النص المفهرس
صفحات 281-297
٢٨١ تفسير سورة الفاتحة الإِخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية ، وهو قولك إياك نعبد وإياك نستعين والباب السابع باب الدعاء والتضرع كما قال ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) وقال ( أدعوني أستجب لك) وهو ههنا قولك أهدنا الصراط المستقيم، والباب الثامن باب الاقتداء بالأرواح الطيبة الطاهرة والاهتداء بأنوارهم ، وهو قولك صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وبهذا الطريق إذا قرأت هذه السورة ، ووقفت على أسرارها انفتحت لك ثمانية أبواب الجنة ، وهو المراد من قوله تعالى ( جنات عدن مفتحة لهم الأبواب فجنات المعارف الربانية انفتحت أبوابها بهذه المقاليد الروحانية ، فهذا هو الإشارة إلى ما حصل في الصلاة من المعراج الروحاني . وأما المعراج الجسماني فالمرتبة الأولى أن تقوم بين يدي الله مثل قيام أصحاب الكهف ، وهو قوله تعالى (إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض ) بل قم قيام أهل القيامة وهو قوله تعالى ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ثم اقرأ سبحانك اللهم ، وبعده وجهت وجهي ، وبعده الفاتحة ، وبعدها ما تيسرلك من القرآن ، واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله ، فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين ، وهذا سرقوله إياك نعبد وإياك نستعين . واعلم أن النفس الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت ، فاجعلها محنية بالركوع فقل : سمع الله لمن حمده ، ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى ، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بنهاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو، وقل : سبحان ربي الأعلى ، فإذا أتيت بالسجدة الثانية فقد حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة : الركوع الواحد ، والسجودان ، وبها تنجو من العقبات الثلاث المهلكة ، فبالركوع تنجو عن عقبة الشهوات ، وبالسجود الأول تنجو عن عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات ، وبالسجود الثاني تنجو عن عقبة الهوى الذي هو الداعي إلى كل المهلكات والمضلات ، فإذا تجاوزت هذه العقبات وتخلصت عن هذه الدركات فقد وصلت إلى الدرجات العاليات ، وملكت الباقيات الصالحات ، وانتهيت إلى عتبة جلال مدبر الأرض والسموات ، فقل عند ذلك التحيات المباركات الصلوات الطيبات الله ، فالتحيات المباركات باللسان ، والصلوات بالأركان ، والطيبات بالجنان وقرة الإيمان ، ثم في هذا المقام يصعد نور روحك وينزل نور روح محمد ﴿يَ﴾﴾ فيتلافى الروحان، ويحصل هناك الروح والراحة والريحان، فلا بد لروح محمد عليه الصلاة والسلام من محمدة وتحية ، فقل : السلام عليك أيها النبي ٢٨٢ تفسير سورة الفاتحة ورحمة الله وبركاته ، فعند ذلك يقول محمد عليه الصلاة والسلام : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وكأنه قيل لك فهذه الخيرات والبركات بأي وسيلة وجدتها ؟ وبأي طريق وصلت إليها ؟ فقل بقولي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، فقيل لك أن محمداً هو الذي هداك إليه ، فأي شيء هديتك له ؟ فقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، فقيل لك : إن إبراهيم هو الذي طلب من الله أن يرسل إليك مثل هذا الرسول فقال ( ربنا وابعث: فيهم رسولاً منهم ) فما جزاؤك له ؟ فقل : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فيقال لك : فكل هذه الخيرات من محمد أو من إبراهيم أو من الله ؟ فقل : بل من الحميد المجيد إنك حميد مجيد . ثم أن العبد إذا ذكر الله بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في محافل الملائكة بدليل قوله: عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله عز وجل (( إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه)) فإذا سمع الملائكة ذلك إشتاقوا إلى هذا العبد فقال الله: إن ملائكة السموات إشتاقوا إلى زيارتك وأحبوا القرب منك ، وقد جاؤك فابدأ بالسلام عليهم لتحصل لك فيه مرتبة : السابقين ، فيقول العبد عن يمينه وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فلا جرم أنه : إذا دخل الجنة الملائكة يدخلون عليه من كل باب فيقولون : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار . مصدر ١٠ الفصل السادس في الكبرياء والعظمة - ١٠٠ أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان : أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له ، والخلاء الذي لا غاية له ، وأما الزمان فهو الإمتداد المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد ، كأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل وامتد حتى دخل في قعر جبل الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ، ولا لاستقراره منزل ، فالأول والآخر صفة الزمان ، والظاهر . والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة الرحمن الرحيم ، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهراً .. وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وإذا كان مدبر المكان والزمان هو الحق تعالى كان منزهاً. عن المكان والزمان . ٢٨٣ تفسير سورة الفاتحة إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه وتعالى له عرش ، وكرسي ، فعقد المكان بالكرسي فقال ( وسع كرسيه السموات والأرض ) وعقد الزمان بالعرش فقال ( وكان عرشه على الماء ) لأن جرى الزمان يشبه جرى الماء ، فلا مكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي وهو قوله ( وسع كرسيه السموات والأرض ) والعظمة صفة العرش وهو قوله ( فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) وكمال العلو والعظمة الله كما قال ( ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) . واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال ، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو ، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى: الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار ، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال ، وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات ، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية ، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : ألظوا بياذا الجلال والإكرام ، وقال ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقال ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلي إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال الله في صفتهم ( يريدون وجهه) ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ، ولهذا التطهير مراتب : المرتبة الأولى : التطهير من دنس الذنوب بالتوبة ، كما قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً) ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله ، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته ، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله ، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية ، كما قال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم ( يريدون وجهه ) فقم قائماً واستحضر في نفسك جميع مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدئ من نفسك وتستحضر في عقلك جملة أعضائك البسيطة والمركبة وجميع قواك الطبيعية والحيوانية والإنسانية ، ثم استحضر في عقلك جملة ما في هذا العالم من أنواع المعادن والنبات والحيوان من الإنسان وغيره ، ثم ضم إليه البحار والجبال والتلال والمفاوز وجملة ما فيها من عجائب النبات والحيوان وذرات الهباء ، ثم ترقى منها إلى سماء الدنيا على عظمها واتساعها ، ثم لا تزال ترقى من سماء إلى سماء حتى تصل إلى سدرة المنتهى والرفرف واللوح والقلم والجنة والنار والكرسي والعرش العظيم ، ثم انتقل من عالم الأجسام ٢٨٤ تفسير سورة الفاتحة إلى عالم الأرواح واستحضر في عقلك جميع الأرواح الأرضية السفلية البشرية وغير البشرية ، واستحضر جميع الأرواح المتعلقة بالجبال والبحار مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام عن ملك الجبال وملك البحار ثم استحضر ملائكة سماء الدنيا وملائكة جميع السموات السبع كما قال عليه الصلاة والسلام ((ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد)) واستحضر، جميع الملائكة الحافين حول العرش وجميع حملة العرش والكرسى ثم انتقل منها إلى ما هو خارج: هذا العالم كما قال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) فإذا استحضرت جميع هذه الأقسام من الروحانيات والجسمانيات فقل: الله أكبر، وتريد بقولك ((الله)) الذات التي حصل بإيجادها وجود هذه الأشياء وحصلت لها کمالاتها في صفاتها وأفعاها ، وتريد بقولك أکبر أنه منزه عن مشابهتها ومشاكلتها ، بل هو منزه عن أن يحكم العقل بجواز مقايسته بها ومناسبته إليها فهذا هو المراد من قوله في أول الصلاة الله أكبر . والوجه الثاني : في تفسير هذا التكبير: أنه عليه الصلاة والسلام قال : الإحسان أن! تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فتقول : الله أكبر من أن لا يراني ومن أن لا؛ يسمع كلامي . والوجه الثالث : أن يكون المعنى الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم. وأفهامهم ، قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : التوحيد أن لا تتوهمه . الوجه الرابع : أن يكون المعنى الله أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته، قطاعاتهم قاصرة عن خدمته ، وثناؤهم قاصر عن كبريائه ، وعلومهم قاصرة عن كنه صمديته . واعلم أيها العبد أنك لو بلغت إلى أن يحيط عقلك بجميع عجائب عالم الأجسام. والأرواح فإياك أن تحدثك نفسك بأنك بلغت مبادئ ميادين جلال الله فضلاً عن أن تبلغ الغور والمنتهى ونعم ما قال الشاعر : - 1: أسامياً لم تزده معرفة وإنما لذة ذكرناها ١ ومن دعوات رسول الله عليه السلام وثنائه على الله : لا ينالك غوص الفكر ، ولا ينتهي، إليك نظر ناظر ، ارتفعت عن صفة المخلوقين صفات قدرتك ، وعلا عن ذلك كبرياء عظمتك وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وقل : سبحانك اللهم وبحمدك ، ثم. قل : وجهت وجهي ، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لك: تبصر فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة ، وتطالع فيها أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ٢٨٥ تفسير سورة الفاتحة . والأديان السالفة والمذاهب الماضية ، وأسرار الكتب الإلهية والشرائع النبوية ، وتصل إلى الشريعة ، ومنها إلى الطريقة ، ومنها إلى الحقيقة ، وتطالع درجات الأنبياء والمرسلين ، ودركات الملعونين والمردودين والضالين ، فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فابصر به الدنيا إذ باسمه قامت السموات والأرضون وإذا قلت الحمد لله رب العالمين أبصرت به الآخرة إذ بكلمة الحمد قامت الآخرة كما قال ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) وإذا قلت الرحمن الرحيم فأبصر به عالم الجمال ، وهو الرحمة والفضل والإحسان ، وإذا قلت مالك يوم الدين فأبصر به عالم الجلال وما يحصل فيه من الأحوال والأهوال ، وإذا قلت إياك نعبد فأبصر به عالم الشريعة ، وإذا قلت وإياك نستعين فأبصر به الطريقة ، وإذا قلت إهدنا الصراط المستقيم فأبصر به الحقيقة ، وإذا قلت صراط الذين أنعمت عليهم فأبصر به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وإذا قلت غير المغضوب عليهم فأبصر به مراتب فساق أهل الآفاق ، وإذا قلت ولا الضالين فأبصر به دركات أهل الكفر . والشقاق والخزى والنفاق على كثرة درجاتها وتباين أطرافها وأكنافها . ثم إذا انكشفت لك هذه الأحوال العالية والمراتب السامية فلا تظنن أنك بلغت الغور والغاية ، بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ، ولنفسك بالذلة والمسكنة ، وقل : الله أكبر ، ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة ، فقل : سبحان ربي العظيم ، وإن أردت أن تعرف ذرة من صفة العظمة فاعرف أنا بينا أن العظمة صفة العرش ، ولا يبلغ مخلوق بعقله كنه عظمة العرش وإن بقي إلى آخر أيام العالم ، ثم إعرف أن عظمة العرش في مقابلة عظمة الله كالقطرة في البحر فكيف يمكنك أن تصل إلى كنه عظمة الله ؟ ثم ههنا سرعجيب وهو أنه ما جاء سبحان ربي الأعظم وإنما جاء سبحان ربي العظيم ، وما جاء سبحان ربي العالي وإنما جاء سبحان ربي الأعلى ، ولهذا التفاوت أسرار عجيبة لا يجوز ذكرها ، فإذا ركعت وقلت سبحان ربي العظيم فعد إلى القيام ثانياً ، وادع لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل : سمع الله لمن حمده ، فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك وهو المراد من قوله عليه السلام (( لا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم )). قال قيل : ما السبب في أنه لم يحصل في هذا المقام التكبير؟ قلنا : لأن التكبير مأخوذ من الكبرياء وهو مقام الهيبة والخوف، وهذا المقام مقام الشفاعة ، وهما متباينان . ثم إذا فرغت من هذه الشفاعة فعد إلى التكبير وانحدر به إلى صفة العلو وقل سبحان ٢٨٦ تفسير سورة الفاتحة ربي الأعلى ، وذلك لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع ، لا جرم الذكر المذكور في السجود هو بناء المبالغة - وهو الأعلى - والذكر المذكور في الركوع هو لفظ العظيم من غير بناء المبالغة ، روي أن لله تعالى ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل أوحى الله إليه: أيها الملك، طر فطار مقدار ثلاثين ألف سنة ثم ثلاثين ثم ثلاثين ثم ثلاثين فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني ، فأوحى الله إليه لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ الطرف الثاني من العرش، فقال الملك عند ذلك : سبحان ربي الأعلى . فإن قيل : فما الحكمة في السجدتين ؟ قلنا: فيه وجوه : الأول : أن السجدة الأولى للأزل ، والثانية للأبد ، والارتفاع فيما بينهما إشارة إلى وجود الدنيا فيما بين الأزل والأبد!، وذلك لأنك تعرف بأزليته أنه هو الأول لا أول قبله فتسجد له ، وتعرف بأبديته أنه الآخر لا آخر بعده فتسجد له ثانياً . الثاني : قيل : أعلم بالسجدة الأولى فناء الدنيا في الآخرة ، وبالسجدة الثانية فناء عالم الآخرة عند ظهور نور جلال الله . الثالث : السجدة الأولى فناء الكل في نفسها والسجدة الثانية بقاء الكل بإبقاء الله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه). الرابع : السجدة الأولى تدل على انقياد عالم الشهادة لقدرة الله ، والسجدة الثانية تدل على انقياد عالم الأرواح الله تعالى ، كما قال ( ألا له الخلق والأمر ) . والخامس : السجدة الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته ، والسجدة الثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه من أداء حقوق جلاله وكبريائه . واعلم أن الناس يفهمون من العظمة كبر الجثة ، ويفهمون من العلو علو الجهة ، ويفهمون من الكبر طول المدة ، وجل الحق سبحانه عن هذه الأوهام ، فهو عظيم لا بالجثة ، عال لا بالجهة ، كبير لا بالمدة ، وكيف يقال ذلك وهو فرد أحد ، فكيف يكون عظيماً بالجثة وهو منزه عن الحجمية ، وكيف يكون عالياً بالجهة وهو منزه عن الجهة ؟ وكيف يكون كبيراً بالمدة والمدة متغيرة من ساعة إلى ساعة فهي محدثة فمحدثها موجود قبلها فكيف يكون كبيراً بالمدة ؟ فهو تعالى عال على المكان لا بالمكان ، وسابق على الزمان لا بالزمان ، فكبر ياؤه كبرياء عظمة ، وعظمته عظمة علو، وعلوه علو جلال ، فهو أجل من أن يشابه المحسوسات ، ويناسب المخيلات ، وهو أكبر مما يتوهمه المتوهمون ، وأعظم مما يصفه الواصفون ، وأعلى مما يمجده الممجدون ، فإذا صور لك حسك مثالاً : فقل الله أكبر ، وإذا عين خيالك صورة فقل : سبحانك الله وبحمدك ، وإذا زلق رجل طلبك في مهواة التعطيل فقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ، وإذا جال روحك في ميادين العزة والجلال ثم ترقى إلى الصفات العلى والأسماء الحسنى وطالع من مرقومات القلم على سطح اللوح نقشاً وسكن عند سماع تسبيحات ٢٨٧ تفسير سورة الفاتحة المقربين وتنزيهات الملائكة الروحانيين إلى صورة فاقرأ عند كل هذه الأحوال ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ). الفصل السابع فى لطائف قوله الحمد لله، وفوائد الأسماء الخمسة المذكورة فى هذه السورة أما لطائف قوله الحمد لله فأربع نكت: النكتة الأولى: روي عن النبي ﴿وَلاَ﴾ أن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه وقال : يا رب ، ما جزاء من حمدك فقال : الحمد لله ؟ فقال تعالى : الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته ، قال أهل التحقيق : لما كانت هذه الكلمة فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كلامه ، ولما كانت خاتمته جعلها الله خاتمة كلام أهل الجنة فقال ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) . روي عن علي عليه السلام ، أنه قال: خلق الله العقل من نور مكنون مخزون من سابق علمه ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والخير سمعه ، والرأفة قلبه ، والرحمة همه ، والصبر بطنه ، ثم قيل له تكلم ، فقال : الحمد لله الذي ليس له ند ولا ضد ولا مثل ولا عدل ، الذي ذل كل شيء لعزته فقال الرب : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز علي منك ، وأيضاً نقل أن آدم عليه السلام لما عطس فقال : الحمد لله ، فكان أول كلامه ذلك ، إذا عرفت هذا فنقول : أول مراتب المخلوقات هو العقل ، وآخر مراتبها آدم ، وقد نقلنا أول كلام العقل هو قوله : الحمد الله وأول كلام آدم هو قوله : الحمد ، فثبت أن أول كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة ، وأول كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة ، فلا جرم جعلها الله فاتحة كتابه فقال ( الحمد لله رب العالمين) وأيضاً ثبت أن أول كلمات الله قوله : الحمد لله ، وآخر أنبياء الله محمد رسول الله ، وبين الأول والآخر مناسبة ، فلا جرم جعل قوله ( الحمد لله ) أول آية من كتاب محمد رسوله ، ولما كان كذلك وضع لمحمد عليه السلام من كلمة الحمد إسمان : أحمد ومحمد ؛ وعند هذا قال عليه السلام ((أنا في السماء أحمد، وفي الأرض محمد)) فأهل السماء في تحميد الله ، ورسول الله أحمدهم والله تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال تعالى ( فأولئك كان سعيهم مشكوراً) ورسول الله محمدهم . والنكتة الثانية : أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة ، فلما كان الحمد ٢٨٨ تفسير سورة الفاتحة أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام ، فلهذا السبب قال : سبقت رحمتي غضبي . النكتة الثالثة : أن الرسول اسمه أحمد ، ومعناه أنه أحمد الحامدين أي : أكثرهم حمداً ، فوجب أن تكون نعم الله عليه أكثر لما بينا أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة ، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة الله في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين ، فلهذا السبب قال ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). النكتة الرابعة : أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما الرحمن الرحيم ، وهما يفيدان المبالغة ، والرسول له أيضاً اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما محمد وأحمد ، لانا بينا أن حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة ، فقولنا محمد وأحمد جار مجرى قولنا مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول : الحمد ، والحامد ، والمحمود ، فهذه خمسة أسماء للرسول دالة على الرحمة ؛ إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال ( نبىء عبادي أني أنا خَيرُ﴾، وهو مذكور قبل العباد ، والياء في قوله الغفور الرحيم) فقوله نبىء إشارة إلى محمد ﴿ عبادي ضمير عائد إلى الله تعالى والياء في قوله أني عائد اليه ، وقوله أنا عائد إليه ، وقوله الغفور الرحيم ، صفتان لله فهي خمسة ألفاظ دالة على الله الكريم الرحيم ، فالعبد يمشي بهوم القيامة وقدامه الرسول عليه الصلاة والسلام مع خمسة أسماء تدل على الرحمة ، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله تدل على الرحمة ، ورحمة الرسول كثيرة كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ورحمة الله غير متناهية كما قال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء ) فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة؟ وأما فوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة فأشياء : النكتة الأولى : أن سورة الفاتحة فيها عشرة أشياء ، منها خمسة من صفات الربوبية ، وهي : الله، والرب ، والرحمن١، والرحيم ، والمالك ؛ وخمسة أشياء من صفات العبد وهي : العبودية ، والاستعانة ، وطلب الهداية ، وطلب الإستقامة ، وطلب النعمة كما قال ( صراط الذين أنعمت عليهم ) فانطبقت تلك الأسماء الخمسة على هذه الأحوال الخمسة ، فكأنه قيل : إياك نعبد لأنك أنت الله ، وإياك نستعين لأنك أنت الرب ، اهدنا الصراط المستقيم لأنك أنت الرحمن ، وارزقنا الاستقامة لأنك أنت الرحيم ، وأفض علينا سجال نعمك وكرمك لأنك مالك يوم الدين. النكتة الثانية : الانسان مركب من خمسة أشياء : بدنه ، ونفسه الشيطانية ، ونفسه الشهوانية، ونفسه الغضبية ، وجوهره الملكي العقلي ، فتجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة ٢٨٩ تفسير سورة الفاتحة لهذه المراتب الخمسة فتجلى اسم الله للروح الملكية العقلية الفلكية القدسية فخضع وأطاع كما قال ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وتجلى النفس الشيطانية بالبر والإحسان - وهو اسم الرب - فترك العصيان وانقاد لطاعة الديان ، وتجلى للنفس الغضبية السبعية باسم الرحمن وهذا الاسم مركب من القهر واللطف كما قال ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) فترك الخصومة وتجلى للنفس الشهوانية البهيمية باسم الرحيم وهو أنه أطلق المباحات والطيبات كما قال ( أحل لكم الطيبات ) فلان وترك العصيان ، وتجلى للأجساد والأبدان بقهر قوله ( مالك يوم الدين ) فان البدن غليظ كثيف . فلا بد من قهر شديد ، وهو القهر الحاصل من خوف يوم القيامة ، فلما تجلى الحق سبحانه باسمائه الخمسة لهذه المراتب انغلقت أبواب النيران ، وانفتحت أبواب الجنان . ثم هذه المراتب ابتدأت بالرجوع كما جاءت فاطاعت الأبدان وقالت ( إياك نعبد) وأطاعت النفوس الشهوانية فقالت ( واياك نستعين ) على ترك اللذات والإعراض عن الشهوات ، وأطاعت النفوس الغضبية فقالت ( اهدنا) وأرشدنا وعلى دينك فثبتنا ، وأطاعت النفس الشيطانية وطلبت من الله الاستقامة والصون عن الانحراف فقالت ( اهدنا الصراط المستقيم ) وتواعت الأرواح القدسية الملكية فطلبت من الله أن يوصلها بالأرواح القدسية العالية المطهرة المعظمة فقالت ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) . النكتة الثالثة : قال عليه السلام بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، فشهادة أن لا إله إلا الله حاصلة من تجلى نور اسم الله ، وأقام الصلاة من تجلى اسم الرب ؛ لأن الرب مشتق من التربية والعبد يربي إيمانه بمدد الصلاة ، وإيتاء الزكاة من تجلى اسم الرحمن ، لأن الرحمن مبالغة في الرحمة ، وإيتاء الزكاة لأجل الرحمة على الفقراء ، ووجوب صوم رمضان من تجلى اسم الرحيم ؛ لأن الصائم إذا جاع تذكر جوع الفقراء فيعطيهم ما يحتاجون اليه ، وأيضاً إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات فعند الموت يسهل عليه مفارقتها ، ووجوب الحج من تجلى اسم مالك يوم الدين؛ لأن عند الحج يجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد ، وذلك يشبه سفر يوم القيامة ، وأيضاً الحاج يصير حافياً حاسراً عارياً وهو يشبه حال أهل القيامة وبالجملة فالنسبة بين الحج وبين أحوال القيامة ، كثيرة جداً. النكتة الرابعة : أنواع القبلة خمسة : بيت المقدس ، والكعبة ، والبيت المعمور ، والعرش وحضرة جلال الله : فوزع هذه الأسماء الخمسة على الأنواع الخمسة من القبلة. النكتة الخامسة : الحواس خمس : أدب البصر بقوله ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) والسمع بقوله ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) والذوق بقوله ( يا أيها الرسل كلوا الفخر الرازي ج ١ م ١٩ ٢٩٠ تفسير سورة الفاتحة من الطيبات واعملوا صالحاً) والشم بقوله ( اني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) واللمسل بقوله ( والذين هم لفروجهم حافظون ) فاستعن بأنوار هذه الأسماء. الخمسة على دفع مضار هذه الأعداء الخمسة . النكتة السادسة : اعلم أن الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة فتفيض الأنوار على الاسرار ، والشطر الثاني منها مشتمل على الصفات الخمسة لعبد قتصعد منها اسرار إلى مصاعد تلك الأنوار ، وبسبب هاتين الحالتين يحصل للعبد معراج في صلاته : فالأول هو النزول ، والثاني هو الصعود ، والحد المشترك بين القسمين هو الحد الفاصل بين قوله (مالك يوم الدين ) وبين قوله ( إياك نعبد) وتقرير هذا الكلام أن حاجة العبد إما في طلب الدنيا وهو. قسمان : أما دفع الضرر، أو جلب النفع، وإما في طلب الآخرة ، وهو أيضاً قسمان: دفع الضرر وهو الهرب من النار ؛ وطلب الخير وهو طلب الجنة ، فالمجموع أربعة ، والقسم الخامس - وهو الأشرف - طلب خدمة الله وطاعته وعبوديته لما هو هو لا لأجل رغبة ولا لأجل رهبة ، فان شاهدت نور اسم الله لم تطلب من الله شيئاً سوى الله ، وان ظالعت تور الرب طلبت منه خيرات الجنة ، وان طالعت منه نوز الرحمن طلبت منه خيرات هذه الدنيا ، وان طالعت نور الرحيم طلبت منه أن يعصمك عن مضار الآخرة ، وإن طالعت نور مالك يوم الدين طلبت منه أن يصونك عن آفات هذه الدنيا وقبائح الأعمال فيها لئلا تقع في عذاب الآخرة . النكتة السابعة : يمكن أيضاً تنزيل هذه الأسماء. الخمسة على المراتب الخمس المذكورة في الذكر المشهور - وهو قوله سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم - أما قولنا سبحان الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) وأما قولنا الحمد لله فهو فاتحة خمس سور، وأما قولنا لا إله إلا الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي قوله ( الم ، الله لا إله إلا هو) وأما قولنا الله أكبر فهو مذكور في القرآن لا بالتصريح في موضعين مضافاً إلى الذكر تارة وإلى الرضوان أخرى فقال ( ولذكر الله أكبر ) وقال ( ورضوان من الله أكبر) وأما قولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فهو غير مذكور في القرآن صريحاً ، لأنه من كنوز الجنة ، والكنز يكون مخفياً ولا يكون ظاهراً ، فالأسماء الخمسة المذكورة في سورة الفاتحة مباد لهذه الأذكار الخمسة ، فقولنا الله مبدأ لقولنا سبحان الله ، وقولنا رب مبدأ لقولنا الحمد لله، وقولنا الرحمن مبدأ لقولنا لا إله إلا الله، فان قولنا لاإله إلا الله إنما يليق بمن يحصل له كمال القدرة وكمال الرحمة ، وذلك هو الرحمن ؛ وقولنا الرحيم مبدأ لقولنا الله أكبر ومعناه أنه أكبر من أن لا يرحم عباده الضعفاء ، وقولنا مالك يوم الدين مبدأ لقولنا لا ٢٩١٠ تفسير سورة الفاتحة حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، لأن الملك والمالك هو الذي لا يقدر عبيده على أن يعملوا شيئاً على خلاف إرادته ، والله أعلم. الفصل الثامن في السبب. المقتضى لاشتمال بسم الله الرحمن الرحيم على الأسماء الثلاثة وفيه وجوه ( الأول ) : لا شك أنه تعالى يتجلى لعقول الخلق ، إلا أن لذلك التجلى ثلاث مراتب : فانه في أول الأمر يتجلى بافعاله وآياته ، وفي وسط الأمر يتجلى بصفاته ، وفي آخر الأمر يتجلى بذاته ، قيل إنه تعالى يتجلى لعامة عباده بأفعاله وآياته ، قال ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام) وقال ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ) ثم يتجلى لأوليائه بصفاته ، قال ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً) ويتجلى لأكابر الأنبياء ورؤساء الملائكة بذاته ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) إذا عرفت هذا فنقول : اسم الله عز وجل أقوى الأسماء في تجلي ذاته ، لأنه أظهر الأسماء في اللفظ ، وأبعدها معنى عن العقول ، فهو ظاهر باطن ، يعسر انكاره ، ولا تدرك أسراره ، قال الحسين بن منصور الحلاج : - ليعلموا منه معنى من معانيه اسم مع الخلق قدتا هوابه ولها حتى يكون الذي أبداه مبديه والله ما وصلوا منه إلى سبب وقال أيضاً : ۔ يا سر سر يدق حتى يخفى على وهم كل حي لكل شيء بكل شيء فظاهراً باطناً تجلى وأما اسمه الرحمن فهو يفيد تجلى الحق بصفاته العالية ، ولذلك قال ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء. الحسنى ) وأما اسمه الرحيم فهو يفيد تجلي الحق بافعاله وآياته ولهذا السبب قال (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) . ٣٩٢ تفسير سورة الفاتحة الفصل التاسع في سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة السبب فيه أن مراتب أحوال الخلق خمسة : أولها الخلق وثانيها التربية في مصالح الدنيا ، وثالثها التربية في تعريف المبدأ ، ورابعها التربية في تعريف المعاد، وخامسها نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى دار المعاد ، فاسم الله منبع الخلق والإيجاد والتكوين والابداع واسم الرب يدل على التربية بوجوه الفضل والاحسان ، واسم الرحمن يدل على التربية في معرفة المبدأ ، واسم الرحيم في معرفة المعاد حتى يحترز عما لا ينبغي ويقدم على ما ينبغي ، واسم الملك يدل على أنه ينقلهم من دار الدنيا إلى دار الجزاء ، ثم عندوصول العبد إلى هذه المقامات انتقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال ( إياك نعبد) كأنه يقول : انك إذا انتفعت بهذه الأسماء الخمسة في هذه المراتب الخمس وانتقلت إلى دار الجزاء صرت بحيث ترى الله ، فحينئذ تكلم معه على سبيل المشاهدة لا على سبيل المغايبة ، ثم قل : إياك نعبد وإياك نستعين ، كأنه قال : إياك نعبد لأنك الله الخالق ، وإياك نستعين لأنك الرب الرازق ، إياك نعبد لأنك الرحمن ، وإياك نستعين لأنك الرحيم ، إياك نعبد لأنك الملك ، وإياك نستعين لأنك المالك. واعلم أن قوله مالك يوم الدين دل على أن العبد منتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة ، ومن دار الشرور إلى دار السرور ، فقال : لا بد لذلك اليوم من زاد واستعداد ، وذلك هو العبادة ، فلا جرم قال : إياك نعبد ، ثم قال العبد: الذي اكتسبته بقوتي وقدرتي قليل لا یکفيني في ذلك اليوم الطويل فاستعان بربه فقال ، ما معي قليل ، فأعطني من خزائن رحمتك ما يكفيني في ذلك اليوم الطويل فقال : وإياك نستعين ، ثم لما حصل الزاد ليوم المعاد قال : هذا سفر طويل شاق والطرق كثيرة والخلق قد تاهوا في هذه البادية فلا طريق إلا أن أطلب الطريق ممن هو بارشاد السالكين حقيق فقال : اهدنا الصراط المستقيم ، ثم أنه لا بد لسالك الطريق من رفيق ومن بدرقة ودليل فقط: صراط الذين أنعمت عليهم ، والذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، فالأنبياء هم الأدلاء ، والصديقون هم البدرقة ، والشهداء والصالحون هم الرفقاء ، ثم قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وذلك لأن الحجب عن الله قسمان : الحجب النارية - وهي عالم الدنيا - ثم الحجب النورية - وهي عالم الأرواح - فاعتصم بالله سبحانه وتعالى من هذين الأمرين ، وهو أن لا يبقى مشغول السرلا بالحجب النارية ولا بالحجب النورية. ٢٩٣ تفسير سورة الفاتحة الفصل العاشر في هذه السورة كلمتان مضافتان إلى اسم الله ، واسمان مضافان إلى غير الله : أما الكلمتان المضافتان إلى اسم الله فهما قوله : بسم الله ، وقوله : الحمد لله فقوله بسم الله لبداية الأمور ، وقوله الحمد لله لخواتيم الأمور ، فبسم الله ذكر ، والحمد لله شكر ، فلما قال بسم الله استحق الرحمة ، ولما قال الحمد لله استحق رحمة أخرى، فبقوله بسم الله استحق الرحمة من اسم الرحمن ، وبقوله الحمد لله استحق الرحمة من اسم الرحيم ، فلهذا المعنى قيل : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة . وأما قوله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين فالربوبية لبداية حالهم بدليل قوله ( ألست بربكم قالوا بلى ) وصفة الرحمن لوسط حالهم ، وصفة الملك لنهاية حالهم بدليل قوله ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) . والله أعلم بالصواب ، وهو الهادي إلى الرشاد. تم تفسير سورة الفاتحة بحمد الله وعونه ٢٩٤ فهرس الجزء الأول من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي صفحة ١١ علوم الفاتحة ١٢ تفسير الاستعاذة ١٣ تفسير البسملة ١٤ نعم الله تعالى التي لا تحصى ١٤ أنواع العالم وإمكان وجود عوالم أخری ١٥ رحمة الله تعالى بعبادة لا تنحصر أنواعها ١٦ أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية ١٧ معنى العبادة وأنواع التكاليف ١٧ اختلاف أنواع العالم بالصفات ودلالته على وجود الصانع ١٨ استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة ١٩ البحث في تكوين الصوت ٢٠ استنباط المسائل الكثيرة من سورة الفاتحة ٢١ العلوم المستنبطة من الاستعاذة ٢١ الاشتقاق ضربان: أصغر وأكبر ٢١ عسر رعاية الاشتقاق الأكبر ٢٢ تفسير لفظة ((كلمة)) وتقليب حروفها ٢٣ تفسير لفظ ((قول)) وتقليب حروفه ٢٤ معنى ((اللغة)) واشتقاقها وأصل لامها ٢٥ الفرق بين الكلمة والكلام ٢٥ مسألة فقهية في الطلاق ٢٦ هل يطلق الكلام على المهمل صفحة ٢٦ هل الأصوات الطبیعیة تسمی کلاما ٢٧ يستعمل القول في غير النطق ... ٢٨ اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه ٢٩ المسموع المفيد وأقسامه ٣٠ دلالة اللفظ على معناه غير ذاتية ٣٠ اللغة الهام ٣١ اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي ٣٢ المعنى اسم الصورة الذهنية ٣٣ الحكمة في وضع الالفاظ للمعاني ٣٣ معرفة الحق لذاته ٣٤ الكلام اللساني ٣٤ الكلام النفسي والذهني ٣٥ مدلولات الالفاظ ٣٥ طرق معرفة اللغة ٣٦ دلالة الالفاظ على معانيها ظنية ٣٧ كيفية حدوث الصوت ٣٧ الصوت ليس بجسم ٣٧ حروف المد واللين ٣٨ الكلام حادث لا قدیم ٣٩ وصف كلام الله تعالى بالقدم ٣٩ الالفاظ التي نقرأ بها ليست كلام الله تعالى ٣٩ خلاف الحشوية والاشعرية في صفة القرآن ٢٩٥ فهرس الجزء الأول من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي صفحة ٤٠ الكلمة اسم وفعل وحرف ٤٢ تعريف الاسم ٤٣ علامات الاسم ٤٤ تعريفات الفعل ٤٥ هل يدل الفعل على الفاعل المبهم ٤٧ أنواع الاسم ٤٨ أحكام الاعلام ٤٨ الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ٤٩ تقسيمات الاعلام ٤٩ السر في وضع الكنية ٥١ أحکام اسم الجنس ٥١ أحكام الاسماء المشتقة ٥٢ تقسيم الاسم إلى معرب ومبنى ٥٤ الابتداء بالساكن ٥٦ أقسام الاعراب ٥٧ سبب منع الصرف ٦٠ السبب في كون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوبا والمضاف إليه مجرورا ٦١ أنواع المرفوعات ٦١ أنواع المفاعيل ٦٢ اعراب الفعل ٦٢ وجوب تقديم الفعل ٦٣ ارتباط الفعل بالفاعل ٦٣ الاضمار قبل الذكر ٦٤ اظهار الفاعل واضماره ٦٦ وقت قراءة الاستعاذة ٦٨ التعوذ في الصلاة ٦٨ هل يسر بالتعوذ أو يجهر ٦٨ هل يتعوذ في كل ركعة ٦٨ صيغ الاستعاذة ٦٩ هل التعوذ للقراءة أو للصلاة؟ صفحة ٦٩ السنة في القراءة ٧٠ لا تجوز الصلاة بالقراءات الشاذة ٧١ تفسير الاستعاذة ٧٥ مذهب الجبرية في الاستعاذة ٧٦ الاستعاذة تبطل قول القدرية ٧٩ المستعاذة به ٧٩ المستعيذ ٨٣ المستعاذ منه ٨٣ الاختلاف فى وجود الجن ٨٧ دليل وجود الجن من القرآن ٨٩ خلق الجن من النار ٨٩ سبب تسمية الجن جنا ٨٩ طوائف المكلفين ٩٠ صفة الملائكة ٩٠ وسوسة الشيطان ٩١ تحقيق الكلام في الوسوسة ٩١ تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي ٩٤ الخواطر والاختلاف فيها ٩٦ هل يعلم الجن الغيب ٩٦ أسباب الاستعاذة وأنواعها ٩٧ اللطائف المستنبطة من الاستعاذة ١٠٢ المسائل الملتحقة باستعاذة ١٠٣ متعلق باء البسملة ١١٠ الوقف على كلمات البسملة ١١٠ حكم لام الجلالة ١١١ حكم الادغام ١١١ مدلام الجلالة ١١٢ حكم لام ((أل)) ١١٢ ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة ١١٤ مباحث الاسم العقلية والنقلية ١١٥ اشتقاق الاسم ٢٩٦ فهرس الجزء الأول من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي صفحة ١١٨ أقسام اسماء المسميات ١٢٢ اسم الله الأعظم ١٢٣ تسمية الله تعالى بالشيء ١٢٥ اطلاق لفظ الموجود على الله ١٢٧ معنى قولنا ذات الله ١٢٧ اطلاق لفظ النفس على الله ١٢٩ هل يقال لله ((النور)) ١٣١ لفظ الصورة ١٣٢ اطلاق ((الجوهر)) على الله لا يجوز ١٣٢ اطلاق ((الجسم)) على الله لا يجوز ١٣٤ کونه تعالی أزليا ١٣٤ کونه تعالی باقیا ١٣٥ اسمه تعالی باقيا ١٣٥ اسمه تعالى: الباقي، الدائم، واجب ١٣٦ الوجود، الكائن ١٤٠ اسمه تعالى: الحي ١٤١ الاسم الدال على الصفات الاضافية ١٤٣ الاسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية ١٤٥ الاسماء الدالة على صفة القدرة ١٤١ الاسماء الحاصلة بسبب العلم ١٤٧ الاسماء الحاصلة بسبب صفة الكلام ١٤٨ الارادة وما يقرب منها ١٤٨ السمع والبصر ومشتقاتها ١٤٩ الصفات الإضافية مع السلبية ١٤٩ الاسماء الدالة على الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية ١٥٠ الأسماء المختلف في مرجعها ١٥٢ الأسماء المختلف المضمرة ١٥٣ أسرار من التصوف في لفظ ((هو)) ١٥٨ هل اسماؤه تعالى توقيفة صفحة ١٦٠ بيان أن أسماء الله لا تحصى ١٦١ حكم الأذكار التي في الرقى ١٦٢ مباحث لفظ الجلالة ١٦٩ أصل لفظ الجلالة ١٦٩ خواص لفظ الجلالة ١٧٠ البحث المتعلق بقولها: الرحمن الرحيم ١٧٢ لا رحمن إلا الله ١٧٣ النكت المستخرجة من البسملة ١٧٩ الكلام في سورة الفاتحة وفي ذكر أسمائها ١٨٣ فضائل الفاتحة وكيفية نزولها ١٨٥ أسرار الفاتحة ١٩٤ المسائل الفقهية المستنبطة من سورة الفاتحة ٢٠٨ الجهر بالبسملة فى الصلاة ٢١٢ فروع أحكام التسمية ٢١٤ ترجمة القرآن ٢٢٢ اشتراط الفاتحة في الصلاة ٢٢٣ تفسير ((الحمد لله)) ٢٢٤ ((الحمد لله)) أبلغ من ((أحمد الله)) ٢٣١ شكر المنعم ٢٣٢ تفسير قوله ((رب العالمين)). ٢٣٣ تفسير قوله ((رب العالمين)» ٢٣٣ أقسام العالم وأنواع كل قسم ٢٣٧ تفسير ((الرحمن الرحيم)) ٢٤٠ تفسير ((مالك يوم الدين)) ٢٤٦ تفسير ((إياك نعبد)) ٢٥٦ تفسير ((إياك نستعين)) ٢٥٨ تفسير ((اهدنا الصراط المستقيم)) ٢٦١ تفسير ((صراط الذين أنعمت عليهم)» ٢٦٤ تفسير ((غير المغضوب عليهم ولا ٢٩٧ الضالين)» ٢٦٧ تفسير إجمالي لسورة الفاتحة ٢٦٧ الاسرار العقلية المستنبطة من سورة الفاتحة ٢٦٩ مداخل الشيطان ٢٧١ جمع الفاتحة لكل ما يحتاج إليه ٢٧٣ قسمة الله تعالى الصلاة بينه وبين عباده ٢٧٨ في ان الصلاة معراج العارفين ٢٨٢ في الكبرياء والعظمة ٢٨٧ في لطائف قوله الحمد لله وفوائد الاسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة ٢٩١ في السبب المقتضي لاشتمال لسم الله الرحمن الرحيم على الاسماء الثلاثة ٢٩٢ سبب اشتمال الفاتحة على الاسماء الخمسة ٢٩٣ بسم الله ذكر والحمد لله شكر