النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات. سورة البقرة
لى إنك أنت خير الغافرين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي
فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت
نفسي فتب على إنك أنت التواب الرحيم (وخامسها) قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب
على آدم طاف بالبيت سبعاً ، والبيت يومئذ ربوة حمراء فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال.
اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلى وتعلم ما في نفسي
فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا
ما کتبت لی وأرضی بما قسمت لی. فأوحى الله تعالی إلی آدم: یا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن
یأتیني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه
وغمومه ونزعت الفقر من بین عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.
المسألة الرابعة ﴾ قال الغزالي رحمه الله: التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة علم وحال
وعملٍ ، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث ، والأول موجب للثاني والثاني موجب للثالث
إيجاباً اقتضته سنة الله في المالك والملكوت ، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه
حجاباً بين العبد ورحمة الرب ، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب
بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمى ذلك التأسف ندماً ، ثم إن
ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي ، أما تعلقها
بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابسا له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت
للمحبوب إلى آخر العمر وأما بالماضي فبتلا في ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ،
فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة
فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الايمان أنه
صار محجوباً عن محبوبه لن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع
السحاب فرأى محبوبه قد اشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران
إرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي
للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول [على التوبة .] ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيراً ما
يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع
المتأخر. وبهذا الاعتبار قال عليه السلام ((الندم توبة)) إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم
يتبعه فيكون الندم محفوظاً بطرفيه أعني مثمره وثمرته فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في
حقيقة التوبة وهو كلام حسن. وقال القفال: لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على

٢٢
قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات . سورة البقرة
ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فیما بین ذلك كله، أما أنه لا بد من
الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلا له فلا يكون تائباً وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضياً
بكونه فاعلا له والراضى بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائباً عنه وأما العزم على أن لا
يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية معصية وأما الاشفاق فلأنه مأمور بالتوبة
ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً ولهذا قال تعالى (يحذر الآخرة
ويرجوا رحمة ربه) وقال عليه السلام ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)) واعلم أن كلام
الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل
الفلاني ضرراً مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة
الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء
مرتباً على البعض ترتبأ ضرورياً لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته فاستحال أن يكون مأموراً به.
والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم ، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه
سبيل ، لكن لقائل أن يقول: تحصيل العلم ليس أيضاً في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض
المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول؛ فتلك العلوم الحاضرة
المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن
مستلزمة. فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضرورياً فلا يكون ذلك داخلا.
فى القدرة والاختيار ، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات
الحاضرة لأن المقدمات القريبة لا بد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم
المطلوب ، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة. فإن قيل لم لا يجوز
أن يقال: تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة
غير حاضرة في الذهن ، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة.
قلنا العلم بکیفیة التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن یکون من البديهيات أو من الكسبیات,
فان کان من البدیہیات لم یکن في وسعه؛ وإن کان من الكسبیات کان القول في كيفية اكتسابه
كما في الأول، فإما أن يفضى إلى التسلسل وهو محال أو يفضى إلى أن يصير من لوازمه فيعود
المحذور المذكور والله أعلم.
﴿ المسألة الخامسة﴾ سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال: إذا كانت هذه المعصية صغيرة
فكيف تلزم التوبة؟ وأجاب بأن أبا علي قال إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد
(٧) فيما بعد وهو مختار (٧) ولا مانع من أن يكون نادماً أو مصراً لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته
(١) هكذا في الأصل ولعل الصواب، ((لم يعد)) (٢) معنى العبارة على ما في الأصل غير مفهوم ولعل الصواب ((إلا هو ختار))

٢٣
قوله تعالى (( فتلقى آدم من ربه كلمات سورة البقرة
لهذا القبيح إلا بالتوبة ، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد
تاب عنها من قبل أو لم يتب. أما أبو هاشم فانه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار
ويقول لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإِحدى
خلال ، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة ، وإما لأن
التوبة نازلة منزلة الترك ، فإذا كان الترك واجباً عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم
الإمكان ، وربما قال تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله لأن التوبة لا
يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع
كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم
التشديد عليهم في التوبة حالا بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة .
المسألة السادسة ﴾ قال القفال: أصل التوبة الرجوع كالأوبة یقال توب كما يقال أوب
قال الله تعالى (قابل التوب) فقولهم تاب يتوب توباً وتوبة ومتابا فهو تائب وتواب كقولهم آب
يؤوب أوباً وأوبة فهو آيب وأواب والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد فإذا وصف بها العبد
فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فاذا تاب فقد رجع عن هربه إلى
ربه فيقال تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى
فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة فقيل في العبد
تاب إلى ربه وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنه ثم
يراجع خدمته، فيقال فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه ، إذا عرفت هذا
فنقول: قبول التوبة يكون بوجهين ، أحدهما : أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول
الطاعة يراد به ذلك ، والثاني: أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة.
المسألة السابعة﴾ المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من
وجهين ، الأول أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل
الاعتذار ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فانه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول
العذر ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك فانه إنما يقبل التوبة لا الأمر يرجع إلى رقة طبع
أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإِحسان والتفضل فلو عصى المكلف كل ساعة
ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته
فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب. الثاني: أن الذين يتوبون
إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فاذ قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك ، ولما كان قبول
التوبة مع إزالة العقاب يقتضى حصول الثواب وكان من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه
-:

٢٤
قوله تعالى (( فتلقى آدم من ربه كلمات )) سورة البَقَرة
تواباً بأنه رحیم .
﴿ المسألة الثامنة﴾ في هذه الآية فوائد: إحداها: أنه لا بد وأن يكون العبد مشتغلا
بالتوبة في كل حين وأوان ، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار ، أما الأحاديث (٧) روى أن
رجلا سأل أمير المؤمنين علياً رضى الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم
يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة
لی معه وقال علی: كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل (ب) ور وى أبو بكر
الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصر من استغفر وإن عاد في
اليوم سبعين مرة ( ج ) وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: توبوا إلى ربكم فإني أتوب
إليه في كل يوم مائة مرة (د) وأبو هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه (وأنذر
عشيرتك الأقربين) ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا
عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله
شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً)) أخرجاه في الصحيح (٥)
وقال عليه الصلاة والسلام ((إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة)).
واعلم أن الغين شىء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي
يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها ، ثم ذكروا لهذا الحديث
تأويلات أحدها أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصبهم
فكان إذا ذكر ذلك وجد غيما في قلبه فاستغفر لأمته. وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل
من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فكان الاستغفار لذلك ، وثالثها: أن الغيم عبارة عن السكر
الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية فاذا عاد إلى الصحو كان
الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة ، ورابعها: وهو تأويل أهل الظاهر أن
القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب
تعالى في دفع تلك الخواطر ( و) وأبو هريرة قال عمر رضى الله عنه في قوله تعالى (توبوا إلى الله
توبة نصوحا) إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود ، وقال ابن
مسعود رضي الله عنه هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً ( ز) قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى يقول لملائكته ((إذا هم عبدى بالحسنة فاكتبوها له حسنة
فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها
فاكتبوها له حسنة)) رواه مسلم (ح) روى أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام
وهو يقول: یا کریم العفو، فقال جبريل أو تدري ما کریم العفو ؟ فقال لا یا چېریل قال أن
:

٢٥
قوله تعالى ((فتلقى آدم من ربه كلمات)) سورة البقرة
يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة (ط) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام ((من استفتح أول
نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدى ما بين ذلك من الذنوب)).
(ى) عن أبي سعيد الخدري قال قال عليه الصلاة والسلام((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة
وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قد قتل تسعة وتسعين
نفساً فهل للقاتل من توبة ؟ فقال لا ، فقتله فكمل المائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل
على رجل عالم فأتاه فقال أنه قتل مائة نفس فهل لي من توبة ؟ فقال نعم ومن يحول بينك وبين
التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى
أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة
الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله تعالى وقالت ملائكة
العذاب إنه لم يعمل خيراً قط فأتاهم ملك في صورة آدمى وتوسط بينهم فقال قيسوا ما بين
الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته
ملائكة الرحمة)) رواه مسلم (يا) ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال يا رب إنك خلقت آدم
وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده فقال الله سبحانه وتعالى ( جعلت صدورهم
مساکن لك فقال رب زدني فقال لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة قال رب زدني قال تجري منه
مجرى الدم قال رب زدني قال (فاجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد)
قال فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه
عداوة وبغضاء وسلطته على وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك ، فقال الله تعالى لا يولد لك ولد
إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء قال رب زدني قال الحسنة بعشر أمثالها قال رب
زدني قال لا احجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر)» (يب ) أبو موسى الأشعري قال :
عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء
الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم (يج) عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال:
كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني فإذا
حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم
يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له)) ثم قرأ (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا
أنفسهم ) إلى قوله ( فاستغفروا لذنوبهم) ، ( يد) أبو أمامة قال: بينما أنا قاعد عند رسول
الله صلی الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علی قال فأعرض
عنه ثم عاد فقال مثل ذلك وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم

٢٦
.
قوله تعالى (( فتلقى آدم من ربه كلمات)) سورة البقرة
خرج أبو أمامة فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يتبعه ويقول يا رسول
الله إني أصبت حداً فأقمه على، فقال عليه السلام ((أليس حين خرجت من بيتك توضأت
فأحسنت الوضوء ؟ قال بلی یا رسول قال وشهدت معنا هذه الصلاة ؟ قال بلی پا رسول الله قال
فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك)) رواه مسلم (به) عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إني عالجت إمرأة من أقصى المدينة وإني أصبت ماء.
دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت ، فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك ،.
فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه.
وسلم وتلا عليه هذه الآية ( وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن
السيئات) فقال واحد من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال بل للناس عامة رواه مسلم (يو )
أبو هريرة قال قال علیه السلام «إن عبداً أصاب ذنباً فقال إني أذنبت ذنبا فاغفر لی فقال ربه
علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر.
فقال پا رب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لى فقال ربه إن عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ
به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر فقال يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لی فقال
ربه علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه غفرت لعبدى فليعمل ما شاء)».
أخرجاه في الصحيح ( يز) أبو بكر قال قال عليه الصلاة والسلام ((لم يصرمن استغفر الله ولو
عاد في اليوم سبعين مرة ( يح ) أبو أيوب قال قد كنت كتمتكم شيئاً سمعت من رسول الله صلى:
الله عليه وسلم يقول ((لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون فيستغفرون
فيغفر لهم)) رواه مسلم ( يط) قال عبد الله: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ :.
أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر
فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن فی کسائي فجاءت أمهن فاستدارت على
رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي فقال عليه
الصلاة والسلام ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن فقال عليه السلام أتعجبونا
لرحمة أم الأفراخ بفراخها ، قالوا نعم يا رسول الله فقال والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي
بعثني بالحق نبياً الله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها ارجع بهن حتى تضعهن من
حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن )) ( ك) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله
عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى قال ( يا
عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا . يا عبادي انكم تخطئون
بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي كلكم جائع
إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمکم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستکسوني

٢٧
قوله : قلنا اهبطوا منها جميعاً . سورة البقرة
قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا بَمِيعًا فَإِمَّا يَأْثِيَنَّكُ مِنِّى هُدَى ثَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْيَحْزَنُونَ
أكسكم ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم
يزد ذلك في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر
رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم
اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي
شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها
عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )) قال وكان أبو
إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاماً له: وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة
فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة ( أولهن ) الندم على ما مضى ( الثاني ) العزم على ترك الذنوب
في المستقبل ( الثالث ) أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله تعالى ( الرابع ) أداء المظالم
إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم ( الخامس ) إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام (السادس)
إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية . وكان أحمد بن حارس يقول: يا صاحب
الذنوب ألم يأن لك أن تتوب ، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب يا صاحب
الذنوب أنت بها في القبر مكروب ، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب .
الفائدة الثانية﴾ من فوائد الآية: أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو
شأنه فالواحد منا أولى بذلك.
الفائدة الثالثة﴾ أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا
أحق بالبكاء من آدم عليه السلام روى عن رسول الله وَلل أنه قال)) لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى
بکاء داود لكان بكاء داود أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء
نوح أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان
بكاء آدم أكثر))
﴿ المسألة التاسعة﴾ إنما اكتفى الله تعالى بذكر آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما
طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك ، وقد ذكرها في قوله (قال ربنا ظلمنا أنفسنا)
قوله تبارك وتعالى ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف
عليهم ولا هم يحزنون ﴾ فيه مسائل:

٢٨
قوله تعالى : قلنا اهبطوا منها جميعاً . سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين (الأول) قال الجبائي
الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا
ضعيف من وجهين ( أحدهما ) أنه قال في الهبوط الأول ( ولكم في الأرض مستقر ) فلو كان.
الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله (ولكم في الأرض مستقر ومتاع)
عقيب الهبوط الثاني أولى (وثانيهما) أنه قال في الهبوط الثاني (اهبطوا منها) والضمير في (منها).
عائد إلى الجنة . وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة ( الوجه الثاني ) أن التكرير لأجل
التأكيد وعندى فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا.
بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة
وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما
كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان
تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله (إني جاعل في الأرض خليفة) فإن قيل ما جواب الشرط الأول ؟
قلنا : الشرط الثاني مع جوابه ، کقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك
﴿ المسألة الثانية﴾ روى في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة
وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان .
المسألة الثالثة) في ((الهدى)) وجوه ( أحدها ) المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه
دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال
وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع
الدوام الذي لا ينقطع. قال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالی إلیه یا
آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك. واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك
وواحدة بينك وبين الناس ، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فإذا عملت
نلت أجرتك ، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة ، وأما التي بينك وبينَ
الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به (وثانيها) ما روي عن أبي العالية أن المراد من:
الهدى الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله (فإما يأتينكم مني هدى) غير آدم وهم ذريته
وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدى بنوع معين وهو
الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص.
﴿ المسألة الرابعة﴾ أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم
والإِحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن وهذه الجملة مع اختصارها تجمع
شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله (فإما يأتينكم مني هدى) دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية:
٠٠

٢٩
قوله تعالى: (( والذين كفروا وكذبوا )) سورة البَقَرة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَبُوْ بِعَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَعَْبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن ، وجميع قوله
(فمن تبع هداى) تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك
كل التكاليف وجمع قوله (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن
زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضى الوصول إلى كل اللذات
والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي وهذا
يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند
حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى
(لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) وقال قوم من
المتكلمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى
(يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) وأيضا فاذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى
الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن؛ بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من النعيم
وهذا ضعيف لأن قوله (لا يحزنهم الفزع الأكبر) أخص من قوله (يوم ترونها تذهل كل مرضعة
عما أرضعت) والخاص مقدم على العام. وقال ابن زيد: لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء
أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت ، فأمنهم الله تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال
(ولا هم يحزنزن) على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا ، فإن قيل: قوله (فمن تبع هداي فلا
خوف عليهم ولا هم يحزنون) يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقا في الدنيا والآخرة وليس الأمر
كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين قال عليه الصلاة والسلام
((خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)) وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتي
بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضا فخوف سوء العاقبة حاصل ، قلنا قرائن
الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك حكي الله عنهم أنهم قالوا حين
دخلوا الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) أي أذهب عنا ما كنا فيه
من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن.
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال القاضي: قوله تعالى (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم
يحزنون) يدل على أمور. أحدها: أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال (فمن تبع
هداي) ، وثانيها: بطلان القول بأن المعارف ضرورية ، وثالثها: أن باتباع الهدى تستحق
الجنة ، ورابعها: إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.
قوله تبارك وتعالى ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾

٣٠
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي. سورة البقرة
يَنِيّ إِسْرَّءِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُرْ بِعَهْدِىّ أُوْفٍ بِعَهْدِكُمْ
وَإِنِىَ فَارْهَبُونِ
لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال
(والذين كفروا وكذبوا بآيتنا) سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم
وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائماً أم لا؟ فقد
تقدم الكلام فيه في تفسير قوله (وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) وههنا آخر الآيات
الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه
النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر
عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد وعلى المعاد من
حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء قدر على خلقها إعادة وبالله التوفيق.
القول في النعم الخاصة ببني اسرائيل
٠: ١
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا ثم عقبها بذكر
الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسراً لعنادهم
ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيهاً على ما يدل على نبوة محمد صلى)
الله عليه وسلم من حيث كونها إخباراً عن الغيب. واعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولا؛
على سبيل الإجمال فقال (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف
بعهدكم ) وفرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال (وآمنوا بما أنزلت.
مصدقاً لما معكم) ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به ، ثم ذكرهم تلك النعم على،
سبيل الإجمال ثانياً بقوله مرة أخرى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) تنبيهاً
على شدة غفلتهم ، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله (وأني فضلتكم على العالمين)
مقروناً بالترهيب البالغ بقوله (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) إلى آخر الآية ، ثم
شرع بعد ذلك في تحديد تلك النعم على سبيل التفصيل ومن تأمل وأنصف علم أن هذا هو
النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. وإذقد حققنا هذه

٢١
قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي. سورة البقرة
المقدمة فلنتكلم الآن في التفسير بعون الله
قوله تعالى ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف
بعهدكم وإياي فارهبون ﴾ اعلم أن فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم
ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن ((إسرا)) في لغتهم هو العبد و((إيل)) هو اللّه وكذلك جبريل
وهو عبد الله وميكائيل عبد الله. قال القفال: قيل إن ((إسرا)) بالعبرانية في معنى انسان فكأنه
قيل رجل الله فقوله (( يا بني إسرائيل)) خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد
يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ المسألة الثانية﴾ حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من
يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا وإنما زدنا هذا لأن النعمة.
يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه
يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة
استحقاق الذم والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر
بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز ههنا أن يكون الأمر كذلك؟ ولنرجع إلى تفسير الحد فنقول:
أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة ، وقولنا: المفعولة على جهة
الإحسان فلأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته
ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصاً مسموماً ليهلكه لم يكن
ذلك ، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة. إذا عرفت
حد النعمة فلنفرع عليه فروعاً: الفرع الأول: اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل والنهار في
الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى (وما بكم من نعمة فمن
الله) ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه: أحدها: نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ورزق ، وثانيها:
نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه من الإنعام وخلق فيه قدرة الأنعام
وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه ، فهذه النعمة في الحقيقة أيضاً من الله تعالى ، إلا أنه تعالى لما
أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ، ولهذا
قال (أن اشكر لى ولوالديك) فبدأ بنفسه، وقال عليه السلام ((لا يشكر الله من لا يشكر
الناس)) وثالثها: نعمة وصلت إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضاً من الله تعالى لأنه
لولا أنه سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار وإلا لما

٣٢
به قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي. سورة البقرة
وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله تعالى على ما قال سبحانه وتعالى
(وما بكم من نعمة فمن الله) الفرع الثاني: أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها
وخصرها على ما قال (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا
من المنافع واللذات التي ننتفع بها والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع
المضار وما خلق الله تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما
يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحضى عدده وكل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو
ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به
وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك والذي لا يكون جالباً للنفع الحاضر ولا دافعاً للضرورة
الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهتما
وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد ، ولما كانت العقول
قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم
من المنافع والحكم ، فصح بهذا معنى قوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فإن قيل.
فاذا كانت النعم غير متناهية وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في
قوله (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) والجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع
والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس وذلك يكفي في التذكر الذي يفيد العلم بوجود
الصانع الحكيم. واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على
إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين. ولهذا قال في ذم الأصنام
(هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) وقال تعالى (ويعبدون من الله ما لا ينفعهم
ولا يضرهم ) وقال (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى) الفرع
الثالث: أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله تعالى (کیف
تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ، هو الذي خلق لكم
ما في الأرض جميعاً) إلى آخر الآية وهذاً صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر
من النعم فإنما ذكر الحياة ثيم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن
المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب. وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به.
هذا قول المعتزلة وقال أهل السنة: إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد
عليه ، ولهذا سمى نفسه ((النافع الضار)) ولا يسأل عما يفعل. الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن
الله تعالى قد أنعم علي المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين ، وسوى بين الجميع في النعم الدينية.
والدنيوية ، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الالطاف فقد فعل بهم والذي لم
يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف، وأما في

٣٣
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البَقَرة
الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا وعند
البصريين لا يجب. وقال أهل السنة: إن الله تعالى خلق الكافر للنار ولعذاب الآخرة ثم
اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟ فمنهم من قال هذه النعم القليلة في الدنيا لما
كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا ، فان من جعل
السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلا إلى الضرر
العظيم ، ولهذا قال تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم
ليزدادوا إثماً) ومنهم من قال إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه
بنعمة الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله وهذا القول أصوب ويدل عليه
وجوه ، أحدها: قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم
تتقون ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء) فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان
هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق ، ثانيها: قوله تعالى (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً) إلى
آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم
لما صح ذلك. وثالثها: قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم
على العالمين) وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل
الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي) إلى قوله (وإذ أنجيناكم)
وقوله (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) وكل ذلك عد للنعم على العبيد ،
ورابعها: قوله (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم
وأرسلنا السماء عليهم مدراراً) وخامسها: قوله (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر
تدعونه) إلى قوله (ثم أنتم تشركون) وسادسها قوله ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها
معايش قليلاً ما تشكرون ) وقال في قصة إبليس (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ولو لم يكن عليهم
من الله نعمة لما كان لهذا القول فائدة (وسابعها) قوله (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد
وبواكم في الأرض) الآية، وقال حاكياً عن شعيب (واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم) وقال حاكياً
عن موسى ( قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين) (وثامنها) قوله (ذلك بأن الله لم
يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم) وهذا صريح (وتاسعها) قوله (هو الذي جعل الشمس ضياء
والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق) (وعاشرها)
قوله تعالى (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم) (الحادي عشر) قوله (هو الذي يسيركم
في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها) إلى قوله (فلما
أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) (الثاني عشر) قوله (وهو الذي جعل لكم الليل
لباساً) وقوله (هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) الثالث عشر (ألم تر إلى
ج٣ م٣

٣٫٤
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي. سورة البَقَرة
الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار ، جهنم يصلونها وبئس القرار) (الرابع
عشر) (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً
لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره) (الخامس عشر) قوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله
لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) وهذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار.
وعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء
أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن
أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم
لا؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة ، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى
إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور (أحدها) قوله تعالى في
سورة أتى أمر الله (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده) فبين تعالى أنه إنما
بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله ، ثم إنه
تعالى قال (خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ، خلق الانسان من نطفة فإذا هو
خصيم مبين) فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع
وهو انقلابه من حال إلى حال ، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أحس
أحواله وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصما مبيناً ، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه
فقال (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) إلى قوله (هو الذي أنزل من السماء
ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه
تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح ، ثم قال
(وسخر لكم الليل والنهار) بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حیث استدل بحرکاتھا
وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في
العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به
المكلف ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو به اعتبار نحو الأجسام
المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها ويستدل بها
على المنعم الأعظم ، فثبت أنه لا يخرج شيء من مخلوقاته عن هذه المنافع ، ثم إنه سبحانه
وتعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال (وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها) (وثانيها) قوله تعالى (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها وغداً من
كل مكان فكفرت بأنعم الله) فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون
كفرانها سبباً للتبديل ، (وثالثها) قوله في قصة قارون (وأحسن كما أحسن الله إليك) وقال (ألم

٣٥
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البَقَرة
تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) وقال
(أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) وقال (فبأي آلاء ربكما تكذبان) على سبيل
التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم ، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا
الباب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين: عبيد النعم
كثيرون وعبيد المنعم قليلون ، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة
محمد ◌ّ ذكرهم بالمنعم فقال (فاذكروني أذكركم) فدل ذلك على فضل أمة محمد ێ على سائر
الأمم .
واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة( أ ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من
فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم من العبودية كما قال (ونريد أن
نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض
ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (ب) جعلهم أنبياء وملوكاً بعد أن كانوا
عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما قال) كذلك وأورثناها
بني إسرائيل) (ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال (وإذ قال
موسى لقومه إذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت
أحداً من العالمين) د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن
نجاهم من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه
وأعطاهم الحجر الذي كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن
الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل وكان رءوسهم لا
تتشعث وثيابهم لا تبلى. واعلم أنه سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه (أحدها) أن في
جملة النعم ما يشهد بصدق محمد ية وهو التوراة والإنجيل والزبور (وثانيها) أن كثرة النعم
توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد هلال
وبالقرآن (وثالثها) أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة (ورابعها) أن تذكير
النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر
أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في
النعم الآتية ، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة . فإن قيل: هذه النعم ما
كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم وسبباً لعظم معصيتهم؟
والجواب من وجوه (أحدها) لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل
٠٠

٣٦
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البَقَرة
فصارت النعم على الآباء كانها نعم على الأبناء (وثانيها) أن الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله
تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد (وثالثها) الأولاد متى سمعوا أن الله تعالى
خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه
الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال
بالخيرات والإعراض عن الشرور.
أما قوله تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد
جميعاً وذكروا في هذا العهد قولين ، الأول: أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص
ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات ، إحداها: أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً
له عليهم من حيث يلزمهم القيام بشكرها كما يلزمهم الوفاء ، بالعهد والميثاق ، وقوله (أوف
بعهدكم) أراد به الثواب والمغفرة. فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في
أنه لا يجوز الإخلال به ، ثانيها. قال الحسن: المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني
إسرائيل في قوله تعالى (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً، وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة
وآتيتم الزكاة) إلى قوله (ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) فمن وفى لله بعهده وفى الله
له بعهده ، وثالثها: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات
ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم ، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه
الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة) إلى قوله تعالى (ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي پايعتم
به) .
القول الثاني: أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى
الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله (وإذ أخذ الله ميثاق بني
إسرائيل) إلى قوله (لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) وقال في
سورة الأعراف (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم
بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة
والإِنجيل) وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الأصر
والأغلال التي كانت في أعناقهم، وقال(وإذأخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة
ثم جاء کم رسول مصدق ) الآية ،وقال(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله
إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي إسمه أحمد) وقال ابن عباس
إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه

٣٧
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البقرة
وصدق بالنور الذي يأتي به - أي بالقرآن - غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين ،
اجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجراً باتباع ما جاء به محمد
النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به
يؤمنون) إلى قوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) وكان علي بن عيسى يقول تصديق
ذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) وتصديقه
أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ثلاثة يؤتون أجرهم
مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران ،
ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ،
ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران)) بقي ههنا سؤالان:
السؤال الأول: لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟ والجواب من
وجهين: الأول أن هذا العلم كان حاصلا عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير
فجاز منهم كتمانه الثاني: أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات
فيه .
السؤال الثاني: الشخص المبشر به فی هذه الكتب إما أن یکون قد ذکر فی هذه الكتب
وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك ، فإن
كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على
الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني
لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به
سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود. والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى (وأوفوا
بعهدي أوف بعهدكم) على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه فى
القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه
بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً عليه
نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام
ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم
فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة
تراءى لها ملك [ من قبل ] الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت؟ قالت أهرب من
سيدتي سارة فقال لها ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك
وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون
:

٣٨
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي. سورة البقرة
عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إلية بالخضوع وهو يشكر على رغم
جميع إخوته.
واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن
يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ومعلوم أن
إسماعيل وولده لم يكونو متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا
مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإِسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا
يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف فلما جاء الاسلام
استولوا على الشرق والغرب وبالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا
بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة ، فلولم يكن النبي ويت له صادقاً لكانت هذه المخالطة
منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله تعالى
عن أن يبشر بما هذا سبيله (والثاني) جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس ((إن الرب
إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم)) وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى
((إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك
الرجل باسمي أنا أنتقم منه» وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني
إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم: إنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل أنه لا يكون من بني
هاشم ثم أن یعقوب علیه السلام هو إسرائیل ولم یکن له أخ إلا العیص ولم یکن للعیص ولد
من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام
مبشراً به ، وأما إسماعيل فإنه كان أخا لاسحق والد يعقوب ثم إن کل نبي بعث بعد موسی کانا
من بني إسرائيل فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل.
الذي هو أخو اسحاق عليهم السلام. فإن قيل قوله ((من بينكم)) يمنع من أن يكون المراد محمداً
وَي* لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل. قلنا بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز
فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني
قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام
فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم ، وأيضاً فإنه كان من إخوائهم فقد قام من بينهم فإنه
ليس ببعيد منهم (والثالث) قال في الفصل العشرين من هذا السفر ((إن الرب تعالى جاء في طورا
سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فار ان وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز
وحيبهم إلى الشعوب ودعا الجميع قديسيه بالبركة ، وجه الإستدلال: أن جبل فاران هو
بالحجاز لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة. إذا

٣٩
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البَقَرة
ثبت هذا فنقول: إن قوله ((فمنحهم العز)) لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم
يحصل عقيب سكني إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب
حمله على محمد عليه السلام. قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من
ساعير نار أيضاً ومن جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى
لو خلق ناراً في موضع فانه جاء لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك
الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك. وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور
سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال
جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع ، وأيضاً ففي
كتاب حبقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران ، وانكشفت
السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده. يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه
تسير المنايا أمامه ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها
فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي الدهرية ، وتزعزعت ستور أهل مدين ركبت
الخيول وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقا ونزعا وترتوي السهام بأمرك
يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل
ونفرت المهارى نفيراً ورعباً ورفعت أيديها وجلا وفرقا وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما
وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً لأنك
ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك)) هكذا نقل عن ابن رزين الطبري. أما النصارى
فقال أبو الحسين رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم ((وظهر من جبال فاران لقد تقطعت
السماء من بهاء محمد المحمود وترتوي السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك
وإنقاذ مسيحك)) فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة ((ظهر الرب من جبال فاران)) ليس
معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد له.
فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام ((وإنقاذ مسيحك)) قلنا لا يجوز وصف
الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور بأنه جاز المشاعر القديمة ، أما قوله
(وإنقاذ مسيحك) فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى (والرابع) ما
جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه («قومي فأزهري مصباحك ، يريد مكة ،
فقد دنا وقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب
والرب يشرق عليك إشراقاً ويظهر كرامته عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك
وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فانهم مستجمعون عندك ويحجونك ویأتیك ولدك من بلد
بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين

٤٠
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البقرة
ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم
ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام
فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً)) فوجه الإستدلال أن
هذه الصفات كلها موجودة لمكة فانه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله
((وأحدث لبيت محمدتي حمداً)) معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك
لك إلا شريك هولك تملكة وما ملك، ثم صار في الإسلام . لبيك اللهم لبيك ، لا شريك
لك لبيك ، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته. فان قيل المراد لذلك بيت المقدس
وسیکون ذلك فی ما بعد قلنا لا يجوز أن یقول الحکیم «قددنا وقتك) مع أنه ما دنا بل الذي دنا
أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضاً فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية
وصفتها ، وذلك يبطل قولهم (والخامس) روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن
الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال ((قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته
وعظمته جداً جداً وسیلد اثني عشر عظیاً وأجعله لأمة عظيمة، والإستدلال به أنه لم یکن في ولد
إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد ﴿ فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان
لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم
يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) ولهذا كان
يقول عليه الصلاة والسلام ((أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى)) وهو قوله (ومبشراً برسول يأتي
من بعدي إسمه أحمد) فإنه مشتق من الحمد والإسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه
محمد وأحمد ومحمود. قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته
الحمادون. (والسادس) قال المسيح للحواربين ((أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح الحق
الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له)) وتصديق ذلك (إن أتبع إلا ما يوحى إلى)
وقوله (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحي إلى) أما ((الغار قليط). ففي
تفسيره وجهان: أحدهما أنه الشافع المشفع وهذا أيضاً صفته عليه الصلاة والسلام ، الثاني
قال بعض النصارى: الفار قليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكان في الأصل فاروق كما
يقال راووق للذي يروق به وأما ((ليط) فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب
وهذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل (والسابع) قال دانيال لبختنصر
حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه: رأيت أيها الملك منظراً هائلا رأسه
من الذهب الابريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعضها من
خزف ورأيت حجراً يقطع من غير قاطع وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقا شديداً فتفتت
الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاناً وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر