النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ قوله تعالى : أم كنتم شهداء . سورة البقرة أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِهِ مَاتَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَئِكَ إِبْرَاهِكَ وَإِنْتَعِيلَ وَإِسْمَقَ إلَهَا وَإِدًا وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِبُونَ ﴿ تِلْكَ أَمَّةٌ فَدْ خَلَتْ لَمَا مَا كَتَبَتْ وَلَكُ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُنْعَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. مدخلاً نفسه في الخطر والغرور . قوله تعالى ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون ، تلك أمة قد خلت لها ما کسبت ولکم ما کسیتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإِسلام ، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى ، ومبالغة في البيان وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن ( أم) معناها معنى حرف الاستفهام، أو حرف العطف، وهي تشبه من حروف العطف((أو)) وهي تأتي على وجهين: متصلة بما قبلها ومنقطعة منه ، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ فانت لا تعلم کون أحدهما عنده فتسأل هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم ، إما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت أزيد عندك أم عمرو؟ أي أعلم أن أحدهما عندك لكن أهو هذا أو ذاك ؟ وأما المنقطعة فقالوا : إنها بمعنى (((بل)) مع همزة الاستفهام ، مثاله: إذا قال إنها لا بل أم شاء ، فكأن قائل هذا الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الابل ، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم لا ، فالاضراب عن الأول هو معنى ((بل)) والاستفهام عن أنها شاء هو المراد بهمزة الاستفهام ، فقولك : إنها لا بل أم شاء جار مجرى قولك : إنها لا بل أهي شاء فقولك : أهي شاء كلام مستأنف غير متصل بقوله : إنها لابل ، وكيف وذلك قد وقع الاضراب عنه بخلاف المتصلة فان قولك : أزيد عندك أم عمرو؟ بمعنى أيهما عندك ولم يكن ((ما)) بعد ((أم)) منقطعاً عما قبله بدليل أن عمراً قرين زيد وكفى ج ١,٢٠١٦ ٨٢ قوله تعالى : أم كنتم شهداء . !سورة البقرة دليلاً على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول : أيهما عندك؟ وقد جاء في كتاب الله تعالى من النوعين كثير ، أما المتصلة فقوله تعالى ( أ أنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها ) أي أيكما أشد، وأما المنقطعة فقوله تعالى ( الم ، تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ، أم يقولون افتراه ) والله أعلم بل يقولون افتراه ، فدل على الاضراب عن الأول والاستفهام عماً بعده ، إذ ليس في الكلام معنى ، أي كما كان في قولك : أزيد عندك أم عمرو؟ ومن لا يحقق من المفسرين يقولون إن ((أم)) ههنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن ((أم)) هذه المنقطعة: تتضمن معنى بل، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ((أم)) في هذه الآية متفصلة أم متصلة؟ فيه قولان ( الأول ) أنها منقطعة عما قبلها ، ومعنى الهمزة فيها الانكار أي : بل ما كنتم شهداء ، (( والشهداء )) جمع شهید بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت ، والخطاب مع أهل الكتاب ، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل : كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد ﴿ ﴿ الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده . فان قيل: الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل ، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاماً باطلاً بل حقاً، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه ؟ قلنا : الاستفهام على سبيل الانكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى . فاما ما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام ( ما تعبدون من بعدی) فهو کلام مفصل بل کأنه تعالى لما أنکر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك کیفیة تلك الوصية . ( القول الثاني ) في أن ( أم ) في هذه الآية متصلة ، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف کأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ، أم کنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد ، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء . أما قوله ( إذ قال لبنيه ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ قال القفال قوله ( إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ) أن ( إذ) الأولى وقت الشهداء ، والثانية وقت الحضور . المسألة الثانية ) الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على أولادهم كانت في ٨٣ قوله تعالى : أم كنتم شهداء . سورة البَقَرة باب الدین وهمتهم مصروفة إلیه دون غيره . أما قوله ( ما تعبدون من بعدي ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ لفظة ( ما) لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق؟. وجوابه من وجهين ( الأول ) أن ( ما) عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون ( والثاني) قوله (ما تعبدون) كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟ ﴿ المسألة الثانية) قوله ( من بعدي) أما قوله ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل (الأول) المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف ( الثاني) التعليمية . قالوا لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت اتعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم . ( والجواب) كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي ، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم ، ثم أن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلاً على سبيل الاستدلال ، أقصى ما في الباب أن يقال فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال . ( والجواب ) عنه من وجوه ( أولها) أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله ( وثانيها ) أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له ( وثالثها ) لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) وههنا مرادهم بقولهم ( نعبد إلهك وإله آبائك ) أي : نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود أبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد . المسألة الثانية﴾ قال القفال: وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته ، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسك بعبادة الله تعالى . وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه ٨٤ قوله تعالى : أم كنتم شهداء . سورة البقرة السلام جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين ( الأول ) أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين ( الثاني) أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوماً صالحين وذلك لا يليق بحالهم : المسألة الثالثة) قوله ( إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) عطف بيان لآبائك قال القفال وقيل أنه قدم دکر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق . المسألة الرابعة﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: الأخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وزید رضى الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: أنهم يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء ، أما الأولون وهم الذين يقولون أنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان ( أحدهما ) أن الجد خير الأمرين : إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال ، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه ( والثاني ) أنه يمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد ، وإنما قلنا أن الجد أب للآية والأثر. أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى ( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) فأطلق لفظ الأب على الجد . : فإن قيل فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب . قلنا : الاستعمال دليل الحقيقة ظاهراً ترك العمل به في حق العم لدلیل قام فيه فیبقی في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) . وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الجد أب ، وقال أيضاً: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الإين ابناً ولا يجعل أب الأب أباً، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى ( وورثه أبواه فلأمه الثلث ) في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقياً ، قال الشافعي رضي الله عنه : لا نسلم أن الجد أب ، والدليل عليه وجوه ( أحدها) أنكم كما ٨٥ قوله تعالى : أم كنتم شهداء .. سورة البقرة استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب ، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوة أباً لكان النازل في البنوة ابناً في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب ( وثانيها) لو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أباً، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة . فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي . قلنا : لو كان الإسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه ، ( وثالثها) لو كان الجد أباً على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أماً وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير ( ورابعها ) لو كان الجد أباً ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أماً ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضى الله عنه إلى السؤال عنه ، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب ( وخامسها ) قوله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) فلو كان الجد أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه ( أولها ) أنه قرأ أبي (وإله إبراهيم ) بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة ، بل الجواب أن يقال إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس ((هذا بقية آبائي)) وقال (( ردوا على أبي)) فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز، والدليل عليه ما قدمنا أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد ، ولو كان حقيقة لما كان كذلك ، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الإسم عليه نظراً إلى الحكم الشرعي لا إلى الإسم | اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم . أما قوله تعالى ( إلهاً واحداً ) فهو بدل ( إله آبائك ) كقوله ( بالناصية ناصية كاذبة ) أو على الاختصاص ، أي تريد بإله آبائك إلهاً واحداً ، أما قوله ( ونحن له مسلمون ) ففيه وجوه ( أحدها) أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في ( له) ( وثانيها ) يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد ( وثالثها ) أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون . ٨٦ قوله تعالى : أو كنتم شهداء . سورة البقرة أما قوله تعالى (تلك أمة قد خلت ) فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون و(الأمة ) الصنف ( خلت ) سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل :. ﴿ المسألة الأولى﴾ الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله (لها ما كسبت) يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهو على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق . ﴿ المسألة الثانية) الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته . - 1 المسألة الثالثة ) الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روى عنه عليه السلام أنه قال « يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغتي عنكم من الله شيئاً)) وقال ((ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) وقال الله تعالى ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وقال تعالى ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً مجز به ) وكذلك قوله تعالى ( ولا تکسب کل نفس إلا علیھا ، ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال ( فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) .. المسألة الرابعة ) الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون بكفر آبائهم، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل ، وهو قوله تعالى ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك . ﴿ المسألة الخامسة) الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب . أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسباً دخول شىء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود ، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات ( أحدها ) وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور ، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق ٨٧ قوله تعالى : تلك أمة قد خلت . سورة البقرة القدرة الحادثة هو الكسب ( وثانيها ) أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى ، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة . وهو قول أبي بكر الباقلاني ( وثالثها ) أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة ، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله ، فهذا هو الكسب وهذا يعزي إلى أبي إسحق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين . أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة ، فهم فريقان ( الأول ) الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به ، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به . الفريق الثاني من المعتزلة ، وهم الذين يقولون : القدرة مع الداعي لا توجب الفعل ، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهذا الفعل والكسب ، قالت المعتزلة للأشعري : إذا كان مقدور العبد واقعاً بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه فيه : استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل ، وإذا لم يخلقه فيه : استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به . وإذا كان كذلك لم يكن البتة متمكناً من الفعل والترك ، ولا معنى للقادر إلا ذلك ، فالعبد البتة غير قادر ، وأيضاً فهذا الذي هو مكتسب العبد . إما أن يكون واقعاً بقدرة الله ، أو لم يقع البتة بقدرة الله ، أو وقع بالقدرتين معاً ، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثراً فكيف يكون مكتسباً له ؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب . وإن وقع بالقدرتين معاً فهذا محال ، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع ، فعند تعلق قدرة الله تعالى به ، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر ، وأما قول الباقلاني فضعيف، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز ، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق ، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب ، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير ، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر البتة ، قال أهل السنة : كون العبد مستقلاً بالإيجاد والخلق محال لوجوه ( أولها ) أن العبد لو كان موجداً لأفعاله ، لكان عالماً بتفاصيل فعله ، وهو غير عالم بتلك التفاصيل ، فهو غير موجد لها (وثانيها) لو كان العبد موجداً لفعل نفسه ؛ لما وقع إلا ما أراده العبد ، وليس كذلك ، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل (وثانيها) لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لكان كونه موجداً لذلك الفعل زائداً على ٨٨ قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا . سورة البَقَرة وَمَا كَانَ مِنَ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِهِمَ حَنِفًا ١٣٥ الْمُشْرِكِينَ ذات ذلك الفعل وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجداً له ، والمعقول غير المغفول عنه ، ثم تلك الموجدية حادثة ، فإن کان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم ، فكانت موجديته قديمة ، فلا يلزم افتقار تلك الموجدية إلى موجدية أخرى . ١٠٤ ... هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادى . قوله تعالى ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإِسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام . الشبهة الأولى ﴾ حکي عنهم أنهم قالوا ( كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ) ولم يذكر وا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه ( الأول) ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله ( قل بل ملة إبراهيم حنيفاً) وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى . فإن قيل أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه السلام . ٨٩ قوله تعالى : وقالوا كونوا هوداً . سورة البَقَرة قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام ، وأن محمداً عليه السلام لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين إبراهيم . ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ) فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدى فهذا معنى قوله ( تهتدوا ) أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما قوله ( بل ملة إبراهيم ) ففي انتصاب ملة أربعة أقوال ( الأول ) لأنه عطف في المعنى على قوله ( كونوا هوداً أو نصارى) وتقديره قالوا اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم ( الثاني ) على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم ( الثالث ) تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله ( واسأل القرية ) أي أهلها ( الرابع ) التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ الأعرج ( ملة إبراهيم ) بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبراً . أما قوله ( حنيفاً ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ لأهل اللغة في الحنيف قولان (الأول) أن الحنيف هو المستقيم، ومنه قيل للأعرج : أحنف، تفاؤلاً بالسلامة ، كما قالوا للديغ : سليم ، وللمهلكة : مفازة ، قالوا : فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي ( الثاني) أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها ، وتحنف إذا مال ، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، فقوله ( بل ملة إبراهيم حنيفاً) أي مخالفاً لليهود والنصارى منحرفاً عنهما ، وأما المفسرون فذكروا عبارات ( أحدها ) قول ابن عباس والحسن ومجاهد : أن الحنيفة حج البيت ( وثانيها ) أنها اتباع الحق ، عن مجاهد ، ( وثالثها) اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإِسلام ( ورابعها ) إخلاص العمل وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال : وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإِسلام كسائر ألقاب الديانات ، وأصله من إبراهيم عليه السلام . المسألة الثانية﴾ في نصب حنيفاً قولان ( أحدهما) قول الزجاج أنه نصب على الحال، ٠٠ ٩٠ قوله تعالى : قولوا آمنا بالله . سورة البقرة قُولُوَاْ ءَامَنَّا بِللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِهَ وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْخَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَ أُوْنِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْنِىَ النَُِّّونَ مِن رَّبِهِمْ لَا نُفَِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من إبراهيم كقولك : رأيت وجه هند قائمة ( الثاني) أنه نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب ، قاله نحاة الكوفة . أما قوله ( وما كان من المشركين ) ففيه وجوه ( أحدها ) أنه تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء على ما بيناه ، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم : عزير بن الله ، والنصارى قالوا : المسيح بن الله وذلك شرك (وثانيها) أن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه السلام ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة ، من حج البيت والختان وغيرهما ، فمن دان بذلك فهو حنيف، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء . ثم كانت تشرك ، فقيل من أجل هذا ( حنيفاً وما كان من المشرکین ) ونظيره قوله ( حنفاء لله غير مشرکین به ) وقوله (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) قال القاضي الآية تدل على أن للواحد منا أن يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله إفحاماً له وإن لم يكن ذلك حجة في نفسه لأن من المعلوم أنه السلام لم يكن يحتج على نبوته بأمثال هذه الكلمات بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة التي ظهرت عليه لكنه عليه السلام لما كان قد أقام الحجة بها وأزاح العلة ثم وجدهم معاندين مستمرين على باطلهم ، فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس ما كانوا عليه فقال :(إن كان الدين بالاتباع فالمتفق عليه وهو ملة إبراهيم عليه السلام أولى بالاتباع ولقائل أن يقول : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم ، ومقرين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث ، امتنع أن يقولوا بذلك ، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد ، ومتى كانوا قائلين بذلك لم يكن في دعوتهم إليه فائدة ، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم أو کانوا مقرین به ، لكنهم أنکروا کونه منکراً للتجسیم والتثليث لم یکن ذلك متفقاً علیه فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه فكان الأخذ به أولى . ( والجواب ) أنه كان معلوماً بالتواتر أن إبراهيم عليه السلام ما أثبت الولد لله تعالى قلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه السلام . قوله تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ٩١ قوله تعالى : قولواً آمنا بالله . سورة البَقَرة مِنْهُمْ وَحْنُ لَهُمْ مُسْلُونَ ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلى أولاً ، ذكر بعده جواباً برهانياً في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم ، ولما ظهر المعجز على يد محمد ◌َّ وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلاً ، فهذا هو المراد من قوله ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) إلى آخر الآية ، وهذا هو الغرض الأصلى من ذكر هذه الآية ، فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة . قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد ◌َّله مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق ، ثم نقول : المسألة الأولى﴾ أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا ( كونوا هوداً أو نصارى) ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام ( قل بل ملة إبراهيم ) ثم قال لأمته ( قولوا آمنا بالله ) وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله ( قولوا آمنا بالله ) يتناول جميع المكلفين ، أعني النبي عليه التملام وأمته ، والدليل عليه وجهان: ( أحدهما ) أن قوله ( قولوا ) خطاب عام فيتناول الكل (الثاني) أن قوله (وما أنزل إلينا) لا يليق إلا به ◌َّليه، فلا أقل من أن يكون هو داخلاً فيه ، واحتج الحسن على قوله بوجهين ( الأول ) أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله ( قل بل ملة إبراهيم) ( الثاني) أنه في نهاية الشرف، والظاهر إفراده بالخطاب . ( والجواب ) أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله ( قولوا آمنا بالله ) أما قوله ( قولوا آمنا بالله ) فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع ، فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً . وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى : الكتاب والسنة . أما قوله ( والأسباط) قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، وقال صاحب الكشاف السبط، الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله نبضله، والأسباط: الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الإثني عشر ٩٢ قوله تعالى : فإن آمنوا . سورة البقرة. فَإِنْ ءَامَنُواْ بِثْلِ مَءَ امَنْتُم بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَ إِن تَوَلَّواْ فَإِنَاهُمْ فِ شِقَاقِ فَسَيَكْفِيَكُهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أما قوله ( لا نفرق بین أحد منهم ) ففیہ وجھان ( الأول) أنا لا نؤمن ببعض ونکفر ببعض ، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز ( الثاني ) لا نفرق بين أحد منهم ، أي لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات ، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ( والوجه الأول ) أليق بسياق الآية . أما قوله ( ونحن له مسلمون) فالمعنى إن إسلامنا لأجل طاعة الله تعالَى لا لأجل الهوى ، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنهمتىظهرالعجز ،وجب الآمانابه، فأماتخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول ، والبعض بالرد ، فذلك يدل على أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة الله والإنقياد له ، بل إتباع الهوى والميل . قوله تعالى ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فی شقاق فسیکفیکھم الله وهو السميع العليم﴾ . : اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين ، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته . وأن يحترز في ذلك عن المناقضة : رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) . من وجوه ( أحدها ) أن المقصود منه التثبيت والمعنى : إن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا ، لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك. ولكنك تريد تثبیت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب الاعتراف بنبوته ، وكل ما غاير هذا الدينُ لا بد وأن يشتمل على المناقضة ، والمتناقض يستحيل أن يكون مساوياً لغير المتناقض في السداد والصحة ( وثانيها) أن المثل صلة ٩٢ قوله تعالى : فان آمنوا . سورة البقرة في الكلام قال الله تعالى ( ليس كمثله شيء ) أي ليس كهو شيء ، وقال الشاعر : وصاليات ككما يؤثفين ، وكانت أم الأحنف ترقصه وتقول : والله لولا حنف برجله ودقة في ساقه من هزله ما كان منكم أحد كمثله ( وثالثها) أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة نبوة محمد اله ( ورابعها ) أن یکون قوله ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ) أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا ، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصدیقین ، وروی محمد بن جرير الطبري أن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به ، قال القاضي : لا وجه لترك القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهباً لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في الجواب هو المعتمد . أما قوله ( فقد اهتدوا ) فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه ، ومن هذا حاله يكون ولياً الله داخلاً في أهل رضوانه ، فالآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء ، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها ، ثم بين على وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال ( وإن تولوا فإنما هم في شقاق ) وفي الشقاق بحثان : البحث الأول﴾ قال بعض أهل اللغة : الشقاق مأخوذ من الشق ، كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها ، ونظيره : المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر ، والتعادي مثله لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة ، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر وقال آخرون : إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهما ) أي فراق بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر . ﴿ البحث الثاني﴾ قوله (وإن تولوا فإنما هم في شقاق ) أي أن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة البتة فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين والانقياد للحق وإنما غرضهم المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات ( أولها) قال ابن عباس رضي الله عنهما ( فإنما هم في شقاق ) في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل فصاروا مخالفين الله ( وثانيها) قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاق . أي في ضلال ٩٤ قوله تعالى : فإِن آمنوا . سورة البَقَرة ( وثالثها) قال ابن زيد في منازعة ومحاربة ( ورابعها) قال الحسن في عداوة قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية أنه شقاق، وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلاً على أن القوم معادون للرسول مضمرون له السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن ، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال ( فسيكفيكهم الله ) تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون : هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدقة وإنما قلنا إنه إخبار عن الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أولا يقدرون البتة على التخلص من أيديهم وإنما قلنا إنه معجز لأنه المتخرص لا يصيب في مثل ذلك على التفصيل ، قال الملحدون : لا نسلم أن هذا معجز وذلك لأن المعجز هو الذي يكون ناقضاً للعادة ، وقد جرت العادة بأن كل من كان مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له : اصبر فإن الله يكفيك شره ، ثم قد يقع ذلك تارة ولا يقع أخرى ، وإذا كان هذا معتاداً فكيف يقال إنه معجز وأيضاً لعله توصل إلى ذلك برؤيا رآها ، وذلك مما لا سبيل إلى دفعه ، فإن المنجمین یقولون : من کان سهم العيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبياً (والجواب ) أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز بل غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع ، والإخبار عن الأشياء الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب . ثم إنه لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال (وهو السميع العليم) وفيه وجهان (الأول ) أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه ( الثاني) أنه وعد للرسول عليه السلام يعني : يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرداك ، واحتج الأصحاب بقوله ( وهو السميع العليم ) على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله ( عليم ) بناء مبالغة فيتناول كونه عالم بجميع المعلومات فلو كان كونه سميعاً عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز ، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه علياً والله أعلم بالصواب . أما قوله ( بمثل ما آمنتم به) ففيه إشکال وهو أن الذي آمن به المؤمنون ليس له مثل ٩٥ قوله تعالى : صبغة الله . سورة البقرة صِبْغَةَ الَهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةٌ وَحْنُ لَهُو ◌َعَلِدُونَ﴾ وجوابه قوله تعالى ﴿ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين ذكره بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال ( صبغة الله ) ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ الصبغ ما يلون به الثياب ويقال: صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها لغتان ( والصبغة ) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال ( الأول ) أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة وجوهاً ( أحدها) أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم . وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً . فقال الله تعالى : اطلبوا صبغة الله وهي الدين والإِسلام لا صبغتهم ، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً مواظباً على الكرم ، ونظيره قوله تعالى ( إنما نحن مستهزؤن الله يستهزىء بهم ، يخادعون الله وهو خادعهم ، ومكروا ومكر الله ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ) ( وثانيها ) اليهود تصبغ أولادها يهوداً والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم ، عن قتادة قال بن الأنباري : يقال فلان يصبغ فلاناً في الشيء أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثواب وأنشد ثعلب : إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ دع الشر وانزل بالنجاة تحرزاً (وثالثها ) سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة قال الله تعالى (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (ورابعها) قال القاضي قوله ( صبغة الله ) متعلق بقوله ( قولوا آمنا بالله) إلى قوله ( ونحن له مسلمون ) فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله ، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم ( القول الثاني ) أن صبغة الله فطرته وهو كقوله ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه ونيته بالعجز والفاقة ، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة . قال القاضي : من حمل قوله ( صبغة الله ) ٩٦ قوله تعالى : قل أتحاجوننا في الله - سورة البقرة قُلْ أَتُحَاَجُونَنَا فِى اَللَّهِ ٠١٤٠٠٠٠٠٠٠٠ وَهُوَ رَبْنَا وَرَبْكُمْ وَلَنَآَ أَعْمَلُنَا وَلَكْ أَعْمَلُكُمْ وَفَحْنُ لَهُ مُخْلُصُونَ على الفطرة فهو مقارب في المعنى ، لقول من يقول : هودين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع ، وهو الدين أيضاً ، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله ( قولوا آمنا بالله ) فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا كظهور حسن الصبغة وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى ، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة بغيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين : جه القول الثالث﴾ أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أى كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية . القول الرابع ﴾ إنه حجة الله، عن الأصم، وقيل: إنه سنة الله ، عن أبي عبيدة ؛ والقول الجيد هو الأول ، والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ فى نصب صبغة أقوال ( أحدها) أننه بدل من ملة وتقشير لها ( الثاني) اتبعوا صبغة الله ( الثالث) قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد فينتصب عن قوله (آمنا بالله ) كما انتصب وعد الله عما تقدمه . أما قوله ( ومن أحسن من الله صبغة ) فالمراد أنه يصبغ عباده بالايمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر ، فلا صبغة أحسن من صبغته . أماقوله تعالى ( ونحن له عابدون) فقال صاحب الكشاف: إنه عطف على ( آمنا بالله") وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والفول ما قالت حذام . قوله تعالى ﴿ قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون لغـ ٩٧ قوله تعالى : أم تقولون إن ابراهيم . سورة البقرة أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِنْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى اعلم أن في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوهاً (أحدها) أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا ( وثانيها ) قولهم : نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان ( وثالثها ) قولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم ( لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وقولهم ( كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) عن الحسن (ورابعها) (أتحاجوننا في الله) أي: (أتحاجوننا في دين الله. المسألة الثانية﴾ هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أنه خطاب لليهود والنصارى ( وثانيها ) أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا ( لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) والعرب كانوا مقرين بالخالق ( وثالثها ) أنه خطاب مع الكل ، والقول الأول أليق بنظم الآية . أما قوله ( وهو ربنا وربكم ) ففيه وجهان ( الأول ) أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربكم ، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه ، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له ( الثاني ) أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية ، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم ، فلم ترجحون أنفسكم علينا ، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية ، ولستم كذلك ، وهو المراد بقوله ( ونحن له مخلصون ) وهذا التأويل أقرب . أما قوله تعالى ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) فالمراد منه النصیحة في الدین کأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة ، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خالياً عن الأغراض الدنيوية ، فإذا كان لشئء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب البتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الإستدلال وقبول الحق ، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم . قوله تعالى ﴿ أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو ٥ ٤-٧٢ ٩٨ قوله تعالى : أم تقولون إن ابراهيم . سورة البقرة قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ لَهُ وَمَنْ أَظْلُ ثُمَّنْ كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفْلٍ عَّا تَعْمَلُونَ ١٤٠ نصارى قلأ أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون اعلم أن في الآية مسألتين : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (أم تقولون ) بالتاء على المخاطبة كأنه قال : أتحاجوننا أم تقولون ، والباقون بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى فعلى الأول يحتمل أن تكون ( أم) متصلة وتقديره : أي الحجتين تتعلقون في أمرنا ، أبالتوحيد فنحن موحدون ، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون ؟ وأن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضاً، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول ، كأنه قيل أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل تزول التوراة والإنجيل هوداً أو نصارى . المسألة الثانية﴾ إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه (أحدها) لأن محمدً اله ثبتت نبوته بسائر المعجزات ، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه ، (وثانيها) شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية (وثالثها) أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم (ورابعها) أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الانكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا کاذبین فیما يقولون. أما قوله (قل أأنتم أم الله) فمعناه أن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد ◌ّ أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية. فان قيل: إنما يقال هذا فيمن لا يعلم وهم علموه وكتموه فكيف يصح الكلام؟ قلنا: من قال إنهم كانوا على ظن وتوهم فالكلام ظاهر ومن قال: علموا وجحدوا فمعناه أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله أعلم. . أما قوله (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: ومن أظلم عند الله من كتم شهادة حصلت عنده كقولك ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى. لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى ثم إن الله كتم : ٩٩ قوله تعالى : تلك أمة . سورة البَقَرة تَلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْعَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ هذه الشهادة لم یکن أحد ممن یکتم شهادة أظلم منه لکن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب علمنا أنه ليس الأمر كذلك (وثانيها) ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى أن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله (من الله) تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال: ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها (وثالثها) أن يكون (من) في قوله (من الله) صلة الشهادة والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك أي شهادة منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك. أما قوله (وما الله بغافل عما تعلمون) فهو الكلام الجامع لكل وعيد ، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفي عليه خافية أنه من وراء مجازاته إن خيراً فخير وإن شراً فشرلا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول. قوله تعالى ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبة بهذه الآية لوجوه (أحدها) ليكون وعظاً لهم وزجراً حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد بعمله (وثانيها) أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد ◌ّ من ملة إلى ملة أخرى (وثالثها) أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين دکرهم في هذه الآيات بین أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤل عن عمله ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم لأنهم أصابوا أم أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد فان قيل لم كررت الآية؟ قلنا فيه قولان (أحدهما) أنه عنى بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه والثانية أسلاف اليهود قال الجبائي قال القاضي هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا هوداً فكأنهم قالوا انهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول (تلك أمة قد خلت) ويعينهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله (تلك أمة) يجب أن يكون عائداً إليهم والقول الثاني أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبئاً فكأنه ١٨ ٠ ١٠٠ قوله تعالى : تلك أمة . سورة البَقَرة الجُزءُ كَانُواْ عَلَيْهَا قُل ◌ِّهِ الْمَشْرِفُ سَيَقُولُ السَّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَاوَُّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَِّىِ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ تعالى قال: ما هذا إلا بشرفوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ® فان ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسئلون إلا عن عملكم. قوله تعالى ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ اعلم أن هذا هو الشبه الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى طعناً في الإسلام فقالوا: النسخ يقتضى إما الجهل أو التجهيل ، وكلاهما لا يليق بالحكيم ، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد ، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام ، وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام ، فان كان خاليا عن القيد لم يقتضي الفعل إلا مرة واحدة ، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وان كان مقيداً بقيد اللا دوام فههنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له ، وإن كان مقيداً بقيد الدوام فان كان الأمر يعتقد فيه أنه يبقى دائماً مع ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائماً ثم إنه رفعه بعد ذلك، فههنا كان جاهلا ثم بدا له ذلك ، وإن كان عالما بأنه لا یبقی دائما مع أنه ذکر لفظا یدل على أنه یبقی دائما کان ذلك تجھیلا فثبت أن النسخ يقتضى إما الجهل أو التجهیل وهما محالان على الله تعالی فکان النسخ منه محالا فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن يكون مبطلا فبهذا الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإِسلام ، ثم انهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا انا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح وههنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبئاً والعبث لا يليق بالحكيم فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى ، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في الإِسلام ، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم. أما قوله (سيقول السفهاء) ففيه قولان (الأول) وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن : كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً ، كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون على فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرز