النص المفهرس

صفحات 141-160

:
١٤١
قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم . سورة البَفَرة
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيْقُ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَ اللَّهِ ثُمَّ يُحِّفُونَهُ مِن
بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلُونَ
٧٥
تأول أهل النظر قوله تعالى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا
يسبح بحمده) وقوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض) الآية وقوله تعالى
(والنجم والشجر يسجدان) الوجه الثاني في التأويل: أن قوله تعالى (من خشية الله) أي ومن
الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من
خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة. وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط
الحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية
كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط، فكلمة ((من)) لابتداء الغاية فقوله (من خشية الله) أى
بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب، الوجه الثالث: ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة
بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به قال وقوله تعالى (من
خشية الله) أي خشية الله ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال نزل القرآن
بتحريم كذا وتحليل أي بإيجاب ذلك على الناس، قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من
غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا
يليق ذلك بالتسمية.
أما قوله تعالى (وما الله بغافل عما تعملون) فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية
قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصى لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى (وما كان
ربك نسيا) وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا. فإن قيل هل يصح أن يوصف الله بأنه
ليس بغافل؟ قلنا قال القاضي لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي
الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه، بدليل قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم. وهو
يطعم ولا يطعم) والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه
من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴾
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا، شرح من هنا قبائح أفعال
اليهود الذين كانوا في زمن محمد ◌ّ، قال القفال رحمه الله: إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة
من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد، أحدها: الدلالة بها على صحة نبوة محمد ◌َّ لأنه

١٤٢
قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم . سورة البقرة
أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة
أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من
محمد من غير تفاوت أصلا علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي وأما العرب قلما
يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار، وثانيها: تعديد النعم على بني
إسرائيل وما من الله تعالى به على اسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون
بعد ما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكا وتمكينة لهم في الأرض
وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح
عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة، ثم ما
أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر
الشمس بتظليل الغمام فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة، وثالثها: إخبار النبي عليه
السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعتتهم مع الأنبياء ومعاندتهم وبلوغهم في ذلك ما
لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد
مفارقة موسی علیه السلام إياهم بالمدة اليسيرة فدل ذلك على بلادتهم، ثم أمروا بدخول الباب
سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلَوا القول
وفسقوا، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم
بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا ،
الصيد في السبت واعتدوا ، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم
((أتتخذنا هزواً))، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة ، فكأن الله تعالى يقول إذا كانت
هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة
بسببه فغیر بدیع ما یعامل به أخلافهم محمد علیه السلام ، فلیھن علیکم أيها النبي والمؤمنون ما
ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. ورابعها: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي
** من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. وخامسها: تحذير
مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود ، وسادسها: أنه احتجاج
على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى (كذلك
يحي الله الموتى) إذا عرفت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق
وقبولهم الإيمان منه ، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار
بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل
الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة فقال تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) وههنا
مسائل :
٠

١٤٣
قوله تعالى ((افتطمعون ان يؤمنوا لكم)) سورة البَقَرة
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) وجهان الأول وهو قول ابن
عباس أنه خطاب مع النبي والر خاصة لأنه الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان
للعموم لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا
اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني: وهو قول الحسن أنه خطاب مع
الرسول والمؤمنين، قال القاضي وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء
فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الآيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن
يقول تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ) ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا
كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر.
المسألة الثانية﴾ المراد بقوله (أن يؤمنوا لكم) هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول
عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في
المستقبل لا في الواقع.
المسألة الثالثة﴾ ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها. أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا
لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم
على الكل ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني:
أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك بل غيره وبدله،
الثالث: أفتطمعون أن يؤمن الكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من
أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
﴿ المسألة الرابعة﴾ لقائل أن يقول: القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله، فما الفائدة في قوله
(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)؟ الجواب: أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما
قال تعالى (فآمن له لوط) لما أقر بنبوته وبتصديقه ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل
تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة.
أما قوله تعالى (وقد كان فريق منهم) فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال: المراد
بالفريق من كان في ايام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله
والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال بل المراد بالفريق من كان في زمن
محمد عليه الصلاة والسلام وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى (وقد كان فريق منهم راجع
إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) وقد بينا أن الذين
تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل الذين سمعوا

١٤٤
قوله تعالى ((افتطمعون ان يؤمنوا لكم )) سورة البقرة
كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا لا نسلم يل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال إنه
سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن.
أما قوله تعالى (ثم يحرفونه) ففيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن
الشيء والتحريف عنه، قال تعالى (إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) والتحريف هو إمالة
الشيء عن حقه يقال قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلا غير مستقيم.
المسألة الثانية﴾ قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى وحمل
التحريف على تغيير المعنى لأن اللفظ أولى من حمله على تغيير لأن كلام الله تعالى إذا أمكن أن
يحمل على ذلك کما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم یکن
ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً وإنما يمتنع إذا ظهر كلام الله ظهوراً.
متواتراً كظهور القرآن فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه لكن ذلك ينظر
فیه، فإن کان تغییرهم له يؤثر فی قیام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منهوإنلميؤثر في
ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريفنا
المعنى فقد يصح على وجه ما، لم يعلم قصد الرسول فيه باضطرار فانه متى علم ذلك امتنع:
منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول منأول تحريم لحم الخنزير
والميتة والدم على غيرها.
﴿ المسألة الثالثة﴾ إعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه
السلام فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد ﴿وَلَ﴾﴾. روى أن قوماً من السبعين
المختارین سمعوا كلام الله حین کلم موسى بالطور وما أمر به موسی وما نهى عنه ثم قالوا سمعنا
الله يقول في آخره: ((إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا
بأس ، وأما إن قلنا المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن
المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو
لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا .
1
﴿ المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول
اليأس من إيمان الباقين فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟ أجاب القفال عنه فقال يحتمل
أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون
التحريف عناداً فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا

١٤٥
قوله تعالى ((افتطمعون ان يؤمنوا لكم)) سورة البقرة
يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلان ! أي وأنت عنه
تأخذ ولا تأخذ عن غيره .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا في قوله ( أفتطمعون ) فقال قائلون: آيسهم الله تعالى من
إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم . وقال آخرون لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة
الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد ، قالوا وهو كما لا نطمع
لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا . ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك . ولقائل
أن يقول : إن قوله تعالى ( أفتطعمون أن يؤمنوا لكم ) استفهام على سبيل الإنكار فكان ذلك
جزماً بأنهم لا يؤمنون البتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه
المقررة للخبر على ما تقدم .
أما قوله تعالى ( من بعد ما عقلوه ) فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا
معاندين مقدمين على ذلك بالعمد فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم
وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى ( واشتروا به
ثمناً قليلاً) وقال تعالى ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن
الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل
وإن كثر العدد .
أما قوله تعالى ( وهم يعلمون ) فلقائل أن يقول : قوله تعالى ( عقلوه وهم يعلمون )
تكرار لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين ، الأول : من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه
تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. والثاني أنهم عقلوا مراد الله تعالى ، وعلموا أن
التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى ، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما
فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجرأتهم أعظم ، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول
عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية
أقوى ، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال القاضي قوله تعالى (أفتطعمون أن يؤمنوا لكم ) على ما تقدم
تفسيره يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطبع
فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم ولما صح كون ذلك تسلية للرسول ﴿وَل﴾ وللمؤمنين
لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك ، وزواله موقوف على أن لا
يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون
ج٣ م١٠

١٤٦
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا . سورة البقرة
وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ قَالُواْ أُحَدِّثُّونَهُم
بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوٌ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَهَ مَْقِلُونَ (﴾ أَوَ لَا يَعْلُونَ أَنَّ اللّه
يَعْلَمُ مَايُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ(
صحته ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى
التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً
فلا فائدة في الإعاد .
المسألة الثانية﴾ قال أبو بكر الرازي تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من
الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل لأن قوله تعالى ( أفتطعمون أن يؤمنوا لكم ) يفيد زوال
الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به :
قوله تعالى ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما
فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما
يعلنون ﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد ﴿لا ﴾
قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبکم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في
كتابنا ، ثم إذا خلال بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم اتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه
من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة
على نبوة محمد ﴿1﴾ فلا حجة أقوى من ذلك فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف
بذلك عند محمد ◌ّ وأصحابه ، قال القفال: قوله ( فتح الله عليكم) مأخوذ من قولهم قد فتح
على فلان في علم کذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه .
أما قوله ( عند ربکم ) ففيه وجوه ( أحدها ) أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم
هكذا محاجة عند الله ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد
( وثانيها ) قال الحسن أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل
تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه ( وثالثها ) قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم
القيامة وعند التساؤل فیکون ذلك زائداً فی توبیخکم وظهور فضیحتکم على رءوس الخلائق في
.
:

١٤٧
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا . سورة البقرة
الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن
ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة ( ورابعها ) قال القاضي أبو بكر : إن
المحتج بالمشيء قد يحتج ويكون عرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة
الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة النصيحة فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه
فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا
يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد
يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت
أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب ( وخامسها) قال القفال : يقال فلان
عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي ، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام أي في
حكمهما وقوله ( ليحاجوكم به عند ربكم ) أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم
الله . وتأول بعض العلماء قوله تعالى ( فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون )
أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه
صادقاً .
أما قوله ( أفلا تعقلون ) ففيه وجوه ، أحدها : أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال
أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم ، وهو قول الحسن ،
وثانيها : أنه راجع إليهم فكأن عندما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله
عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وهذا الوجه أظهر
لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم .
أما قوله تعالى ( أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) ففيه قولان ،
الأول : وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية
فخوفهم الله به ، الثاني أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن
لهم رباً يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم ، وعلى القولين
جميعاً فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق ، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد .
والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر :
أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء ويكون ذلك الشيء زاجراً له عن ذلك
الفعل ، وقال بعضهم هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار
دلائل نبوة محمد علي وهم ليسوا كالمنافقين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالماً بالسر
والعلانية ، فشأنهم من هذه الجهة أعجب قال القاضي : الآية تدل على أمور أحدها : أنه
:

١٤٨
قوله تعالى : ومنهم أميون . سورة البقرة
، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
وَمِنْهُمْ أَمِنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِىّ وَإِنْ هُمْ إِلَا يَظُنُّونَ
٧٨
٠٤٠٤٠١٠٠
يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِيِْمْثُمَ يَقُولُونَ هَا مِنْ عِندِ الهِيَنْتَرُواْبِهِ، ثَنَّ قَلِيلًا فَوَيْلٌ
◌َُّ ◌ِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِهِمْ وَوَيْلٌ لَهُ فِمَّا يَكْسِبُونَ
تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال .
وثانيها : أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وإن
ذلك كان ظاهراً عند اليهود حتى قال بعضهم ما قالوه ، وثالثها : أنها تدل على أن الحجة قد
تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة
والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة .
ورابعها : أنها تدل على أن الآتي المعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً ووزراً
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى، وإن هم إلا يظنون ، فويل .
للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما
كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ﴾ .
اعلم أن المراد بقوله ( ومنهم أميون ) اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع
عن إيمانهم بين فرقهم فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة وهم الذين يحرفون الكلم عن
مواضعه والفرقة الثانية : المنافقون ، والفرقة الثالثة ، : الذين يجادلون المنافقين ، والفرقة
الرابعة : هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا
كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم ، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان
ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في
هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة فإن فيهم من يعاند الحق
ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً ، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً ، وههنا
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول.
وقال آخرون من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا
مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال (( نحن أمة أمية لا نكتب ولا

١٤٩
قوله تعالى : ومنهم أميون . سورة البَقَرة
نحسب)) وذلك يدل على هذا القول ، ولأن قوله ( لا يعلمون الكتاب ) لا يليق إلا بذلك .
﴿المسألة الثانية﴾ ((الأماني)) جمع أمنية ولها معان مشتركة في أصل واحد أحدها ما تخيله
الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه ، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه
قوله تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله
( إلا أماني) إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آباءهم
الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة . وثانيها .
( إلا أماني ) إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد ، قال أعرابي لابن
دأب في شيء حدث به . أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلفته . وثالثها ( إلا أماني ) أي إلا ما
يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة . قال صاحب الكشاف والاشتقاق من منى إذا قدر
لأن المتمنى يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد
كذا ، قال أبو مسلم حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من
كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم ) أي تمنيهم . وقال الله تعالى ( ليس بأمانیكم ولا أماني
أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزيه) وقال ( تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ) وقال تعالى
( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا
لا يظنون) بمعنى يقدرون ويخرصون. وقال الأكثرون حمله على القراءة أولى كقوله تعالى ( إذا
تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على
ذلك كان له به تعلق فكأنه قال لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى علیھم فیسمعونه وبقدر ما
يذكر لهم فيقبلونه ، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل ، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث
والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً .
المسألة الثالثة﴾ قوله تعالى (إلا أماني) من الاستثناء المنقطع ، قال النابغة :
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بغائب
وقرىء ((إلا أماني)) بالتخفيف. أما قوله تعالى (وإن هم إلا يظنون ) فكالمحقق لما
قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها فهي ظن ويكون ذلك تكراراً .
ولقائل أن يقول حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم
بحسن معناه فكأنه تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه
وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنوه ، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق ، وفي
الآية مسائل . إحداها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن ،

١٥٠
قوله تعالى : ومنهم أميون . سورة البقرة
وثانيها : بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا ، وثالثها : أن
المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم ، وإن كانوا بهذه
الصفة ، ورابعها : أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم . أما قوله تعالى
( فويل ) فقالوا : الويل كلمة يقولها كل مكروب ، وقال ابن عباس إنه العذاب الأليم : وعن
سفيان الثوري: إنه مسيل صديد أهل جهنم ، وعن رسول الله ﴿قَ﴿1﴾: إنه واد في جهنم
يهوى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، قال القاضي ((ويل)) يتضمن نهاية الوعيد
والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن واد في جهنم أو عن العذاب
العظيم .
مسا
أما قوله تعالى ( يكتبون الكتاب بأيديهم ) ففيه وجهان : الأول : أن الرجل قد يقول
كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله ( بأيديهم ) أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه . الثاني : أنه.
تأکید وهذا الموضع مما يحسن فيه التأکید کما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه يا هذا كتبته بيمينك ..
أما قوله تعالى ( ثم يقولون هذا من عند الله) فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة و یکسب هذا
الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم فذنبهم أعظم
من ذنب غيرهم فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم
إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد
طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر فلذلك عظم تعالى ما فعلوه فإن قيل : إنه تعالى حكى:
عنهم أمرين أحدهما كتبة الكتاب والآخر إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب فهذا الوعيد
مرتب على الكتبة أو على إسناده المكتوب إلى الله أو عليهما معاً؟ قلنا : لا شك أن كتبة الأشياء
الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر
عظيم جداً . أما قوله تعالى ( ليشتروا به ثمناً قليلاً) فهو تنبيه على أمرين . الأول : أنه تنبيه
على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في
الدنيا ، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقیر في الدنيا ،
الثاني : أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه ، وهذا
يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم ، لأن الذي كانوا يعطونه من
المال كان على محبة ورضا ، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه .
: 2*
أما قوله تعالى ( فويل لهم مما كتبت أيديهم) فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم.
بانفراده وكذلك أخذهم المال عليه فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب ، ولو لم يعد ذكره کان
يجوز أن يقال إن مجموعهما يقتضى الوعيد العظيم دون كل واحد منهما فأزال الله تعالى هذه

١٥١
قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار . سورة البقرة
وَقَالُواْ لَنْ تَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِّفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ
الشبهة واختلفوا في قوله تعالى ( مما يكسبون ) هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة
والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم (الأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من
المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل ، لكن الذي
يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه
الحلال والحرام فلا بد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره . قال القاضي دلت الآية على أن
كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم
( هو من عند الله ) ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن
انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان إسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى
أولى من إسنادها إلى العبد فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها . أنها من عند الله ولما
لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى . والجواب أن الداعية الموجبة لها
من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله
عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزء مهم بأن الله تعالى لا
يعذبهم إلا أياماً قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل البتة أما على قولنا ، فلأن الله يفعل ما
يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل
السمعي ، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله
العقاب فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين
ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد
الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك، وههنا مسألتان :
المسألة الأولى﴾ ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين الأول : أن لفظ الأيام لا
تضاف إلا إلى العشرة فما دونها ولا تضاف إلى ما فوقها فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام
أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم
لعلكم تتقون أياماً معدودات ) هي أيام الشهر كله وهي أزيد من العشرة ثم قال القاضي إذا

١٥٢
قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار . سورة البقرة
ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول
ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه ،
فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ، لأنه ليس
عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها ،
وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول الدنيا سبعة آلاف
سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوماً ، فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة
أيام . وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله
تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان . أما الأول : فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة
آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة البتة . وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من
كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك . أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل
شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما
لم توجد التوبة أو العفو، فإن قيل أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال ( وجزاء سيئة
سيئة مثلها ) فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟ قلنا إن المعصية تزداد بقدر النعمة . فلما
كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً.
الوجه الثاني : روى عن ابن عباس أنه فسرهذه الأيام بالأربعين وهو عدد الأيام التي
عبدوا العجل فيها والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة .
الوجه الثالث: قيل في معنى ((معدودة)) قليلة كقوله تعالى ( وَشروه بثمن بخس دراهم.
معدودة ) والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة واحتجوا
عليه بقوله ﴿رَ﴾﴾ ((دعى الصلاة أيام إقرائك، فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد
يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره
عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم .
المسألة الثالثة﴾ ذكرههنا (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) وفي آل عمران
( إلا أياماً معدودات ) ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف
في المكانين موصوف واحد وهو ((أياماً))؟ والجواب أن الاسم كان مذكراً فالأصل في صفة
جمعه التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان الأصل في صفة جمعه الألف
والتاء يقال جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف
والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى
٠
٠٠
.

١٥٣
قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار . سورة البقرة
هذا ورد قوله تعالى ( في أيام معدودات ) و( في أيام معلومات ) فالله تعالى تكلم في سورة البقرة
بما هو الأصل وهو قوله ( أياماً معدودة ) وفي آل عمران بما هو الفرع .
أما قوله تعالى ( قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمى خبره
سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر فالعهد من الله لا
يكون إلا بهذا الوجه .
﴿ المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف ((فلن يخلف الله)) متعلق بمحذوف وتقديره إن
اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده .
المسألة الثالثة﴾ قوله تعالى ( اتخذتم) ليس باستفهام بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن
يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال
وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا
يجوز الجزم بهذا التقدير .
المسألة الرابعة﴾ قوله تعالى ( فلن يخلف الله عهده) يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه
عن الكذب وعده ووعيده قال أصحابنا لأن الكذب صفة نقص والنقص على الله محال ،
وقالت المعتزلة لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه والكذب قبيح لأنه كذب
والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله فدل على أن الكذب منه محال فلهذا
قال ( فلن يخلف الله عهده ) فإن قيل العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذکر یدل على نفي ما
عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ثم العقل يطابق ذلك لأن
الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم . قلنا الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم یکن وعد موسى ولا سائر
الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التعذيب لأنه لو وعدهم
بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه
تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب فقد وجب أن يكون عذابهم
دائماً على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة لأن
حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم إذا كان قدر المعصية من الجميع لا
يختلف، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه
:

١٥٤
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة
بَ مَنْ كَسَبَ سَبِئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتُهُ، فَأَوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ
يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا لم قلت
إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك وما الدليل على هذه الملازمة ؟ ثم إنا نبين
شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه : أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قالوا أيام
العذاب فإن قولهم ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) يدل على أيام قليلة جداً: فالله تعالى أنكر
عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب وثانيها: أن المرجئة.
يقطعون في الجملة بالعفو فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع فلما حكموا في حق
أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك وثالثها : أنهم كانوا كافرين
وعندناعذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل
الكبائر من النار فلم قلت إنه لا يخرجهم من النار ؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده
إخراجهم من النار وبين أن يقال إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه فإنه
تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به
من غير دليل فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه
تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار فلم قلت إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما
قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض
فإن العقاب حق الله تعالى فله أن يتفضل على البعض بالاسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين
فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف. أما قوله تعالى ( أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) فهو
بيان لتمام الحجة المذكورة فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم
يوجد السمع كان الجزم بذلك التقدير قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً لا محالة وهذه الآية
تدل على فوائد أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن
القول بغير دليل باطل . وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات
أو إلى النفي إلا بدليل سمعي، وثالثها: أن منكرى لقياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية
قالوا لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم فوجب أن لا يكون التمسك به جائزاً لقوله تعالى
( أم تقولون على الله ما لا تعلمون) ذكر ذلك في معرض الإنكار . والجواب: أنه لما دلت الدلالة
على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل
معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم لا بغير المعلوم .
قوله تعالى ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها

١٥٥
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة
قال صاحب الكشاف ((بلى)) إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى ( لن تمسنا النار )
أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله ( هم فيها خالدون ) أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي قال
تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ، من يعمل سوءاً يجز به ) ولما كان من الجائز أن يظن أن كل
سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي
يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به ، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم
بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة
كبيرة لوجهين . أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات
كالسائرة لتلك الطاعات فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة ، والثاني أن الكبيرة إذا
أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو
بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه فكأنه تعالى قال : بلى من كسب كبيرة
وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون ، فإن قيل هذه الآية وردت
في حق اليهود قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة
به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر .
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل ، ولنذكرها ههنا فنقول : اختلف أهل
القبلة في وعيد أصحاب الكبائر ، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، منهم من
أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيدأمنقطعاً وهو قول بشر
المريسي والخالد ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن
سليمان المفسر، والقول الثالث أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا
نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً
منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة
والجماعة وأكثر الإمامية فيشتمل هذا البحث على مسألتين إحداهما في القطع بالوعيد والأخرى
فی أنه لو ثبت الوعید فهل یکون ذلك علی نعت الدوام أم لا ؟
﴿ المسألة الأولى﴾ في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً. ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم
دلائل أصحابنا رحمهم الله ، أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب

١٥٦
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة .. سورة الْبَقَرة
وتلك العمومات على جهتين ، بعضها وردت بصيغة (( من )) في معرض الشرط وبعضها وردت
بصيغة الجمع ، أما النوع الأول فآيات ، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث ( تلك حدود
الله) إلى قوله ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ) وقد علمنا أن
من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة
فهو متعد لحدود الله فيجب أن يكون من أهل العقاب وذلك لأن كلمة (( من )» في معرض
الشرط تفید العموم علی ما ثبت في أصول الفقه ، فمتى حمل الخصم هذه الآية علی الکافر دون
المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان: أحدهما : أنه تعالى بين حدوده:
في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها ومن تمسك بالإيمان
والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً الرسلهة
وشرائعه ، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن ، ومتى كان
المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها ، الثاني : أنه قال ( تلك حدود الله ) ولا شبهة فی ان
المراد به الحدود المذكورة ثم علق بالطاعة فيها الوعد بالمعصية فيها الوعيد ، فاقتضى سياق الآية
أن الوعید متعلق بالمعصیة فی هذه الحدود فقطدون أن یضم إلى ذلك تعدی حدود أخر ، وهذا
كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً.
به ، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها کالکافر بطل قول من يخصها بالکافر ، فإن قيل إن قوله تعالى
( ويتعد حدوده ) جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم كما لو قيل ضربت عبيدي
فإنه یکون ذلك شاملاً لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدی جمیع حدود
الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه
وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على
قوله ( ويتعد حدوده ) قوله تعالى ( تلك حدود الله) فانصرف قوله ( ويتعد حدوده ) إلى تلك.
الحدود ، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي، ولو صح.
ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم:
يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى حدود الله لأن في الحدود ما لا يمكن.
الجمع بينها في التعدي لتضادها فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية.
والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي ، ورابعها : قوله تعالى في.
قاتل المؤمن عمداً (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها) دلت الآية على أن ذلك
جزاؤه ، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى ( من يعمل سوءاً يجز به ) وخامسها : قوله
تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا) إلى قوله (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً.
لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( وسادسها : قوله

١٥٧
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة
تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) وسابعها : قوله تعالى
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) إلى قوله تعالى ( ومن يفعل ذلك عدواناً
وظلماً فسوف نصليه ناراً) وثامنها قوله تعالى ( إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها
ولا يحيا ، ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) فبين تعالى أن
الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب ، وتاسعها : قوله تعالى
( وقد خاب من حمل ظلماً) وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا
الوعيد ، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصى ( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ، يضاعف له
العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً) بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود إلا من
تاب من الفساق أو آمن من الكفار ، والحادية عشرة : قوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله خير
منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة ) الآية ، وهذا يدل على أن المعاصي كلها
متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، والثانية عشرة قوله تعالى ( فأما من طغى ،
وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ) والثالثة عشرة : قوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله
فإن له نار جهنم ) الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى (وقالوا
لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) ثم إن الله كذبهم فيه ، ثم قال ( بلى من كسب سيئة وأحاطت
به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة
لاشتمالها على صيغة ((من)) في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه :
أحدها: أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما
والقسمان باطلان فوجب كونها موضوعة للعموم أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص
فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط لأن على هذا
التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط ، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال من دخل
داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص ،
وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك ، أما أولاً : فلأن الاشتراك خلاف الأصل ،
وأما ثانياً : فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن
جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته فيقال له أردت الرجال أو
النساء ، فإذا قال أردت الرجال يقال له أردت العرب أو العجم فإذا قال أردت العرب يقال له
أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة ، ولما علمنا بالضرورة
من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل . وثانيها : أنه إذا قال من
دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما
لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح

١٥٨
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البَقَرة
دخوله تحت' المستثنى منه فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل ، أما
أولاً ؛ فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله جاءني الفقهاء ألا زيداً وبين
الاستثناء من الجمع المعـ ف كقوله جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في
الكلامين ، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة وأما ثانياً : فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما
لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من
أهل اللغة لم يفصل بين الإستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ ،
فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن
صيغة ((من)) في معرض الشرط للعموم ، وثالثها أنه تعالى لما أنزل قوله ( إنكم وما تعبدون من
دون الله حصب جهنم) الآية قال ابن الزبغري : لأخصمن محمداً ثم قال يا محمد أليس قد
عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام
لم ينكر عليه ذلك (١) فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم . النوع الثاني من دلائل المعتزلة؛
التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات إحداها : قوله تعالى ( وإن
الفجار لفي جحيم) واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون إن هذه الصيغة تفيد
العموم ، وأبو هاشم يقول إنها لا تفيد العموم ، فنقول : الذي يدل على أنها للعموم وجوه .
أحدها : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة
والسلام (( الأئمة من قريش)) والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام
الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة لأن قولنا : بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود
إمام من قوم آخرين . أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم ،
وروى أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة: إليس قال النبي مثلآت
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم
يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء ، فقال إنه عليه
الصلاة والسلام قال ((إلا بحقها)) وإن كان الزكاة من حقها، وثانيها أن هذا الجمع يؤكد بما
يقتضي الاستغراق فوجب أن يفيد الاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى ( فسجد الملائكة
كلهم أجمعون ) وأما أنه بعد التأكيد يقتضى الاستغراق ، فبالاجماع وأما أنه متى كان كذلك
وجب کون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأکید إجماعاً ، والتأكيد هو
تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل ، وإنما حصل
بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم بل في إعطاء حكم جديد وكانت
(١) الرواية المشهورة أنه عليه الصلاة والسلام أنكر عليه قوله هذا وقال له ((ما أجهلك بلغة قومك ((ما)) لما لا يعقل)).

١٥٩
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة
مبينة للمجمل لا مؤكدة ، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان
حاصلاً في الأصل ، وثالثها : أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة كذا نقل
عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة وإنما تحصل المعرفة عند اطلاقه بصرفه إلى
الكل لأنه معلوم للمخاطب ، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة لأنه ليس بعض
الجمع أولى من بعض فكان يبقى مجهولاً . فإن قلت إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس
فقد أفاد تعريف ذلك الجنس ، قلت هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام ، لأنه لو
قال رأيت رجالاً أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره ، فدل على أن الألف واللام فائدة
زائدة وما هي إلا الاستغراق ، ورابعها : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد
العموم . وخامسها : الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر لأنه يصح انتزاع المنكر من
المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال رأيت رجالاً من الرجال ولا يقال رأيت الرجال من
رجال ، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع ، إذا ثبت هذا فنقول إن المفهوم من
الجمع المعرف، إما الكل أو ما دونه ؛ والثاني باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح
انتزاعه من الجمع المعرف، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف
مفيداً للكل والله أعلم . أما على طريقة أبي هاشم ، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم
فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين : الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر
بالعلية فقوله ( وإن الفجار لفي جحيم ) يقتضي أن الفجور هي العلة ، وإذا ثبت ذلك لزم
عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب وفي هذا الباب طويقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن
اللام في قوله ( وإن الفجار ) ليست لام تعريف بل هي بمعنى الذي ويدل عليه وجهان .
أحدهما : أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) وكما تقول الذي
يلقاني فله درهم ، الثاني أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال
تعالى ( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً) فلولا أن قوله (إن المصدقين ).
بمعنى إن الذين أصدقوا لما ضح أن يعطف عليه قوله ( وأقرضوا الله ) وإذا ثبت ذلك كان قوله
( وإن الفجار لفي جحيم) معناه إن الذين فجروا فهم في الجحيم ، وذلك يفيد العموم . الآية
الثانية في هذا الباب : قوله تعالى ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً، ونسوق المجرمين إلى
جهنم ورداً) ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام وثالثها : قوله تعالى ( ونذر الظالمين
فيها جثياً) ورابعها : قوله تعالى ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة
ولكن يؤخرهم ) بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في
ذلك اليوم .
النوع الثالث من العمومات : صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي ، فأحدها : قوله
٠٠

١٦٠
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة
تعالى ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ) وثانيها : قوله تعالى ( إن الذين
يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) وثالثها: قوله تعالى ( إن الذين تتوفاهم
الملائكة ظالمي أنفسهم ) فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله
ورسوله ، ورابعها : قوله تعالى ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ) وللم
يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره ، وخامسها : قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها في سبيل الله) وسادسها : قوله تعالى ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) وللو
لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى بل لم يكن به إلى التوبة
حاجة ، وسابعها : قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ) فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة ، وثامنها : قوله
تعالى ( إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) .
النوع الرابع من العمومات قوله تعالى ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) توعد على
منع الزكاة .
النوع الخامس من العمومات: لفظة ((كل)) وهو قوله تعالى (ولو أن لكل نفس ظلمت
ما في الأرض لافتدت به ) فبين ما يستحق الظالم على ظلمه .
النوع السادس : ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى
( قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)
بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين : أحدهما : أنه تعالى جعل العلة
في إزاحة العذر وتقديم الوعيد أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه ،
والثاني : قوله تعالى ( ما يبدل القول لدي) وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل
اللفظ عليه ، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن . أما عمومات الأخبار فكثيرة .
فالنوع الأول: المذكور بصيغة ((من)) أحدها : ما روى وقاص بن ربيعة عن المسور
بن شداد قال قال رسول الله ﴿رَ﴾﴾ (( من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله من نار جهنم ومن أخذ
بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ومن قام مقام رياء وسمعه أقامه الله
يوم القيامة مقام رياء وسمعة)) وهذا نص في وعيد الفاسق، ومعنى إقامة
أي جازاه على ذلك ، وثانيها : قال عليه السلام ( من كان ذا لسانین وذا وجهین کان في الناز
ذا لسانين وذا وجهين)) ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب ، وثالثها : عن سعيد
بن زيد قال عليه السلام (( من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين ،