النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قوله تعالى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا . لكن هذا الإتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق ، وأيضاً فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر ، لأنه من كسبه وفعله ، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية : إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال ، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير واسطة ، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضه المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق. المسألة السادسة عشرة ﴾ لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله ( وقليل من عبادي الشكور ، وقليل ما هم) ولحديث (( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة)) وحديث ( الناس أخبر قلة ) ، والجواب : أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضاً فإن قليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهاباً إلى الحقيقة. المسألة السابعة عشرة ﴾ قال الفراء : الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت ، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة ، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة ، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر ، فعند أصحابنا أنه مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر ، واحتج المخالف بقوله تعالى ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) وقال ( إن المنافقين هم الفاسقون ) وقال ( حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. المسألة الثامنة عشرة ﴾ اختلفوا فى المراد من قوله تعالى (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) وذكروا وجوهاً . أحدها : أن المراد بهذا الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله ، فكان ذلك ميثاقاً وعهداً على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره ، ولذلك صح قوله ( وأوفوا بعهدي أوفبعدکم ) ، وثانيها : يحتمل أن یعنی به ما دل عليه بقوله ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً ) فلما لم يفعلوا ما حلفوا علیه وصفهم بنقض عهده وميثاقه ، والتأويل الأول یمکن فيه العموم فی کل من ضل وكفر ، والثاني : لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم ، إذا ثبت هذا ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين . الأول : أن على التقدير الأول يمكن إجراء الآية على فخر الرازي ج ٢ م ١١ . ١٦٢ قوله تعالى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ، عمومها ، وعلى الثاني يلزم التخصيص ، الثاني أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم. نقضوا عهداً أبرمه الله وأحكمه بما أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس عنها ، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب: مؤكداً لها: وأما على التقدير الثاني فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئاً هم بأنفسهم التزموه ! ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى ، وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون: المقصود بالآية قوماً من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد ﴿1﴾ وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدو نبوته . ورابعاً : قال بعضهم : إنه عنى به ميثاقاً أخذهٍ من الناس وهم على صورة الذر وأخرجهم من صلب آدم كذلك ، وهو معنى قوله تعالى ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) قال المتكلمون هذا ساقط لأنه تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك؟ وخامسها : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود . العهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الاقرار بربوبيته وهو قوله ( وإذ أخذ ربك ) وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدین ولا يتفرقوا فیه وهو قوله ( وإذ أخذنا من النبیین میثاقهم ) وعهد خص به العلماء ، وهو قوله ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبیننه للناس ولا تكتمونه ) قال صاحب الکشاف : الضمير فی میثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله ويجوز أن یکون بمعنی توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به عهده من آیاته و کتبه ورسله. المسألة التاسعة عشرة﴾ اختلفوا في المراد من قوله تعالى (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) فذكروا وجوهاً أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي ﴿1﴾ من القرابة، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة . وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) . وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك. ﴿ المسألة العشرون﴾ أما قوله تعالى (ويفسدون في الأرض) فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم . والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن بالتزام الشرائع يلتزم الانسان كل ما ١٦٣ قوله تعالى : كيف تكفرون بالله سورة البقرة كَيْفَ مَكْفُرُونَ بِّهِ وَكُنُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَ مِتُكُمْ ثُمَ يُحِكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض ، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال ( إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال ( أولئك هم الخاسرون ) وفي هذا الخسران وجوه ، أحدها : أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى: ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال ( إن الخاسرون الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها: أنهم إنما أصروا على الكفر خوفاً من أن تفوتهم اللذات العاجلة، ثم إنها تفوتهم إما عندما يصير الرسول يهله مأذوناً في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً لا يجزي عليه فيقال له خاسر، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بازائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصى الله خاسرين قال تعالى ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وقال ( قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ﴾ . إعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة ، أولها : نعمة الاحياء وهي المذكورة في هذه الآية . واعلم أن قوله ( كيف تكفرون بالله ) وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضى عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك ١٦٤ قوله تعالی : کیفتكفرون بالله . عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الاحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخي عن الأحياء والأحياء الثاني كذلك متراخ عن الموث إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وههنا مسائل. المسألة الأولى ﴾ قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول ( كيف تكفرون بالله ) موبخاً لهم ، كما لا يجوز أن يقول کیفتسودون وتبیضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم . وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار ، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم كيف تكفرون ؟ . وثالثها : أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم ( كيف تكفرون بالله ) حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول ( وما منع الناس أن يؤمنوا) حال ما منعهم عن الإيمان ويقول ( فما لهم لا يؤمنون ، فما لهم عن التذكرة معرضين) وهو يخلق فيهم الإعراض ويقول ( أنى تؤفكون . فأنى تصرفون ) ويخلق فيهم الافك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب الزام الحجة على العباد . ورابعها : أن الله تعالى إذا قال للعبيد ( كيف تكفرون بالله ) فهل ذكر هذا الكلام توجيهاً للحجة على العبد وطلباً للجواب منه أو ليس كذلك ؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبئاً ، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد ، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . فالأول : أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر . والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له . والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك . والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر . والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر . والسادس: أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان ، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة. كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله ؟ وخامسها : أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر ، وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار ، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن کان لذيذاً ويعد نعمة لكن لما كان ١٦٥ قوله تعالى : كيف تكفرون بالله . باطنه مهلكاً فإن أحداً لا يعده نعمة ، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضرراً من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر ، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنحن أيضاً نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة ، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون ، فلو وجد لانقلب علمه جهلاً وهو محال ومستلزم المحال محال ، فوقوعه محال مع أنه قال ( کیف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك المرجح وجب ، وعلی ھذا کیف لا يعقل قوله ( کیف تكفرون بالله) واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعلیك بمقابلتها بهذين الوجھین فانهما يهدمان جميع كلامه ویشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق . المسألة الثانية ﴾ اتفقوا على أن قوله (وكنتم أمواتاً) المراد به وكنتم تراباً ونطفاً ، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف ، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بد وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة ، قال كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموته التي لا بد منها ، ثم أحياهم بعد الموت . فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله ( خلق الموت والحياة ) والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتاً فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى ( هل أتى على الاتسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) فبين سبحانه وتعالى أن الانسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حياً وجعله سميعاً بصيراً ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر . وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي : ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وأحييت لي ذكري وما خاملا فكذا معنى الآية ( وكنتم أمواتاً ) أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئاً ( فأحياكم ) أي فجعلكم خلقاً سميعاً بصيراً . ١٦٦ قوله تعالی : کیفتكفرون بالله ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) لأنه قول الكفار، ولأن كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال ( ألست بربكم) وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، وأيضاً فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية . لأن قوله ثم يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول ( ثم إليه ترجعون ) لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً . المسألة الرابعة ﴾ قال الحسن رحمه الله قوله ( كيف تكفرون بالله) يعني به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحوما حکی في قوله ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) إلى قوله ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه) وكقوله ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ) وكقوله ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم ) وكقوله ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى) وكقوله ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) وكقوله في قصة أيوب عليه السلام ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) فان الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ تمسك المجسمة بقوله تعالى (ثم إليه ترجعون) على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف ، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير ، أي إلى حيث لا يحكم غيره . ﴿ المسألة السادسة﴾ هذه الآية دالة على أمور. الأول: أنها دالة على أنّه لا يقدر على الاحياء والامانة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والکواکب والأرکان والمزاجات کما حکی عن قوم في قوله ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) الثاني : أنها تدل على صحة الحشر والتشرمع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه ، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء" بعد موتها في المرة الأولى ١٦٧ قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض . سورة البقرة هُوَ الَّذِى خَقَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ ◌ُجميعًا ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوْهَنَّ سَبْعَ فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية ، الثالث : أنها تدل على التكاليف والترغيب والترهيب . الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه ، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال ( فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) فبين أنه لا بد من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت . بل لا بد من الرجوع إليه أما أنه لا بد من الموت ، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطفة فإن الله احياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور ، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى (ومن ورائهم برزخ) ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون ، بل ينساه الأهل والبنون . كما قال يحيى بن معاذ الرازي : يمر أقاربي بحذاء قبري کان أقاربي لم يعرفوني وقال أيضاً : إلهي كأني بنفسي وقد اضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودتها ، ورحمتها الأعادي عند جزعتها ، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول . ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ، ووحيد قد جفاه المحبون ، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً ، وكان لى فى الدنيا داعياً ومجيباً ، ولاحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً ، فأحسن إلى هناك يا قديم الاحسان ، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران . وأما أنه لا بد من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه یأمر بأن ینفخ في الصور( فصعق من في السموات ومن في الأرض ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) وقال ( يخرجون من الأجداث سراعاً کأنهم إلی نصب یوفضون ) ثم يعرضون على الله كما قال ( وعرضوا على ربك صفا )فيقومون خاشعين خاضعين كما قال ( وخشعت الأصوات للرحمن ) وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا . ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا ، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا . وجائعة لطول القيامة بطوننا ، وبادية لأهل الموقف سوآتنا ، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا ، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا ، فلا تضعف المصائب باعراضك عنا ، ووسع رحمتك وغفرانك لنا ، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة . قوله تعالى ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسولهن سبع ١٦٨ قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض . سورة البقرة سَوَّتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ سموات وهو بكل شيء عليم إعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولا ثم أتبعه بذكر السماء والأرض ، أما قوله ( خلق ) فقد مرتفسيره في قوله ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) وأما قوله ( لكم) فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا ، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والإعتبار بها وجمع بقوله ( ما في الأرض جميعاً) جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ) فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وکیف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال کیفتكفرون بقدرة الله على الاعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سور مختلفة كما قال (أناصبينا الماء صباً) وقال في أول سورة أتى أمر الله ( والأنعام خلقها لكم ) إلى آخره وههنا مسائل: المسألة الأولى ﴾ قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلا لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملاً بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالی محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره ، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغیر هل هو أولی لله تعالی من عود ذلك الغرض إلیه أو لیس أولى؟ فإن كان أولی فهو تعالی قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضاً لله تعالى فلا يكون مؤثراً فيه . وثانيها : أن من فعل فعلا لغرض كان عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال . وثالثها ؛ أنه تعالى لو فعل فعلاً لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان محدثاً كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال . ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفین ولو توقفت فاعليته على ذلك ما فعل ما کان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حیث کلفمن علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وفي قوله (إلا ليعبدون) فقالوا أنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ ١٦٩ قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض . الغرض بسبب هذه المشابهة . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أهل الاباحة بقوله تعالى (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) على أنه تعالى خلق الکل للکل فلا یکون لأحد اختصاص بشيء أصلا وهو ضعيف لآنه تعالی قابل الكل بالكل ، فيقتضى مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الاباحة وقد بيناه في أصول الفقه. المسألة الثالثة ﴾ قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض ، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعاً للموضعین ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عر وق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه . ﴿ المسألة الرابعة) قوله (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره، وأما قوله تعالى ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الاعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزها عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله ( ثم استوى) يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلا أولا ولو كان حاصلاً أولا لما كان متأخراً عن خلق ما في الأرض لکن قوله ( ثم استوى ) يقتضى التراخي ، ولما ثبت هذا وجب ، التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله ( ثم استوى إلى السماء) أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض. ﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ) مفسر بقوله ( قل أثنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً ، وإلى مكة ثلاثون يوماً يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم . استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال ( خلق السموات والأرض في ستة أيام ) . ٠ : : ١٧٠ قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض . المسألة الثالثة﴾ قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله ( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض فییومین)إلى قولهتعالى(ثم استویإلی السماء) وقال في سورة النازعات ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها) وهذا يقتضى أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً. أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين . الأول أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضاً لا محالة متأخراً عن خلق السماء ، الثاني : أن قوله تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء) يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا یمکن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضى تقدم کونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذ يتحقق التناقض . والجواب: أن قوله تعالى (والأرض بعد ذلك دحاها ) يقتضى تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضى أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله تعالى ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ) يقتضى أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذ يعود السؤال، وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن قوله ((ثم)) ليس للترتيب، ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ الضمير في فسواهن ضمير مبهم ، وسبع سموات تفسير له كقوله ربه رجلا وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولاً لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي ابيان بعد ذلك شقاء لها بعد التشوف ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ومعنی تسویتھن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن . ﴿ا المسألة الخامسة﴾ إعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات ، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس. ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب ١٧١٠ قوله تعالى « هو الذي خلق لکمما في الأرض الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد ، وبياض الزهرة ، وزرقة المشتري ، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة . وكوب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانکسافها به ولکن لا يدل على کونها تحت سائر الکواکب أو فوقها لأنها لا تنکسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين أحدهما : ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس ، وهذا ضعیف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أنه حصل في وجه القمر المحو ، الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فانه قليل جداً فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في تلخيصه لفصول الفرغاني : إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكاً . واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الافلاك تسعة ، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه ، وأما الفلك : التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب ، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بد من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت . وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه . أولها : لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار ودونه خرط القتاد . وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها ، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن . وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا ، فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له ، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على ١٧٢ قوله تعالى (( هو الذي خلق لكم ما في الأرض . .. عدم المدلول ، والذى يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لى إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع ، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال أن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة وكلتا المقدمتين غير يقينيتين . أما الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحد ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة لأنا لو قدرنا أن واحداً منها يتمم. الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة . والاخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءاً من ألف ومائتي جزء من واحد ، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشرسنين والمائة والألف مما لا يحس به البتة ، وإذا كان ذلك محتملاً سقط القطع البتة عن استواء حركات الثوابت . وأما الثانية : فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة فی کرة واحدة لأحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا . وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة الیومیة لیس جرماً واحداً بل أ جراماً كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قلیل لا تفي بادراکھا أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الاطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها ، ومن أصحاب الهيئة من قطع باثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه ، الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار بکل من کان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده (( لح یا )) (١) ثم وجد في زمان المأمون (( کح له )) ثم وجد بعد المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضى أن من شأن المنطقتين ان یقل میلھما تارة ویکثر أخری وهذا إنما یمکن إذا كان بین كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب ، وتارة إلى الشمال . كما هو الآن . الثاني : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في كتب النجوم حتى أن بطليموس حكى عن أبرخیی أنه كان (١) يريد بعبارة (لح با) أي عددها بالجمل يساوي ٥٤٩ وبعبارة (كح له) أن عددها بالجمل ٦٣ وهما زاويتا الميل. وذهب المحدثون من الجغرافيين إلى أنه ٢٧٫٥ . : ١٧٣ قوله تعالى (( هو الذي خلق لكم ما في الأرض. شاكاً في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه یقول في بعض أقاویله إنها مختلفة ، وفي بعضها : إنها متساوية ثم ان الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين . أحدهما : قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله ، الثاني : قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام : إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه ، وحكى عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الاسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من (( كب )) درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية ، فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد ؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد . المسألة السادسة ﴾ قوله تعالى ( وهو بكل شيء عليم ) يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها ، وذلك يدل على أمور . أحدها : فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين ، وذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى في الجزئيات بأن قالوا: إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الأحكام والإتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بد وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم على ذلك كونه عالماً ، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن . وثانيها : فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بد وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بد وأن يكون بارادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والارادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق الشيء لا بد وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل . فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالما بها وبتفاصيلها في العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه . وثالثها : قالت المعتزلة : إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله ( وفوق كل ذي علم عليم ) ظهر أنه تعالى عالم بذاته ، والجواب : قوله تعالى ( وفوق كل ذي علم عليم ) عام وقوله ( أنزله بعلمه ) خاص والخاص مقدم على العام . والله تعالى أعلم . ١٧٤ قوله تعالى : وإذا قال ربك للملائكة . سورة البقرة. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلِكَةِ إِنّى جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِقَةً قَالُواْ أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَتَحْنُ نُسَبِحُ بِدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَلَا تَعْلُونَ ٣٠ إعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه. فيكون ذلك إنعاماً عاماً على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي. أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ فى إذ قولان. أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب . الثاني : وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب باضمار اذكر ، والمعنى اذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين. أحدهما :· أن المعنى معروف . والثاني : أن الله تعالى قد كشفذلك في کثیر من المواضع كقوله ( واذكر أخاً عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف) وقال ( واذكر عبدنا داود ، واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذا أرسلنا إليهم اثنين ) والقرآن جاء كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح. قال صاحب الكشاف: ويجوز أن ينتصب ((إذا)) بقالوا . المسألة الثانية ﴾ الملك أصله من الرسالة ، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من ((ملأكة)) حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلباً". للخفة لكثرة استعمالها . قال صاحب الكشاف: الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في . جمع شمأل وإلحاق التاء التأنيث الجمع . المسألة الثالثة﴾ من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدماً على الكلام في الأنبياء لوجهين. الأول : أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان. بالرسل في قوله ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ولقد قال عليه السلام (( ابدؤا بما بدأ الله به)) الثاني : ان الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان. مقدماً على الرسول ، ومن الناس من قال : الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه: لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع ، فكان الكلام في النبوات أصلاً. للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات، والأولى أن يقال الملك قبل النبي ١٧٥ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا . واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الانسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لا بد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون ، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات محيزة فهنا أقوال . أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات ، وهذا قول أكثر المسلمين . وثانياً : قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد والانحاس فانها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب ، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة ، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع ، ويحيي ولا يبلي وجوهر الظلمة على ضد ذلك . ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء . وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية . القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتجيزة ولا بأجسام فههنا قولان . أحدهما ؛ قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة البتة ، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علماً منها ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ، ثم إن هذه الجواهر على قسمين ، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة . فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما ، ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين، فهذا -تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث ١٧٦ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟ أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة ، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة ، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوهاً عقلية اقناعية ولنشر إليها . أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتاً ، فنقول القسمة العقلية تقتضى وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقا وميتاً معاً وهو الإِنسان ، أو يكون ميتاً ولا يكون ناطقاً وهو البهائم ، أو يكون ناطقاً ولا يكون ميتاً. وهو الملك ، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق ، وأوسطها الناطق الميت ، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت ، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها ، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى ، وثانياً : أن الفطرة تشهد بأن عالم السموات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني ، ولا تحصل البتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف. وثالثها : أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة ، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى ، وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة . وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات ، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة ، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها ، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها ، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة ، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم . المسألة الرابعة ﴾ في شرح كثرتهم: قال عليه الصلاة والسلام ((أطت السماء وحق لها أن تعط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع )) وروى أن بني آدم عشر الجن ، والجن وبنوآدم عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا ، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة ، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الکرسی نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول کل سرادف وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فانها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً ،وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحرولا يعلم عددهم إلا الله . ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع اسرافيل عليه السلام . والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه ١٧٧ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة. السلام . وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه تعالى . رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم ، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسأمون ، لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى ، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) . وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله لر أيهم إلى أين يذهبون . فقال جبريل عليه السلام . لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحداً منهم وقيل له مذ كم خلقت ؟ فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكباً في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة ، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله . واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم . أما الأصناف فأحدها : حملة العرش وهو قوله ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) وثالثها : أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما بقوله تعالى ( من كان عدواً لله. وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور . الأول : أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن ( قل من كان عدوا لجبريل ) ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية ، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه ( فان الله هو مولاه وجبریل وصالح المؤمنين ) . الرابع : سماء روح القدس قال فی حق عيسى عليه السلام ( إذا أيدتك بروح القدس ) الخامس: ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين ، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) فرسالته أنه رسول الله وَ له إلى جميع الأنبياء ، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء ، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها ، ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالى ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) وكونه مطاعاً أنه إمام الملائكة ومقتداهم ، وأما كونه أميناً فهو قوله ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) ومن جملة أكابر الملائكة إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار فخر الرازي ج ٢ م ١٢ ١٧٨ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . وثبت بالخبر أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بکم ) وأما قوله ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) فذلك يدل على وجود ملائكة! موكلين بقبض الأرواح ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال : تعالى ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) . وأما اسرافيل. عليه السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور على ما قال تعالى(ونفخ في الصورة فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) :.. ورابعها : ملائكة الجنة قال تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما . صبرتم فنعم عقبى الدار ) . وخامسها : ملائكة النار قال تعالى ( عليها تسعة عشر) وقوله تعالى ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائکة) ورئيسهم مالك ، وهو قوله تعالى ( ونادوا یا مالك ليقض علينا ربك ) وأسماء الزبانية قال تعالى ( فليدع ناديه سندع الزبانية ) وسادسها : الموكلون ببني آدم لقوله تعالى ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب . عتيد ) وقوله تعالى ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وقوله تعالى ( وهو . القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة). وسابعها : كتبة الأعمال وهو قوله تعالى ( وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ) . وثامنها : الموكلون بأحوال هذا العالم. وهم المرادون بقوله تعالى ( والصافات صفاً) وبقوله (والذاريات ذرواً) إلى قوله ( فالمقسمات .. أمراً) وبقوله ( والنازعات غرقاً) . وعن ابن عباس قال: إن لله ملائكة سوى الحفظة: يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار ، فإذا أصاب أحدكم حرجة بأرض فلاة فليناد : أعينوا . عباد الله يرحمكم الله . وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه . أحدها : أن الملائكة رسل الله ، .. قال تعالى ( جاعل الملائكة رسلاً) أما قوله تعالى ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً) فهذا يدل علی أن بعض الملائكة هم الرسل فقط ، وجوابه أن من للتبیین لا للتبعیض . وثانیھا : قربهم، من الله تعالى ، وذلك يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو. القرب بالشرف وهو المراد من قوله ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) وقوله ( بل عباد مكرمون) وقوله ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون وثالثها : وصف طاعاتهم وذلك من وجوه . الأول : قوله تعالی حکایة عنهم ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وقال في موضع آخر ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها . . مواظبتهم على العبادة . الثاني ؛ مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيماً له وهو قوله ( فسجد .. الملائكة کلهم أجمعون ) . الثالث : أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحيه وأمره وهو قوله (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ). ورابعها : وصف قدرتهم وذلك من وجوه . الأول : ١٧٩ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السموات السبع لقوله ( وسع كرسيه السموات والأرض ) فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم . الثاني : أن علو العرش شيء لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله ( تعرج الملائكة والروح إليه فی یوم كان مقداره خمسين إلف سنة ) ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة . الثالث : قوله تعالى ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلّا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق من في السموات والأرض ، وبالنفحة الثانية منه يعودون أحياء". فاعرف منه عظم هذه القوة . والرابع : أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة ، وخامسها : وصف خوفهم ويدل عليه وجوه . الأول : أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات البتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى ( يخافون ربهم من فوقهم ) وقال ( وهم من خشيته مشفقون ) . الثاني : قوله تعالى ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) روى في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السموات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فاذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، الثالث . روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال بينما رسول الله وَليل بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنوا من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله وسلم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ، قال عليه السلام : فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبداً نبياًفعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه وبين الرب وبينه سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن کان من عمل میکائیل أمره به وإن کان من عمل ملك الموت أمره به قلت یا جبريل على أي شيء أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات . قلت على أي شىء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت منى إلا خوفاً من قيام الساعة . واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام ١٨٠ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال في بعض خطبه : ثم فتق ما بين السموات العلى فملأهن أطواراً من ملائكة فمنهم سجود لا یرکعون ورکوع لا ینتصبون وصافون لا یتزایلون مسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعاده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر . المسألة الخامسة ﴾ اختلفوا في أن المراد من قوله ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم (إني جاعل في الأرض خليفة ) وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون التخصيص خلاف الأصل . ﴿ المسألة السادسة﴾ جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله ( في الأرض خليفة ) فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة. ﴿ المسألة السابعة﴾ الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب وروى عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﴿3﴾ أنه قال: دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به وهو في الأرض التي قال الله تعالى ( إني جاعل في . الأرض خليفة ) والأول أقرب إلى الظاهر . المسألة الثامنة ﴾ الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض . واذكروا إذ جعلكم خلفاء ) فأما أن المراد بالخليفة من ؟ ففيه قولان . أحدهما : أنه آدم عليه السلام . وقوله ( أتجعل فيها من يفسد فيها) المراد ذريته لا هو، والثاني : أنه ولد آدم ، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد اختلفوا في أنه تعالى لم سماء خليفة وذكروا فيه وجهين ، الأول : بأنه تعالى لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض