النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
أما المقام الأول﴾ فاحتج الخصم عليه بأمور . أحدها : أنَّا إذا تفكرنا وحصل لنا
عقيب فكرنا اعتقاداً فعلمنا بكون ذلك الأعتقاد علماً ، إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً ،
والأول باطل لأن الانسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الاعتقاد علماً ، وفي اعتقاده في أن
الواحد نصف الاثنين ، وأن الشمس مضيئة والنار محرقة ، وجد الأول أضعف من الثاني ،
وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل ، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني
كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . وثانيها : إنا رأينا عالماً من الناس قد تفكروا
واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد ، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم
أن ذلك كان جهلاً فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون
الاعتقاد الحاصل ثانياً كذلك ، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد
المستفادة من الفكر والنظر . وثالثها : أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه ، لأن
تحصیل الحاصل محال ، وإن كان غیر مشعور به کان الذهن غافلاً عنه ، والمغفول عنه يستحيل
أن يتوجه الطلب إليه . ورابعها أن العلم يكون النظر مفيداً للعلم إما أن يكون ضرورياً أو
نظرياً فإن كان ضرورياً وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك . وإن كان نظرياً لزم إثبات
جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعاً في ذلك الفرد
أيضاً فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو محال لأنه من حيث أنه وسيلة إلى الإثبات يجب أن
يكون معلوماً قبل . ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوماً قبل ، فيلزم اجتماع النفي
والاثبات وهو محال . وخامسها : أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن
حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لانا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر
نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر . وربما سلم بعضهم أن النظر في
الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين . الأول : أن
حقيقة الاله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت
صفة من صفاته . بيان الأول أن المعلوم عند البشركون واجب الوجود منزهاً عن الحيز
والجهة ، وكونه موصوفاً بالعلم والقدرة . أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته
نفس هذا السلب . فلم يكن العلم بهذا السلب علماً بحقيقته ، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة
فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا
الانتساب ليس علماً بذاته . بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور
امتنع التصديق ، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له
لكنها متصورة بحسب لوازمها ، أعني أنا نعلم بأنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام

١٠٢
یا أيها الناس اعبدوا ربكم
قوله تعالى :
فيحكم على هذا المتصور ، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال انها نفس الذات وهو محال أو
أُمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم کونها موصوفة بهذه الصفات فان
كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضاً تصور بحسب صفات آخر ،
فحينئذ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . الوجه الثاني : أن أظهر
الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه بقول
أنا ، فمنهم من يقول هو هذا البنية ، ومنهم من يقول هو المزاج ، ومنهم من يقول بعض
الأجزاء الداخلة في هذه البنية ، ومنهم من يقول شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه ، فإذا
كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا .
أما المقام الثاني ﴾ وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه
أحدها : أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع
التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفاً
بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، فان كان غافلاً عنها استحال كونه طالباً لها
لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالباً له . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوماً من وجه ومجهولاً
من وجه . قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير
معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذ نقول الوجه
المعلوم استحال طلبه لأستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن
المغفول عنه لا يكون مطلوباً، وإنما قلنا أن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون
التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من
القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن باسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي
أو الاثبات ، أولا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم کان
التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ،
وما يكون واجب الدوران نفياً واثباتاً مع ما لا يكون مقدوراً نفياً واثباتاً وجب أن يكون أيضاً
كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية ، وإنما قلنا أن هذه التصديقات لما لم تكن
كسبية لم يكن شىء من التصديقات كسبياً لأن التصديق الذي لا يكون بديهياً ، لا بد وأن
يكون نظرياً فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا
يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ،
فلم يكن ذلك استدلالا يقينياً بل إما ظناً أو اعتقاداً تقليدياً، وإن كان واجباً فكانت تلك
النظريات واجبة الدوران نفياً وإثباتاً مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب أن لا يكون شيء من

١٠٣
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
تلك النظريات مقدوراً للعبد أصلاً . وثانيها : أن الانسان إنما يكون قادراً على إدخال الشيء
في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه
مطابقاً للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد
العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالماً بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل ،
فوجب أن لا يكون العبد متمكناً من إيجاد العلم ولا من طلبه . وثالثها أن الموجب للنظر ،
إما ضرورة العقل ، أو النظر أو السمع . والأول باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ،
ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون إنه في الأكثر
يفضي بصاحبه إلى الجهل ، فوجب الاحتراز منه ، والثاني أيضاً باطل ، لأنه إذا كان العلم
بوجوبه يكون نظرياً ، فحينئذ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك یکون
تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ، لأنه لا فائدة فيه ، والثالث باطل ، لأنه
قبل النظر لا يكون متمكناًمن معرفة وجوب النظر ، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضاً لعدم
الفائدة ، وإذا بطلت الأقسام ثبت في الوجوب . المقام الثالث : وهو أن بتقدير كون النظر
مفيداً للعلم ومقدوراً للمكلف، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به ، وبيانه من وجوه .
أحدها : أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم علیه مقدم على أمر یفضي به
غالباً إلى الجهل . وما يكون كذلك يكون قبيحاً ، فوجب أن يكون الفكر قبيحاً ، والله تعالى
لا يأمر بالقبيح . وثانيها : أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه
من الشبهات الكثيرة المتعارضة ، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل .
فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه ، وأن الباطل مع خصمه ثم إذا
تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا ، وجدوا الكلمات متعارضة ، وذلك يدل على عجز العقل
عن إدراك هذه الحقائق . وثالثها : أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب
أن لا يستقر الانسان على الإيمان ساعة واحدة ، لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على
مقدمة من مقدمات دليل الدين ، فقد صار ذلك السؤال شاكاً في تلك المقدمة ، وإذا صار
بعض مقدمات الدليل مشكوكاً فيه . صارت النتيجة ظنية . لأن المظنون لا يفيد القين ،
فيلزم أن يخرج الانسان في كل ساعة عن الدين ، بسبب كل ما يخطر بباله من الاسئلة
والمباحث . ورابعها : أنه اشتهر في الالسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب
الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه : المقام الرابع : أن بتقدير
أنه في نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه
أن هذه المطالب لا تخلو، إما أن يكون العلم بدلائلها علماً ضرورياً غنياً عن التعلم

١٠٤
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
والاستفادة ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج في تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة ،
والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس
في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف. وإن
١٫٤٠٠
كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للانسان ، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة
الكثيرة ، فلو كان الدين مبنياً عليه ، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد
أن يسأله عن هذه المسائل ، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء . ولو فعل الرسول
ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم باسلام من يعلم
بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين ، فان
قيل : معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الاسئلة
والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا
يقبل الزيادة والنقصان البتة ، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنياً على مقدمات عشرة فإن كان
الرجل جاز ما بصحة تلك المقدمات كان عارفاً بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن
الزيادة على تلك العشرة إن كان معتبراً في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من
العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبراً العلم به بزيادة شيء في الدليل ، بل يكون علماً منفصلاً .
فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضاً ، لأن تسعة منها لو كانت يقينية
وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينياً لأن المبنى على الظني أولى أن يكون
ظنياً فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى
الانسان حدوث مطرورعدوبرق بعد أن كان الهواء صافياً قال سبحان الله ، فمن الناس من
قال : إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله ، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفاً بالله
إذا عرف بالدلیل أن ذلك الحادث لا بد له من مؤثر ثم یعرف بالدلیل أنه يستحيل أن يكون
المؤثر فيه سوى الله تعالى ، وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد
هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم ، والطبيعة والعلة الموجبة . فانه لو لم يعرف بطلان ذلك
الدليل لكان معتقداً لهذه المقدمة الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبنى عليها
تقليداً لا يقيناً فثبت بهذا فساد ما قلتموه . المقام الخامس : أن نقول الاشتغال بعلم الكلام
بدعة ، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم . أما القرآن فقوله تعالى
( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون) ذم الجدل وقال أيضاً ( وإذا رأيت الذين
يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) قالوا فأمر بالاعراض.
عنهم عند خوضهم في آيات الله تعالى وأما الخبر فقوله عليه السلام

١٠٥
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
((تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق)) وقوله عليه السلام ((عليكم بدين العجائز)) وقوله
((إذا ذكر القدر فأمسكوا)) وأما الاجماع فهو أن هذا علم لم تتكلم فيه الصحابة فيكون بدعة
حراماً ، أما أن الصحابة ما تكلموا فيه فظاهر ، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نصب نفسه
للاستدلال في هذه الأشياء ، بل كانوا من أشد الناس إنكاراً على من خاض فيه ، وإذا ثبت
هذا ثبت أنه بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق ، وأما الأثر ، قال مالك بن أنس : إياكم والبدع
قيل وما البدع يا أبا عبدالله ؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه ولا
يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون . وسئل سفيان بن عينية عن الكلام فقال اتبع
السنة ودع البدعة . وقال الشافعي رضي الله عنه . لأن يبتلي الله العبد ، بكل ذنب سوى
الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام وقال : لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكاد،
فيها كتب الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية وأما الحكم فهو أنه لو أوصى للعلماء لا
يدخل المتكلم فيه والله أعلم فهذا مجموع كلام الطاعنين في النظر والاستدلال . والجواب ؛
أما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر لا يفيد العلم فهي فاسدة ، لأن الشبه التي ذكر وها ليست
ضرورية بل نظرية ، فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه وهو متناقض ، وأما الشبه التي
تمسكوا بها في أن النظر غير مقدور فهي فاسدة ، لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل
قولهم إنها ليست اختيارية ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعاويل على النظر قبيح فهي
متناقضة ، لأنه يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي أوردوها قبيحاً ، وأما الشبه التي
تمسكوا بها في أن الرسول ما أمر بذلك فهو باطل ، لأنا بينا أن الأنبياء بأسرهم ما جاءوا إلا
بالأمر بالنظر والاستدلال . وأما قوله تعالى ( ما ضربوه لك إلا جدلاً) فهو محمول على الجدل
بالباطل ، توفيقاً بينه وبين قوله ( وجادلهم بالتي هي أحسن) وأما قوله ( وإذا رأيت الذين
يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) فجوابه أن الخوض ليس هو النظر ، بل الخوض في الشيء
هو الدجاج ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((تفكروا في الخلق)) فذاك إنما أمر به ليستفاد منه
معرفة الخالق وهو المطلوب. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((عليكم بدين العجائز)) فليس
المراد إلا تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأمور على الله على ما قلنا وأما قوله
عليه الصلاة والسلام ((إذا ذكر القدر فأمسكوا)) فضعيف. لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي
الكلي ، وأما الإجماع فنقول : إن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا الفاظ المتكلمين فمسلم ،
لكنه لا يلزم منه القدح في الكلام ، كما أنهم لم يستعملوا ألفاظ الفقهاء ، ولا يلزم منه القدح
في الفقه البتة ، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله تعالى ورسوله بالدليل ، فبئس ما قلتم ، وأما
تشديد السلف على الكلام فهو محمول على أهل البدعة ، وأما مسألة الوصية فهي معارضة بما

١٠٦
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
أنه لو أوصى لمن كان عارفاً بذات الله وصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله لا يدخل فيه الفقيه .
ولأن مبنى الوصايا على العرف فهذا إتمام هذه المسألة والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ أما حقيقة العبادة فذكرناها في قوله (إياك نعبد) وأما الخلق فحكى
الأزهري صاحب التهذيب عن ابن الأنباري أنه التقدير والتسوية ، واحتجوا فيه بالآية
والشعر والاستشهاد . أما الآية فقوله تعالى ( أحسن الخالقين) أي المقدرين (وتخلقون إفكاً)
أي تقدرون كذباً ( وإذ تخلق من الطين ) أي تقدر . وأما الشعر فقول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لايفري
وقال آخر :
أيدي الخوالق إلا جيد الادم
ولا ينسط بأيدي الخالقين ولا
وأما الاستشهاد يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس ، ومنه قول
العرب للأحاديث التي لا يصدق بها، أحاديث الخلق، ومنه قوله تعالى (إن هذا إلا خلق
الأولين ) والخلاق المقدار من الخير ، وهو خليق أي جدير كأنه الذي منه الخلاق ، والصخرة
الخلفاء الملساء لأ في الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ومنه (( أخلق الثواب )) لأنه إذا بلی
صار أملس واستوى نتوه واعوجاجه ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والاستواء قال
القاضي عبد الجبار : الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضى أن ذلك لا يتأتى إلا من الله
تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله ( فتبارك الله أحسن الخالقين ، وإذا تخلق من طين كهيئة
الطير) لكنه تعالى لما كان يفعل الأفعال لعلمه بالعواقب وكيفية المصلحة وَلا فعل له إلا كذلك
لا جرم اختص بهذا الاسم وقال أستاذه أبو عبد الله البصري اطلاق اسم خالق على الله محال
لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والنظر والحسبان وذلك في حق الله محال ، وقال جمهور
أهل السنة والجماعة : الخلق عبارة عن الإيجاد والانشاء واحتجوا عليه بقول المسلمين لا خالق
إلا الله ، ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لما صح ذلك.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته والأمر بعبادته موقوف على معرفة
وجوده ، ولما لم يكن العلم بوجوده ضرورياً بل استدلالياً لا جرم أورد ههنا ما يدل على
وجوده ، واعلم أننا بينا في الكتب العقلية أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الامكان ،
وإما الحدوث ، وإما مجموعهما ، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض ، فيكون مجموع

١٠٧
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها . أحدها : الاستدلال بامكان
الذوات ، وإليه الاشارة بقوله تعالى ( والله الغني وأنتم الفقراء ) وبقوله حكاية عن إبراهيم
( فانهم عدولى إلا رب العالمين) وبقوله (وأن إلى ربك المنتهى ) وقوله ( قل الله ثم ذرهم ،
ففروا إلى الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وثانيها : الاستدلال بامكان الصفات وإليه
الاشارة بقوله ( خلق السموات والأرض ) وبقوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء
بناء ) على ما سيأتي تقريره . وثالثها : الاستدلال بحدوث الأجسام . وإليه الاشارة بقول
ابراهيم عليه السلام ( لا أحب الآفلين ) ورابعها الاستدلال بحدوث الأعراض ، وهذه
الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق ، وذلك محصور في أمرين : دلائل الأنفس ، ودلائل
الآفاق ، والكتب الالهية في الأكثر مشتملة على هذین البابین ، والله تعالى جمع ههنا بین هذین
الوجهين . أما دلائل الأنفس ، فهي ان كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً قبل ذلك
وأنه صار الآن موجوداً وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بدله من موجد وذلك الموجد ليس هو
نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس ، لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة فلا
بد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول
ههنا: لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟ ولما كان هذا السؤال
محتملا ذكر الله تعالى عقيبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجد وهو قوله ( الذي
جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ) وهو المراد من دلائل الآفاق ويندرج فيها كل ما يوجد
من تغييرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول ، وحاصلها
يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية ، فاختصاص بعضها
ببعض الصفات من المقادير والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من
لوازمها . وإلا وجب اشتراك الكل في تلك الصفات فلا بد وأن يكون لأمر منفصل ، وذلك
الأمر إن كان جسماً عاد البحث في أنه لم اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام ، وإن لم
يكن جسماً فإما أن يكون موجباً أو مختاراً . والأول باطل ، وإلا لم يكن اختصاص بعض
الأجسام ببعض الصفات أولى من العكس فلا بد وأن يكون قادراً ، فثبت بهذه الدلالة افتقار
جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم ، ولا بجسماني ، وعند هذا ظهر أن الاستدلال
بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بامكان الأعراض
والصفات ، وإذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى إنما خص هذا النوع من الأدلة بالايراد في
أول كتابة لوجهين ، الأول . أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها
التصاقاً بالعقول ، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها

١٠٨
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
إلى الافهام لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم ذكر الله تعالى في أول كتابه ذلك.
الثاني : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة . بل الغرض منها تحصيل العقائد
الحقة في القلوب ، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب ، لأن هذا
النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا ، فإن الوجود والحياة
من النعم العظيمة علينا ، وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد ،
فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع . واعلم أن للسلف طرقاً
لطيفة في هذا الباب ، أحدها : يروي أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق
رضي الله عنه . فقال جعفر : هل ركبت البحر؟ قال نعم . قال هل رأيت أهواله؟ قال بلى :
هاجت يوماً رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم
ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل ، فقال جعفر
قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك ، فلما ذهبت هذه
الأشياء عنك هل اسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال بل رجوت
السلامة ، قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه
في ذلك الوقت ، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده . وثانيها : جاء في كتاب
ديانات العرب أن النبي ﴿وَ﴾ قال لعمران بن حصين ((كم لك من إله)) قال عشرة، قال
فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم؟ قال الله ، قال عليه السلام :
مالك من إله إلا الله ، وثالثها : كان أبو حنيفة رحمه الله سيفاً على الدهرية ، وكانوا ينتهزون
الفرصة ليقتلوه فبينما هو يوماً في مسجده قاعد إذا هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله
فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات ، فقال ما تقولون في رجل
يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج
متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها هل
يجوز ذلك في العقل؟ قالوا لا، هذا شيء لا يقبله العقل! فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله إذا لم
يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجرى فكيف يجوز قيام هذه الدنيا
على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ؟ فبكوا
جميعاً وقالوا صدقت واغمدوا سيوفهم وتابوا . ورابعها : سألوا الشافعي رضي الله عنه ما
الدليل على وجود الصانع؟ فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟
قالوا نعم ، قال فتأكلها دودة القز فيخرج منها الابريسم ، والنحل فيخرج منها العسل .
والشاة فيخرج منها البعر ، ويأكلها الظباء فينعقد في :ـ افجها المسك فمن الذي جعل هذه

١٠٩
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وكان عددهم سبعة
عشر. وخامسها : سئل أبو حنيفة رضي الله عنه مرة أخرى فتمسك بأن الوالد يريد الذكر
فيكون أنثى ، وبالعكس فدل على الصانع. وسادسها : تمسك أحمد بن حنبل رضي الله عنه
بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب الابريز ، ثم انشقت
الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلا بد من الفاعل ، عنى بالقلعة البيضة
وبالحيوان الفرخ . وسابعها : سأل هرون الرشيد مالكاً عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات
وتردد النغمات وتفاوت اللغات . وثامنها : سئل أبو نواس عنه ، فقال:
إلى آثار ما صنع المليك
تأمل في نبات الأرض وانظر
وأزهار كما الذهب السبيك
عيون من لجين شاخصات
بأن الله ليس له شريك
علی قضب الزبر جد شاهدات
وتاسعها : سئل أعرابي عن الدليل فقال : البعرة تدل على البعير . والروث على
الحمير ، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج . وبحار ذات
أمواج ، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير ؟ وعاشرها ! : قيل لطبيب : بم عرفت
ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق ، ولعاب ملين أمسك ! وقال آخر: عرفته بنحلة بأحد
طرفيها تعسل ، والآخر تلسع ! والعسل مقلوب اللسع . وحادي عشرها : حكم البديهية في
قوله ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، فلما رأوا باسأنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما
کنابه مشرکین ).
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال القاضي: الفائدة في قوله ( الذي خلقكم) أن العبادة لا
تستحق إلا بذلك ، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة . فان قيل فما الفائدة
في قوله ( والذين من قبلكم ) وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم ، قلنا
الجواب من وجهين . الأول : إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى
خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة . الثاني : أن من
قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم
عظيمٍ إنعامه عليهم ، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما انعمت عليك حين وجدت بل كنت
منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقاً لأصولك وآبائك.
المسألة الخامسة) في قوله تعالى ( لعلكم تتقون ) بحثان - البحث الأول: أن كلمة

١١٠
قوله تعالى (( يا أيها الناس اعبدوا ربكم
لعل للترجي والاشفاق ، تقول لعل زيداً يكرمني وقال تعالى (لعله يتذكر أو يخشى ، لعل
الساعة قريب ) ألا ترى إلى قوله ( والذين آمنوا مشفقون منها) والترجي والاشفاق لا يحصلان
إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه .
1.
أحدها : أن معنى ((لعل)) راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى فقوله ( لعله يتذكر أو يخشى ) أی
اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه ، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره . وثانيها : أن
من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على انجازها على أن
يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات ، أو للظفر منهم بالرمزة . أو الابتسامة أو النظرة
الحلوة فاذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذا الطريق
ورد لفظ لعل في كلام الله تعالى . وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنی کي ، قال صاحب الكشاف :
ولعل لا يكون بمعنى كي ، ولكن كلمة لعل للأطماع ، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما
يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل لعل في كلام الله تعالى
بمعنى كي . ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود ،
لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم ، فكل
من فعل بغيره ذلك فانه يرجو منه حصول المقصود ، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره
لكان موجباً للرجاء . خامسها : قال القفال : لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللا بعد
نهل ، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد ، فأصل لعل عل ، لأنهم يقولون
علك أن تفعل كذا ، أي لعلك ، فإذا كانت حقيقته التكرير والتأكيد كان قول القائل : افعل :
کذا لعلك تظفر بحاجتك معنا . افعله فإن فعلك له یؤكد طلبك له ويقويك عليه . البحث.
الثاني : أن لقائل أن يقول : إذا كانت العبادة تقوي فقوله ( اعبدوا ربكم لعلكم تتقون ) جار:
مجرى قوله اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون . أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، والجواب من
وجهين . الأول : لا نسلم أن العبادة نفس التقوى ، بل العبادة فعل يحصل به التقوى ، لأن
الاتقاء هو الاحتراز عن المضار ، والعبادة فعل المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس
الاحتراز عن المضار بل يوجب الاحتراز ، فكأنه تعالى قال اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن
عقابه ، وإذا قيل في نفس الفعل إنه إتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء ،
لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه. الثاني : أنه تعالى إنما خلق المكلفين
لكي يتقوا ويطيعوا على ما قال ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) فكأنه تعالى أمر بعبادة
الرب الذي خلقهم لهذا الغرض ، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة ،
1
المسألة السادسة﴾ قرأ أبو عمرو: خلقكم بالادغام وقرأ أبو السميفع : وخلق من

قوله تعالى : الذى جعل لكم الأرض فراشاً .
قبلکم وقرأ زيد بن علي : والذين من قبلكم . قال صاحب الكشاف : الوجه فيه أنه أفحم
الموصول الثاني بین الأول وصلته تأکیداً کما أقحم جرير في قوله * یا تيم تيم عدي لا أبا لكموا *
تیما الثاني بين الأول وما أضيف إليه.
أما قوله تعالى ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء
فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ لفظ ((الذي)) وهو موصول مع صلته، إما أن يكون في محل النصب
وصفاً للذي خلقكم أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعاً على الابتداء ، وفيه ما في
النصب من المدح .
﴿ المسألة الثانية﴾ ((الذي)) كلمة موضوعة للاشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية
معلومة ، كقولك ذهب الرجل الذي أبوه منطلق ، فأبوه منطلق قضية معلومة ، فإِذا حاولت
تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي ، وهو تحقيق قولهم . إنه مستعمل
لوصف المعارف بالجمل ، إذا ثبت هذا فقوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء )
يقتضى أنهم كانوا عالمين بوجود شىء جعل الأرض فراشاً والسماء بناء وذلك تحقيق قوله تعالى
( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) .
المسألة الثالثة﴾ أن الله تعالى ذكرههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين من الأنفس
وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولا بقوله ( خلقكم ) وثانياً بالآباء والأمهات ، وهو قوله ( والذین من
قبلكم ) وثالثاً بكون الأرض فراشاً ، ورابعاً بكون السماء بناء ، وخامساً بالأمور الحاصلة من
مجموع السماء والأرض ، وهو قوله ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم )
ولهذا الترتيب أسباب . الأول : أن أقرب الأشياء إلى الانسان نفسه ، وعلم الانسان بأحوال
نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان الغرض من الاستدلال افادة العلم ، فكل ما
كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر . فلهذا السبب قدم ذكر نفس الانسان ،
ثم ثناه بآبائه وأمهاته ثم ثلث بالأرض ، لأن الأرض أقرب إلى الانسان من السماء والانسان
أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء من السماء
وخروج الثمرات بسببه لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر ،
فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء . الثاني : هو أن خلق المكلفين أحياء
قادرين أصل لجميع النعم ، وأما خلق الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول
الخلق والحياة والقدرة والشهوة ، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع . الثالث : أن كل ما

١١٢
قوله تعالى : الذى جعل لكم الأرض فراشاً .
في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الانسان ، وقد حصل في الانسان من.
الدلائل ما لم يحصل فيهما؟ لان الانسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، وكل ذلك
مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى. فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى.
بالتقديم ، واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من
المنافع .
المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكرههنا أنه جعل الأرض فراشاً ، ونظيره
قوله ( أم من جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً) وقوله ( الذي جعل لكم الأرض
مهاداً ) واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور . الشرط الأول : كونها ساكنة ، وذلك:
لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالاستقامة أو بالاستدارة ، فإن كانت بالاستقامة لما
كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضعُ عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن
الأرض هاوية ، وذلك الانسان هاو ، والأرض أثقل من الانسان ، والثقيلان إذا نزلا كان
أثقلهما أسرعهما والابطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الانسان إلى الأرض فثبت أنها "
لو كانت هاوية لما كانت فراشاً ، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها ؛ لأن ؟
حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك
أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الانسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث
يريد ، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي
ساكنة ، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه . أحدها : أن الأرض لا نهاية لها من :.
جانب السفل ، وإذا کان کذلك لم یکن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهى .
الأجسام . وثانيها : الذين سلموا تناهى الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة
وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء ، ومن شأن الثقيل إذا .
انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل الرصاصة فانها إذا انبسطت طفت على الماء ، وإن .
جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين . الأول : أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث
عن سبب وقوف الأرض . الثاني : لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطاً حتى وقف على
الماء وصار هذا الجانب متحدباً؟. وثالثها : الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها .
من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا .
باطل لوجهين . الأول : أن الأصغر أسرع انجذاباً من الأكبر ، فما بال الذرة لا تنجذب إلى .
الفلك . الثاني : الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة الی فوق أول بالانجذاب وكان
يجب أن لا تعود . ورابعها : قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب ، .

١١٣
قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشاً .
كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة ، فانه يقف
التراب في وسط القنينة لتساوى الدفع من كل الجوانب ، وهذا أيضاً باطل من وجوه خمسة .
الأول : الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا؟ الثاني : ما بال هذا
الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها . الثالث : ما باله لم يجعل انتقالها إلى
المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق. الرابع يجب أن يكون الثقیل كلما كان أعظم أن تكون
حركته أبطأ ، لأن اندفاع الأعظم من الدافع القاسر، أبطأ من اندفاع الأصغر . الخامس :
يجب أن تكون حركة الثقيل النازل من الابتداء . أسرع من حركته عند الانتهاء ، لأنه عند
الابتداء ، أبعد من الفلك . وخامسها : أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك ، وهو قول
أرسطاطاليس وجمهور أتباعه ، وهذا أيضاً ضعيف ؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية ،
فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بد وأن يكون جائزاً ، فيفتقر فيه
إلى الفاعل المختار. وسادسها : قال أبو هاشم: النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات
صاعدة ، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف. والسؤال
عليه : أن اختصاص كل واحد من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار.
فثبت بما ذكرنا أن سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى . وعند هذا نقول: انظر إلى
الأرض لتعرف أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها فمشاهد ،
على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا إلى نهاية ، وبهذا الوجه
ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بد من ممسك يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى
( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) .
الشرط الثاني : في كون الأرض فراشاً لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر ، فان النوم
والمشي عليه مما يؤلم البدن ، وأيضاً فلو كانت الأرض من الذهب مثلا لتعذرت الزراعة
عليها ، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها وتركيبها كما يراد ؛ وأن لا تكون في غاية
اللين ، كالماء الذي تغوص فيه الرجل : الشرط الثالث : أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية
فان الشفاف لا يستقر النور عليه ، وما كان كذلك فانه لا يتسخن من الكواكب والشمس ،
فكان يبرد جداً فجعل الله كونه أغبر ، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً
للحيوانات . الشرط الرابع : أن تكون بارزة من الماء ، لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في
الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا ، فقلب
الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون
فراشاً لنا ، ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً أن لا تكون كرة ، واستدل
بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة ، وهذا بعيد جداً، لأن الكرة إذا عظمت جداً كانت
فخر الرازي ج ٢ م٨
٢٠٢٠

٠
١١٤
قوله تعالى : الذي جعل لكم الارض فراشا.
القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه ، والذي يزيده تقريراً أن الجبال أوتاد الأرض
ثم يمكن الاستقرار عليها ، فهذا أولى والله أعلم.
المسألة الخامسة﴾ في سائر منافع الأرض وصفاتها. فالمنفعة الأولى: الأشياء.
المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية لا يعلم تفاصيلها إلا الله.
تعالى الثانية : أن يتخمر الرطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات . الثالثة : اختلاف
بقاع الأرض ، فمنها أرض رخوة ، وصلبة ، ورملة ، وسبخة ، وحرة ، وهي قوله تعالى.
( وفي الأرض قطع متجاورات ) وقال ( والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا.
يخرج إلا نكداً) الرابعة : اختلاف ألوانها فأحمر ، وأبيض ، وأسود ، ورمادي اللون ،
وأغبر ، على ما قال تعالى ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) ..
الخامسة : انصداعها بالنبات ، قال تعالى ( والأرض ذات الصدع ) . السادسة: كونها خازنة
للماء المنزل من السماء وإليه الاشارة بقوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في.
الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ) وقوله ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء!
معين ) . السابعة : العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه الاشارة بقوله ( وجعل فيها رواسي : :
وأنهاراً) . الثامنة: ما فيها من المعادن والفلزات، وإليه الاشارة بقوله تعالى (والأرض ! !
مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) ثم بين بعد ذلك تمام البيان ، !
فقال ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم). التاسعة . الخبء الذي . :
تخرجه الأرض من الحب والنوى قال تعالى ( إن الله فالق الحب والنوى) وقال ( يخرج الخبء
في السماوات والأرض ) ثم إن الأرض لها طبع الكرم لانك تدفع إليها حبة واحدة ، وهي تردها .
عليك سبعمائة ( كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) . العاشرة: حياتها بعد
موتها ؛ قال تعالى ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً) وقال ( وآية .
لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ) الحادية عشرة : ما عليها من
الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق ، وإليه الإشارة بقوله ( خلق السماوات بغير عمد
ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة ) . والثانية عشر: ما فيها : ".
من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه ، وإليه الإِشارة بقوله ( وأنبتنا فيها من كل زوج
بهيج ) فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، فمنها
قوت البشر، ومنها قوت البهائم ، كما قال ( كلوا وارعوا أنعامكم ) أما مطعوم البشر، فمنها
الطعام ، ومنها الادام ، ومنها الدواء ، ومنها الفاكهة ، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة

١١٥
قوله تعالى : الذي جعل لكم الارض فراشا .
والحموضة . قال تعالى ( وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) وأيضاً فمنها كسوة
البشر، لأن الكسوة إما نباتية ، وهي القطن والكتان ، وإما حيوانية وهي الشعر والصوف
والابريسم والجلود ، وهي من الحيوانات التي بثها الله تعالى في الأرض ، فالمطعوم من
الأرض ، والملبوس من الأرض . ثم قال ( ويخلق ما لا تعلمون ) وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا
يعلمها إلا الله تعالى. ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك ، فقال
( ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتا . منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) ثم إنه سبحانه وتعالى
جمع هذه المنافع العظيمة للسماء والأرض فقال ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) .
الثالثة عشرة : ما فيها من الأحجار المختلفة ، ففي صغارها ما يصلح للزينة فتجعل فصوصها
للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية ، فانظر إلى الحجر الذي تخرج النار منه مع كثرته ، وانظر
إلى الياقوت الأحمر مع عزته. ثم انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير ، وقلة النفع بهذا الشريف.
الرابعة عشرة : ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة ، كالذهب والفضة ، ثم تأمل فان
البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من قعر البحر،
واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة ، والسبب فيه أنه لا فائدة
فى وجودهما إلا الثمينة، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه
الحكمة ، فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً ، إظهار لهذه الحكمة وابقاء لهذه النعمة ،
ولذلك فان ما لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس ،
والزجاج من الرمل ، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب اضطر في افتقار هذه
التدابير إلى صانع حكيم مقتدر عليم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . الخامسة
عشرة : كثرة ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار التي تصلح للبناء ، والسقف ، ثم
الحطب . وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ قد نبه الله تعالى على دلائل الأرض ومنافعها
بألفاظ لا يبلغها البلغاء ويعجز عنها الفصحاء فقال ( وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي
وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) وأما الأنهار فمنها العظيمة كالنيل ،
وسيحون ، وجيحون ، والفرات ، ومنها الصغار ، وهي كثيرة وكلها تحمل مياهاً عذبة للسقي
والزراعة وسائر الفوائد .
﴿ المسألة السادسة ﴾ في أن السماء أفضل أم الأرض؟ قال بعضهم : السماء أفضل
لوجوه . أحدها : أن السماء متعبد الملائكة ، وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد . وثانيها لما
أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية قيل له اهبط من الجنة ، وقال الله تعالى لا يسكن في
جواري من عصاني . وثالثها : قوله تعالى ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) وقوله ( تبارك الذي

١١٦
قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا .
جعل في السماء بروجاً) ولم يذكر في الأرض مثل ذلك . ورابعها: أن في أكثر الأمر ورد ذكر
السماء مقدماً على الأرض في الذكر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل لوجوه ((أ)) أنه تعالى
وصف بقاعاً من الأرض بالبرکة بقوله ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً) (( ب)»
( في البقعة المباركة من الشجرة) ((ج)) (إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) (( د)) وصف
أرض الشام بالبركة فقال ( مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ) وخامسها: وصف جملة
الأرض بالبركة فقال ( قل أثنكم لتكفرون ) إلى قوله ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك
فيها ) فان قيل : وأي بركة في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة؟ قلنا إنها مساكن للوحوش
ومرعاها ، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها ، فلهذه البركات قال تعالى ( وفي الأرض
آيات للموقنين ) وهذه الآيات وإن كانت حاصلة لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون
جعلها آيات للموقنين تشريفاً لهم كما قال ( هدى للمتقين ) وسادسها : أنه سبحانه وتعالى خلق
الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم) ولم يخلق من السموات
شيئاً لأنه قال ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) . وسابعها : أن الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل
الأرض كلها مساجداً له وجعل ترابها طهوراً . أما قوله ( السماء بناء ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع، ولا شك
أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما ، وعلى أن له سبحانه
وتعالى فيهما أسراراً عظيمة ، وحكما بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم.
1
1
المسألة الثانية ﴾ في فضائل السماء وهي من وجوه . الأول : أن الله تعالى زينها بسبعة
أشياء بالمصابيح ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) وبالقمر (وجعل القمر فيهن نوراً؛)
وبالشمس ( وجعل الشمس سراجاً) وبالعرش (رب العرش العظيم ) وبالكرسي (وسع
كرسيه السموات والأرض ) وباللوح (في لوح محفوظ) وبالقلم ( نون والقلم ) فهذه سبعة :
ثلاثة منها ظاهرة ، وأربعة خفية ، ثبتت بالدلائل السمعية من الآيات والأخبار . الثاني ؛ أنه
تعالى سمى السموات بأسماء تدل على عظم شأنها : سماء ، وسقفا محفوظاً ، وسبعاً طباقاً ،
وسبعاً شداداً . ثم ذكر عاقبة أمرها فقال ( وإذا السماء فرجت ، وإذا السماء كشطت ، يوم
نطوي السماء ، يوم تكون السماء كالمهل ، يوم تمور السماء مورا ، فكانت وردة كالدهان )
وذكر مبدأها في آيتين فقال ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) وقال ( أو لم ير الذين كفروا
أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) فهذا الاستقصاء الشديد في كيفية حدوثهما وفنائهما
يدل على أنه سبحانه خلقهما لحكمة بالغة على ما قال ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما

١١٧
قوله تعالى : الذى جعل لكم الأرض فراشاً .
باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ) ، والثالث : أنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء : فالا يدي ترفع
اليها ، والوجوه تتوجه نحوها ، وهي منزل الأنوار ومحل الصفاء والأضواء والطهارة
والعصمة عن الخلل والفساد . الرابع قال بعضهم السماوات والأرضون على صفتين ،
فالسماوات مؤثرة غير متأثرة . والأرضون متأثرة غير مؤثرة والمؤثر أشرف من القابل ، فلهذا
السبب قدم ذكر السماء على الأرض في الأكثر ، وأيضاً ففي أكثر الأمر ذكر السموات بلفظ
الجمع ، والأرض بلفظ الواحد ، فانه لا بد من السموات الكثيرة ليحصل بسببها الاتصالات
المختلفة للكواكب وتغير مطارح الشعاعات ، وأما الأرض فقابلة فكانت الأرض الواحدة
كافية . الخامس : تفكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فان هذا اللون أشد
الألوان موافقة للبصر وتقوية له ، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى
الزرقة ، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم السماء ملوناً بهذا اللون الأزرق ، لتنتفع به الابصار
الناظرة إليها ، فهو سبحانه وتعالى جعل لونها أنفع الألوان ، وهو المستنير ، وشكلها أفضل
الأشكال ، وهو المستدير ، ولهذا قال ( أو لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما
لها من فروج) يعني ما فيها من فصول ، ولو كانت سقفاً غير محيط بالأرض لكانت الفروج
حاصلة ،
﴿ المسألة الثالثة﴾ في بيان فضائل السماء وبيان فضائل ما فيها، وهي الشمس والقمر
والنجوم أما الشمس فتفكر في طلوعها وغروبها ، فلولا ذلك لبطل أمر العالم كله ، فكيف
كان الناس يسعون في معايشهم ، ثم المنفعة في طلوع الشمس ظاهرة ، ولكن تأمل النفع في
غروبها فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع احتياجهم إلى الهدوء والقرار لتحصيل
الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء على ما قال تعالى ( وهو الذي جعل
لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) وأيضاً فلولا الغروب لكان الحرص يحملهم على المداومة
على العمل على ما قال (وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً) والثالث : أنه لولا الغروب
لكانت الأرض تحمى بشروق الشمس عليها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ، ويهلك ما
عليها من نبات على ما قال ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً) فصارت
الشمس بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت ، بمنزلة سراج يدفع لأهل
بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا فصار النور والظلمة على تضادهما
متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم هذا كله في طلوع الشمس وغروبها . أما ارتفاع
الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سبباً لاقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة
في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر ، ويقوي أبدان

١١٨
قوله تعالى : الذى جعل لكم الأرض فراشاً .
الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن ، وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد
المتولدة في الشتاء فيطلع النبات وينور الشجر ويهيج الحيوان للسفاد ، وفي الصيف يحتدم الهواء
فتنضج الثمار ، وتنحل فضول الابدان ، ويجف وجه الأرض ، ويتهيأ للبناء والعمارات ، وفي
الخريف يظهر اليبس والبرد فتنتقل الأبدان قليلا قليلاً إلى الشتاء ، فانه إن وقع الانتقال دفعة
واحدة هلكت الابدان وفسدت ، وأما حركة الشمس فتأمل في منافعها ، فانها لو كانت واقفة
في موضع واحد لاشتدت السخونة في ذلك الموضع واشتد البرد في سائر المواضع ، لكنها تطلع
في أول النهار من المشرق فتقع على ما يحاذيها من وجه المغرب ، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة
بعد جهة حتى تنتهي إلى الغروب فتشرق على الجوانب الشرقية فلا يبقى موضع مكشوف إلا
ويأخذ حظاً من شعاع الشمس ، وأيضاً كأن الله تعالى يقول لو وقفت في جانب الشرق والغني
قد رفع بناءه على كوة الفقير ، فكان لا يصل النور إلى الفقير، لكنه تعالى يقول إن كان الغني
منعه نور الشمس فأنا أدير الفلك وأديرها عليه حتى يأخذ الفقير نصيبه . وأما منافع ميلها في
حركتها عن خط الاستواء ، فنقول : لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصاً
ببقعة واحدة فكان سائر الجوانب يخلو عن المنافع الحاصلة منه وكان الذي يقرب منه متشابه
الأحوال ، وكانت القوة هناك لكيفية واحدة ، فان كانت حارة أفنت الرطوبات وأحالتها كلها
إلى النارية ولم تتكون المتولدات فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية ، وخط ما لا
يحاذيه على كيفية أخرى وخط متوسط بينهما على كيفية متوسطة فيكون في موضع شتاء دائم
يكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق ، وفي موضع آخرٍ
ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم يكن عودات متتالية ؛ وكانت الكواكب تتحرك بطيئاً
لكان الميل قليل المنفعة وكان التأثير شديد الأفراط، وكان يعرض قريباً مما لم يكن ميل ، ولو
كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت ، فأما إذا كان هناك ميل يحفظ
الحركة في جهة مدة ، ثم تنتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة وتبقى في كل جهة برهة من الدهر
تم بذلك تأثيره وكثرت منفعته ، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية.
هذا أما القمر ، وهو المسمى بآية الليل : فاعلم أنه سبحانه وتعالى جعل طلوعه وغيبته
مصلحة ، وجعل طلوعه في وقت مصلحة ، وغروبه في وقت آخر مصلحة ، أما غروبه ففيه
نفع لمن هرب من عدوه فيستره الليل يخفيه فلا يلحقه طالب فينجو ، ولولا الظلام لأدركه
العدو ، وهو المراد من قول المتنبي :
وکم لظلام الليل عندي من ید
تخبر أن المانوية تكذب

١١٩
قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشاً .
وأما طلوعه ففيه نفع لمن ضل عنه شيء أخفاه الظلام وأظهره القمر. ومن الحكايات :
أن أعرابياً نام عن جمله ليلا ففقده ، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال : إن الله
صورك ونورك ، وعلى البروج دورك ، فإذا شاء نورك ، وإذا شاء كورك، فلا أعلم مزيداً
أسأله لك ، ولئن أهديت إلى سروراً لقد أهدى الله اليك نوراً، ثم أنشأ يقول :
ماذا أقول وقولى فيك ذو قصر وقَد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا أو قلت زانك ربى فهوقد فعلا
ولقد كان في العرب من يذم القمر ويقول : القمر يقرب الأجل ، ويفضح السارق ،
ويدرك الهارب . ويهتك العاشق ، ويبلي الكتان ، ويهرم الشبان ، وينسى ذكر الأحباب ،
ويقرب الدين ، ويدني الحين . وكان فيهم أيضاً من يفضل القمر على الشمس من وجوه :
أحدها : أن القمر مذكر . والشمس مؤنث لكن المتنبي طعن فيه بقوله :
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
وثانيها : أنهم قالوا : القمران ، فجعلوا الشمس تابعة للقمر ، ومنهم من فضل
الشمس على القمر بأن الله تعالى قدمها على القمر في قوله ( والشمس والقمر بحسبان ،
والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها ) إلا أن هذه الحجة منقوضة بقوله ( فمنكم كافر ومنكم
مؤمن) وقال ( لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ) وقال ( خلق الموت والحياة ) وقال
( إن مع العسر يسراً) وقال ( فمنهم ظالم الآية ) . أما النجوم : ففيها منافع . المنفعة الأولى :
كونها رجوماً للشياطين ، والثانية معرفة القبلة بها ، والثالثة أن يهتدي بها المسافر في البر
والبحر ، قال تعالى ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) ثم
النجوم على ثلاثة أقسام : غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية ، وطالعة لا تغرب كالشمالية ،
ومنها ما يغرب تارة ويطلع أخرى ، وأيضاً منها ثوابت ، ومنها سيارات ، ومنها شرقية ، ومنها
غربية والكلام فيها طويل. أما الذي تدعيه الفلاسفة من معرفة الأجرام والأبعاد.
* فدع عنك بحراً ضل فيه السوابح *قال تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً
إلا من ارتضی من رسول ) وقال ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وقال ( ولا أقول لكم عندي
خزائن الله ولا أعلم الغيب ) وقال ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم )
فقد عجز الخلق عن معرفة ذواتهم وصفاتهم فكيف يقدرون على معرفة أبعد الأشياء عنهم ،
والعرب مع بعدهم عن معرفة الحقائق عرفوا ذلك ، قال قائلهم

١٢٠
قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشاً .
ولكنني عن علم ما في غدعمي
وأعرف ما في اليوم والأمس قبله
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقال لبيد: فوالله ما تدرى الضوارب بالحصى
المسألة الرابعة ﴾ في شرح كون السماء بناء، قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم
وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة
كالبساط ، والنجوم منورة كالمصابيح والانسان كمالك البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات
مهيأة لمنافعة وضروب الحيوانات مصرفة في مصالحة ، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم
مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية والله أعلم.
أما قوله تعالى ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) فاعلم أن الله
تعالى لما خلق الأرض وكانت كالصدف والدرة المودعة فيه آدم وأولاده ، ثم علم الله أصناف
حاجاتهم فكأنه قال يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال ( أنا
صيبنا الماء صباثم شققنا الأرض شقاً) فانظر يا عبدي أن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة ،
ولو أني خلقت الأرض من الذهب والفضة هل كان يحصل منها هذه المنافع ، ثم إني جعلت
هذه الأشياء في هذه الدنيا مع أنها سجن ، فكيف الحال في الجنة ، فالحاصل أن الأرض أمك
بل أشفق من الأم ؛ لأن الأم تسقيك لوناً واحداً من اللبن ، والأرض تطعمك كذا وكذا لوناً
من الأطعمة ، ثم قال ( منها خلقناكم وفيها نعیدکم ) معناه نردکم إلى هذه الأم ، وهذا ليس
بوعيد ؛ لان المرء لا يوعد بأمه وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك من
الأرض ، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش ، فکیف إذا دخلت
بطن الأم الكبرى ، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى ، كما كنت في بطن الأم
الصغرى ؛ لأنك حين كنت في بطن الأم الصغرى ما كانت لك زلة ، فضلا عن أن تكون لك
كبيرة ، بل كنت مطيعاً لله بحيث دعاك مرة إلى الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها بالرأس طاعة
منك لربك ، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك ، واعلم أنه سبحانه
وتعالى لما ذكر الأرض والسماء بين ما بينهما من شبه عقد النكاح بانزال الماء من السماء على
الأرض والإخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان، ومن أنواع الثمار رزقا لبني
آدم ليتفكروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ، ويعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا
يقدر على تكوينها وتخليفها إلا من كان مخالفاً لها في الذات والصفات ، وذلك هو الصانع
الحكيم سبحانه وتعالى . وههنا سؤالات . السؤال الأول : هل تقولون إن الله تعالى هو الخالق
لهذه الثمرات عقيب وصول الماء إليها بمجرى العادة ، أو تقولون إن الله تعالى خلق في الماء