النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير لا ريب فيه .
( المسألة الأولى) : الريب قريب من الشك ، وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء تقول رابني
أمر فلان إذا ظننت به سوء، ومنها قوله عليه السلام ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) فان
قيل: قد يستعمل الريب في قولهم ((ريب الدهر)) و(( ريب الزمان)) أي حوادثه قال الله تعالى
( نتربص به ريب المنون ) ويستعمل أيضاً في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول
الشاعر :
قَضَينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
قلنا: هذان قد يرجعان إلى معنى الشك، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل، فهو
كالمشكوك فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى ( لا ريب فيه ) المراد
منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا فی کونه من
عند الله ، ولا في كونه معجزاً. ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان
أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) وها هنا سؤالات :
( السؤال الأول ) : طعن بعض الملحدة فيه فقال : ان عنى انه لا شك فيه عندنا فنحن قد
نشك فيه ، وان عنى أنه لا شك فيه عنده فلافائدفيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح
إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة
إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في
الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني : لم قال ههنا ( لا ريب فيه )
وفي موضع آخر ( لا فيها نمول ) ؟ الجواب : لانهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي
الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب
فيه لا هاهنا ، كما قصد في قوله ( لا فيها غول ) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا
تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث : من أين يدل قوله ( لا ريب فيه) على نفي
الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء ( لا ريب فيه) نفي لماهية الريب ونفي الماهية
يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك
يناقض نفي الماهية، ولهذا السركان قولنا ((لا إله إلا الله)) نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
وأما قولنا (( لا ريب فيه)) بالرفع فهو نقيض لقولنا: ((ريب فيه)) وهو يفيد ثبوت فرد واحد ،
فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض .
( المسألة الثانية ) الوقف على ( فيه) هو المشهور ، وعن نافع وعاصم انهما وقفا على (لا
ريب) ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله ( قالوا لا ضير) وقول العرب : لا
بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ والتقدير : لا ريب فيه فيه هدى . واعلم أن القراءة

٢٢
تفسير قوله تعالى: هدى للمتقين- سورة البقرة
هُدَّى لِلْمَّقِينَ
الأولى أولى ؛ لأن على القراءة الأولى یکون الكتاب نفسه هدى ، وفی الثانیة لا یکون الكتاب
نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى
والله أعلم .
قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ فيه مسائل .
( المسألة الأولى ) : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب
الكشاف: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء
والعلم . والذي يدل على صحة قول الأول وفساد الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة
موصلة إلى البغية معتبراً فی مسمی الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن کون
الدلالة موصلة إلى الا هتداء حال عدم الاهتداء محال ، لكنه غير ممتنع بدلیل قوله تعالى ( وأما
ثمود فهدیناهم فاستحبوا العمی علی الهدى ) أصبت الهدى مع عدم الا هتداء ، ولأنه يصح في
لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج صاحب الكشاف بأمور ،
ثلاثة : وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى )
وقال ( لعلى هدی أو في ضلال مبين ) وثانيها : يقول مهدي في موضع المدح کمهتدي ، فلو لم
يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال
أنه هدى فلم يهتدوا ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته
فانكسر، وقطعته فانقطع فكما أن الانكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن
يكون الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء
معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الاضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال ، فجعل الهدی فی
مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني : أن المنتفع بالهدى سمي مهدیاً ، وغير منتفع به لا يسمى
مهدياً ؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث : أن
ائتمار مطاوع الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول
الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء ، على أنه معارض
بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى
وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا
الاهتداء والعلم .
( المسألة الثانية ) المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط
الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ذكر المتقي ههنا في معرض المدح ، ومن يكون

٢٣
تفسیر قوله تعالی:هدى للمتقين . ،»
كذلك أولى بأن یکون متقیاً فی أمور الدنيا ، بل بأن يكون متقیاً فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن
يكون آتياً بالعبادات محترزاً عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في
التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ،
ولا نزاع في وجوب التوبةا عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا
الاسم؟ فروى عنه عليه السلام أنه قال: (( لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به
حذراً مما به البأس )) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في
ترك ما يميل الهوى إليه ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي
الخشية ، قال في أول النساء ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) ومثله في أول الحج ، وفي الشعراء
( إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قال هو دو صالح ،
ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه ( اعبدوا الله واتقوه ) يعني
اخشوه ، وكذا قوله ( اتقوا الله حق تقاته) ( وتزودوا فان خير الزاد التقوى) ( واتقوا يوماً لا
تجزي نفس عن نفس شيئاً) واعلم ان حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد
جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة
ثالثة ، وترك المعصية رابعاً، والإخلاص خامساً ، أما الإيمان فقوله تعالى ( وألزمهم كلمة
التقوى) أي التوحيد ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) وفي الشعراء ( قوم فرعون
ألا يتقون ) أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ) أي تابوا ،
وأما الطاعة فقوله في النحل ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) وفيه أيضاً ( أفغير الله
تتقون ) وفي المؤمنين ( وأنّا ربكم فاتقون ) وأما ترك المعصية فقوله ( وأتوا البيوت من أبوابها
واتقوا الله ) أي فلا تعصوه ، وأما الاخلاص فقوله في الحج ( فإنها من تقوى القلوب ) أي من
اخلاص القلوب ، فكذا قوله ( وإياي فاتقون ) واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى
( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) وقال ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وعن ابن
عباس قال عليه السلام ((من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون
أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما
في يده)) وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الاصرار على المعصية ، وترك الاغترار
بالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار على الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد
الله . وقال إبراهيم بن أدهم : التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً. ولا الملائكة في
أفعالك عيباً ولا ملك العرش في سرك عيباً وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما
زينت ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي من

٢٤
تفسير قوله تعالى:هدى للمتقين.
سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الاخلاص والوفاء، واجتنب
الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى ( هدى للمتقين ) كفاه ، لأنه
تعالی بین أن القرآن هدی للناس في قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس )
ثم قال ههنا في القرآن : إنه هدى للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا
یکون متقیا کأنه ليس بانسان .
( المسألة الثالثة) في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب
شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي ،
والمهتدي لا يهتدي ثانياً والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب : القرآن كما أنه هدى
للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضاً دلالة للكافرين .
إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال ( إنما أنت
منذر من يخشاها) وقالٍ ( إنما تنذر من اتبع الذكر ) وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس ،
فكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بانذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة
الموصلة إلى المقصود بهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلا في
حق المتقين . السؤال الثاني : کیف وصف القرآن کله بأنه هدی وفيه مجمل ومتشابه کثیر ؛
ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا
القرآن ، ومن هذا نقل عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه
رسولاً إلى الخوارج ، لا تحتج علیهم بالقرآن ، فإنه خصم ذو وجهین ، ولو کان ھدی لما قال
علي بن أبي طالب ذلك فيه ؛ ولأنا نرى جميع فرق الإِسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءاً
من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف
الشدید ، فکیفیکون هدی ؟
الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو اما دلالة
العقل أو دلالة السمع - صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما يتوقف صحة كون القرآن
حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات
الله تعالى وصفاته ، وفي معرفة النبوة ، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب ، فإذا لم يكن
القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الاطلاق ؟
٦
الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن
یکون ھدی فی بعض الأشياء ، وذلك بأن یکون ھدی فی تعریف الشرائع ، أو یکون ھدی فی

٢٥
قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب .. سورة البقرة
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَنُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَرِمَارَ زَقْنَهُمْ بُنْفِقُونَ
تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على ان المطلق لا يقتضى العموم ، فإن الله
تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ ، مع انه يستحيل أن يكون هدى في اثبات
الصانع وصفاته واثبات النبوة ، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم .
السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن
ليس كذلك ، فان المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة ، وما يكون
كذلك لا يكون مبيناً في نفسه فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا :
من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه
عليه هو هذا السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحداً على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا
السؤال .
( المسألة الرابعة ) قال صاحب الكشاف: محل ( هدى للمتقين ) الرفع ؛ لأنه خبر مبتدأ
محذوف أو خبر مع ( لا ريب فيه) ( لذلك ) ، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبراً عنه ،
ويجوز أن ينصب على الحال ، والعامل فيه الاشارة ، أو الظرف، والذي هو ارسخ عرقاً في
البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحاً، وأن يقال : إن قوله ( الم ) جملة برأسها ، أو
طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها . و( ذلك الكتاب ) جملة ثانية ، و( لا ريب فيه )
ثالثة و( هدى للمتقين ) رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ،
حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق
بعض ، والثانية متحدة بالأولى وهلم جرا إلى الثالثة ، والرابعة .
بيانه : أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية
الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة
بکماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، ثم لم
يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف
والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في
تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر - الذي هو هدى - موضع
الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكراً .
قوله تعالى ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ اعلم ان فيه
مسائل :

٢٦
قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب.
المسئلة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف (الذين يؤمنون) اما موصول بالمتقين على أنه
صفة مجرورة ، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون ، أوهم الذين ، وإما
منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ( بأولئك علی ھدی) فإذا کان موصولاً كان
الوقف على المتقين حسناً غير تام ، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً .
المسألة الثانية﴾ قال بعضهم (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم
ينفقون ) يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين ، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً
للحسنات وتاركاً للسيئات ، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب - وهو قوله ( الذين
يؤمنون ) - وإما أن يكون فعل الجوارح، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة
إما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة ، أومالية ، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمى الرسول عليه
السلام (( الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإِسلام)) وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله
تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً
لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي ، فالترك
هو التقوى ، والفعل إما فعل القلب ، وهو الإيمان ، أو فعل الجوارح ، وهو الصلاة والزكاة ،:
وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة، لأن القلب
كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، واللوح يجب تطهيره أولاً عن النقوش
الفاسدة ، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه ، وكذا القول في الأخلاق ، فلهذا السبب قدم
التقوى وهو ترك مالا ينبغي ، ثم ذكر بعدم فعل ما ينبغي .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف: الإيمان إفعال من الأمن ، ثم يقال آمنه إذا
صدقه ، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة ، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى ((أقر
وأعترف)) وأما ما حكي أبو زيد: ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت ، فحقيقته صوت ذا
أمن، أی ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهین حسن في ( يؤمنون بالغيب) أي يعترفون به أو
يثقون بأنه حق . وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق؛
أربع .
الفرقة الأولى﴾ الذين قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار:
باللسان ، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية ، وأهل الحديث ، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن
الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة ،
ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً . فقالوا مجموع

٢٧
قوله تعالى:الذين يؤمنون بالغيب .
هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر ، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن
الإيمان إذا عدى بالباء فالمراد به التصديق ، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله ، ويكون
المراد التصديق ، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، فلا يقال فلان آمن
بكذا إذا صلى وصام ، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى الله ، فالإيمان المعدى بالباء
يجري على طريقة أهل اللغة ، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من
المسمى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على وجوه . أحدها :
أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، أو من باب الأقوال أو
الأفعال أو الاعتقادات ، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن
أحمد . وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل ، وهو قول أبي علي وأبي
هاشم . وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، فالمؤمن عند الله كل من
اجتنب كل الكبائر ، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد ، وهو قول النظام ،
ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها . وأما أهل
الحديث فذكروا وجهين . الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ، ثم بعد ذلك كل طاعة
إيمان على حدة ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي
هو المعرفة ، وزعموا أن الجحود وانكار القلب كفر ، ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم
يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً لم توجد المعرفة والإقرار ، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم
يوجد الجحود والانكار ، ، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله ، وهو قول عبدالله بن
سعيد بن كلاب . الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا
الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان ، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه ،
ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه ، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل .
الفرقة الثانية ﴾ الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معاً، وقد اختلف هؤلاء على
مذاهب الأول : إن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول أبي حنيفة وعامة
الفقهاء ، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين . أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة ، فمنهم
من فسرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل - وهم
الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم ، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال .
وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقيق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو
العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم انه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا
جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. وقال أهل الانصاف : المعتبر هو

٢٨
قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب .
العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد ◌َّة، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً
بالعلم أو عالماً لذاته وبكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان . القول الثاني :
إن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً ، وهو قول بشربن عتاب المريسي ، وأبي الحسن
الأشعري ، والمراد من التصديق بالقلب بالكلام القائم بالنفس . القول الثالث : قول طائفة
من الصوفية : الإيمان إقرار باللسان ، واخلاص بالقلب .
1
الفرقة الثالثة ﴾ الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد
اختلفوا على قولين ( أحدهما ) إن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب ، حتى أن من عرف الله
بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان .
أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان . وحكى الكعبي
عنه: أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد ملء (وثانيهما )
ان الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي .
الفرقة الرابعة﴾ الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان :.
الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب ،:
فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً ، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان ، وهو قول غيلان.
بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وان كان الكعبي قد أنكر كونه قولاً لغيلان . : أن
الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وهو قول الكرامية ، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر.
السریرة فثبت له حکم المؤمنین في الدنیا وحکم الکافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في.
مسمى الإيمان في عرف الشرع ، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب
ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول : ان من قال العالم محدث فليس مدلول.
هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث ، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم
حادثاً ، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني
بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص ، واختلاف الصيغ والعبارات مع
كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات ،
ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول ، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير
العلم ، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به ، فعلمنا أن الذهني مغاير للعلم ، فالمراد من
التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني ، بقي ههنا بحث لفظي هو أن المسمى بالتصديق في
اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد

٢٩
قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب .
ذكرناه في أصول الفقه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما
عرف بالضرورة كونه من دين محمد ◌َّ مع الاعتقاد . فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات
قيود أربعة :
القيد الأول﴾ إن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه. الأول : إنه كان فى
أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً
بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً . الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ
دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة
ذلك المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن ذلك علمنا أنه بقي على أصل
الوضع . الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن
يكون غير المعدى كذلك . الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن اضافة إلى القلب
قال ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) وقوله ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) ( کتب
في قلوبهم الإيمان ) ( ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) الخامس : أن الله
تعالی أینما ذکر الإیمان قرن العمل الصالح به ولو کان العمل الصالح داخلاً فی الإیمان لکان ذلك
تكراراً . السادس : أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان وقرنه بالمعاصي ، قال ( الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم ) ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على
الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى ( یا
أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) من ثلاثة أوجه . أحدهما : أن القصاص
إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ) فدل على أنه مؤمن .
وثانيها : قوله ( فمن عفى له من أخيه شيء ) وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ، لقوله
تعالى ( إنما المؤمنون أخوة ) وثالثها: قوله ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) وهذا لا يليق إلا
بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى ( والذين آمنوا ولم يهاجروا) هذا أبقى استم الإيمان
لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي
أنفسهم ) وقوله ( ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا) ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل
أیضاً عليه قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوی وعدوکم أولیاء ) وقال ( یا أيها
الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) وقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى
الله توبة نصوحاً) والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون )
لا يقال فهذا يقتضى أن يكون كل مؤمن مذنباً وليس كذلك قولنا : هي أنه خص فيما عدا
المذنب فبقي فيهم حجة .

٣٠
قوله تعالى:الذين يؤمنون بالغيب.
القيد الثاني ﴾ - أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله
تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) نفي كونهم مؤمنين ، ولو
كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي .
القيد الثالث ﴾ أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت
والطاغوت لا يسمى مؤمناً .
القيد الرابع ﴾ ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عز وجل ؛ لأن
الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم ، ولو
كان هذا القيد وأمثاله شرطاً معتبراً في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن
يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا . فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان ، فإن قال قائل :
ها هنا صورتان الصورة الأولى : من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم
يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة . فهنا ان حكمتم انه مؤمن فقد حكمتم بأن
الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان ، وهو خرق للاجماع ، وان حکمتم بأنه غير مؤمن
فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) وهذا
قلب طافح بالإيمان ، فكيف لا يكون مؤمناً ؟ الصورة الثانية : من عرف الله تعالى بالدليل
ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم انه مؤمن فهو
خرق للاجماع ، وان قلتم ليس بمؤمن فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام ( يخرج من النار من كان
في قلبه مثقال ذرة من الإيمان)) ولا ينتفي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق .
والجواب : أن الغزالي منع من هذا الاجماع في الصورتين ، وحكم بكونهما مؤمنين ،
وان الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان .
المسألة الرابعة﴾ - قيل (الغيب) مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى
الصائم ، والزور بمعنی الزائر ، ثم في قوله تعالى ( يؤمنون بالغيب ) قولان ( الأول ) - وهو
اختيار أبي مسلم الأصفهاني - أن قوله ( بالغيب ) صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال
الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا
خلوا إلی شیاطینهمقالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى( ذلك لیعلم أني لم
أخنه بالغيب ) ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح
للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقاً لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما
ليس في قلوبهم ( والثاني ) وهو قول جمهور المفسرين ان الغيب هو الذي يكون غائباً عن الحاسة

٣١
قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب .
ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل . فالمراد من هذه الآية مدح
المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا
يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع
فان في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثناء العظيم .
واحتج أبو مسلم على قوله بأمور : الأول : أن قوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل
من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) الإيمان بالأشياء الغائبة فلو کان المراد من قوله ( الذين يؤمنون
بالغيب ) هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وأنه غير جائز :
الثاني : لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم اطلاق القول بأن الانسان يعلم الغيب ، وهو خلاف
قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا
المحذور ( الثالث ) : لفظ الغيب إنما يجوز اطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا
يجوز اطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) لو كان
المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان
بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف
يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضى خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم
يلزمنا هذا المحذور .
والجواب عن الأول : ان قوله (يؤمنون بالغيب) يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال
ثم بعد ذلك قوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) يتناول الإيمان ببعض
الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله ( وملائكته
وجبريل وميكال ) . وعن الثانية: ) أنه لا نزاع في انا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا ، فكان ذلك
التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً . فان قيل افتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ قلنا قد
بينا ان الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه
وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول : نعلم من الغيب ما لنا عليه
دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال العلماء : الاستدلال بالشاهد على
الغائب أحد أقسام الأدلة . وعن الثالث : لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه
الحضور ، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد .
ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم .
﴿ والمسألة الخامسة﴾ قال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدى المنتظر الذي وعد الله
تعالى به في القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات

٣٢
قوله تعالى:الذين يؤمنون بالغيب .
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) وأما الخبر فقوله عليه السلام ((لولم
يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه
اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.)) واعلم أن تخصيص
المطلق من غير الدليل باطل .
المسألة السادسة﴾ ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوها: أحدها : أن إقامتها
عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها وآدابها ، من أقام العود
إذا قومه . وثانيها : أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى ( والذين هم على صلاتهم!
يحافظون ) وقال ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) من قامت السوق إذا نفقتر، وأقامتها ،
نفاقها ؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي نتوجه إليه الرغبات ، وإذا أضيعت
كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه وثالثها : انها عبارة عن التجرد لأدائها وأن لا يكون.
في مؤديها فتور من قولهم : قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها ، وفي ضده : قعد عن
الأمر ، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط. ورابعها : اقامتها عبارة عن أدائها ، وإنما عبر عن:
الاداء بالاقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت وبالركوع وبالسجود ، وقالوا : .
سبح إذا صلى ، لوجود التسبيح فيها ، قال تعالى : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) واعلم أن:
الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه من الثناء العظيم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الاقامة
على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها وشرائطها ؛ ولذلك فان القيم بأرزاق الجند إنما يوصف
بكونه قيماً إذا أعطى الحقوق من دون بخس ونقص ؛ ولهذا يوصف الله تعالى بأنه قائم وقيوم ؛
لأنه يجب دوام وجوده ؛ ولأنه یدیم ادرار الرزق على عباده .
المسألة السابعة﴾ - ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوها . أحدها : انها
الدعاء قال الشاعر :
وقابلها الريح في دنها
وصلى دنها وارتشم
وثانيها : قال الخارزنجي . اشتقاقها من الصلى ، وهي النار ، من قولهم : صليت
العصا إذا قومتها بالصلى ، فالمصلى كأنه يسعى في تعديل باطنه وظاهره مثل من يحاول تقويم
الخشبة بعرضها على النار . وثالثها : ان الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى ( تصلى ناراً
حامية ) ( سيصلى ناراً ذات لهب ) وسمى الفرس الثاني من أفراض المسابقة مصلياً .
ورابعها : قال صاحب الکشاف: الصلاة فعلة من (( صلى » کالزكاة من ( زکی )» وكتبتها بالواو
على لفظ المفخم ، وحقيقة صلى حرك الصلوين ، لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده ،

٣٣
قوله تعالى (( الذین يؤمنون بالغيب )) .
وقيل الداعي : مصلى تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد ، وأقول ها هنا بحثان :
الأول : إن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب الکشاف یفضی إلی طعن عظیم فی کون
القرآن حجة ، وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دوراناً على ألسنة
المسلمين ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل ، ولو
جوزنا أن يقال : مسمى في الصلاة في الأصل ما ذكره . ثم أنه خفي ولدرس حتى صار
بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لکان مثله في سائر الألفاظ جائزاً ، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد
الله تعالى من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا ، لاحتمال انها كانت في
زمان الرسول موضوعة لمعان أخر ، وكان مراد الله تعالى منها تلك المعاني ، إلا أن تلك المعاني
خفيت في زماننا واندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة ، فلما كان ذلك باطلاً بإجماع المسلمين
علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل ..
الثاني : الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضاً مفتتحة
بالتحريم ، مختتمة بالتحليل ، وهذا الإسم يقع على الفرض والنقل ، لكن المراد بهذه الآية
الفرض خاصة ؛ لأنه الذي يقف الفلاح عليه ؛ لأنه عليه السلام لما بين للإعرابي صفة الصلاة
المفروضة قال والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله: لير(( أفلح إن صدق)).
المسألة الثامنة ﴾ الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى ( وتجعلون رزقكم أنكم
تكذبون ) أی حظکم من هذا الأمر ، والحظ هو نصیب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم
قال بعضهم : الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل ، وهو باطل ، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق
مما رزقنا فقال ( وأنفقوا مما رزقناكم ) فلو كان الرزق هو الذي یؤکل لما أمكن انفاقه× {وقال
آخرون : الرزق هو ما يملك وهو أيضاً باطل ، لأن الإنسان قد يقول : اللهم ارزقني ولداً
صالحاً أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا الزوجة ، ويقول : اللهم ارزقني عقلاً أعيش
به وليس العقل بمملوك ، وأيضاً البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك . وأما في عرف
الشرع فقد اختلفوا فيه ، فقال أبو الحسين البصري : الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع
بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به ، فإذا قلنا : قد رزقنا الله تعالى الأموال ،
فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها ، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالاً فإنا نقصد بذلك أن
يجعلنا بالمال أخص ، وإذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص ،
وإنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به ، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به .
واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لاجرم قالوا : الحرام لا يكون رزقاً . وقال أصحابنا :
خر الرازي ج ٢ م ٣

٣٤
قوله تعالى ( والذين يؤمنون بالغيب )»
الحرام قد يكون رزقاً ، فحجة الأصحاب من وجهين . الأول : أن الرزق في أصل اللغة هو
الحظ والنصيب على ما بيناه ، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً ونصيباً ، فوجب أن
يكون رزقاً له الثاني : أنه تعالى قال ( وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ) وقد یعیش
الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة ، فوجب أن يقال : إنه طول عمره لم يأكل من رزقه
شيئاً . أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى : أما الكتاب فوجوه . أحدها : قوله
تعالى (ومما رزقناهم ينفقون) مدحهم على الانفاق مما رزقهم الله تعالى ، فلو كان الحرام رزقاً
لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام ، وذلك باطل بالاتفاق . وثانيها : لو كان
الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه ، لقوله تعالى ( وأنفقوا مما رزقناكم) وأجمع المسلمون
على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده ، فدل على أن الحرام لا يكون
رزقاً . وثالثها : قوله تعالى ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً
قل الله أذن لكم) فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله ، فثبت أن الحرام لا يكون
رزقاً، وأما السنة فيما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر بإسناده عن صفوان بن أمية قال : كنا عند
رسول الله * إذا جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أرافي
أرزق إلا من دفى بكفي فائذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام ((لا إذن لك ولا !
کرامة ولا نعمة کذبت أی عدو الله لقد رزقك الله رزقاً طيباً فاخترت ما حرم الله علیك من رزقه ،
مكان ما أحل الله لك من حلاله أما انك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعاً))
وأما المعنى فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره يمنعه من الانتفاع به ، من .
منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال انه رزقه اياه . ألا ترى أنه لا يقال . ان السلطان قد
رزق جنده ما لا قد منعهم من أخذه ، وإنما يقال : إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم
منه ولا أمر بمنعهم منه ، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان الكل من الله ،
لكنه كما يقال : يا خالق المحدثات والعرش والكرسى ، ولا يقال: يا خالق الكلاب
والخنازير ، وقال (عيناً يشرب بها عباد الله ) فخص اسم العباد بالمتقين ، وإن كان الكفار أيضاً
من العباد ، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً
أيضاً، وأجابوا عن التمسك بالخير بأنه حجة لنا ، لأن قوله عليه السلام ((فاخترت ما حرم الله
عليك من رزقه)) صريح في أن الرزق قد يكون حراماً وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة
محض اللغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله
أعلم .
المسألة التاسعة ﴾ أصل الانفاق اخراج المال من اليد ، ومنه نفق المبيع نفاقاً إذا کثر.

٣٥
قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك . سورة البقرة
وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ()
المشترون له ، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها ، ونافقاء الفأرة لأنها تخرج منها ومنه
النفق في قوله تعالى ( أن تبتغي نفقاً في الأرض ) .
المسألة العاشرة﴾ في قوله (ومما رزقناهم ينفقون) فوائد. أحدها : أدخل من
التبعيضية صيانة لهم ، وكفى عن : الاسراف والتبذير المنهي عنه . وثانيها : قدم مفعول الفعل
دلالة على كونه أهم ، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به . وثالثها : يدخل في الانفاق
المذكور في الآية ، الانفاق الواجب ، والانفاق المندوب ، والانفاق الواجب أقسام .
أحدها : الزكاة وهي قوله في آية الكنز ( ولا ينفقونها في سبيل الله ) . وثانيها : الانفاق على
النفس وعلى من تجب عليه نفقته . وثالثها : الانفاق في الجهاد . وأما الانفاق المندوب فهو
أيضاً انفاق لقوله (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) وأراد به الصدقة لقوله
بعده ( فأصدق وأكن من الصالحين ) فكل هذه الانفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب
لاستحقاق المدح .
قوله تعالى ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) .
اعلم ان قوله (الذين يؤمنون بالغيب ) عام يتناول كل من آمن بمحمد له ، سواء كان
قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام ؛ أو ما كان مؤمناً بهما، ودلالة اللفظ العام على
بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض ، لأن العام
يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية ، وقد شرف الله تعالى
المسلمين بقوله ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين
آمنوا بالرسول : كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من
قبلك ) لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى : ( من كان عدو الله
وملائكته ورسله وجبريل ومیکال ) ثم تخصيص عبدالله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب
لأمثاله في الدين ، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام ، ثم نقول . أما قوله
( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدى بالباء
فالمراد منه التصديق ، فإذا قلنا فلان آمن بكذا ، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام
وصلى ، فالمراد بالإيمان هاهنا التصديق بالاتفاق لكن لا بد معه من المعرفة لأن الإيمان هاهنا
خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذباً فهو إلى الذم أقرب .

٣٦
قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك .
المسألة الثانية﴾ المراد من انزال الوحي وكون القرآن منزلا ، ومنزلا ، ومنزولا به ،
أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به ، وهذا كما يقال :
نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل
ويؤدي في سفل ، وقوله الأمير لا يفارق ذاته ، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه ،
ویقال فلان ینقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر . فإن قیل کیفسمع جبريل
كلام الله تعالى ، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم ؟ قلنا: يحتمل أن يخلق الله
تعالی له سمعا لکلامه ثم أقدره علی عبارة یعبر بها عن ذلك الكلام القدیم ، ويجوز أن یکون
الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه ،
ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل
عليه السلام ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) هذا الإيمان واجب ، لأنه
قال فی آخر ( وأولئك هم المفلحون ) فثبت أن من لم یکن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون
مفلحاً، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد ◌ّ على سبيل التفصيل ،
لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علماً وعملاً إلا إذا علمه على سبيل التفصيل ، لأنه
ان لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به ، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية ،
فان تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد له على سبيل التفصيل غير واجب على العامة ،
وأما قوله ( وما أنزل من قبلك ) فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد ، والإيمان
واجب على الجملة : لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل ، بل ان
عرفنا شيئاً من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل ، وأما قوله ( وبالآخرة هم
يوقنون ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الآخرة صفة الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا
وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة .
المسألة الثانية ﴾ اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه ، فلذلك لا
يقول القائل : تيقنت وجود نفسي ، وتيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك ،
ويقال ذلك في العلم الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً ، فيقول
القائل : تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالإضطرار ، ويقول تيقنت أن
الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب ؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء.

٣٧
قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك. سورة البقرة
أَوْلَِّكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
المسألة الثالثة﴾ أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا
يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها
من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة ، والكافرين النار . روى عنه عليه السلام أنه قال
((يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه ، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم
ينكر النشأة الآخرة ، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا - يعني
النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور ، وعجباً من
المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة)).
قوله تعالى ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة . أحدها : أن ينوي
الابتداء ( بالذين يؤمنون بالغيب ) وذلك لأنه لما قيل ( هدى للمتقين ) فخص المتقين بأن
الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول : ما السبب في اختصاص المتقين بذلك ؟ فوقع
قوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) إلى قوله ( وأولئك هم المفلحون ) جواباً عن هذا السؤال ، كأنه
قيل : الذي يكون مشتغلاً بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لا بد
وان يكون على هدى من ربه . وثانيها : أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعاً ( للمتقين ) ثم
يقع الابتداء من قوله ( أولئك علی ھدی من ربهم ) کأنه قیل أي سبب في أن صار الموصوفون
بهذه الصفات مختصين بالهدى ؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون
الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلاً . وثالثها : أن يجعل الموصول الأول صفة ( المتقين )
ويرفع الثاني على الابتداءو ( أولئك ) خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى
تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله لي وهم ظانون أنهم على الهدى
وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى .
المسألة الثانية ﴾ معنى الاستعلاء في قوله ( على هدى) بيان لتمكنهم من الهدى
واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره ((فلان على الحق ،
أو على الباطل)) وقد صرحوا به في قولهم ((جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل)) وتحقيق القول
في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل ، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على
ذلك ويحرسه عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى ومدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولاً ، مدحهم
بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانياً ، وذلك واجب على المكلف، لأنه إذا

٣٨
قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم .
كان متشدداً في الدين خائفاً وجلا فلا بد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله ، ويتأمل حاله
فيهما فإذا حرس نفسه عن الاخلال كان ممدوحاً بأنه على هدى وبصيرة ، وإنما نكر ( هدى)
ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً . قال
عون بن عبدالله: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير. ألا ترى
نجوم السماء يبصرها البصراء ، ولا يهتدي بها إلا العلماء .
﴿ المسألة الثالثة) في تكرير (أولئك) تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدي
ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً ، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين . فإن قيل :: ١
فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم)
الغافلون ) قلنا : قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهما
متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شىء واحد ، وكانت الجملة الثانية
مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل .
المسألة الرابعة﴾ (هم) فصل وله فائدتان. إحداهما:" الدلالة على أن الوارد بعده!
خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ ، فإنك لو قلت الانسان ضاحك فهذا لا يفيد أن
الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان ، أما لو قلت : الانسان هو الضاحك فهذا يفيد أنأ
الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان .
﴿ المسألة الخامسة﴾ معنى التعريف في (المفلحون) الدلالة على أن المتقين هم الناس
الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت:
من هو؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته ، أو على أنهم الذين إن حصلت
صفة المفلحون فهم هم ، كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط
الاقدام ؟ إن زيداً هو هو .
1
المسألة السادسة ﴾ المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم
تستغلق عليه ، والمفلج بالجيم مثله ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح ، ولهذا سمي
الزراع فلاحاً، ومشقوق الشفة السفلى أفلح، وفي المثل ((الحديد بالحديد يفلح )) وتحقيقه أن
الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علماً وعملاً بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو
النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام ، لأن ذلك هو الثواب المطلوب .
للعبادات .
المسألة السابعة﴾ هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه ، والمرجئة من وجه.

٣٩
قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم. سورة البقرة
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ، أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَأَ يُؤْمِنُونَ (
آخر . أما الوعيدية فمن وجهين . الأول . أن قوله (وأولئك هم المفلحون ) يقتضي الحصر،
فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن يكون مفلحاً ، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك
الصلاة والزكاة . الثاني : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك
الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة ، فمن أخل بهذه الأشياء
لم يحصل له علة الفلاح ، فوجب أن لا يحصل الفلاح . أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم
بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء
مفلحاً وإن زنى وسرق وشرب الخمر ، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم
ضرورة ، إذ لا قائل بالفرق . والجواب : أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر
فيتساقطان ، ثم الجواب عن قول الوعيدية : أن قوله ( وأولئك هم المفلحون ) يدل على أنهم
الكاملون في الفلاح ، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح ، ونحن نقول
بموجبه ، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب ، بل يجوز له
أن يكون خائفاً منه ، وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضى نفي المسبب ، فعندنا من
أسباب الفلاح عفو الله تعالى . والجواب عن قول المرجئة : أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل
الثواب لأنه يتضمن اتقاء المعاصي ، واتقاء ترك الواجبات والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) .
اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن شاء الله
تعالى . أما قوله ( إن ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أعلم أن (إن) حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن هذا
الحرب أشبه بالفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضى كونها عاملة ، وفيه مقدمات
( المقدمة الأولى ) في بيان المشابهة ، واعلم ان هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ، أما في
اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون
الوقاية نحو إننيّ وكأنني ، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها
تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ،
فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم ( المقدمة الثانية ) أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن
تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناء على الدوران ( المقدمة الثالثة ) في أنها لم نصبت الاسم
ورفعت الخبر؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً ، أو
:

٤٠
قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم .
تنصبهما معاً ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس ، والأول باطل ؛ لأن المبتدأ والخبر
كانا قبل دخول ( إن ) عليهما مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر
البتة ، ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعلٍ لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفرع لإ
يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني أيضاً باطل ؛ لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل ، لأن
الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث أيضاً باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية
بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع ثم في المفعول بالنصب ؛
فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة
تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف
دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل
فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض . .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، وقال
الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك . حجة البصريين
أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع
والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . وحجة الكوفيين من وجهين . الأول : أن
معنى الخبرية باق في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة ، وإذا كانت
الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف ، فهذه مقدمات ثلاثة . إحداها : قولنا : الخبرية
باقية ، وذلك ظاهر ، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسنداً إلى المبتدأ ، وبعد دخول حرف
(((إن)) عليه فذاك الاسناد باق . وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا مقتضية للرفع : وذلك لأن
الخبرية كانت قبل دخول ((إن)) مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءاً من المقتضى.
لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة ، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية
للرفع ، لأن المقتضى بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل . وثالثها :.:
قولنا: الخبرية أولى بالاقتضاء ، وبيانه من وجهين . الأول : أن كونه خبراً وصف حقيقي
قائم بذاته ، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم :
يتخللهما . الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو کون كل واحد منهما. ا
مسنداً إلى الغير ، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي ، فإنه ليس فيه
إسناد ، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرفللفعل ، فإذا ثبت ذلك کانت ...
الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما
كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعاً ، لأن الخبرية بالنسبة إلى