النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ قوله تعالى: ((ولقد جاءكم موسى)). سورة البَقَرة وَقَدْ جَاءَ كُمُوسَى ◌ِالْبَيِنَاتِ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ نَالِمُونَ () وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَّكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُ الُْوَرَ خُوْ مَاءَيْنَكُمْبِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواأْسَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِشْسَ يَأْمُ كُم بِةٍ إِعَهُمْ إِنَ كُنُ مُؤْمِنِينَ. ١٣ ﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله (فلم تقتلون ) وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه ، أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين . وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها أنه لا يتأتى فيه من قبل . فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه . فإن قيل قوله ( آمنوا ) خطاب لهؤلاء الموجودين ( ولم تقتلون ) حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان مما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين . ﴿ المسألة الرابعة﴾ يقال كيف جاز قوله: لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال أنا أضربك أمس ؟ والجواب فيه قولان ، أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب؟ كأنك قلت لم يكن هذا من شأنك قال الله تعالى ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة . والثاني . كأنه قال لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ اعلم أن تكرير هذه الآية يغنى عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد تمّ ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالی معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار. قوله تعالى ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ﴾ اعلم أن في الإعادة وجوهاً : أحدها أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة : ٢٠٢ قوله تعالى ((واذ اخذنا ميثاقكم)) سورة البَفَرة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهتم ( سمعنا وعصينا ) وذلك يدل على نهاية لجاجهم . أما قوله تعالى ( قالوا سمعنا وعصينا) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ أن إظلال الجبل لا شك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم ((سمعنا وعصينا)) وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد . ﴿ المسألة الثانية﴾ الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى ( أن يقول له كن فيكون) وكقوله ((قالتا أتينا طائعين)) والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز . أما قوله تعالى (( وأشربوا في قلوبهم العجل )» ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ وأشربوا في قلوبهم حب العجل، وفي وجه هذه الاستعارة وجهان الأول معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله ( في قلوبهم ) بيان لمكان الإشراف كقوله ( إنما يأكلون في بطونهم ناراً) الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأقعال .. ! المسألة الثانية ) قوله (وأشربوا) يدل على أن فاعلا غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين . الأول : ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان معجب بنفسه ، الثاني أن المراد من أشرب أي زينه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن . أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ولما أقمنها، الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا. الظاهر. أما قوله تعالى ( بكفرهم ) فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره. سبحانه وتعالى. أما قوله ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم ) ففيه مسألتان : ٢٠٣ قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة . سورة البقرة قُلْ إِن كَانَتْ لَكُرُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَلِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّواْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَأْ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِينَ ٩٥ المسألة الأولى ﴾ المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب ( أصلاتك تأمرك ) وكذلك إضافة الايمان إليهم. المسألة الثانية﴾ الايمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالأمر كقوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) . أما قوله تعالى ( إن كنتم مؤمنين ) فالمراد التشكيك في ايمانهم والقدح في صحة دعواهم. قوله تعالى ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن صادقين ، ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه : أحدها أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه(١) ووثانيها ما حكى الله عنهم في قوله ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وفي قوله نحن أبناء الله وأحباؤه ) وفي قوله ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، ورابعها : اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه ، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشربه في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد ﴿وَ﴾﴾، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا (١) في الأصل الذي أصحح عليه ﴿ فافعل كذا لا والأول﴾ والقول على هذا لا معنى له فتعين الاستثناء ليستقيم الكلام ( المصحح ) ٢٠٤ قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة . سورة البقرة الموت ) وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة ، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد ◌ّ ومنازعته معهم بالجدال والقتال ، ومن كان في النعم القليلة المنغصة ، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغباً في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوباً فوجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت . ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبداً ، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس . فان قيل(١) لا نسلم أنه لوكانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب لا بد وأن يكون مطلوباً . قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوباً نظراً إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت . السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد # فيقولوا إنك تدعى أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فان كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك ، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم! السؤال الثالث : لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر فأما صاحب الكبيرة فانه يبقى مخلداً في النار أبداً لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف : السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تمني الموت فقال (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم احيني إن كانت الحياة خيراً لي وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لى )) وأيضاً قال الله تعالى في كتابه ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون (١) هذا في قوة قوله ﴿ السؤال الأول﴾ لأنه ذكر بعده السؤال الثاني، لكنه ذكر الرد على هذا السؤال ولم يرد على غيره كما ترى . ٢٠٥ قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة . سورة البقرة منها ) فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال ، ثم إنه يتحدى القوم بذلك. السؤال الخامس : أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل : ليتني مت ، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك ، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول ما أردت به هذا اللفظ ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه . السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى ( ولن يتمنوه أبداً) ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقاً، والنزاع ليس إلا فيه ( الجواب ) قوله [ أولا ] كون الموت متضمناً للألم يكون كالصارف عن تمنيه ، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا كذلك . قوله ثانياً إنهم لو قلبوا الكلام على محمد ﴿1﴾ لزمه أن يرضى بالقتل، قلنا الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمداً كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر ، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق ، قوله ثالثاً كانوا خائفين من عقاب الكبائر ، قلنا القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعاً : نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات ، روى أن علياً رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت ، وقال عمار رضى الله عنه بصفين : الآن ألاقي الأحبة (١) محمداً وحزبه وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمنى الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فانه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله فأين هذا من التمنى الذي يدل على صحة النبوة . قوله خامساً : إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب ، قلنا التمني في لغة العرب لا يعرف إلا ما يظهر [ منه ] كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب (١) الذي أحفظه وعليه يستقيم الوزن: اليوم - أو الآن - ألقى الأحبة. ٢٠٦ قوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة. سورة البقرة من ذلك لا يسمى بهذا الإِسلام وأيضاً فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره ، قوله سادساً : ما الدليل على أنه ما وجد التمني ، قلنا من وجوه ، أحدها : أنه لو حصل ذلك لنقل نقلا متواتراً لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد # ويتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة فوجب أن ينقل نقلا متواتراً ، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد ، وثانيها أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول الى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهراً والموافق طوعاً لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ويأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى اليه بأنهم لا يتمنونه ، وثالثها : ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا)) وقال ابن عباس: لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة ، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال ، ولنرجع إلى التفسير . ١ ... ! أما قوله تعالى (قل إن كانت لكم الدار الآخرة ) فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة . وأما قوله تعالى ( عند الله) فليس المراد المكان بل المنزلة ولا بعد أيضاً في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها ." وأما قوله تعالى ( خالصة ) فنصب على الحال من الدار الآخرة أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق ، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى و(الناس) للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود . 1 وأما قوله ( من دون الناس ) فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً : هذا لك من دون الناس. وأما قوله تعالى ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) ففيه مسألتان : : ٢٠٧ قوله تعالى ((قل ان كانت لكم الدار الآخرة )) سورة البقرة المسألة الأولى﴾ هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجوداً والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم : المسألة الثانية ﴾ في هذا التمني قولان ، أحدهما : قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب . والثاني أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ. أما قوله تعالى ( ولن يتمنوه ) فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد ل وسهولة الإتيان بهذه الكلمة أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي. وأما قوله تعالى (أبداً) فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان. وأما قوله تعالى ( بما قدمت أيديهم ) فبيان للعلة التي لها لا يتمنون [ الموت ] لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت . وأما قوله تعالى ( والله عليم بالظالمين ) فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل إنه تعالى قال ههنا ( ولن يتمنوه أبداً) وقال في سورة الجمعة ( ولا يتمنونه أبداً) فلم ذكرههنا ((لن)) وفي سورة الجمعة ((لا )» قلنا إنهم في هذه السورة ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوى الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ ((لن)) لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ ((لا)) لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم . ٢٠٨ قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص على الناس على حياة . سورة البقرة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى خَيَّةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَخْرِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمََّ وَاللَّهُ يَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ قوله تعالى ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون} اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن يكون الانسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) . ٠٠ أما قوله تعالى ( ولتجدنهم ) فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولین في قوله :. وجدت زيداً ذا حفاظ، ومفعولاه ((هم)) و((أحرص)) وإنما قال (على حياة ) بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي ((على الحياة)) أما الواو في قوله ( ومن الذين أشركوا ) ففيه [ ثلاثة أقوال ]: : أحدها ﴾ أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك : هو أسخى الناس ومن حاتم . هذا قول الفراء والأصم . فان قيل ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظهم التوبيخ فان قيل ولم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟ قلنا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك . القول الثاني ﴾ أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله ((على حياة )) [ و] تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله ( وما منا إلا له مقام معلوم ) . القول الثالث﴾ أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره . ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة ، ثم فسرهذه المحبة بقوله ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) وهو قول أبي مسلم ، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد : ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم. ٠٠ ٢٠٩٠ قوله تعالى : قل من كان عدو الجبريل . سورة البقرة قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا ◌ِبْرِ يِلَ فَإنَُّ نََّهُ, عَلَى قَلِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (® مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَبِّكَتِهِ، وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيَكَثَلَ فَإِنَّ اللّهَ ٨ عَدَوْ لِلْكَفِرِينَ ! المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بقوله تعالى (ومن الذين أشركوا) على ثلاثة أقوال قيل المجوس لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان ، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم : زي هزارسال ، وقيل المراد مشركوا العرب وقيل كل مشرك لا يؤمن بالمعاد ، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة ، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب. أما قوله تعالى ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد ، ومن هذا حاله کیف یتصور منه تمني الموت؟ أما قوله تعالى ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) ففيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ في أن قوله (وما هو) كناية عماذا؟ فيه ثلاثة أقوال ، أحدها أنه كناية عن ((أحدهم)) الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ، وثانيها: أنه ضمير لما دل عليه (( يعمر)) من مصدره و( أن يعمر ) بدل منه، وثالثها : أن یکون مبهماً و( أن يعمر) موضحه . المسألة الثانية﴾ الزحزحة التبعيد والإنحاء ، قال القاضي والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول . وأما قوله تعالى ( والله بصير بما يعملون ) فاعلم أن البصر قد يراد به العلم يقال إن لفلان بصراً بهذا الأمر ، أي معرفة ، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها ٢١٠ قوله تعالى : قل من كان عدواً لجبريل. سورة البقرة وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال: إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى جمل هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم : قوله تعالى ﴿ قل من کان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإِذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ، من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين ﴾. اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه. مسائل : المسألة الأولى﴾ أن قوله تعالى ( قل من كان عدواً لجبريل ) لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة ، فاذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال عليه السلام ((تنام عيناي ولا ينام قلبي)» قال صدقت يا محمد فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة فقال صدقت . فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له ، قال صدقت فقال أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟ فقال عليه السلام (( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه. ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب وهو لحمان الإبل وألبانها ؟ فقالوا نعم . فقال له بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله ؟ قال جبريل . قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمناً بك ، فقال عمر وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالا فدفع عنه جبريل وقال إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدواً، وأما ميكائيل فإِنه عدو جبريل فقال عمر : فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو میکائيل وهما عدوان لمن عاداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآیتین. وثانيها : روی أنه کان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره ٢١١ قوله تعالى ((من كان عدوا لجبريل)) سورة البقرة على مدارس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ﴿يَ﴾﴾ وأرى آثاره في كتابكم ثم سألهم عن جبريل فقالوا ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم وما منزلتهما من الله؟ قالوا أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي وصلة ((لقد وافقك ربك يا عمر)) قال عمر لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر ، وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات. واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله ( من كان عدواً لجبريل فإِنه نزله على قلبك بإذن الله ) مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بانزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وثالثها . أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإِنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فان اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه . المسألة الثانية ﴾ من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق ، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) . المسألة الثالثة﴾ قرأ بن كثير ((جبريل)) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ ٢١٢ قوله تعالى ((من عدوا لجبريل)) سورة البقرة حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قندیل وفیه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها ، وجبرائل على وزن جبرإعل وجبرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة. المسألة الرابعة﴾ قال بعضهم: جبريل معناه عبد الله، فـ((جبر)) عبد و(( أيل)) الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، قال أبو علي السوسى : هذا لا يصح لوجهين: أحدهما : أنه لا يعرف من اسماء الله ((أيل)) والثاني أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً(١). أما قوله تعالى ( فإنه نزله علی قلبك ) ففيه سؤالات: السؤال الأول﴾ الهاء في قوله تعالى ((فانه)) وفي قوله ((نزله)) إلى ماذا يعود؟ الجواب فيه قولان ، أحدهما أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله ( ما ترك على ظهرها من دابة ) يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم. أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله قال صاحب الکشاف إضمار ما لم یسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حیث یجعل لفرطشهرته کأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ، وثانيهما : المعنى فان الله نزل جبريل علیه السلام لا أنه نزل نفسه. ( السؤال الثاني﴾ القرآن إنما نزل على محمد القر فما السبب في قوله نزله على قلبك؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله ( نزل به الروح الأمين ، على قلبك). وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه. ﴿ السؤال الثالث﴾ كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولى ، من كان عدواً لجبريل فانه نزله على قلبك. السؤال الرابع ﴾ كيف استقام قوله ( فانه نزله ) جزاء للشرط؟ والجواب فيه وجهان : .أ (١) كلام السوسي إنما يتأتى لو كان ((جبر)) و((إيل)) عربيتين ولكنهما عبرانيتان. والاضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافاً إليه . ٢١٣: قوله تعالى ((قل من كان عدوا لجبريل)) سورة البقرة الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً ، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك ، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه : أما قوله تعالى ( بإذن الله ) فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه ( أولها ) أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن ( وثانيها ) أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم (وثالثها) أن ذلك الإنزال إذا کان عن أمر لازم کان أو كد في الحجة. أما قوله تعالى ( مصدقاً لما بين يديه ) فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد . فان قيل أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها ؟ قلنا الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع. أما قوله تعالى ( وهدى) فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين ( أحدهما ) بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى ( وثانيهما ) بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فان قيل ولم خص كونه هدى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين ، الأول : أنه تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى ( هدى للمتقين ) والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به . أما الآية الثانية وهي قوله تعالى ( من كان عدواً لله وملائكته ) فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى ( من كان عدواً لجبريل ) لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد ، وجب أن يكون عدواً لله تعالى ، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له ، فبين أن في مقابلة ٢١٤ قوله تعالى ((قل من كان عدوا لجبريل )) سورة البَقَرة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضرا، وعداوته تعالی تؤدي إلى العذاب الدائم الألیم الذي لا ضرر أعظم منه ، وههنا سؤالات: السؤال الأول﴾ كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو وذلك محال على الله تعالى؟ والجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به ، وذلك محال على الله تعالى بل المراد منه أحد وجهين ، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) وكقوله ( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة ، فأمنا عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم ، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضى الذلية والمسكنة ، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم. ﴿ السؤال الثاني ﴾ لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟ الجواب لوجهين ، الأول : أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسياً آخر سوى جنس الملائكة ، الثاني : أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إلا نزلت بسببهما ، فلا جرم نص على اسميهما ، واعلم أن هذا يقتضى كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل ، وإذا ثبت هذا فنقول : يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه ، أحدها : أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) وثانيها: أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح ، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان ، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل ، وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل ( مطاع ثم أمين ) ذكره بوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضی کونه مطاعاً بالنسبة إلی میکائیل فوجب أن يكون أفضل منه. المسألة الثانية ﴾ قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار، ونافع میکائل مختلسة لیس بعد الهمزة یاء على وزن میکاعل ، وقرأ الباقون میکائیل على وزن میکاعیل ، وفيه لغة أخری میکیئل على وزن میکیعل ، ومیکثیل كميكعيل ، قال ابن جنى : ٢١٥ قوله تعالى : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات . سورة البَقَرة وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُبِهَا إِلَّ الْفَسِقُونَ ٩٩ % العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. المسألة الثالثة ﴾ الواو في جبريل وميكال قيل واو العطف، وقيل بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين . المسألة الرابعة ﴾ (عدو للكافرين) أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر . قوله تعالى ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾. إعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله وَّر قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته . فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الأظهر أن المراد من الآيات البينات آيات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والأنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقال بعضهم لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر . قال القاضي : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخص بالقرآن والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه، أحدها : أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات ، وثانيها : أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب ، وثالثها : أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة ، فإن قيل : الدليل لا يكون إلا بيناً فما معنى وصف الآيات بكونها بينة ، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال ، وذلك لأن ٢١٦ قوله تعالى : أو كلما عاهدوا عهداً. سورة البقرة أَوَ كُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا نَبَّهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ هـ العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل ، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علماً وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر أكد منه . قلنا : التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه ؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب ، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الإنزال عبارة عن تحريك الشىء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً . أما قوله ( وما يكفر بها إلا الفاسقون ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الكفر بها من وجهين (أحدهما) جحودها مع العلم بصحتها ( والثاني) جحودها مع الجهل ، ترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصیص فیدخل الكل فيه . ﴿ المسألة الثانية﴾ الفسق في اللغة خروج الانسان عما حد له قال الله تعالى ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد [ إذا صار إليه ] فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد . فإن قيل أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا یوصف بالفسق والفجور ؟ قلنا إنه إنما یسمی بهما کل أمر یعظم من الباب الذی ذکرنا لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال إذا عظم التعدي . إذا ثبت هذا فنقول في قوله ( إلا الفاسقون ) وجهان ( أحدهما ) أن كل كافر فاسق ولا ینعکس فكأن ذکر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولی ( الثاني ) أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة. ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع . قوله تعالى ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} ٢١٧ قوله تعالى ((او كلما عاهدوا عهداً)) سورة البقرة اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم ، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (أو كلما عاهدوا عهداً) واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة . المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: الواو للعطف على محذوف معناه : أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا ، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة وقرىء عوهدوا وعهدوا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ المقصود من هذا الاستفهام ، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقوله ( أو كلما عاهدوا ) على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك . المسألة الرابعة ﴾ في العهد وجوه، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم الله سبحانه وتعالى ، وثانيها . أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم ، وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه ، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحداً من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشاً يوم الخندق ، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد علي أقوى . المسألة الخامسة﴾ إنما قال ( نبذة فريق﴾ لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر ، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال ( بل أكثرهم لا يؤمنون ) وفيه قولان ، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم ، والثاني : لا يؤمنون أي لا يصدقون بكتابهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ٢١٨ قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله. سورة البقرة وَلَمَّا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِنْ عِندِ الهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَكَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ كِتَبَ الهِ وَرَآءَ فُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه . قوله تعالى ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾ . اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد ﴿ فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئة مصدقاً للتوراة . أما قوله تعالى ( نبذ فريق ) فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه . أما قوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) ففيه قولان ، أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه ، قال هذا القائل : الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى ( كأنهم لا يعلمون ) الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه ، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه . أما قوله تعالى ( كتاب الله وراء ظهورهم) فقيل إنه التوراة ، وقيل إنه القرآن ، وهذا هو الأقرب لوجهين ، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه ، الثاني : إنه قال ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ) ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن لا يصدقون بالقرآن ، فإن قيل كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به ؟ قلنا إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة . أما قوله تعالى ( كأنهم لا يعلمون ) فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون ، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد فوجب القطع بأن ٠ ٢١٩ قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين . سورة البقرة وَتََّعُواْ مَا نَتْلُواْ الشَّيَتِطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَئِنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنْنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا يُعَلِمُونَ النَّاسَ السّخْرَ وَمَا أَنْزِلَ عَلَى الْمَلَكْنِ بِبَابِلَ هَدُوتَ وَمَثُرُوتَ وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَعَلَُّونَ مِنْهُمَا مَايُفُِّونَ بِهِ. بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَارِينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَُّونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوْلَمَنِ اشْتَرَنُ مَالَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خٍَ وَلَنْسَ مَاشَرَوَابِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم . قوله تعالى ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملکین ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ﴾ . اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحروإقبالهم ودعاؤهم الناس إليه . أما قوله تعالى ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (واتبعوا) حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود ، ثم قيه أقوال . أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود ، وثالثها : أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر ، ورابعها : أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من ٢٢٠ قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين . سورة البقرة صرفه إلى غيره إذ لا دليل على التخصيص . قال السدي: لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر . ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في تفسير (تتلوا) وجوهاً، أحدها: أن المراد منه التلاوة والإِخبار ، ثانیها ، قال أبو مسلم ( تتلوا ) أی تگذب على ملك سلیمان يقال تلا عليه إذا كذب وتلا عنه إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذباً إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذی لا يقال فيه ، روی علی فلان ، بل یقال روی عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا یلیق إلا بالاخبار والتلاوة ، ولا يمتنع أن یکون الذین کانوا یخبر ون به عن سلمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف . .٤ . . المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في الشياطين فقيل المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين وقيل شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة وقيل هم شياطين الأنس والجن معاً . أما الذين حملوه على شاطين الجن قالوا إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والانس والريح التي تجري بأمره . وأما الذين حملوه على شياطين الانس قالوا : روى في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون فلما مضت على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى ((ما تتلو الشياطين)) واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان . فإن قيل إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن ؟ قلنا الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بُد وأن يظهر من بعض الوجوه ، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب ١