النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشاً . طبيعة مؤثرة ، وفي الأرض طبيعة قابلة ، فاذا اجتمعا حصل الأثر من تلك القوة التي خلقها الله تعالى؟ والجواب : لا شك أن على كلا القولين لا بد من الصانع الحكيم وأما التفصيل فنقول : لا شك أنه تعالى قادر على خلق هذه الثمار ابتداء من غير هذه الوسائط لأن الثمرة لا معنى لها إلا جسم قام به طعم ولون ورائحة ورطوبة ، والجسم قابل لهذه الصفات ، وهذه الصفات مقدورة لله تعالى ابتداء لأن المصحح للمقدورية إما الحدوث ، أو الامكان ، وإما هما وعلى التقديرات فانه يلزم أن يكون الله تعالى قادراً على خلق هذه الأعراض في الجسم ابتداء بدون هذه الوسائط، ومما يؤكد هذا الدليل العقلي من الدلائل النقلية ما ورد الخبر بأنه تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط ، إلا أنا نقول قدرته على خلقها ابتداء لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام ، وظاهر قول المتأخرين من المتكلمين إنكار ذلك ولا بد فيه من دليل. السؤال الثاني : لما كان قادراً على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة في خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة ؟ والجواب : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوهاً . أحدها أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج ، لأن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث والغرض طلباً للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية ، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى ، وصار هذا كما قلنا أنه تعالى قادر على خلق الشفاء من غير تناول الدواء لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعاً لضرر المرض ، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب كان أولى وثانيها : أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط لحصل العلم الضروري باسنادها إلى القادر الحكيم ، وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء أما لو خلقها بهذه الوسائط فحينئذ يفتقر المكلف في إسنادها إلى القادر إلى نظر دقيق ، وفكر غامض فيستوجب الثواب ، ولهذا قيل : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب . وثالثها : أنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة . السؤال الثالث : قوله ( وأنزل من السماء ماء) يقتضي نزول المطر من السماء وليس الأمر كذلك فان الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء فتجتمع هناك بسبب البرد وتنزل بعد اجتماعها وذلك هو المطر . والجواب من وجوه . احدها : أن السماء إنما سميت سماء لسموها فكل مَّا سماك فهو سماء فاذا نزل من السحاب فقد نزل من السماء وثانيها : أن المحرك لاثارة تلك الأجزاء الرطبة من عمق الأرض الأجزاء الرطبة ( أنزل من السماء ماء ) وثالثها : أن قول الله هو الصدق وقد أخبر أنه تعالى : ١٢٢ قوله تعالى : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون . ينزل المطر من السماء ، فاذا علمنا أنه مع ذلك ينزل من السحاب فيجب أن يقال ينزل من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . السؤال الرابع : ما معنى من في قوله ( من الثمرات ) الجواب فيه وجهان . أحدهما؛ التبعيض لأن المنكرين أعني ماء ورزقاً يكتنفانه. وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم . والثاني ؛ أن يكون للبيان كقولك أنفقت من الدراهم. إنفاقاً ، فان قيل فبم انتصب رزقاً؟ قلنا إن كان من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له . وإن كانت مبينة كان مفعولا لأخرج . السؤال الخامس : الثمر المخرج بماء السماء كثير، فلم قيل: الثمرات دون الثمر أو الثمار؟ الجواب : تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا وإشعاراً بتعظيم أمر الآخرة. والله أعلم. أما قوله تعالى ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ففيه سؤالات السؤال الأول: بم تعلق قوله ( فلا تجعلوا ) الجواب فيه ثلاثة أوجه . أحدها : أن يتعلق بالأمر ، أي اعبدوا فلا تجعلوا لله أنداداً فان أصل العبادة وأساسها التوحيد. وثانيها. بلعل ، والمعنى خلقكم لكي تتقا وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له نداً فانه من أعظم موجبات العقاب . وثالثها : بقوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً) أي هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شركاء السؤال الثاني : ما الند؟ الجواب : أنه المثل المنازع وناددت الرجل نافرته من ند ندوداً إذا نفر كأن كل واحد من الندين يناد صاحبه أي نافره ويعانده ، فان قيل إنهم لم يقولوا إن الأصنام تنازع الله . قلنا لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم وكما تهكم بلفظ الند شنع عليهم بأنهم جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصلح أن يكون له ندقط، وقرأ محمد بن السميفع فلا تجعلوا لله نداً . السؤال الثالث : ما معنى ( وأنتم تعلمون ) الجواب : معناه إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله تعالى ، فلا تقولوا ذلك فان القول القبيح ممن علم قبحه یکون أقبح وههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت الله شريكاً يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة ، وهذا مما لم يوجد إلى الآن لكن الثنوية يثبتون إلهين أحدهما حليم يفعل الخير والثاني سفيه يفعل الشر، وأما اتخاذ معبود سوى الله تعالى ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة ، الفريق الأول عبدة الكواكب وهم الصائبة ، فانهم يقولون إن الله تعالى خلق هذه الكواكب ، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا فيجب علينا أن نعبد الكواكب ، . ١٢٣ قوله تعالى : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون . والكواكب تعبد الله تعالى. والفريق الثاني : النصارى الذين يعبدون المسيح عليه السلام. والفريق الثالث؛ عبدة الأوثان ، واعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان ، وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل الينا تاريخهم هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله تعالى عن قومه في قوله ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً) فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه السلام . وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة . والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف فساده بالضرورة لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليم ، فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك والعلماء ذكروا فيه وجوهاً . أحدها : ما ذكره أبو معشر جعفر ابن محمد المنجم البلخى فى بعض مصنفاته أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن الله تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور ، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة ، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة ، فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفي إلى الله تعالى وملائكته فان صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه . وثانيها : ما ذكره أكثر العلماء وهو أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فان بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة ، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ، فمنهم من أعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم ، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم ، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة والفريق الثاني أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها ، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية ، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة ، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل ، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب . وثالثها : أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلما ١٢٤ قوله تعالى : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون . بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة ولما طالت مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر واشتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. ورابعها : أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله) وخامسها : لعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها. فعبدوها على هذا التأويل ، فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل. ١ المسألة الثانية ﴾ فان قال قائل: لما رجع حاصل مذهب عبدة الأوثان إلى هذه الوجوه التي ذكرتموها فمن أين يلزم من إثبات خالق العالم أن لا يجوز عبادة الأوثان؟ الجواب قلنا: إنه تعالى إنما نبه على كون الأرض والسماء مخلوقتين بما بينا أن الأرض والسماء يشاركون سائر الأجسام في الجسمية فلا بد وأن يكون اختصاص كل واحد منهما بما اختص به من الأشكال والصفات والأخبار بتخصيص مخصص وبينا أن ذلك المخصص لو كان جسماً لافتقر هو أيضاً، إلى مخصص آخر ، فوجب أن لا يكون جسماً ، إذا ثبت هذا فنقول: أما قول من ذهب إلى١ عبادة الأوثان بناء على اعتقاد الشبه فلما دللنا بهذه الدلالة على نفي الجسمية فقد بطل قوله ، وأما القول الثاني وهو أن هذه الكواكب هي المدبرة لهذا العالم فلما أقمنا الدلالة على أن كل جسم يفتقر في اتصافه بكل ما اتصف به إلى الفاعل المختار بطل كونها آلهة ، وثبت أنها عبيد لا أرباب ، وأما القول الثالث وهو قول أصحاب الطلسمات فقد بطل أيضاً لأن تأثير الطلسمات ، إنما يكون بواسطة قوى الكواكب ، فلما دللنا على حدوث الكواكب ثبت قولنا وبطل قولهم . وأما القول الرابع والخامس فليس في العقل ما يوجبه أو يحيله ، لكن الشرع لما منع منه وجب " الامتناع عنه. وأما القول السادس فهو أيضاً بناء على التشبيه فثبت بما قدمنا أن إقامة الدلالة على افتقار العالم إلى الصانع المختار المنزه عن الجسمية يبطل القول بعبادة الأوثان علی کل التأويلات والله أعلم. المسألة الثالثة ﴾ أعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتخذوها معبوداً لهم على حدة ، وقد كان هيكل العلة الأولى - وهي عندهم الأمر الإلهي - وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة . وهيكل النفس والصورة مدورات كلها ، وكان هيكل زحل مسدساً . وهيكل ١٢٥ قوله تعالى : وإن كنتم في ريب مما نزلنا . سورة البقرة وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّ نَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَ كُم مِّنْ دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَدِدِقِينَ (﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَتَّقُواْ النَّارَ آلَّى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ () المشتري مثلثاً . وهيكل المريخ مستطيلاً ، وهيكل الشمس مربعاً ، وكان هيكل الزهرة مثلثاً فى جوفه مربع وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل ، وهيكل القمر مثمنا بزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولى أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة إلى، البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه ارباب نستنصر بها فتنصر، ونستسقي بها فنسقي. فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى تعظيمه ، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف. واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة ((غمدان)) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ومنها ((نوبهار بلخ)) الذي بناه منوشهر الملك على اسم القمر ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (( ود)) بدومة الجندل لكلب و((سواع)) لبني هذيل و((يغوث)) لبني مذحج و((يعوق)) لهمدان (( ونسر)» بأرض حمير الذي الكلاع و((اللات)) بالطائف لثقيف و((مناة)) بيثرب للخزرج و((العزى)) لكنانة بنواحي مكة و((أساف ونائلة)) على الصفا والمروة وكان قصي جد رسول الله ﴿مَ﴾﴾ ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، وكذلك زید بن عمرو بن نفيل وهو الذي يقول: أدین إذا تقسمت الأمور أربا واحداً أم ألف رب كذلك يفعل الرجل البصير تركت اللات والعزى جميعاً الكلام في النبوة قوله تعالى: ﴿ وإن کنتم فی ریب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع ١٢٦ قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا . وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة ، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد ﴿وَ﴾ مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً . واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين . الأول : أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض ، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث ، وإنما قلنا إنهما باطلان ، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين ، فان وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الإإحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية . وكانوا في محبة أبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح ، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً هو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً ، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد ؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضى نقصان فصاحته ، ومع ذلك فانه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً، أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم ، وثانيها : أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما . ولم يكن شعرهما الاسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلى وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى . وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين . والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته . ورابعها : أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فانه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول. وفي القرآن التكرار الکثیر ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا. وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتجريم القبائح والحث على ١٢٧ قوله تعالى : وإن كنتم في ريب مما نزلنا ، مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة. وسادسها : أنهم قالوا إن شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل . وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فانه يضعف كلامه في غير ذلك الفن ، أما القرآن فانه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة ، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ) وقال تعالى ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) وقال في الترهيب ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر الآيات ) وقال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فاذا هي تمور. أم أمنتم الآية ) وقال ( وخاب كل جبار عنيد) إلى قوله ( ويأتيه الموت من كل مكان ) وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله ( فكلا أخذنا بذنبه) إلى قوله ( ومنهم من أغرقنا) وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه ( أفرأيت إن متعناهم سنين) وقال في الإلهيات ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ما تغيض الأرحام وما تزداد إلى آخره ) . وسابعها : أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن ، وكذا علم أصول الفقه . وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل كتابنا في دلائل الاعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى ، الطريق الثاني : أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز ، أولم يكن كذلك فان كان الأول ثبت أنه معجز . وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنه فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الاتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب . المسألة الثانية ﴾ أنما قال (نزلنا) على لفظ التنزيل دون الانزال لان المراد النزول على سبيل التدريج ، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله ومخالفاً لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حيناً فحينا بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجاتّ المختلفة فان الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لانزله على خلاف هذه العادة جملة ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) والله سبحانه وتعالى ذكرههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون ، فان كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج ، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على ١٢٨ قوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله . التدريج معجز وقرىء ((على عبادنا)) يريد رسول الله ﴿وَل﴾﴾ وأمته. ﴿ المسألة الثالثة﴾ السورة هي طائفة من القرآن، وواوها إن كانت أصلا فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها ، وإما أن تسمى بالسورة التي هي التربة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء وهي أيضاً في أنفسها طوال وأوساط وقصار. أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين ، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سوراً قلنا من وجوه . أحدها : ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبواباً وفصولا . وثانيها : أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن. وثالثها : أن القارىء إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشطه للسير. ورابعها : أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به ، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. المسألة الرابعة ﴾ قوله ( فأتوا بسورة من مثله ) يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث : أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن . ﴿ المسألة الخامسة ﴾ اعلم أن التحدى بالقرآن جاء على وجوه . أحدها : قوله ( فأتوا بکتاب من عند الله هو أهدی) . وثانيها : قوله ( قل لئن اجتمعت الأنس والجن علی أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) . وثالثها: قوله ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ورابعها: قوله ( فأتوا بسورة من مثله ) ونظیر هذا کمن یتحدی صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله ، ائتني بنصفه ، ائتني بربعه ، ائتني بمسألة منه ، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله ( فأتوا بسورة من مثله ) يتناول سورة الكوثر ، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون ، ونحن نعلم بالضرورة أن الاتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الاتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين ، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الاعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً . فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز. : ١٢٩ قوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله . المسألة السادسة ﴾ الضمير في قوله ( من مثله ) إلى ماذا يعود وفيه وجهان. أحدهما . أنه عائد إلى ((ما )) في قوله ( مما نزلنا على عبدنا ) أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني: أنه عائد إلى ((عبدنا)) أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ، والأول مروي عن عمر وابن مسعود ، وابن عباس والحسن وأكثر المحققين ، ويدل على الترجيح له وجوه . أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس ( فأتوا بسورة مثله). وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا ) فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئاً مما يماثله وقضية الترتيب لو ﴾ أن يقال : وإن ارتبتم فی ان محمد منزل عليه فهاتوا كان الضمير مردوداً إلى رسول الله ﴿ قرآنا من مثله. وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا أو سواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين ، أما لو كان عائداً إلى محمد ﴿3﴾﴾ فذلك لا يقتضى إلا کون أحدهم من الأمیین عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد ، والقارىء لا يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الاعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها : أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم . وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى . وخامسها : أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن. ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى. المسألة السابعة﴾ في المراد من الشهداء وجهان . الأول : المراد من ادعوا فيه الالهية وهي الأوثان ، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد ﴿وَ﴾﴾ إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة فى التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر، فيكون في الكلام محاجة من وجهين. أحدهما : في إبطال كونها آلهة . والثاني في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله. الثاني: المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام ، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر. فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى؟ فخر الرازي ج ٢ م ٩ - ١٣٠ قوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله . قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول: الأولى حمله على الأكابر، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن یشاهد ویشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة، وذلك لا يتحقق إلا في حق رأسائهم، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز، في اطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال: المراد وادعوا من ! تزعمون أنهم شهداؤكم، والاضمار خلاف الأصل، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام ، لأنه یصیر کأنه قال: وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الانكار. فان المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الاضافة في قوله شهداءكم ، ولانه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . ﴿ المسألة الثامنة ﴾ أما ( دون) فهو أدنی مکان من الشيء ومنه الشيء الدون ، وهو الحقير الدني ، ودون الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال : هذا دون ذاك إذا کان أحط منه قليلاً ، ودونك هذا ، أصله خذه من دونك أی من أدنی مکان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال ، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حداً إلى حد ، قال الله تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين . أولياء من دون المؤمنين ) أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فان قيل فما متعلق : من دون الله قلنا فیه وجهان . أحدهما : أن متعلقه(( شهداءكم )) وهذا فيه احتمالان. الأول : المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق ، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز ! بفصاحته غاية التهکم بهم . والثاني : ادعوا شهداءکم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله ، وهذا من المساهلة والاشعار بأن شهداءكم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما : أن متعلقه هو الدعاء ، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم ، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق ، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام ، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم ، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم : الله يشهد إنا الصادقون . ١٣١ قوله تعالى : فان لم تفعلوا ولن تفعلوا . ﴿ المسألة التاسعة﴾ قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه. أحدها: أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه ، فمن ينفي كون العبد فاعلا لم يمكنه إثبات التحدي أصلا وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز . وثانيها : أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً . وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم وثالثها : أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الاعجاز عل هذا القول ورابعها : أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة ، فاذا كان قولهم : إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز. وخامسها: أن الرسول ﴿فَل﴾﴾ يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقاً له فیما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم یکن داخلاً في الاعجاز . وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق ، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله ، والجواب . أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدي به قصداً أو أن يقع ذلك منه اتفاقاً ، والثاني باطل ، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه ، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن أتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه ، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال . أما قوله تعالى ﴿ فان لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة أحدها : أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله ﴿رص#﴾ وفى غاية الحرص على أبطال أمره ، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك ، فاذا انضاف اليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى ( فان لم تفعلوا ولن تفعلوا ) فلو كان في وسعهم وإمكانهم الاتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به ، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز . وثانيها : وهو أنه عليه السلام وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب ، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته ، بل كان يكون وجلا خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره ، حاشاه من ذلك ﴿وَلَ﴾، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق . وثالثها : أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله ، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه ، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه ، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام . ولا يجزم به ، فلما جزم دل على أنه عليه ١٣٢ قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . الصلاة والسلام كان قاطعاً في أمره ، ورابعها : أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإِسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه . ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط ، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية ، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال، وههنا. سؤالات. السؤال الأول ؛ انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، فهلا جيء باذا الذي للوجوب دون ((إن)) الذي للشك الجواب فيه وجهان : أحدهما أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم ، فانهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام . الثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه : إن غلبتك ، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به . السؤال الثاني : لم قال ( فان لم تفعلوا ) ولم يقل فان لم تأتوا به ؟ الجواب : لأن هذا أخصر من أن يقال فان لم تأتوا. بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله . السؤال الثالث : ( ولن تفعلوا ) ما محلها ؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية . السؤال الرابع : ما حقيقة لن في باب النفي ؟ الجواب : لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في ((لن)) توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك: لا أقيم غداً عندك ، فان أنكر عليك قلت لن أقيم غداً ، ثم فيه ثلاثة أقوال . أحدها . أصله لا أن ، وهو قول الخليل . وثانيها : لا ، أبدلت ألفها نوناً، وهو قول الفراء . وثالثها : حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه ، وإحدى الروايتين عن الخليل . السؤال الخامس : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ الجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله ﴿1﴾، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، وجعل قوله ( فاتقوا: النار ) قائماً مقام قوله فاتركوا العناد ، وهذا هو الا يجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تھویل لشأن العناد ؛ لانابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار . السؤال السادس : ما الوقود ؟ الجواب: هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضمون وقد جاء فيه الفتح، قال. سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً، ثم قال والوقود أكثر ، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده . السؤال السابع : صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة : توقد بالناس والحجارة؟ الجواب . لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو ﴾ أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم ( ناراً وقودها سمعوه من رسول الله ١٣٣ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات سورة البقرة وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوْلَصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحَِ الْأَنْهُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَ مِن تَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ الناس والحجارة ) . السؤال الثامن : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة ؟ الجواب : تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولا . السؤال التاسع : ما معنى قوله ( وقودها الناس والحجارة ) الجواب : أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة ، وذلك يدل على قوتها من وجهين . الأول : أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أو قدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق . الثاني : أنها لافراط حرها تتقد في الحجر . السؤال العاشر: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟ الجواب : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنیا حیث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) وهذه الآية مفسرة لها فقوله ( إنكم وما تعبدون من دون الله ) في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم ، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم ، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم، وفضتهم عدة وزخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، وقيل هي حجارة الكبريت ، وهو تخصيص بغير دليل ، بل فيه ما يدل على فساده ، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والايقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الايقاد بها على قوة النار ، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فان سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا ، أما قوله ( أعدت للكافرين ) فانه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين ، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيراناً أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة. الكلام في المعاد قوله تعالى ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما ١٣٤ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة البقرة وَنُواْ بِهِ، مُتَشَئِهاً وَلَهُمْ فِيَهَا أَزْ وَجُ مُطَهِرَةٌ وَهُمْ فِيَهَا نَجَلِدُونَ. ٢٥ رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ﴾ . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما الامكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه . الوجه الأول : ان كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالی حکم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول ﴿3﴾ عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، هذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار ، والجنة للابرار ، وما أقام عليه دليلا بل اکتفی بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وقال في سورة التغابن (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتعبن ثم لتنبؤن بما عملتم ) . الوجه الثاني أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالی ذکر فیها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أثنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ، فأجابهم الله تعالى بقوله ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة . أولها : قوله ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) وجه الاستدلال بذلك أن المنى إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث فى آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم أن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً ، أولا في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المنى ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء ١٣٥ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) إلى قوله (وترى الأرض هامدة ) ثم قال ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) وقال في سورة لا أقسم ( ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى ) وقال في سورة الطارق ( فلينظر الانسان مم خلق؟ خلق من ماء دافق يخرج ) إلى قوله ( إنه على رجعه لقادر ) . وثانيها قوله ( أفرأيتم ما تحرثون أ أنتم تزرعونه ) إلى قوله ( بل نحن محرومون ) وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضى أن يتعفن ويفسد ، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة ، ففيهما جميعاً أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع ، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق باذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان إحداهما خفيف صاعد . والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء . ونظيره قوله تعالى في الحج ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) وثالثها: قوله تعالى (أفرأ يتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ ) وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع ، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع ، فلا بد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول . وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها . وثالثها : تسييرها بالرياح ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز ، وكل ذلك يدل على جواز الحشر. أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء ١٣٦ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فاذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى وأعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد ( إن ربكم الله الذي) إلى قوله ( قريب من المحسنين ) ثم ذكر دليل الحشر فقال ( وهو الذي يرسل الرياح ) إلى قوله ( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) ورابعها : قوله ( أفرأ يتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ) وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة ، وأيضاً النار لطيفة ، والشجرة كثيفة . وأيضاً النار نورانية والشجرة ظلمانية ، والنّار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة ، فاذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة ، فاذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ) واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ) إلى قوله ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده) وذکر الأرض في الحج في قوله ( وترى الأرض هامدة ) فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بامكان الحشر والنشر. النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر: هو أنه تعالى يقول: لما كنت قادراً على الايجاد أولا فلأن أكون قادراً على الاعادة.أولى .. وهذه. الدلالة تقريرها في العقل ظاهر ، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في البقرة ( كيف تکفرون بالله وکنتم أمواتاً فاحیاکم ثم یمیتکم ثم یحییکم ثم إلیه ترجعون ) ومنها قوله فی سبحان الذي ( وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أننا لمبعوثون خلقاً جديداً قل كونوا حجارة ) إلى قوله ( قل الذي فطركم أول مرة ) ومنها في العنكبوت ( أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده) ومنها قوله في الروم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى) ومنها في يس ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر. وذلك في آيات منها في سورة سبحان ( أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ) وقال في یس ( أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) وقال في الأحقاف أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) ومنها في سورة ق ( أئذ متنا وكنا تراباً ) إلى قوله ( رزقاً للعباد وأحيينا به 1 بـ ١٣٧ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . بلدة ميتاً كذلك الخروج ) ثم قال ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد) النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لا بد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات ، منها في يونس ( إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) ومنها في طه ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) ومنها في ص ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ) ومنها قصة إبراهيم عليه السلام ( رب أرني كيف تحبى الموتى ) ومنها قوله ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فانه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ) ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال ( لتعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله ( وآتيناه أهله) يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى بحيث قال ( ويحيي الموتى ) وقال ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً باذني ) ومنها قوله ( أو لا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً ) فهذا هو الاشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسیر کل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى ، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر ، والدليل عليه قوله ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ) ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته ، فلولم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حیث تعذر عليه تمییز أجزاء بدن كل واحد من المكلفین عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجباً للكفر قطعاً والله أعلم . المسألة الثانية﴾ هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين، أما النار فلأنه ٠٠ ١٣٨ قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . تعالى قال في صفتها ( أعدت للكافرين ) فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى ( أعدت للمتقين ) ولأنه تعالى قال ههنا ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضى حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان . ١ ﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) والمطعم بقوله ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) والمنكح بقوله ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال کان التنعم منغصاً فبین تعالی ان هذا الخوف زائل عنهم فقال ( وهم فيها خالدون ) فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر. ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية . أما قوله تعالى ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ ففيه سؤالات. الأول: علام عطف هذا الأمر؟ والجواب من وجوه . أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل. من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة. على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق . وثانيها : أنه معطوف على قوله ( فاتقوا ) كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما. جنيتم وبشريا فلان بني أسد باحساني إليهم . وثالثها : قرأ زيد بن على (وبشر) على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدت . السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله ﴿2﴾ وأن يكون كل أحدكما قال عليه الصلاة والسلام ((بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة )) لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقیق بأن یبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث ؛ ما البشارة ؟ الجواب : أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما ( فبشرهم بعذاب أليم ) فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ ففيه مسائل : - ١٣٩ قوله تعالى ((وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار هو خلاف الأصل. المسألة الثانية ﴾ من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فاذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة ، يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال ، والقول أيضاً بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه ، أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فان تضادا كان طريان الطارىء مشروطاً بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللاً بطریان الطارئء لزم الدور وهو محال . وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي ، فأما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا فحينئذ يبطل القول بالمحابطة ، وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فان تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بازالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته ، فإما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثراً في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال ، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص . أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص ، وهو محال ، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب ، وأيضاً فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فاما أن يبقى الطارىء ، أو يزول . أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معاً أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لا بد وأن يكون موجوداً حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً ، فيلزم أن يوجد حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً، وأما إن كان المتقدم أقل فاما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء ١٤٠ قوله تعالى : كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً . الطارىء ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثراً في الازالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان . الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلومات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفراً وهذا قول ظاهر السقوط ، الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً ، وهو قول أهل السنة واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات. المسألة الثالثة ﴾ احتجت المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فان في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع ، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازاً .. 1 المسألة الرابعة﴾ الجنة: البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدرا جنة إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان ، فان قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار؟ الجواب : أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات ، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله ( فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) وأما قوله ﴿ كلما رزقوا ﴾ فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات. أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة لأنه لما قیل : إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟ وههنا سؤالات. السؤال الأول : ما وقع من ثمرة؟ الجواب فيه وجهان . الأول : هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة القردة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . الثاني : وهو أن يكون من ثمرة بياتاً على منهاج قولك رأيت منك أسداً تزيد أنت أسد ، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة . السؤال الثاني: كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل ، الجواب : لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب : .