العلم صلة زائدة ؛
فقوله ( إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) معناه : إلا ليحصل اتباع المتبعين ،
وانقلاب المنقلبين ، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك : ما علم الله هذا مني أي ما
كان هذا مني والمعنى : أنه لو كان لعلمه الله .
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب
تحويلها، فمن الناس من قال: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه عليه الصلاة والسلام كان
يصلي إلى الكعبة ، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس ، فشق ذلك على العرب من حيث إنه
ترك قبلتهم ، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك
قبلتهم، وأما الأكثرون من أهل التحقيق قالوا: هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم
قالوا: إن محمداً لي لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه ، روى القفال عن ابن جريج أنه
قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم ، وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا ، وقال السدى: لما توجه
النبي عليه الصلاة والسلام نحو المسجد الحرام اختلف الناس فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على
قبلة ثم تركوها ، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت
المقدس ، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، وقال المشركون: تحير في دينه، واعلم أن
هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين
القبلة، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) فكان
حمله عليه أولى
المسألة الرابعة ) قوله (ممن ينقلب على عقبيه) استعارة ومعناه: من يكفر بالله
ورسوله ، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه ، فلما تركوا

١١٦
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى (ثم أدبر
واستكبر) وكما قال (كذب وتولى) وكل ذلك تشبيه.
أما قوله تعالى (و إن كانت) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ (إن) المكسورة الخفيفة، معناها على أربعة أوجه: جزاء، ومخففة
من الثقيلة ، وجحد ، وزائدة ، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى فالمستلزم
هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك: إن جئتني أكرمتك ، وأما الثانية وهي المخففة من الثقيلة
فهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة (إن) المشددة كقولك: إن زيداً لقائم ، قال الله تعالى
(إن كل نفس لما عليها حافظ) وقال (إن كان وعد ربنا لمقعولا) ومثله في القرآن كثير، والغرض
في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل ، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما
حذف منها ، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى (إن الكافرون إلا في غرور) وقوله
(إن أتبع إلا ما يوحي إلى) إذ كانت كل واحدة منهما يليها الإسم والفعل جميعاً كما وصفنا، وأما
الثالثة وهي التي للجحد ، كقوله (إن الحكم إلا لله) وقال (إن تتبعون إلا الظن) وقال (ولئن
زالتاانامسكهما) أي ما يمسكهما، وأما الرابعة وهي الزائدة فكقولك: ما إن رأيت زيداً.
إذا عرفت هذا فنقول (إن) في قوله (وإن كانت لكبيرة) هي المخففة التي تلزمها اللام ،
والغرض منها توكيد المعنى في الجملة.
﴿ المسألة الثانية﴾ الضمير في قوله (كانت) إلى أي شيء يعود؟ فيه وجهان:
(الأول) أنه يعود إلى القبلة لأنه لا بد له من مذکور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله (وما
جعلنا القبلة التي كنت عليها) (الثاني) أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة
القبلة، والتأنيث للتولية لأنه قال (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) ثم قال عطفاً على هذا
(وإن کانت لكبيرة) أي وإن کانت التولية لأن قوله (ما ولا هم) يدل على التولیة کما قيل في قوله
تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت
هذه الفعلة ، نظيره قوله فبها ونعمت، واعلم أن هذا البحث متفرع على المسألة التي قدمناها
وهي أن الامتحان والابتلاء حصل بنفس القبلة، أو بتحويل القبلة، وقد بينا أن الثاني أولى
لأن الإشكال الحاصل بسبب النسخ أقوى من الإشكال الحاصل بسبب تلك الجهات، ولهذا
وصفه الله تعالى بالكبيرة في قوله (وإن كانت لكبيرة).
أما قوله تعالى (لكبيرة) فالمعنى: الثقيلة مستنكرة كقوله (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)

١١٧
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
أي: عظمت الفرية بذلك، وقال الله تعالى (سبحانك هذا بهتان عظيم) وقال (إن ذلكم کان
عند الله عظيماً) ثم إنا قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة قلنا إن تركها ثقيل عليهم، لأن ذلك
يقتضي ترك الألف والعادة، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا: الامتحان وقع
بتحريف القبلة قلنا: إنها الثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن
عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله
تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل القبلة من جهة إلى جهة ( كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال
إلى حال في الصحة والسقم والغنى والفقر، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره، ومن سفه واتبع
الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة .
أما قوله (إلا على الذين هدى الله) فاحتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال
فقالوا المراد من الهداية إما الدعوة أو وضع الدلالة أو خلق المعرفة، والوجهان الأولان ههنا
باطلان وذلك لأنه تعالى حكم بكونها ثقيلة على الكل إلا على الذين هدى الله فوجب أن يقال:
إن الذي هداه الله لا يثقل ذلك عليه، والهداية بمعنى الدعوة، ووضع الدلائل عامة في حق
الكل، فوجب أن لا يثقل ذلك على أحد من الكفار، فلما ثقل عليهم علمنا أن المراد من الهداية
ههنا خلق المعرفة والعلم وهو المطلوب قالت المعتزلة: الجواب عنه ثلاثة أوجه (أحدها) أن الله
تعالى ذكرهم على طريق المدح فخصهم بذلك (وثانيها) أراد به الاهتداء (وثالثها) أنهم الذين
انتفعوا بهدی الله فغیرهم کانه لم يعتد بهم.
والجواب عن الكل: أنه ترك للظاهر فيكون على خلاف لأصل والله اعلم.
أما قوله تعالى (وما كان الله لیضیع إيمانكم) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أن رجالا من المسلمين كأبي أمامة، وسعد بن زرارة، والبراء بن
عازب، والبراء بن معرور، وغيرهم ماتوا على القبلة الأولى فقال عشائرهم: يا رسول الله توفي
إخواننا على القبلة الأولى فكيف حالهم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
واعلم أنه لا بد من هذا السبب، وإلا لم يتصل بعض الكلام ببعض، ووجه الإشكال
أن الذين لم يجوزوا النسخ إلا مع البداء يقولون: إنه لما تغير الحكم وجب أن يكون الحكم
مفسدة وباطلا فوقع في قلبهم بناء على هذا السؤال أن تلك الصلوات التي أتوا بها متوجهين إلى
بيت المقدس كانت ضائعة، ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الإشكال وبين أن النسخ نقل من
مصلحة إلى مصلحة ومن تكلیف إلی تکلیف، والأول کالثاني في أن القائم به متمسك بالدين،
وأن من هذا حاله فانه لا يضيع أجره ونظيره: ما سألوا بعد تحريم الخمر عمن مات وكان

١١٨
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . سورة البقرة
يشربها، فانزل الله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح) فعرفهم الله تعالى أنه
لا جناح عليهم فيما مضى لما كان ذلك بإباحة الله تعالى فان قيل: إذا كان الشك إنما تولد من
تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة؟ قلنا: الجواب من وجوه (أحدها) أن
ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ليذكره المسلمون جواباً لسؤال ذلك المنافق (وثانيها)
لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا ليت اخواننا ممن مات أدرك ذلك، فذكر الله
تعالى هذا الكلام جواباً عن ذلك (وثالثها) لعله تعالى ذكر هذا الكلام ليكون دفعاً لذلك السؤال
لو خطر ببالهم.
القول الثاني﴾ وهو قول ابن زيد أن الله تعالى إذا علم أن الصلاح في نقلكم من
بيت المقدس إلى الكعبة فلو أقركم على الصلاة إلى بيت المقدس كان ذلك إضاعة عنه لصلاتكم
لأنها تكون على هذا التقدير خالية عن المصالح فتكون ضائعة والله تعالى لا يفعل ذلك.
﴿ القول الثالث) أنه تعالى لما ذكر ما عليهم من المشقة في هذا التحويل عقبه بذكر ما
لهم عنده من الثواب وأنه لا يضيع ما عملوه وهذا قول الحسن.
﴿ القول الرابع﴾ كأنه تعالى قال: وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم فأنهم
لو ردوا هذا التكليف لكفروا ولو كفروا لضاع إيمانهم فقال (وما كان الله ليضيع إيمانكم) فلا جرم
وفقكم لقبول هذا التكليف وأعانكم عليه.
﴿المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن قوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) خطاب مع من؟ على
قولين (الأول) أنه مع المؤمنين، وذكر القفال على هذا القول وجوها أربعة (الأول) أن الله
خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين حينئذ، وذلك جواب عما سألوه من قبل (الثاني) أنهم
سألوا عمن مات قبل نسخ القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي وإذا
كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ (الثالث) يجوز
أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى
الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن
إخوانهم الذين ماتوا ولم يأتوا بما يكفر ما سلف فقيل (وما كان الله ليضيع إيمانكم ) والمراد
أهل ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد ليه (وإذ قتلتم نفساً، وإذ فرقنا بكم البحر)
(الرابع) يجوز أن يكون السؤال واقعاً عن الأحياء والأموات معاً فإنهم أشفقوا على ما كان من
صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعاً في الفريقين فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات،
إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فیقولوا: كنت أنت وفلان

١١٩
قوله تعالى : وما جعلنا القبلة . ! سورة البقرة
الغائب فعلتما والله أعلم .
(القول الثاني) قول أبي مسلم، وهو أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً لأهل الكتاب،
والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ، وإنما اختار أبو مسلم هذا القول لئلا
يلزمه وقوع النسخ في شرعنا.
المسألة الثالثة ﴾ استدلت المعتزلة بقوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) على أن الإيمان
اسم لفعل الطاعات فانه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة (والجواب) لا نسلم أن المراد من
الإيمان ههنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم
بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان
وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الاستعارة من هذا
الجهة.
المسألة الرابعة ) قوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي لا يضيع ثواب إيمانكم لأن
الإيمان قد انقضى وفنى وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم
بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو كقوله تعالى (أني لا اضيع عمل عامل منكم).
أما قوله (إن الله بالناس لرؤف رحيم) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال القفال رحمه الله: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في
رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) أي لا
ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه
الإفضال والإنعام ، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي
رحمته) لأنه إفضال من الله وإنعام، فذكر الله تعالى الرأفة أولا بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم
ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل
هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معاً .
﴿ المسألة الثانية) ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوها (أحدها) أنه
تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانكم قال (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) والرؤف الرحيم كيف
يتصور منه هذه الإضاعة (وثانيها) أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو
أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا (وثالثها) قال (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)
فكأنه تعالى قال؛ وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم.
...

١٢٠
قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك . سورة البَقَرة
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوْلِيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَهَا فَوَلِ وَسَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُرْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمّ يَعْمَلُونَ (
المسألة الثالثة ﴾ قرأ عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (رؤف رحيم)
مهموزاً غیر مشبع على وزن رعف والباقون (رؤف)مثقلا مهموزاً مشبعاً على وزن رعوف وفيها
أربع لغات رئف أيضاً كحزر، ورأفعلى وزن فعل.
المسألة الرابعة ﴾ استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد
قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفاً رحيماً
بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب
السرمدي ، ولو لم یکلفهم ما لا یطیقون فانه تعالی لو کان مع مثل هذا الإضرار رؤغا رحيما فعلى
أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفا رحيما واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد
الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما
الله بغافل عما يعملون ﴾.
اعلم أن قوله (قد نری تقلب وجهك في السماء) فيه قولان:
(القول الأول) وهو المشهور الذیعلیه أکثر المفسرين أن ذلك كانلانتظار تحویله من بیت
المقدس إلى الكعبة، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها (أحدها) أنه كان يكره التوجه إلى بيت
المقدس، ويجب التوجه إلى الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء
لهذا المعنى، روي عن ابن عباس أنه قال ((يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود
إلى غيرها فقد كرهتها)) فقال له جبريل ((أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك)) فجعل رسول الله وَله
یدیم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ذكروا في
سبب هذه المحنة أموراً (الأول) أن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا
نحن لم يدر أين يستقبل، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم (الثاني) أن الكعبة كانت قبلة
إبراهيم (الثالث) أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سبباً لاستمالة العرب ولدخولهم في