النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا . سورة البقرة يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَ تَقُولُواْ رَِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِ ينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (3) اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم فانه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله ( ولبئس ما شروا به) أتبعه بالوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية. أما قوله تعالى ( آمنوا ) فاعلم أنه تعالى لما قال ( نبذ فریق من الذين أوتوا الكتاب کتاب الله وراء ظهورهم ) ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر قال من بعد (ولو أنهم آمنوا) يعني بما نبذوه من كتاب الله. فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز ؛ وإن حملته على الأمرين جاز ، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات. أما قوله تعالى ( لمثوبة من عند الله خير ) ففيه وجوه، أحدها : أن الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة الفعلية إلى هذه الإسمية لما في الجملة الإسمية من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها . فان قيل : هلا قيل لمثوبة الله خير؟ قلنا لأن المراد لشيء من ثواب الله خير لهم . وثانيها : يجوز أن يكون قوله ( ولو أنهم آمنوا ) تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل وليتهم آمنوا ، ثم ابتدأ . لمثوبة من عند الله خير. قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ﴾ اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد ◌َّ وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ) في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن . قال ابن عباس : وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان <١٦٥٣ ٢٤٢ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا . سورة البقرة أولا فانه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة ، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات فاذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات: ﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى ولذلك فان عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله ((راعنا)) ويأذن في قوله ((انظرنا )) وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله ((راعنا)) لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله ﴿وَ﴾﴾ إذا تلا عليهم شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسايون بها تشبه هذه الكلمة وهي ((راعينا)) ومعناها : اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا المؤمنين يقولون واعنا افترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة ، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله ( انظرنا) ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في سورة النساء ( ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ) وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله علیکم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه ، فقالوا : أو لستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية ، وثانيها : قال قطرب هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية فلا جرم نهى الله عنها ، وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها، ورابعها: أن قوله ((راعنا)) مفاعلة من الرعي بين اثنين فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا ارعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) وخامسها: أن قوله ((راعنا)) خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره وليس في ((انظرنا)) إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه ، وسادسها: أن قوله ((راعنا )) على وزن عاطنا من المعاطاة ، ورامنا من المراماة ، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق ، فالراعن اسم فاعل من الرعونة فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر . كقولهم : عياذاً بك ، أى أعوذ عياذاً بك . فقولهم راعنا أي فعلت رعونة . ويحتمل أنهم أرادوا به صرت راعنا أي صرت ذا رعونة ، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة ، وسابعها : أن يكون المراد لا تقولوا قولا راعنا أي قولا منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن ، كتامر ولابن . ٢٤٣ قوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب . سورة البقرة مَا يَوْدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَ الْمُشْرِكِيْنَ أَن يُقْرََّ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيٍْ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصْ بِهَتِهِ، مَن يَشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ هَ مَاتَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُِّهَا نَّتِ بِيٍّ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ أما قوله تعالى ( وقولوا انظرنا) ففيه وجوه ، أحدها : أنه من نظره أي انتظره ، قال تعالى ( انظرونا نقتبس من نوركم ) فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة. فان قيل: أفكان النبي ﴿وَل﴾﴾ يعجل عليهم حتى يقولون هذا؟ فالجواب من وجهين ، أحدهما أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج الى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه اسمع أو سمعت ، الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به ) أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوحي وأخذ القرآن ، فقيل له لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام، وثانيها: ((انظرنا)) معناه انظر إلينا إلا أنه حذف حرف ((إلى)) كما في قوله ( واختار موسى قومه ) والمعنى من قومه ، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى. وثالثها: قرأ أبي بن كعب ((أنظرنا)) من النظرة أي أمهلنا . أما قوله تعالى ( واسمعوا ) فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر فلا يجوز وقوع الأمر به ، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة ، أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة ، وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا ، وثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم ، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول ومعنى ((العذاب الأليم)) قد تقدم. قوله تعالى ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾ . ٢٤٤ قوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب . سورة البقرة واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعائدة حذر المؤمنين منهم فقال ( ما يود الذين كفروا) فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان . المسألة الأولى﴾ ((من)) الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون ، والدليل عليه قوله تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة : لابتداء الغاية . المسألة الثانية ﴾ الخير الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى (أهم يقسمون رحمت ربك ) المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي ، ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك فانه سبحانه يختص برحمته وإحسانه جـ ص من يشاء. قوله تعالى ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا وغداً يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل : المسألة الأولى﴾ النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة . وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الأبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك . فان قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ؟ لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخٍ .. الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً" بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً عن الأول ، وقال تعالى ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) فوجب أن يكون اللفظ ٢٤٥ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين ( أحدهما ) أنه لا يمنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير ( والثاني ) أن أهل اللغة إنما أخطؤا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان ( أحدهما ) أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد (والثاني ) أنسخته جعلته ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلاً . أقبروا فلاناً ، أي اجعلوه ذا قبر قال تعالى ( ثم أماته فأقبره ) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ننسأها ) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير ومنه ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) ومنه سمى بيع الأجل نسيئة ، وقال أهل اللغة : أنسأ الله أجله ونسأ في أجله ، أي أخر وزاد، وقال عليه الصلاة والسلام ((من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه)) والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان ، ثم الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر ، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى ( فنسي ولم نجد له عزماً) أي فترك وقال ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي نتركهم كما تركوا ، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز لأن المنسى يكون متروكاً ، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرىء ننسها وننسها بالتشديد ، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ننسخها ، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها. ﴿ المسألة الثالثة﴾ ((ما)) في هذه الآية جزائية كقولك: ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله ( ننسخ ) شرط وقوله ( نأت ) جزاء وكلاهما مجز ومان . المسألة الرابعة ) اعلم أن الناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل علی أن الحكم الذي کان ثابتاً بطریق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخیه عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً فقولنا طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ، والفعل المنقول عنهما ، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين لأن ذلك ليس ٢٤٦ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة بطريق شرعي على هذا التفسير، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل لأن العقل ليس طريقاً شرعياً . ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخاً للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقاً شرعياً . ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء لأن ذلك غير متراخ ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخاً لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا . ﴿ المسألة الخامسة ﴾ النسخ عندنا جائز عقلا واقع سمعاً خلافاً لليهود ، فان منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا ، لكنه منع منه سمعاً، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد ﴿ ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضاً قلنا على اليهود إلزامان الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خر وجه من الفلك (( إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه)) ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال إن موسى وعيسى عليهما السلام أمرا الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند: ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام لكنه لا يكون ذلك نسخاً بل جارياً مجرى قوله ( ثم أتموا الصيام الى الليل والمسلمون الذين أُنکروا وقوع النسخ أصلاً بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين ، واحتج متكروا النسخ بأن قالوا إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام فاللفظ الدال على تلك الشريعة ، إما أن يقال إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام ، فان بين فيها ثبوتها على الدوام ، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً وإنه غير جائز على الشرع ، وأيضاً فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً ، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط. البتة ، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلاً في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور . فإن قيل لم لا يجوز أن يقال ذكر اللفظ الدال على ٢٤٧ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة الدوام ، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة؟ قلنا هذا ضعيف لوجوه ، أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين وإنه سفه وعبث ، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخاً فاذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها. الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر وإلا فلعل القرآن عورض ولم تنقل معارضته ولعل محمداً ا غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل ، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر ، ومعلوماً لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظیم فیه ، فحیث رأینا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخین. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما یدل به على أنه منقطع غیر دائم . فهذا باطل لما ثبت أنه لو کان کذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر ، وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً بل يكون ذلك انتهاء للغاية .. وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائماً أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد المرة الواحدة فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر ، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخاً للأمر الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال . واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها ، نأت بخير منها أو مثلها ) والاستدلال به أيضاً ضعيف لأن ((ما)) ههنا تفيد الشرط والجزاء وكما أن قولك ، من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) وقوله ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) والله تعالى أعلم . ٢٤٨ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة المسألة السادسة﴾ اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن ، وقال أبو مسلم بن بحر: أنه لم يقع واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه : أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) أجاب أبو مسلم عنه بوجوه: الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره فان اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية ، الوجه الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب ، الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا ، وعن الثاني بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه ، ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن بل هو عام في جميع الدلائل ، وعلى الثاني لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن بل التقدير والله اعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه. الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن : أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها " بالاعتداد حولا كاملا وذلك في قوله ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم. متاعاً إلى الحول ) ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر کما قال ( والذین یتوفون منکم ویذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) قال أبو مسلم : الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا ، وإذا بقي هذا . الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً ، والجواب أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلاً بالكلية . الحجة الثالثة : أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ثم نسخ ذلك ، قال أبو مسلم : إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين ، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد. والجواب : لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل لأنه روی أنه لم يتصدق غیر علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى ( فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم). الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى ( فإن يكن منكم: ٢٤٩ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) . الحجة الخامسة: قوله تعالى ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) قال أبو مسلم حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر. الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخاً. الحجة السادسة: قوله تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ) والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم فكيف كان فهو رفع ونسخ وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل . والجواب : أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يطبله . المسألة السابعة ﴾ المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معاً، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها ، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم ((الشيخ والشيخة إذا زنیا فارجوهما البتة نکالا من الله والله عزیز حکیم » وروی « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)) وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معاً ، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم . ويروى أيضاً أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه. ﴿ المسألة الثامنة﴾ اختلف المفسرون في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها) فمنهم من فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد ابن المسيب ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوهاً، أحدها : ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرىء بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معاً ، فإن قيل وقوع هذا النسيان ممنوع عقلاً وشرعاً . أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى أهل التواتر ، : . ٠٠٠ ٢٥٠ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع . وأما النقل فلقوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) والجواب عن الأول من وجهين . الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به ، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي ، أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسياً عن الصدور ، الجواب الثاني : أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام ؛ ويروى فيه خبر : أنهم كانوا يقرءون السورة فيصبحون وقد نسوها ، والجواب عن الثاني أنه معارض بقوله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ) وبقوله ( واذكر ربك إذا نسيت ) . القول الثاني ﴾ ما ننسخ من آية أي نبدلها، إما أن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما أما قوله تعالى ( أو ننسها) فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله . القول الثالث﴾ ما ننسخ من آية، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننساها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها فى الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة . القول الرابع﴾ ما ننسخ من آية، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معاً أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال بالقول الثاني ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها، نؤخرها. وأما قراءة ((ننسها)) فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها . وأما قوله ( من آية ) فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه . أما قوله تعالى ( نأت بخير منها أو مثلها) ففيه قولان . أحدهما : أنه الأخف ، والثاني : أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه . فإن قيل : لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به ؟ قلنا الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال. السؤال . واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال قوم لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا بأن هذه الآية. تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن یأتي بعده بما هو خير منه أو بما یکون مثله وذلك صریح في - +۔۔ ------ ٢٥١ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة وجوب البدل . والجواب ، لم لا يجوز أن يقال المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التعبد به خير من ثبوته في ذلك الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ◌َّ لا إلى بدل . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله ( نأت بخير منها أو مثلها ) ينافي كونه أثقل ، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر. إذا عرفت هذا فنقول : أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها . وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه . أحدها : أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه ، كما إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثواب آتیك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن یکون من جنسه فجنس القرآن قرآن ، وثانيها . أن قوله تعالى ( نأت بخير منها ) يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام وثالثها : أن قوله ( نأت بخير منها ) يفيد أن المأتى به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيراً من القرآن ، ورابعها : أنه قال ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى ( والجواب ) عن الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى ( نأت بخير منها ) ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ ، والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو کان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتیان بهذا الخیر لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام ((ألا لا وصية لوارث)) وبأن آية الجلد صارت منسوخية بخبر الرجم. قال الشافعي رضي الله عنه أما الأول فضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وأما الثاني فضعيف أيضاً لأن عمر رضى الله ٢٥٢ قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها . سورة البقرة عنه روى أن قوله ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة )) كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم . أما قوله تعالى ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) فتنبيه للنبي صل وغيره على قدرته تعالی علی تصریف المكلف تحت مشيئته وحکمه وحکمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار . ﴿ المسألة التاسعة﴾(١) استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه، أحدها أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالاتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديماً ، وثالثها : أن قوله ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعد ما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات [ محدث ] وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً . أجاب الأصحاب أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم. فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سیوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً ، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً ، لأنه لو كان قديماً لما زال ، ويكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة . فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام . (١) هذه المسألة من فروع مسائل النسخ وقد تكلم المؤلف رحمه الله على أن مسائل منها مرت في هذا الجزء ٣/٣٠ ٢٥٣ قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السموات . سورة البقرة أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الَّه لَهُ وَ مُلَكُ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلٍ وَلَا نَصِيرٍ ◌ّ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْعَلُواْ رَسُولَكُمْ كَاسُِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَانِ ١٠٨ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ ﴿ المسألة العاشرة﴾ احتجوا بقوله تعالى (إن الله على كل شيء قدير ) على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة . قوله تعالى ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لکم من دون الله من ولی ولا نصير﴾ . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل ، أو لعقاب يندفع . قال القفال : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمکنة والجهات کلها له وأنه ليس بعض الجهات أکبر حرمة من البعض إلا من حیث يجعلها هو تعالى له ، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقباله القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة ، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة ، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة ، فقال إنه تعالى قال أولا ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) ثم قال بعده ( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ) فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة ، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله ( مالك يوم الدين ) . قوله تعالى ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضل سواء السبيل﴾ اعلم أن ههنا مسائل : المسألة الأولى﴾ ((أم)) على ضربين متصلة ومنقطعة ، فالمتصلة عديلة الألف وهي ٢٥٤ قوله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم . سورة البقرة مفرقة لما جمعته أي، كما أن ((أو)) مفرقة لما جمعته تقول: إضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً، فإذا قلت إضرب أحدهم قلت إضرب زيداً أو عمراً، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام ، لأنها بمعنى بل والألف، كقول العرب إنها الإبل أم شاء ، كأنه قال بل هي شاء ، ومنه قوله تعالى ( أم يقولون افتراه) أي بل يقولون ، قال الأخطل كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالاً. ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في المخاطب به على وجوه، أحدها: أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم ، واستدلوا عليه بوجوه : الأول . أنه قال في آخر الآية ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان ) وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين . الثاني : أن قوله ( أم تريدون ) يقتضى معطوفاً عليه وهو قوله ( لا تقولوا راعنا ) فكأنه قال : وقولوا أنظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟. الثالث : أن المسلمين كانوا يسألون محمداً ◌َّ عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه ، الرابع : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب ، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة . القول الثاني : أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد. قال إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول اللّه وَعليه في رهط من قريش فقال : يا محمد والله ما أومن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء بأن تصعد ، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه . وقال له بقية الرهط : فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك ، فنؤمن بك عند ذلك . فأنزل الله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمداً أن يأتيكم بالآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : أرنا الله جهرة . وعن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً وفضة ، فقال نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا . القول الثالث ﴾ المراد اليهود ، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله ( یا بني إسرائيل أذكروا نعمتي ) حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم ، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كان متبدلاً كفراً بالإيمان . المسألة الثالثة ﴾ ليس في ظاهر قوله ( أم تریدون أن تسألوا رسولکم کما سئل موسى ٢٥٥ قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب . سورة البقرة وَدَّكَثِرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيَتِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًّا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِنْ بَعْدِ مَاتَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَصْفَحُوْ خَّى ◌َأَبِىَ اللهُ بِأَمْرِهٍِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ من قبل ) أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً، وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام ، فهذا أيضاً لا يكون كفراً؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفراً، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم كانوا يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال . ﴿ المسألة الخامسة﴾ ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً، أحدها: أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة وثانيها : لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله : عن أبي مسلم ، وثالثها : لما أمر ونهى قال أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى ؟ ﴿ المسألة السادسة﴾ (سواء السبيل) وسطه قال تعالى ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) أي وسط الجحيم ، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة ، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم ، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل . قوله تعالى ﴿ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾. اعلم أن هذا النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين ، وذلك لأنه روى أن فنحاص ٠ ٢٥٦ قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب .. سورة البقرة ابن عازوراء ، وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا شديد ، قال فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً، ثم أتيا رسول الله ◌َي# وأخبراه فقال أصبتما خيراً وأفلحتما، فنزلت هذه الآية ، واعلم أنا نتكلم أولاً في الحسد ثم نرجع إلى التفسير . ﴿ المسألة الأولى﴾ في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة ، الأول: قوله عليه السلام ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) الثاني: قال أنس (( كنا يوماً جالسين عند النبي ** فقال يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تذهب بي إلی دارك فعلت ، قال نعم ، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله وسلم يقول كذا وكذا فأردت أن أعرف عملك فلم أرك تعمل عملاً كثيراً فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال ما هو إلا ما رأيت . فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد أحد من المسلمين في نفسي عيباً ولا حسداً : على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله: هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق)) الثالث : قال عليه السلام (( دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة لا أقول الشعر ولكن حالقة الدين)) الرابع: قال ((إنه سيصيب أمتي داء الأمم قالوا ما داء الأمم ؟ قال الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج)) الخامس : أن موسی علیه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغبط بمكانه وقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال أحدثك من عمله ثلاثاً : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة . السادس: قال عليه السلام ((إن لنعم الله أعداء قيل وما أولئك قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)) السابع: قال عليه السلام (( ستة يدخلون النار قبل الحساب ، الأمراء بالجور ، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، ٢٥٧ قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب . سورة البقرة والعلماء بالحسد)). أما الآثار ، فالأول : حكى أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط فقال إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ، ثم قرأ ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ) وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة . أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ، ثم قرأ ( اهبطا منها ) وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ، ثم قرأ ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار . الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولساناً . الرابع: قال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة ، الخامس : قيل الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ، ولا ينال من الخلق إلا جزءاً وغماً ، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولاً، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالاً . المسألة الثانية﴾ في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات ( أحدها ) هذه الآية وهي قوله تعالى ( لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ) فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد ( وثانيها ) قوله تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ( وثالثها) قوله تعالى ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان، (ورابعها) ذكر الله تعالى حسد أخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله: ( قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ، اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم ) فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له (وخامسها ) قوله تعالى (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد، (وسادسها): قال تعالى في معرض الإنكار (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) (وسابعها): قال الله تعالى (كان الناس ج٣ م١٧ ٢٥٨ قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب . سورة البقرة أمة واحدة فبعث الله النبيين ) إلى قوله ( إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم ) قيل في التفسير: حسداً، (وثامنها): قوله تعالى (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ) فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول، (وتاسعها): قال ابن عباس: كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا ، فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) إلى قوله ( أن يكفروا بما أنزل الله بغياً) أي حسداً وقالت صفية بنت حي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال أقول : إنه النبي الذي بشربه موسى عليه السلام قال فما ترى ؟ قال أرى معاداته أيام الحياة . فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه ( أولها) قوله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)(وثانيها): قوله تعالى ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها (وثالثها) قوله عليه السلام (( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس )) وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يحب أن يكون له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان ( أحدهما ) أن يحصل له مثل ما حصل للغير ( والثاني ) أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن ذلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام (( ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن الحسد والظن والطيرة)) ثم قال ((وله منهن مخرج إذا حسدت فلا تبغ )) أي إن وجدت في قلبك شيئاً فلا تعمل به ، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالٍ، رحمة الله عليه . ٢٥٩ قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب . سورة البَقَرة المسألة الثالثة﴾ في مراتب الحسد، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة (الأولى ) أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد ( والثانية ) أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يجب أن تكون له ، فالمطلوب بالذات حصوله له ، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض ( الثالثة ) أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما ( الرابعة ) أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين ، والثالثة منها مذمومة وغير مذمومة والثانية أخف من الثالثة ، والأول : مذموم محض قال تعالى ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب : السبب الأول : العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضى التشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الأماكن في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض إنساناً ثم تستوى عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به إذ قال ( وإذا لقوكم قالوا آمناً وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) وكذا قال ( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ) . واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل .. السبب الثاني : التعزز، فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً ترفع عليه وهو لا مکنه تحمل ذلك فیرید زوال ذلك المنصب عنه ولیس من غرضه أن یتکبر ، بل غرضه أن يدفع ·* كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه . السبب الثالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطىء له رؤوسنا ؟ فقالوا ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وقال تعالى يصف قول قريش ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) ٢٦٠ : قوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب . سورة البقرة كالاستحقار بهم والأنفة منهم . السبب الرابع: التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذا قالوا ( ما أنتم إلا بشرمثلنا) ، وقالوا ( أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً الخاسرون ) وقالوا متعجبين ( أبعث الله بشراً رسولاً ) وقالوا ( لولا نزل علينا الملائكة ) وقال ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) . : السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد فإن كل واحد منهم يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم . السبب السادس : حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، وذلك کالرجل الذی یرید أن یکون عدیم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظیر له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ویفرح بسبب تفرده السبب السابع: شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده ، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ، ويقال : البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع ، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته . فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها . ﴿ المسألة الخامسة﴾ في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه. اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها إذ الشخص الواحد يجوز أن تحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو لغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة ، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة ، ولما لم توجد الرابطة بين