النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ قوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها نعقل المعدوم ولا يمكن أن يقال الصورة العقلية مطابقة للمعدوم لأن المطابقة تقتضي كون المتطابقين أمراً ثبوتياً والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة فيه ولقد حاول الغزالي إيضاح كلام الفلاسفة في تعريف العلم فقال إدراك البصيرة الباطنة نفهمه بالمقايسة بالبصرة الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كما نتوهم انطباع الصورة في المرآة مثلا فكما أن البصر يأخذ صورة المبصرات أي ينطبع فيه مثالها المطابق لها لا عينها فان عين النار لا تنطبع في العين بل مثال مطابق صورتها فكذا العقل على مثال مرآة ينطبع فيها صورة المعقولات وأعني بصورة المعقولات حقائقها وماهياتها ففي المرآة أمور ثلاثة : الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيه فكذا جوهر الآدمي كالحديد وعقله كالصقالة والمعلوم كالصورة واعلم أن هذا الكلام ساقط جداً أما قوله لا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة فباطل لوجوه ، أحدها : أنه ذكر في تعريف الابصار المبصر والباصر وهو دور . وثانيها أنه لو كان الابصار عبارة عن نفس هذا الانطباع لما أبصرنا إلا بمقدار نقطة الناظر لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فان قيل الصورة الصغيرة المنطبعة شرط لحصول إبصار الشيء العظيم في الخارج قلنا الشرط مغاير للمشروط فالابصار مغاير للصورة المنطبعة . وثالثها : أنا نرى المرئي حيث هو، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته في حيزه ومكانه ، وأما قوله : فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة المرتسمة من الحرارة في العقل ، إما أن تكون مساوية للحرارة في الماهية أو لا تكون ، فان كان الأول لزم أن يصير العقل حاراً عند تصور الحرارة لأن الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة ، وإن كان الثاني لم يكن تعقل الماهية الا عبارة عن حصول شيء في الذهن مخالف للحرارة في الماهية وذلك يبطل قوله ، وأما الذي ذكر من انطباع الصور في المرآة فقد اتفق المحققون من الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع في المرآة فثبت أن الذي ذكره في تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون الخفاء المطلوب جداً وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفاً له ، والعجز عن تعريف العلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصوراً بديهياً جلياً ، فلا حاجة في معرفته إلى معرف ، والدليل عليه أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة البحر ، والعلم الضروري بكونه عالماً بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين ، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلا كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلاً وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعاً فهذا القدر كاف ههنا وسائر التدقيقات مذكورة في الكتب العقلية والله أعلم . ٢٢٢ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها . المسألة الثامنة ﴾ فى البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ثلاثون ، أحدها : الادراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة قال تعالى ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً من هذه الجهة ، وثانيها : الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا ، وثالثها : التصور إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور ، واعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فانما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل. ورابعها : الحفظ فإذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظاً ولما. كان الحفظ مشعراً بالتأكد بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظاً ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالا لا جرم لا يسمى ذلك حفظاً . وخامسها : التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فاذا حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر . واعلم أن للتذكر سراً لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعوراً بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذ استرجاعها وإن لم تكن مشعوراً بها کان الذهن غافلا عنها وإذا كان غافلا عنها استحال أن یکون طالباً لاسترجاعها لأن طلب ما لا يكون متصوراً محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب الاسترجاع ممتنعاً مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه؛ لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان . وسادسها : الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول. استرجاعها فاذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكراً فان لم يكن هذا الإدراك مسبوقاً بالزوال لم يسم ذلك . الادراك ذكراً ولهذا قال الشاعر : الله يعلم أني لست أذكره وکیف أُذکرهإذ لست أنساه فجعل حصول النسیان شرطاً لحصول الذکر ویوصف القول بأنه ذکر لأنه سبب حصول المعنى في النفس قال تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال ( فاذكروني أذكركم ) فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول ٢٢٣ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها . النسيان أو بعد زواله فإن كان الأول فهو حال النسيان غافل عن الأمر وكيف يوجه عليه التكليف مع النسيان وإن كان الثاني فهو ذاكر والذكر حاصل وتحصيل الحاصل محال فيكف كلفه به وهو أيضاً متوجه على قوله ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) إلا أن الجواب في قوله فاعلم أن المأمور به إنما هو معرفة للتوحيد وهذا من باب التصديقات فلا يقوى فيه ذلك الاشكال وأما الذكر فهو من باب التصورات فيقوي فيه ذلك الاشكال وجوابه على الاطلاق أنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر وإذا كان ذلك ممكناً كان ما ذكرته تشكيكاً في الضروريات فلا يستحق الجواب . بقي أن يقال فكيف يتذكر فنقول لا نعرف كيف يتذكر لكن علمك بتمكنك في علمك بأن في الجملة يكفيك في الاشتغال بالمجاهدة وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك من التذكر ذلك ليس منك بل ههنا سرآخر وهو أنك لما عجزت عن إدراك ماهية التذكر والذكر مع أنه صفتك فأنى يمكنك الوقوف على كنه المذكور مع أنه أبعد الأشياء مناسبة منك فسبحان من جعل أظهر الأشياء أخفاها ليتوصل العبد به إلى كنه عجزه ونهاية قصوره فحينئذ يطالع شيئاً من مبادىء مقادير أسرار كونه ظاهراً باطناً . وسابعها : المعرفة وقد اختلفت الأقوال في تفسير هذه اللفظة فمنهم من قال المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وآخرون قالوا المعرفة التصور والعلم هو التصديق وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم قالوا لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة فأما تصور حقيقته فأمر فوق الطاقة البشرية ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا تطلب ماهيته فعلى هذا الطريق كل عارف عالم وليس كل عالم عارفاً ولذلك فإن الرجل لا يسمى بالعارف إلا إذا توغل في ميادين العلم وترقى من مطالعها إلى مقاطها ومن مباديها إلى غياتها بحسب الطاقة البشرية وفي الحقيقة فإن أحداً من البشرلا يعرف الله تعالى لأن الاطلاع على كنه هويته وسر ألوهيته محال . وآخرون قالوا من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي أدركه أولاً فهذا هو المعرفة فقال : عرفت هذا الرجل وهو فلان الذي كنت رأيته وقت كذا . ثم في الناس من يقول بقدم الأرواح ومنهم من يقول بتقدمها على الأبدان ويقول إنها هي الذر المستخرج من صلب آدم عليه السلام وإنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها فإذا عادت إلى نفسها متخلصة من ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة به فلا جرم سمي هذا الادراك عرفاناً . وثامنها : الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب والافهام هو اتصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع . وتاسعها : الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه يقال فقهت كلامك أي وقفت على غرضك من هذا الخطاب ثم ان كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات ٢٢٤ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها . والشهوات فما كانوا يقفون على ما في تكاليف الله تعالى من المنافع العظیمة لا جرم قال تعالى ( لا يكادون يفقهون قولاً ) أي لا يقفون على المقصود الأصلي والغرض الحقيقي . وعاشرها : العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها فإنك متى علمت ما فيها. من المضار والمنافع صار علمك بما في الشيء من النفع داعياً لك إلى الفعل وعلمك بما فيه من الضرر داعياً لك إلى الترك فصار ذلك العلم مانعاً من الفعل مرة ومن الترك أخرى فيجري ذلك العلم مجرى عقال الناقة. ولهذا لما سئل بعض الصالحين عن العقل، قال هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ولما سئل عن العاقل قال العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه ، فهذا هو القدر اللائق بهذا المكان والاستقصاء فيه يجيء في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمات واستعمال الروية وأصله من دريت الصيد والدرية لما يتعلم عليه الطعن والمدري يقال لما يصلح به الشعر وهذا لا يصح إطلاقه على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى. الثاني عشر: الحكمة : وهي اسم لكل علمٍ حسن ، وعمل صالح وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم ، ومنها يقال أحكم العمل إحكاماً إذا أتقنه وحكم بكذا حكماً والحكمة من الله تعالى خلق ما فيه منفعة العباد ومصلحتهم في الحال وفي المال ومن العباد أيضاً كذلك ثم حدت الحكمة بألفاظ مختلفة فقيل هي معرفة الأشياء بحقائقها ، وهذه إشارة إلى أن إدراك الجزئيات لا كمال فيه لأنها إدراكات متغيرة . فأما إدراك الماهية ، فإنه باق مصون عن التغير والتبدل وقيل هي الاتيان بالفعل الذي عاقبته محمودة وقيل هي الاقتداء بالخالق سبحانه وتعالى في السياسة بقدر الطاقة البشرية وذلك بأن يجتهد بأن ينزه علمه عن الجهل وفعله عن الجور وجوده عن البخل وحلمه عن السفه . الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قالوا ان اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا وأنه يمتنع كون الأمر بخلاف معتقده إذا كان لذلك الاعتقاد موجب هو اما بديهية الفطرة وإما نظر العقل ، الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة وتحقيق القول فيه أنه سبحانه وتعالى خلق الروح خالياً عن تحقيق الأشياء وعن العلم بها كما قال تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ) لكنه سبحانه وتعالى إنما خلقها للطاعة على ما قال تعالى ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) والطاعة مشروطة بالعلم قال في موضع آخر (وأقم الصلاة لذکری) فبین أنه أمر بالطاعة لغرض العلم والعلم لا بد منه على كل حال فلا بد وأن تكون النفس متمكنة من تحصيل هذه المعارف والعلوم فأعطاه الحق سبحانه من الحواس ما أعان على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع ( وهديناه النجدين) وقال في البصر (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) وقال في الفكر ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) فإذا تطابقت هذه القوى ٢٢٥ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها . صار الروح الجاهل عالماً وهو معنى قوله تعالى ( الرحمن علم القرآن ) فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن . الخامس عشر: الفكر وهو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة قال بعض المحققين إن الفكر يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلوم من عنده . السادس عشر: الحدس ولا شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة فإن النفس حال كونها جاهلة كأنها واقفة في ظلمة ولا بد لها من قائد يقودها وسائق يسوقها وذلك هو المتوسط بين الطرفين وله إلى كل واحد منهما نسبة خاصة فيتولد من نسبته اليهما مقدمتان فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا بواسطة مقدمتين معلومتين والمقدمتان هما كالشاهدين فكما أنه لا بد في الشرع من شاهدين فكذا لا بد في العقل من شاهدين وهما المقدمتان اللتان تنتجان المطلوب فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس . السابع عشر: الذكاء وهو شدة الحدس وكماله وبلوغه الغاية القصوى وذلك لأن الذكاء هو المضاء في الأمر وسرعة القطع بالحق وأصله من ذكت النار وذكت الريح وشاة مذكاة أي مدرك ذبحها بحدة السكين . الثامن عشر: الفطنة وهي عبارة عن التنبه لشيء قصد تعريضه ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر فى استنباط الأحاجي والرموز . التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل الدليل وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر في النفس ولذلك يقال : هذا خطر ببالي إلا أن النفس لما كانت محلا لذلك المعنى الخاطر جعلت خاطراً إطلاقاً لإسم الحال على المحل . العشرون : الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لأشخاص جزئية جسمانية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة المؤذي . الحادي والعشرون : الظن وهو الاعتقاد الراجح ولما كان قبول الاعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب الظن غير مضبوطة فلهذا قيل انه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب على الآخر مع تجويز الطرف الآخر ثم إن الظن المتناهي في القوة قد يطلق عليه اسم العلم فلا جرم قد يطلق أيضاً على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) قالوا إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين أحدهما : التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالاضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم . والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى ( الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) واعلم أن الظن كان عن امارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم . وإن كان عن امارة ضعيفة ذم كقوله تعالى ( إن الظن لا يغني عن الحق شيئاً) وقوله ( إن بعض الظن إثم ) الثاني والعشرون : الخيال . وهو عبارة من فخر الرازي ج ٢ م ١٥ ٢٢٦ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها . الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته . ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب خيالاً. والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة ، والطيف لا يقال إلا فيما كان في حال النوم . الثالث والعشرون : البديهة وهي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفکر کعلبك بأن الواحد نصف الاثنين . الرابع والعشرون : الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولا لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون بتوسط شيء آخر . فذاك المتوسط هو المحمول أولاً . الخامس والعشرون : الروية ، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير ، وهي من روى ، السادس والعشرون : الكياسة . وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت . من حيث إنه لا خير يصل إليه الانسان أفضل مما بعد الموت . السابع والعشرون : الخبرة ، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة ، يقال خبرته قال أبو الدرداء : وجدت الناس أخبر تقله . وقيل هو من قولهم : ناقة خبره . أي غزيرة اللبن ، فكان الخبر هو غزارة المعرفة . ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبره : هي المخبر عنها بغزارتها . الثامن والعشرون : الرأي ، وهو إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب ، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي ، والرأي للفكر كالآلة للصانع ، ولهذا قيل : إياك والرأي الفطير ، وقيل : دع الرأي تصب . التاسع والعشرون: الفراسة وهي الاستدلال بالحق الظاهر على الخلق الباطن ، وقد نبه الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله تعالى ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) وقوله تعالى ( تعرفهم بسيماهم ) وقوله تعالى ( ولتعرفنهم في لحن القول ) واشتقاقها من قولهم : فرس السبع الشاة ، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ضربان : ضرب يحصل للانسان عن خاطره ولا يعرف له سبب ، وذلك ضرب من الالهام بل ضرب من الوحي ، وإياه عنى النبي وَ ي بقوله ( إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم)) ويسمى ذلك أيضاً النفث في الروع ، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة فى قوله تعالى ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) إن البينة هو القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو الاستدلال بالأشكال على الأحوال . ﴿ المسألة التاسعة﴾ قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) وقوله ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) وقوله ( الرحمن علم القرآن ) لا يقتضى وصف الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل فى هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقاً حتى لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم ٠ ٢٢٧ قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا . سورة البَقَرة قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَعِلْمَ لَنَآَ إِلَّ مَا عَلَمْتَنَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (َ قَالَ يَادَمُ أَنْبِهُمْ بِأَسْمَاءِمْ فَلَّا أَنْبَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَعَمُمَاتُبُدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣ إلا مع التقييد ولولا هذا التعارف لحسن اطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد إلا الله تعالى . قوله تعالى ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما کنتم تکتمون ﴾ اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) قالوا إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين . الأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني : أن الملائكة إنما قالوا ( أتجعل فيها ) لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فانك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها . وههنا مسائل : المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بقوله تعالى ( لا علم لنا إلا ما علمتنا) على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) . ٢٢٨ قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا. المسألة الثانية﴾ - احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ( وقوله ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ) وللمنجم أن يقول للمعتزلى إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فاذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضاً بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضاً إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى . ﴿ المسألة الثالثة﴾ العليم من صفات المبالغة التامة في العلم، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى؛ فلا جرم ليس العليم المطابق إلا هو، فلذلك قال إنك أنت العليم الحكيم ) على سبيل الحصر. ﴿ المسألة الرابعة﴾ الحكيم يستعمل على وجهين . أحدهما: بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل . الآخر : أنه الذي یکون فاعلاً لا اعتراض لأحد علیه . فیکون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حکیم فی الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه .. وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض . .المسألة الخامسة﴾ أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ) والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالماً بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام ابن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها ، فإن قيل الإيمان هو العلم ، فقوله تعالى ( يؤمنون بالغيب ) يدل على أن العبد يعلم. الغيب فكيف قال ههنا ( إني أعلم غيب السموات والأرض ) والاشعار بأن علم الغيب ليس إلا یی وأن کل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله ( الذین یؤمنون بالغيب ) أماقوله ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) ففيه وجوه . أحدها ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله ( وأعلم ما تبدون ) أراد به قولهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) وقوله ( وما كنتم تكتمون ) أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد وثانيها : ( إني أعلم ما لا تعلمون) من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في ٢٢٩ قوله تعالى « قالوا سبحانك لا علم لنا الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها . وثالثها : أنه تعالى خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . ورابعها : وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشىء إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو ممتزجاً وعلى تقدير الامتزاج فإما أن يعتدل الأمران أو يكون الخير غالباً أو يكون الشرغالباً أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالباً فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شركثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شرقليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله ( إني أعلم غيب السموات والأرض ) فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم . ﴿ المسألة السادسة﴾ اعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلأنه تعالى لا يخفي عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن لا يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك أحدها: روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال « يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا : فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوبي تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم )» وثانيها ، قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني فقال إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم ، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت . وثالثها : قال حاتم الأصم : طهر نفسك في ثلاثة أحوال : إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك . وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك ، وإذا كنت ساكتاً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول ( إنني معكما أسمع وأرى). ورابعها: اعلم أنّه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى ، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر. ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه ، أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم ( ربنا ظلمنا أنفسنا) وأن إبليس وإن أتى ٢٣٠ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سورة البقرة وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَلِكَّةِ اسْجُدُ واْلِأَّدَمَ فَسَحَدُ وَإِلَا إِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانٌ مِنَ الْكَّفِينَ﴾ بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله ( أنا خير منه، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبداً في الخوف والوجل ، فقوله تعالى ( إني أعلم غيب السموات ) معناه أنا الذي أعرق الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أن ما ترونه عابداً مطيعاً سيكفر ويبعد عن حضرتي ، ومن ترونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي ، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه . ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشركمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته . قوله تعالى ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ﴾ . اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولاً ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانياً ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة ، وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله ( إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حياً صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله ( فقعوا ) للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة . المسألة الثانية﴾ أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال . الأول : أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين . أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة . الثاني : إن إبليس قال أرأيتك هذا الذي کرمت ٢٣١ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . على أي أن كونه مسجوداً يدل على أنه أعظم حالاً من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد ◌ّة. والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل عليه القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله تعالى ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) والصلاة الله لا للدلوك . فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون الله تعالى لا للقبلة ، وأما الشعر فقول حسان : عن هاشم ثم منها عن أبي حسن ما كنت أعرف أن الأمر منصرف وأعرف الناس بالقرآن والسنن أليس أول من صلى لقبلتكم فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود . والجواب عن الثاني أن ابليس شكا تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيماً له وتحية له كالسلام منهم عليه ، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضاً بالسلام وقال قتادة في قوله ( وخروا له سجداً) كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض . وعن صهيب أن معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي وَّ فقال يا معاذ ما هذا إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت ما هذا قالوا تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم (١ وعن الثوري عن سماك بن هاني قال دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له فقال له على اسجد لله ولا تسجد لي . وقال عليه الصلاة والسلام لو أمرت أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها . القول الثالث أن السجود في أصل اللغة هو الانقياد والخضوع قال الشاعر : ( ترى الأكم فيها سجداً للحوافر ) . أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى ( والنجم والشجر يسجدان ) واعلم أن القول الأول ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام ، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضاً لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك لأن الأصل عدم التغيير فإن قيل السجود والعبادة لغير الله لا تجوز قلنا لا نسلم أنه عبادة ، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيداً كالقول يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام مما يفيده القول وما ذاك إلا للعادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الانسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيداً ضرباً من التعظيم وإن لم يكن (١) ثبت أن معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي إلى اليمن لم يرجع منها إلا بعد وفاة الرسول يمليه . ٢٣٢ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . ذلك عبادة وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته . اختلفوا فى أن إبليس هل كان من الملائكة ؟ قال بعض المتكلمين المسألة الثالثة ﴾ ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه . أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف ( إلا إبليس كان من الجن) واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف لذلك وهذا ضعيف لأنّ الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنيناً لأجتنانه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب اطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة ثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى ( ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أن ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك . فإن قيل لا نسلم أنه کان من الجن أما قوله تعالى ( کان من الجن ) فلم لا يجوز أن یکون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة ؟ سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن یکون قوله من الجن أی صار من الجن کما أن قوله وکان من الكافرين أی صار من الکافرین سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت إن کونه من الجن ینافی کونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) وذلك لأن قريشاً قالت : الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جناً؟ والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله ( كان من الجن ) أنه كان خازن الجنة لأن قوله إلا إیلیس کان من الجن يشعر بتعلیل تركه للسجود لكونه جنیاً ولا یمکن تعلیل ترك السجود بکونه خازناً للجنة فيبطل ذلك قوله كان من الجن أي صار من الجن . قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جناً بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن کان بحسب اللغة الأصلية يتناول کل ما یدب لکنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية ، والآية التي ذكرناها على العزف الحادث . وثانيها : أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) وهذا صريح في إثبات الذرية له ، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى ٢٣٣ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ) أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فاذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية ، وثالثها : أن الملائكة معصومون على ماتقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة . ورابعها : أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا أن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالی حکایة عن إبليس ( خلقتنى من نار ) وأيضاً فلأنه کان من الجن لقوله تعالى ( كان من الجن ) والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وقال ( خلق الانسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ) وأما الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور، فلما روى الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله و لو أنه قال خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ، ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون ، وقيل إنما سموا بذلك، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح . وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلاً) ورسل الله معصومون ، لقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين : الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله ، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال . الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب ، قال تعالى ( وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) وقال تعالى (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثياً إلا قيلاً سلاماً سلاماً) وقال تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ) وقال تعالى ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) وأيضاً فلأنه كان جنياً واحداً بين الألوف من الملائكة ، فغلبوا عليه في قوله ( فسجدوا ) ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم ، لأن نقول : كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل ، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة ، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات ، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات ، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة ، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ، ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى . وأيضاً فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشىء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه ، وأما قوله إنه جنى واحد بين الملائكة فنقول إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز اجراء حكم غيره عليه ( الحجة الثانية ) قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ٢٣٤ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . متناولاً له ، ولو لم يكن متناولاً له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكباراً ومعصية ولما استحق الذم والعقاب ، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة ، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم ، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر ، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ( ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ) لأنا نقول : أما الأول فجوابه أن المخالطة لا توجب ما ذكرتموه ، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين ، وأيضاً فشدة المخالطة بين الملائكة وبین إبليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على إبليس فكيف تمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة ؛ وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلة ، فلما ذكر قوله أبى واستكبر عقيب قوله ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) أشعر هذا التعقيب بأن هذا الاباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق الأمور . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ اعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول : قال أكثر أهل السنة : الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة ، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين : أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور . أحدها : قوله تعالى ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) إلى قوله ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) والاستدلال بهذه الآية من وجهين . الأول : أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة فان ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة فى صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكياً عنه سبحانه ((أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلى)) وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى ، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم ، من كون العبد عند الله تعالى . الوجه الثاني : في الاستدلال بالآية ، أن الله تعالى احتج بعدم استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشرأفضل منهم لما تم ٢٣٥ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . هذا الاحتجاج ، فان السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول : الملوك لا يستكبرون عن طاعتي ، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي ! وبالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف. ولقائل أن يقول : لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت ، فانه تعالى يقول إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم ، لا يتركون العبودية لحظة واحدة ، والبشرمع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات ، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كاف في صحة هذا الاستدلال ، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى ، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب ، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثواباً من البشر، ولا بد فيه من دليل؟ مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه . وثانيها : أنهم قالوا عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه . أحدها : أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا إن ميلهم إلى التمرد أشد ، لأن العبد السليم من الآفات ، المستغني عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات ، فانه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ، ولهذا قال تعالى ( فاذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبداً مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فانه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله ( وكلا منها رغداً حيث شئتما ) ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر، وثانيها : أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان ، أما الاقامة على نوع واحد فانها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسوماً بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لإ يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) وقال ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة ، إذا ثبت ذلك ٢٣٦ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا . وجب أن تكون عباداتهم أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام ((أفضل الأعمال أحمزها)) أي أشقها، وقوله لعائشة رضى الله عنها ((إنما أجرك على قدر نصبك)) والقياس أيضاً يقتضي ذلك ، فان العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم . ولقائل أن يقول على الوجهين : هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكثر؟ وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي ﴿1﴾ ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي ﴿يَ﴾﴾ أفضل منه ومن أمثاله ، بل يحكي عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم ، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب. وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناء على الدواعي والقصود ، فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثواباً عظيماً والآخر لا يستحق به إلا ثواباً قليلاً ، لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني ، فاذن كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضى التفاوت في الفضل ثم نقول : لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق. أما قوله في الوجه الأول : السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم قلتم بأن الاتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الاتيان بها في المواضع الرديئة؟ أكثر ما في الباب أن يقال: إنه قد يهيأ له أسباب التنعم فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق ، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشرثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته ، وذلك أدخل في العبودية وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الاخلاص فما ذكروه بالعكس أولى، أما قوله ؛ والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق ، قلنا هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما اعتادوا نوعاً واحداً من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على خلافه على ما قيل : العادة طبيعة خامسة ، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة عليهم ، ولذلك فان النبي ﴿وَ﴾ نهى عن الوصال في الصوم وقال ((أفضل الصوم صوم داود عليه السلام)) وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً . وثالثها: قالوا عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل بيان أنها أدوم قوله سبحانه وتعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشرلكانت طاعاتهم أدوم وأكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة وعلى هذه الآية سؤال : روى في شعب الإيمان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعيب ٢٣٧ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . أرأيت قول الله تعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ثم قال ( جاعل الملائكة رسلا ) أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح ؟ وأيضاً قال ( أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأخبار فقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال . وأقول : لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال . والجواب الأول ؛ أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر . والجواب الثاني: اللعن هو الطرد والتبعيد ، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه . والجواب الثالث ؛ قوله ( لا يفترون ) معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به کما يقال إن فلانا مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم أبداً على أدائها في أوقاتها وإذا ثبت أن عباداتهم أدوم وجب أن تكون أفضل . أما أولا فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل غلى ما سبق تقريره في الحجة الثانية . وأما ثانياً : فلقوله عليه السلام أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله والملائكة صلوات الله عليهم أطول العباد أعماراً وأحسنهم أعمالاً فوجب أن يكونوا أفضل العباد ولأنه عليه السلام قال ((الشيخ في قومه كالنبي في أمته)) وهذا يقتضى أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم. على البشر. ولقائل أن يقول إن نوحا عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمراً من محمد ﴿1﴾ فوجب أن يكونوا أفضل من محمد ﴿وَل﴾﴾، وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمراً وأشد اجتهاداً من النبي ﴿يَا﴾ وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى . والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع الى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الانسان على وجه يستحق بها ثواباً كثيراً والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها إلا ثواباً قليلاً . ورابعها : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة جهة تفضيل وتعظيم. أما أولا فبالاجماع . وأما ثانياً فلقوله تعالى ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) وأما ثالثاً فلقوله عليه السلام (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) فهذا يقتضى أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم ٢٣٨ قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا . التي أتوا بها قبل خلق البشر. ولقائل أن يقول ؛ فهذا يقتضى أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد ﴿رَّ﴾ لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلا بالاجماع بطل ما ذكروه والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخر أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم ، وخامسها : أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء . أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى ( علمه شدید القوى) وقوله ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم فكذا ههنا . فان قيل : العرف أن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم ومتولياً لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع ، أما إذا أرسل واحداً إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أُرسل واحداً من عبيده إلى وزيره في مهم فانه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير. قلنا ، لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم . واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلا ) ثم لا يخلوا الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولا إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من البشر وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل والرسول الذی کل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن ابراهيم عليه السلام كان رسولا إلى لوط عليه السلام فکان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولا إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وکان أفضل منهم فكذا ههنا . ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولا إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكماً علیهم ومتولیاً لأمورهم ومتصرفاً في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل اليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم کانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وسادسها أن الملائكة أتقى من البشرفوجب أن يكونوا أفضل من البشرأما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل اليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى ( يخافون ربهم من فوقهم ) وقوله ( وهم من خشيته مشفقون ) والخوف والاشفاق ينافيان العزم على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشرما خلا كل واحد منهم عن ٢٣٩ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا . نوع زلة وقال عليه الصلاة والسلام ما منا من أحد إلا عصي أو هم بمعصية غیر یحیی ابن زكريا عليهما السلام فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشرلقوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فان قيل : إن قوله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضافاً فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم . والجواب عن الأول : أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر . وعن الثاني : لا نلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وقال تعالى ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزیه جهنم ) ولقائل أن يقول الحدیث الذی ذکرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد ﴿مَا﴾، وذلك باطل بالإجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل وتحقيقة ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الانسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط وأيضاً فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضى للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر ، قوله إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا هذا لا يضرنا وذلك لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضاً وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد. وسابعها : قوله تعالى ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ) وجه الاستدلال أن قوله تعالى ( ولا الملائكة المقربون ) خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ولا يقال لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد ويقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك ولا يقال لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب . ولقائل أن يقول هذه الآية إن دلت فانما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فلو ثبت لهم أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلا فأما إذا لم يقيموا الدلالة على ٢٤٠ قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا . ذلك فلا يحصل مقصودهم لا سيما وقد أجمع المسلمون على أن محمداً ﴿1﴾ أفضل من المسيح عليه السلام وما رأينا أحداً من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ثم نقول قوله (( ولا الملائكة المقربون)) ليس فيه إلا واو العطف والواو للجمع المطلق فيدل على أن المسيح لا يستنكف والملائكة لا يستنكفون فاما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا ، وأما الأمثلة التي ذكروها فنقول المثال لا يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن ذلك المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله ما أعانني علی هذا الأمر زید ولا عمر و فهذا لا یفید کون عمر و أفضل من زيد وكذا قوله تعالى ( ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ) ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ثم التحقيق أنه إذا قال هذه الخشبة لا يقدر على جملها الواحد ولا العشرة فنحن نعلم بعقولنا أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فههنا في الآية إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله ( ولا الملائكة المقربون ) بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح وحينئذ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب قبل هذا الدليل ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية علیه فیلزم الدور وأنه باطل سلمنا أنه یفید التفاوت لكنه لا یفید التفاوت فی کل الدرجات بل في بعض دون آخر بیانه أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا السلطان فهذا لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في بعض الأمور وهو القدرة والقوة والاستيلاء والسلطان ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والبطش فان جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط والبشرلا يقدرون على شيء من ذلك فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخضوع والعبودية وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية والعبودية عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موصوفاً بنهاية التواضع لله تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ولا يلائمها البتة بل يناقضها وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهراً جلياً كان حمل كلام الله تعالى عليه مخرجاً له عن الفائدة ، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم فانه مناسب للتمرد وترك العبودية فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا القدر من القدرة فقال الله تعالى إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السموات والأرضين وعلى هذا الوجه ينتظم وجه دلالة الآية على