النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها ، أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم . الثالثة : أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم . والرابعة : أمرني بانصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم . والخامسة : أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم والسادسة : إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم ((كب)) طريق الجنة في أيدي أربعة : العالم والزاهد والعابد والمجاهد، فالزاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الأمن ، والعابد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الخوف، والمجاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الثناء والحمد، والعالم إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الحكمة ((كج)) اطلب أربعة من أربعة : من الموضع السلامة ، ومن الصاحب الكرامة ، ومن المال الفراغة (١)، ومن العلم المنفعة ، فاذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه ، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه ، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه ، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه (( كد)) لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى ، ولا يتم القول إلا بالفعل ، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع ، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر ، والقول بلا فعل كالهدر ، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كغيث بلا مظر ((كه)) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبدالله الأنصاري : قوام الدنيا بأربعة بعالم يعمل بعلمه ، وجاهل لا يستنكف من تعلمه ، وغنياً لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم والثبور سبعين مرة (( كو)) قال الخليل : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه ، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه (( كز)) أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه ((كح)) إذا اشتغل العلماء بجمع الحلال صار العوام آكلين للشبهات ، وإذا صار العالم آكلاً للشبهات صار العامي آكلاً للحرام ، وإذا صار العالم آكلاً للحرام صار العامي كافراً يعني اذا استحلوا . أما الوجوه العقلية فأمور . أحدها : أن الأمور على أربعة أقسام ، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه (١) هكذا في الأصول ولعله يريد بالفراغة أن الانسان إذا أصاب من المال كفاية تفرغ إلى تحصيل العلم وأقبل على الطاعة . ولكني لم أسمع الفراغة . وذلك يجعلني أميل إلى أنها محرفة عن القناعة ، وفي الحق ان المرء إذا لم يقنع ويكتف بما عنده من مال لم يقنعه شيء ، وهذا معنى حديث ، لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى أن يكون له ثان وثالث ولا يملأ عين ( عبد الله الصاوي ) ابن آدم إلا التراب » . ٢٠٢ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها. الشهوة . وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معاً ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة . أما الأول فهو الأمراض والمكاره في الدنيا ، وأما الثاني فهو المعاصي أجمع ، وأما الثالث : فهو العلم ، وأما الرابع : فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضى بالجهل فقد رضي بنارة حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة ، فكل من اختار العلم يقال له تعودث المقام في الجنة فادخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فادخل النار ، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب وكمال الألم في البعد عن المحبوب ، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءاً من البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتزاع فلما اقتضت الجراحة إزالة ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده، فلا جرم كان ذلك مؤلماً والاحراق بالنار إنما كان أشد إيلاماً من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين ، أما النار فانها تغوص في جميع الأجزاء فاقتضت تبعيد جميع الأجزاء .. بعضها عن بعض ، فلما كانت التفريقات في الاحراق أشد كان الألم هناك أصعب ، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب ، فلذة الأكل عبارة عن إدراك تلك الطعوم الموافقة للبدن ،. وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات ، فلا جرم كان ذلك. الإدراك لذة لها فقد ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب ، والألم عبارة عن إدراك المكروه وإذا عرفت هذا فنقول : كلما كان الادراك أغوص وأشد المدرك أشرف وأكمل ، والمدرك أنقى وأبقى . وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل . ولا شك أن محل العلم هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الادراك العقلي أغوص وأشرف على ما سيجيء بيانه فى تفسير قوله ( الله نور السموات والأرض ) وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه وأوامره وتكاليفه وأي معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه ، ومما يدل على ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فان علمها وقدر على الجواب والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به ، وان جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات ، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل أنواع الشقاء ، واعلم أن ههنا وجوهاً أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا . الوجه الأول : أن أول ما نزل قوله تعالى ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، ٢٠٣ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . اقرأ وربك الأكرم : الذي علم بالقلم ، علم الانسان ما لم يعلم ) فقيل فيه إنه لا بد من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله ( خلق الانسان من علق ) وبين قوله ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذکر أول حال الانسان وهو كونه علقة . مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالماً وهو أجل المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف، وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذا لو كان غيره أشرف لكان ذلك الشيء في هذا المقام أولى . الثاني : أنه قال ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره : الثالث : قوله سبحانه ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم ، أحدها : دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية ؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى أ ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى ( جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ) إلى قوله تعالى ( ذلك لمن خشي ربه) ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان) ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ((وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة )) واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف، بل لا بد له من العلم بأمور ثلاثة . منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها . ومنها : العلم بكونه عالماً ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه . ومنها العلم بكونه حكيماً . فان المسخر عند السلطان عالم يكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بسفاهته ؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، قادراً على كل المقدورات ، غير راض بالمنكرات والمحرمات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما ٢٠٤ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملاً على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الايمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سبباً لفراره عن تلك اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركاً للمحظور فاعلاً للواجب كان من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة . وثانيها : أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء ، وذلك لأن كلمة إنما للحصر، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء ، والآية الثانية وهي قوله ( ذلك لمن خشى ربه) دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم . وثالثها : قرىء ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) برفع الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة : أنه تعالى: لو جازت الخشية عليه ؛ لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز . وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ، ففي هذه القراءة نهاية المنصب للعلماء والتعظيم . الرابع : قوله تعالى ( وقل ربي زدني علماً ) . وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره . وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل ( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً) . الخامس : كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه ( قال رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) فافتخر بكونه عالماً بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله (وأوتينا من كل شيء ) وأيضاً فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولا وقال ( وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث ) إلى قوله ( وكلا آتينا حكماً وعلماً ) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف. السادس قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان ( أحطت بما لم تحط به) فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن ٢٠٥ ١ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها. أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم ، السابع : قال عليه الصلاة والسلام ((تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة)) وفي التفضيل وجهان . أحدها : أن التفكر يوصلك إلى الله تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله . والثاني أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح ، والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى ( وأقم الصلاة لذكرى) جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره . الثامن : قال تعالى ( وعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيماً) فسمى العلم عظيماً وسمى الحكمة خيراً كثيراً فالحكمة هي العلم وقال أيضاً ( الرحمن علم القرآن ) فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم ، فدل على أنه أفضل من غيره . التاسع : ان سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم . أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام ( عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة )) وأما الزبور فقال سبحانه وتعالى « یا داود قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه)) وأقول إنما قدم الله تعالى التقى على العلم لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، وهذا السرأيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً ، أما العاقل فقد لا يكون عالماً فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر . وأما الإِنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشرمنه ( ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل)) والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا يخزيه ، إن الله تعالى يقول يوم القيامة: (( يا معاشر العلماء ما ظنكم بربكم ؟ ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا ، فيقول : فإني قد فعلت ، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم ، بل لخير أردته بكم ، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي)) وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الأنجيل . أن الله قال لعيسى بن مريم عليهما السلام: يا عيسى عظم العلماء واعرف فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب ، ٢٠٦ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شيء، أما الأخبار: ((١)) عن عبدالله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للعلماء ((إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم أدخلوا الجنة على ما كان منكم)) ((ب)) قال أبو هريرة وابن عباس : خطبنا رسول الله ◌َّ خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال ((من تعلم العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد الله يريد ما عند الله . لم يكن في الجنة أفضل ثواباً منه ولا أعظم منزلة، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وشرف المنازل)). ((ج)) ابن عمر مرفوعاً إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها قباب من فضة منضدة بالدر والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق ، ثم ينادي منادي الرحمن : أين من حمل إلى أمة محمد علماً يريد به وجه الله : اجلسوا على هذه المنابر . فلا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة . ((د) عن عيسى بن مريم عليهما السلام: إن أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير من العمل ، ويدخلون الجنة بلا إله إلا الله ((هـ)) قال عليه السلام (( من أغبرت قدماه في طلب العلم ، حرم الله جسده على النار ، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات شهيداً ، وكان قبره روضة من رياض الجنة ، ويوسع له في قبره مد بصره ، وينور على جيرانه أربعين قبراً عن يمينه . وأربعين قبراً عن يساره ، وأربعين عن خلفه ، وأربعين أمامه ، ونوم العالم عبادة ، ومذكراته تسبيح، ونفسه صدقة ، وكل قطرة نزلت من عينيه تطفىء بحراً من جهنم فمن أهان العالم فقد أهان العلم ، ومن أهان العلم فقد أهان النبي ، ومن أهان النبي فقد أهان جبريل ومن أهان جبريل أهان الله. ومن أهان الله أهانه يوم القيامة)) ((و)) قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا أخبركم بأجود الأجواد . قالوا نعم يا رسول الله قال الله تعالى: أجود الأجواد أنا أجود ولد آدم ، وأجودهم من بعدي رجل عالم ينشر علمه فيبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل)). ((ز)) عن أبي هريرة مرفوعاً ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن يسرعلى معسر يسر الله علیه في الدنيا والآخرة ، والله تعالى في عون العبد ، ما دام العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقاً يبتغي به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)) رواه مسلم في الصحيح ((ح)) قال عليه الصلاة والسلام ((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء )) . قال الراوي : فأعظم مرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة ((ط)) معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام ((تعلموا العلم فان تعلمه لله ٢٠٧ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة)) لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل الجنة وانيس من الوحشة والصاحب في الوحدة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء ، والدين عند الاختلاف يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، وأئمة بالخير يقتفى بآثارهم ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ترغب الملائكة في خلقتهم وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تستغفر لهم حتى كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها . لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالبعيد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ويعبد وبه يمجد ويوحد وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام ((ي)) أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له بالخير)) ((يا )) قال عليه الصلاة والسلام ((إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس قيل يا رسول الله ومن الناس ؟ قال أهل القرآن قيل ثم من ؟ قال أهل العلم قيل ثم من ؟ قال الصباح الوجوه )) قال الراوي والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه (( يب)) قال عليه الصلاة والسلام (( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله والدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها بقدر السم في الأدوية لعلكم تنجون )) قال الراوي والعلماء داخلون فيه لأنهم يقولون هذا حرام فاجتنبوه وهذا حلال فخذوه ((يج )) في الخبر: العالم نبي لم يوح إليه ((يد )) قال عليه الصلاة والسلام (( كن عالماً، أو متعلماً ، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكن الخامس فتهلك)) قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى وهي قوله عليه الصلاة والسلام ((الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم)) إن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعاً خالساً أو ذئباً خانساً أو كلباً حارساً، وإياك وأن تكون إنساناً ناقصاً، (( يه)) قال عليه الصلاة والسلام ((من اتكأ على يده عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة ومن قبل رأس عالم كتب الله بكل شعرة حسنة ((يو)) قال عليه الصلاة والسلام برواية أبي هريرة ((بكت السموات السبع ومن فيهن ومن عليهن والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل وغني أفتقر وعالم يلعب به الجهال)) ((يز)) وقال عليه السلام ((حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والشهداء قواد أهل الجنة والأنبياء سادة أهل الجنة)) ((يح)) وقال عليه السلام ((العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء الأنبياء)) قال الراوي الانسان لا يكون مفتاحاً إنما المعنى أن عندهم من العلم مفتاح الجنان والدليل ٢٠٨ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . عليه أن من رأى في النوم أن بيده مفاتيح الجنة فانه يؤتي علماً في الدين. ((يط)) وقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله تعالى في كل يوم وليلة ألف رحمة على جميع خلقه الغافلين والبالغين وغير البالغين ، فتسعمائة وتسعة وتسعون رحمة للعلماء وطالبي العلم والمسلمين ، والرحمة الواحدة لسائر الناس)). ((ك)) وقال عليه الصلاة والسلام ((قلت يا جبريل أي الأعمال أفضل لأمتي؟. قال العلم ، قلت ثم أي؟ قال النظر إلى العالم ، قلت ثم أي ؟ قال زيارة العالم ، ثم قال ومن كسب العلم لله وأراد به صلاح نفسه وصلاح المسلمين ، ولم يرد به عرضاً من الدنيا ، فأنا كفيله بالجنة)) ((كا)) وقال عليه الصلاة والسلام ((عشرة تستجاب لهم الدعوة العالم والمتعلم وصاحب حسن الخلق والمريض واليتيم والغازي والحاج والناصح للمسلمين والولد المطيع لأبويه والمرأة المطيعة لزوجها)) ((كب)) سئل النبي مَّ ما العلم؟ فقال دليل العمل قيل فما العقل ؟ قال قائد الخير ، قيل فما الهوى ؟ قال مركب المعاصي ؛ قيل فما المال ؟ قال رداء المتكبرين، قيل فما الدنيا؟ قال سوق الآخرة)). ((كج)) أنه عليه الصلاة والسلام كان يحدث إنساناً فأوحى الله إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة ، وكان هذا وقت العصر، فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لى في هذه الساعة ، قال اشتغل بالتعلم فاشتغل بالتعلم ، وقبض قبل المغرب ، قال الراوي : فلو كان شيء أفضل من العلم، لأمره النبي و لي به في ذلك الوقت. ((كد)) قال عليه الصلاة والسلام والناس كلهم موتى إلا العالمون)) والخبر مشهور ((كه)) عن أنس قال عليه الصلاة والسلام (( سبعة للعبد تجري بعد موته: من علم علماً أو أجرى تهراً أو حفر بثراً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً صالحاً يدعوا له بالخير أو صدقة تجري له بعد موته )) فقدم عليه الصلاة والسلام التعليم على جميع الانتفاعات لأنه روحاني والروحاني أبقى من؛ الجسمانيات ((كو)) قال عليه الصلاة والسلام (( لا تجالسوا العلماء إلا إذا دعوكم من خمس إلى خمس : من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومن الرياء إلى" الاخلاص ومن الرغبة إلى الزهد )) (( کز)) أوصى النبيټ إلى علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقال يا علي احفظ التوحيد فإنه رأس مالى والزم العمل فإنه حرفتي ، وأقم الصلاة فانها قرة: عيني ، واذكر الرب فإنه بصيرة فؤادي، واستعمل العلم فإنه ميراثي (( كح)) أبو كبشة الأنصاري قال ضرب لنا رسول الله وم مثل الدنيا مثل أربعة رهط رجل آتاه الله علماً وآتاه مالاً فهو يعمل بعلمه في ماله ، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول لو أن الله تعالى أتاني مثل ما أوتي لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل ، ورجل لم يؤته الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول : لو أن الله ٢,٩ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء . الآثار﴾ ((١)) كميل بن زياد قال أخذ على بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فاخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ، يا كميل العلم خير من المال ، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكوا بالإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ، يا كميل معرفة العلم زین یزان به يكتسب به الانسان الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ((ب)) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء ((ج)) عن ابن عباس خير سليمان بين الملك والمال وبين العلم فاختار العلم فأعطى العلم والملك معاً ((د)) سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه لما روى عن نافع بن الأزرق قال لابن عباس كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء قال ابن عباس لأن الأرض كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها فقال نافع فكيف بأوقات الفخ يغطى له بأصبع من تراب فلا يراه بل يقع فيه فقال ابن عباس إذا جاء القدر عمى البصر ( هـ ) قال أبو سعيد الخدري تقسم الجنة على عشرة آلاف جزء تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون منها للذين عقلوا عن الله أمره فكان هذا ثوابهم على قدر ما قسم الله لهم من العقول يقتسمون المنازل فيها وجزء للمؤمنين الضعفاء الفقراء الصالحين ((و)) قال ابن عباس لولده يا بني عليك بالأدب فإنه دليل على المروءة وأنس في الوحشة وصاحب في الغربة وقرين في الحضر وصدر في المجلس ووسيلة عند انقضاء الوسائل وغني عند العدم ورفعة للخسيس وكمال للشريف وجلالة للملك ((ز)) عن الحسن البصري : صرير قلم العلماء تسبيح وكتابة العلم والنظر فيه عبادة وإذا أصاب من ذلك المداد ثوبه فكأنما أصابه دم الشهداء وإذا قطر منها على الأرض تلألأ نوره ، وإذا قام من قبره نظر إليه أهل الجمع فيقال هذا عبد من عباد الله أكرمه الله وحشر مع الأنبياء عليهم السلام ((ح)) في كتاب كليلة ودمنة : أحق من لا يستخف بحقوقهم ثلاثة : العالم والسلطان والاخوان فان من استخف بالعالم أهلك دينه ومن استخف بالسلطان أهلك دنياه ومن استخف بالاخوان أهلك مروءته ((ط)) قال سقراطمن فضیلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فیه أحدکما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك ولا يقدر أحد على سلبه عنك ((ي)) قيل لبعض الحكماء لا تنظر فخر الرازي ج ٢ م ١٤ ٠ ٢ ٢١٠ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها فأغمض عينيه ، فقيل لا تسمع فسد أذنيه ، فقيل لا تتكلم فوضع يده على فيه ، فقيل له لا تعلم فقال لا أقدر عليه (( يا)) إذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول كان المال وديعة لي وكذا الشارب يقول حسبته خلا وكذا الزاني يقول تزوجتها فانه لا يحد (( يب)) قال بعضهم أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر بيانكم كما تحيون الموات بالنبات والنواة ، فإن نفساً تبعد من الشهوات والشبهات أفضل من أرض تصلح للنبات . قال الشاعر : وأجسامهم قبل القبور قبور وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وليس له حتى النشور نشور وإن أمراً لم يحى بالعلم ميت ﴿وأما النكت﴾ فمن وجوه ((أ)) المعصية عند الجهل لا يرجى زوالها وعند الشهوة يرجى زوالها ، انظر إلى زلة آدم فانه بعلمه استغفر والشيطان غوى وبقي في غيه أبداً لأن ذلك کان بسبب الجهل ( ب )) إن یوسف علیه السلام لما صار ملكاً احتاج إلى وزیر فسأل ربه عن ذلك فقال له جبريل إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً فرآه يوسف في أسوإ الأحوال فقال لجبريل إنه کیف یصلح هذا العمل مع سوء حاله فقال جبريل إن ربك عينه لذلك لأنه كان ذب عنك حيث قال ( إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ) والنكتة أن الذي ذب عن يوسف عليه السلام استحق الشركة في مملكته فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم كيف لا يستحق من الله الاحسان والتحسين ((ج)) أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إلیه وقال اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي فقال كنت أهلا لخدمتك حين لم ترني أهلا لخدمتك وحين رأيتني أهلا لخدمتك رأيت نفسى أهلا لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب (( د)) تحصيل العلم إنما يصعب عليك لفرط حبك الدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً فكيف إذا وضعت على السويداء كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً((هـ)) قال حكيم: القلب ميت وحياته بالعالم والعلم ميت وحياته بالطلب والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة فاذا قوى بالمدارسة فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم ونتاجه بالعمل فاذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له ((و)) ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) إلى قوله ( وهم لا يشعرون ) كانت رياسة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى ( وهم لا يشعرون ) كأنها قالت إن سليمان معصوم والمعصوم لا يجوز منه ٢١١ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم فانما يصدر ذلك منه على سبيل السهو لأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى ( وهم لا يشعرون ) إشارة إلى تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين ((ز)) الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهراً والنكتة أن العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهراً ، فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ثم انضم اليهما العلم بالله وبصفاته فنرجوا من عميم لطفه أن يقلب النجس طاهراً ههنا والمردود مقبولا ((ح)) القلب رئيس الأعضاء ثم تلك الرياسة ليست للقوة فان العظم أقوى منه ولا للعظم فان الفخد أعظم منه ولا للحدة فان الظفر أحد منه وإنما تلك الرياسة بسبب العلم فدل على أن العلم أشرف الصفات . ﴿ أما الحكايات﴾: ((أ)) حكى أن هارون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتى برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته ما لا بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده . فقال أبو يوسف : لا قطع عليه ، قالوا لم ؟ قال لأنه أقر بالأخد والأخد لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله ، ثم قالوا للآخذ أسرقتها ؟ قال نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف : لا قطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه باقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الاقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك ((ب)) عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتى بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلا بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ﴿3﴾ فقال بلى فقال الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً فقال آتيك بها واضحة بينة من کتاب الله يا حجاج قال فتعجبت من جرأته بقوله یا حجاج فقال له ولا تأتني بهذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ) فقال آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله ( ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان ) إلى قوله ( وزكريا ويحيى وعيسى ) فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال كأني لم اقرأ هذه الآية من كتاب الله حلواً وثاقه وأعطوه من المال كذا ((ج)) يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الامام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره فأشاروا إلى واحد فقال هذا أعلمكم ؟ قالوا نعم قال والمناظرة معه كالمناظرة معكم ؟ قالوا نعم قال والالزام عليه كالالزام عليكم؟ قالوا نعم قال وإن ناظرته ٢١٢ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة ؟ قالوا نعم قال كيف؟ قالوا لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولا لنا قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الامام في الصلاة كانت قراءته قراءة لناوهو يتوب عنا فأقروا له بالالزام (د)» هجا الفرزدق واحداً(١) فقال : لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة. وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان ابن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشکت الفرزدق فأمر سلیمان باشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقیداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك : أنت القائل كما ضاع در على خالصة ؟ لقد ضاع شعري على بابكم فقال ما قلته هكذا وإنما غيره على من أراد بي مكروهاً وإنما قلت : وخالصة من وراء الستر تسمع : لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء در على خالصة فسري عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلى وهي زيادة على ألف ألفدرهم فأتبعه سلمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلى من الفرزدق بمائة ألف ورده على خالصة ((هـ)) دعاء المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس فقال كيف؟ قال انهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة فلما خرج فقال الربيع يا أبا حنيفة سعيت في دمي فقال أبو حنيفة كنت البادي وأنا المدافع . ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى ابي يوسف فقالت إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وخضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمى والمسلم فقال له الرشيد أحكم بقتله فقال يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمى يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا (١) الخبر يروى في كتب الأدب بصورة أخرى لأبي نواس يقوله في الرشيد وخالصة جاريته ويقال فى هذا البيت أنه بيت قلعت عيناه فأبصر . i ٢١٣ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها ، عليه فبطل دمه (( ز)) دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك ؟ فقال وعليكم السلام ثم فطن الحجاج ، وقال قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أماناً بردى عليك أما ولله لولا الوفاء والكرم ، لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى ((ح)) بلغ عبد الملك ابن مروان قول الشاعر : ومنا سوید والبطین وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب فأمر به فأدخل عليه ، فقال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟ فقال إنما قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، بنصب الراء فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعه يسيرة عملها بعلمه، وهو أنه حول الضمة فتحة. ((ط)) قال أبو مسلم صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكرى ، فقلت اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه ، فقال نعم قلته ، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن قوله، وعفا عنه . ((ي)) قال رجل لأبي حنيفة: إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة اذهب وكلمها ولا حنث عليكما . فذهب الى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة ، فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال : تبيح الفروج ! فقال أبو حنيفة : وما ذاك ؟ قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى ، فقال من أين قلت ؟ قال : لم شافهته باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه ، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها ؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما . قال سفيان : إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل. ((يا )) دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً ، فأصبحّ الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال أحضر لى إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه ؟ قالوا نعم ، قال فاجمعوا كلا منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً ، وقولوا أهذا لصك ؟ فان كان ليس بلصه قال لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله علیه جمیع ما سرق منه (( یب )) كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوماً لأبي حنيفة : إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من ٢١٤ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . المهر فوق طاقتي ، فقال : احتل واقترض وادخل عليها ، فان الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ؛ ثم قال له : بعد الدخول اظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد ، وأنك تسافر بأهلك معك : فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه ، فقال لهم أبو حنيفة : له ذلك ، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك ؟ فقال أبو حنيفة : الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه ، فأجابوه إليه ؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج ، فقال الزوج : فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك ، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضى ما عليها من الدين فقال الرجل الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين ((يج )) عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة ؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة اذهب به. معك إلى سوق النخاسين فاذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فان طلقها. عادت إليك مملوكة وإن اعتقها لم يجز عتقه إياها ، قال الليث فوالله ما أعجبني جوابه كما. أعجبني سرعة جوابه (( يد)) سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً في رمضان(١) (( يه )) جاء رجل الى الحجاج فقال سرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج من تتهم؟ فقال لا أتهم أحداً قال لعلك أتيت من قبل أهلك ؟ قال سبحان الله امرأتي خير من ذلك قال الحجاج لعطارٍ اعمل لى طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه : اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الدهن ؟ قال اشتريته قال أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها ، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل ، وردها إلى صاحبها (( يو)) قال الرشيد يوماً لأبي يوسف : عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إلى وقد عرف ذلك وقد حلف إن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه . فقال يهب النصف ويبيع النصف ولا يحنث ((يز)) قال محمد بن الحسن : كنت نائماً ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت انظروا من ذاك ؟ فقالوا رسول الخليفة يدعوك فخفت على روحي (١) شرط الفقهاء في السفر المبيح للفطر أن لا يكون الفطر هو مقصود المسافر بسفره كما فى هذه الحالة . ٢١٥ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها. فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال دعوتك في مسألة : إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الامام العدل ، والامام العدل في الجنة ، فقالت لي إنك ظالم عاص فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك ، فقلت له يا أمير المؤمنين إذا وقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً فقلت أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلى (( يح)) يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه ، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة ، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه ، فعند ذلك هدأ روعه ، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه چارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أو لأقتلنك وقد ندمت فاطلب إلى وجهاً ؛ فقال أبو يوسف: فاذن لي في الدخول عليها فاذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ؛ فأخلى المجلس ثم قال لها : أمعك الحلى ؟ فقالت لا والله ، فقال لها احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصى عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر باحضار الجارية فحضرت ، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى ؟ قالت نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الاقرار أو الانكار وخرجت من اليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إوإنالقاضى أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله. ((يط)) قال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعى انعقاد الاجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس ؟ فأقر به خوفاً وانقطع، ((ك)) أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فسلم عليه وسأله حاجة وقال سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف ، أو مولى كريم ، أو حامل القرآن ، أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فاني سمعت رسول الله ﴿وَّةَ﴾ يقول: إذا أردتم أن تنظروا إلى فانظروا إلى الحسن والحسين ، فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض ، فقال الحسين سمعت أبي عليا يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه . وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في ٢١٦ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء ... جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إلى صرة مختومة من العراق فقال سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال أي الأعمال أفضل قال الأعرابي : الايمان بالله . قال فما نجاة العبد من الهلكة قال الثقة بالله ، قال فما یزین المرء قال علم معه حلم قال فان أخطأه ذلك قال فمال معه کرم قال فإِن أخطأه ذلك قال ففقر معه صبر قال فأن أخطأه ذلك قال فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه . أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم ﴾ فنقول: اعلم أن تكون العلم صفة شرف وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فانه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضاً فالعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى أن الحيوان إذا رأى الانسان احتشمه بعض الاحتشام وانزچر به بعض الانزجار وان كان ذلك الحیوان أقوى بكثير من الانسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلا منهم وأغزر فضلا فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعاً فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فان كثيراً ممن كانوا يعاندون النبي ﴿وَل﴾﴾ قصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع ﴾ ولهذا قال الشاعر : بصرهم عليه فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له ﴿وَ لو لم تكن فيه آيات مبينة کانت بداهتة تنبیك عن خبر وأيضاً فلا شك أن الانسان أفضل من سائر الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته. وصولته فان كثيراً من الحيوانات يساويه فيها أو يزيد عليه فاذن تلك الفضيلة ليست إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لادراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة الله على ما قال ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) وأيضاً الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئاً البتة والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت. ويسبح في بحار المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى البسيط والمركب ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليه وجزئيه، وواحدة وكثيرة حتى يصير عقله كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها فأي سعادة فوق ٢١٧ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . هذه الدرجة ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير النفوس الجاهلة عالمة فتصير تلك النفس كالشمس في عالم الأرواح وسبباً للحياة الأبدية لسائر النفوس فانها كانت كاملة ثم صارت مكملة وتصير واسطة بين الله وبين عباده ولهذا قال تعالى ( ينزل الملائكة بالروح من أمره) والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا روح ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت ونظيره قوله تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير ، فان التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضاً فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) إلى آخره ، وقال ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) ثم خذ من أول الأمر فانه سبحانه لما قال ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالت الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) قال سبحانه ( إني أعلم ما لا تعلمون ) فأجابهم سبحانه بكونه عالماً فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة . والارادة ، والسمع ، والبصر، والوجود، والقدم ، والاستغناء عن المكان والجهة جواباً لهم وموجباً لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم جواباً لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعلم وذلك يدل أيضاً على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم ان الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما انما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فانهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقاً والنفاق أخس المراتب قال تعالى ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) أو تقليداً والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجباً للافتخار ببركة العلم . ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة واحدة اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم . ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الاصرار والاستكبار وجد خلعة الاجتباء ، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى ( فلما جن عليه الليل راى كوكباً) ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود وأعرض عن الشرك فقال ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ) فلما ٢١٨ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . وصل الى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) وقال أخرى ( وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ) ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدإ اشتغل بمعرفة المعاد فقال ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى ) ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر) وتارة مع قومه فقال ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وأخرى مع ملك زمانه فقال ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وارشاد الخلق إلى النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسی عليه السلام مع فرعون وجنوده ووجوه دلائله معه ، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد • كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال ( ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان ) وقال ( ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) ثم إنه أول ما أوحى إليه قال ( اقر باسم ربك ) ثم قال ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً. يقول : أرنا الأشياء كما هي . فلولم يظهر للانسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرفب العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة . فمنها : الحياة ( أومن كان ميتاً فأحييناه ) . وثانيها : الروح ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) ، وثالثها : النور (الله نور السموات والأرض) وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن ، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فاذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية . وقال يوسف ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح، وأيضاً فقد جاء في الخبر ((المرء بأصغريه قلبه ولسانه)) إن تكلم تكلم بلسانه ، وإن قاتل قاتل بجنانه ، قال الشاعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وأيضاً فان الله تعالی قدم عذاب الجهل على عذاب النار فقال ( کلا إنهم عن ربهم يومئذ. المحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ) وقال بعضهم : العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه ، قلب متفكر، ولسان معبر، وبيان مصور، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه ((عين العلم من العلو، ولامه من اللطف، وميمه من المروءة)) وأيضاً قيل العلوم عشرة : علم التوحيد ٢١٩ قوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها للأديان ، وعلم السرلرد الشيطان ، وعلم المعاشرة للاخوان ، وعلم الشريعة للأركان ، وعلم النجوم للأزمان ، وعلم المبارزة للفرسان ، وعلم السياسة للسلطان ، وعلم الرؤيا للبيان ، وعلم الفراسة للبرهان ، وعلم الطب للأبدان ، وعلم الحقيقة للرحمن ، وأيضاً قيل ضرب المثل في العلم بالماء قوله تعالى ( أنزل من السماء ماء ) والمياه أربعة : ماء المطر ، وماء السيل ، وماء القناة ، وماء العين فكذا العلوم أربعة علم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر ، وكذا لا ينبغي طلب معرفة كيفية الله عز وجل لئلا يحصل الكفر . وعلم الفقه يزداد بالاستنباط كماء القناة يزداد بالحفر ، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء كذلك علم الزهد صاف ويتكدر بالطمع وعلم البدع كماء السيل يميت الأحياء ويهلك الخلق فكذا البدع والله أعلم . ﴿ المسألة السابعة في أقوال الناس في حد العلم ﴾ قال أبو الحسن الأشعري العلم ما يعلم به وربما قال ما يصير الذات به عالماً واعترضوا عليه بأن العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريف العلم بهما دور وهو غير جائز أجاب عنه بأن علم الانسان بكونه عالماً بنفسه وبألمه ولذته علم ضروري والعلم بكونه عالماً بهذه الأشياء علم بأصل العلم لأن الماهية داخلة في الماهية المقيدة فکان علمه بکون العلم علماً علم ضروري فكان الدور ساقطاً وسيأتي مزيد تقريره إذا ذكرنا ما نختاره نحن في هذا الباب إن شاء الله تعالى وقال القاضي أبو بكر العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه وربما قال العلم هو المعرفة والاعتراض على الأول أن قوله معرفة المعلوم تعريف العلم بالمعلوم فيعود الدور أيضاً فالمعرفة لا تكون إلا وفق المعلوم فقوله على ما هو عليه بعد ذكر المعرفة يكون حشواً ، أما قوله العلم هو المعرفة ففيه وجوه من الخلل . أحدها : أن العلم هو نفس المعرفة فتعريفه بها تعريف للشيء بنفسه وهو محال . وثانيها : أن المعرفة عبارة عن حصول العلم بعد الالتباس ولهذا يقال ما كنت أعرف فلاناً والآن فقد عرفته . وثالثها : أن الله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل وهو على الله محال وقال الاستاذ أبو إسحاق الاسفرايني : العلم تبيين المعلوم وربما قال إنه استبانة الحقائق وربما اقتصر على التبيين فقال العلم هو التبيين وهو أيضاً ضعيف أما قول العلم هو التبيين فليس فيه إلا تبديل لفظ بلفظ أخفي منه ولأن التبيين والاستبانة يشعران بظهور الشيء بعد الخفاء وذلك لا يطرد في علم الله ، وأما قوله تبيين المعلوم على ما هو به فيتوجه عليه الوجوه المذكورة على كلام القاضي وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك : العلم ما يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه وهو ضعيف، لأن العلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات لا يفيد الأحكام . وقال القفال : العلم إثبات المعلوم على ما هو به وربما قيل العلم تصور المعلوم على ما هو به والوجوه ٢٢٠ قوله تعالى (( وعلم آدم الأسماء كلها السالفة متوجهة على هذه العبارة . وقال إمام الحرمين : الطريق إلى تصور ماهية العلم وتميزها عن غيرها أن نقول إنا نجد من أنفسنا بالضرورة كوننا معتقدين في بعض الأشياء ، فتقول اعتقادنا في الشيء ، إما أن يكون جازماً أو لا يكون ، فان كان جازماً فاما أن يكون مطابقاً أو غير مطابق فان كان مطابقاً فاما أن يكون لموجب هو نفس طرفي الموضوع والمحمول وهو العلم البديهي أو لموجب حصل من تركيب تلك العلوم الضرورية وهو العام النظري أولا لموجب وهو اعتقاد المقلد ، وأما الجزم الذي لا يكون مطابقاً فهو الجهل والذي لا يكون جازماً فلما أن يكون الطرفان متساويين وهو الشك أو يكون أحدهما أرجح من الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم واعلم ان هذا التعريف مختل من وجوه . أحدها : أن هذا التعريف لا يتم إلا إذا ادعينا أن علمنا بماهية الاعتقاد علم بديهي وإذا جاز ذلك فلم لا ندعي أن العلم بماهية العلم بديهي . وثانيها أن هذا تعريف العلم بانتفاء أضداده وليست معرفة هذه الأضداد أقوى من معرفة العلم حتى يجعل عدم النقيض معرفاً للنقيض فيرجع حاصل الأمر إلى تعريف الشيء بمثله أوبالأخفى. وثالثها أن العلم قد يكون تصوراً وقد يكون تصديقاً والتصور لا يتطرق إليه الجزم ولا التردد ولا القوة ولا الضعف فاذا كان كذلك كانت العلوم التصورية خارجة عن هذا التعريف قالت المعتزلة العلم هو الاعتقاد المقتضى سكون النفس وربما قالوا العلم ما يقتضى سكون النفس قالوا ولفظ السكون وإن كان مجازاً ههنا إلا أن المقصود منه لما كان ظاهراً لم يكن ذكره قادحاً في المقصود واعلم أن الأصحاب قالوا الاعتقاد جنس مخالف للعلم فلا يجوز جعل العلم منه ولهم أن يقولوا لا شك أن بين العلم واعتقاد المقلد قدراً مشتركاً فنحن نعني بالإعتقاد ذلك القدر قال الأصحاب وهذا التعريف يخرج عنه أيضاً علم الله تعالى فانه لا يجوز أن يقال فيه إنه يقتضى سكون النفس قالت الفلاسفة العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم وفي هذا التعريف عيوب. أحدها : إطلاق لفظ الصورة على العلم لا شك أنه من المجازات. فلا بد في ذلك من تلخيص الحقيقة والذي يقال إنه كما يحصل في المرآة صورة الوجه فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن وهو ضعيف لأنا إذا عقلنا الجبل والبحر فان حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر وهذا محال وإن لم يحصلا في الذهن ولكن الحاصل في الذهن صورتاهما. فقط فحينئذ يكون المعلوم هو الصورة فالشيء الذي تلك الصورة صورته وچب أن لا يصير معلوماً وإن قيل حصلت الصورة ومحلها في الذهن فحينئذ يعود ما ذكرنا من أنه يحصل الجبل والبحر في الذهن . وثانيها : أن قوله مطابقة للمعلوم يقتضي الدور ، وثالثها : أن عندهم المعلومات قد تكون موجودة في الخارج وقد لا تكون وهي التي يسمونها بالأمور الاعتبارية والصور الذهنية والمعقولات الثانية والمطابقة في هذا القسم غير معقول . ورابعها : أنا قدٍ.