النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ 2 تفسير سورة الفاتحة النوم في الحال فنسيت ذلك ، أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك ، وأيضاً يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ذكر الله غيره . واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى ، وحقوق العباد : أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن العالمين ، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها . روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به ، فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة ، فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن تركتها كان ذلك سبباً لقبح جدار هذا المجوسي ، وإن حككتها انحدر التراب من الحائط ، فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك أن أبا حنيفة بالباب ، فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال ، فأخذ يعتذر ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه، ههنا ما هو أولى ، وذكر قصة الجدار ، وأنه كيف السبيل إلى تطهيره فقال المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال ، والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان ، فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى . الفائدة الثانية ؛ اختلف القراء في هذه الكلمة ، فمنهم من قرأ مالك يوم الدين . ومنهم من قرأ ملك يوم الدين . حجة من قرأ مالك وجوه : الأول : أن فيه حرفاً زائداً فكانت قراءته أكثر ثواباً . الثاني : أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون ، أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله . الثالث : المالك قد یکون ملكاً وقد لا يكون كما أن الملك قد يكون مالكاً وقد لا يكون فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحد منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب لإِطلاق التصرف ، والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى . الرابع : أن الملك ملك للرعية ، والمالك مالك للعبيد ، والعبد أدون حالاً من الرعية ، فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية ، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك ، الخامس : أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم ، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه ، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية . السادس : أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية ، قال عليه الصلاة والسلام وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما المملوك فإنه يجب عليه الفخر الرازي ج ١ م ١٦ ٢٤٢ تفسير سورة الفاتحة خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه ، حتى إنه لا يصح منه القضاء والأمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافراً، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيماً ؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية ، فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك . وحجة من قال إن الملك أولى من المالك وجوه : الأول : أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك . الثاني : أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس ) لفظ الملك فيه متعين ، ولولا أن الملك أعلى حالاً من المالك وإلا لم يتعين ، الثالث : الملك أولى لأنه أقصر، والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها ، بخلاف المالك فإنها أطول ، فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة ، هكذا نقل عن أبي عمرو ، وأجاب الكسائي بأن قال : إني أشرع في ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها ، نظيره في الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه ، لأنه في هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم ، فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلاً للأمل ، أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه يجزيه ؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلاً للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس ، ويجوز أن يموت في تلك الليلة ، فيقول : إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم ، كذا ههنا يشرع في ذكر قوله مالك فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازماً على الإتمام وهو المراد . ثم نقول : إنه يتفرع على كونه ملكاً أحكام ، وعلى كونه مالكاً أحكام أخر . أما الأحكام المتفرعة على كونه ملكاً فوجوه : الأول : أن السياسات على أربعة أقسام سياسة الملاك ؛ وسياسة الملوك ، وسياسة الملائكة ، وسياسة ملك الملوك : فسياسة الملوك أقوى من سياسة الملاك ؛ لأنه لو اجتمع عالم من المالكين فإنهم لا يقاومون ملكاً واحداً ، ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على مملوكه عند أبي حنيفة وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس ، وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك ؛ لأن عالماً من أكابر الملوك لا يمكنهم دفع سياسة ملك واحد ، وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات الملائكة ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوباً) وقوله ( تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) وقال في صفة الملائكة ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) فيا أيها الملوك لا تغتروا بمالكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك يوم الدين ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو ٢٤٣ تفسير سورة الفاتحة مالك يوم الدين . الحكم الثاني : من أحكام كونه تعالى ملكاً أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء انتقص ملكهم ، وقلت خزائنهم ؛ أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينتقص بالعطاء والإحسان ، بل يزداد ، بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولداً واحداً لم يتوجه حكمه إلا على ذلك الولد الواحد ، أما لو أعطاك عشرة من الأولاد كان حكمه وتكليفه لازماً على الكل ، فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً. الحكم الثالث : من أحكام كونه ملكاً كمال الرحمة ، والدليل عليه آيات : إحداها : ما ذكر في هذه السورة من كونه رباً رحماناً رحيماً وثانيها : قوله تعالى ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ) ثم قال بعده ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك) ثم ذكر بعده كونه قدوساً عن الظلم والجور ، ثم ذكر بعده كونه سلاماً ، وهو الذي سلم عباده من ظلمه وجوره ، ثم ذكر بعده كونه مؤمناً ، وهو الذي يؤمن عبيده عن جوره وظلمه ، فثبت أن كونه ملكاً لا يتم إلا مع كمال الرحمة . وثالثها : قوله تعالى ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحماناً ، يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر ، فكونه رحماناً يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة . ورابعها : قوله تعالى (قل أعوذ برب الناس ملك الناس ) فذكر أولاً كونه رباً للناس ثم أردفه بكونه ملكاً للناس ، وهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة ، فيا أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات وارحموا هؤلاء المساكين ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى . الحكم الرابع : للملك أنه يجب على الرعية طاعته فإن خالفوه ولم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم وحصل الاضطراب والتشويش ودعا ذلك إلى تخريب العالم وفناء الخلق ، فلما شاهدتم أن مخالفة الملك المجازي تفضي آخر الأمر إلى تخريب العالم وفناء الخلقٍ فانظروا إلى مخالفة ملك الملوك كيف يكون تأثيرها في زوال المصالح وحصول المفاسد ؟ وتمام تقريره أنه تعالى بين أن الكفر سبب لخراب العالم ، قال تعالى ( تكاد السموات ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا أن دعوا للرحمن ولداً) وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) فيا أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ، ويا أيها الملوك كونوا مطيعين لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم ، الحكم الخامس : أنه لما وصف نفسه بكونه ملكاً ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال ( وما ربك بظلام للعبيد ) ثم بين كيفية العدل فقال ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً ) فظهر بهذا أن كونه ملكاً حقاً ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل ، فإن كان الملك المجازي عادلاً كان ملكاً حقاً وإلا ٢٤٤ تفسير سورة الفاتحة . كان ملكاً باطلاً فإن كان ملكاً عادلاً حقاً حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن کان ملكاً ظالماً ارتفع الخير من العالم . يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يوماً ، وأوغل في الركض ، وانقطع عن عسكره واستولى العطش عليه ، ووصل إلى بستان ، فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان : أعطني رمانة واحدة ، فأعطاه رمانة فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه ، وأعجبه ذلك الرمان فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً مؤذياً، فقال : أيها الصبي لم صار الرمان هكذا؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد عزم على الظلم ، فلأجل شؤم ظلمة صار الرمان هكذا ، فتاب أنو شروان في قلبه عن ذلك الظلم ، وقال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من الرمانة الأولى ، فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة ؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد تاب عن ظلمه ، فلما سمع أنو شروان هذه القصة من ذلك الصبي وكان مطابقة لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم ، فلا جرم بقي إسمه مخلداً في الدنيا بالعدل ، حتى إن من الناس من يروي عن رسول اللّه ﴿وَ﴾ أنه قال: ولدت في زمن الملك العادل. أما الأحكام المفرعة على كونه مالكاً فهي أربعة : الحكم الأول : قراءة المالك أرجی من قراءة الملك ؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس ، أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا ملككم فعلى طعامكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم . الحكم الثاني : الملك وإن كان أغنى من المالك غير أن الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات ، بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل ، فلهذا السبب قال الكسائي : إقرأ مالك يوم الدين ؛ لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة . الحكم الثالث : أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج ، أما من كان مريضاً فإنه يرده ولا يعطيه شيئاً من الواجب ، أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه ، فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين . الحكم الرابع : الملك له هيبة وسياسه ، والمالك له رأفة ورحمة ، واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة . ٢٤٥ تفسير سورة الفاتحة الفائدة الثالثة : الملك عبارة عن القدرة ، فكونه مالكاً وملكاً عبارة عن القدرة ، ههنا بحث : وهو أنه تعالى إما أن يكون ملكاً للموجودات أو للمعدومات ، والأول باطل ، لأن إيجاد الموجودات محال فلا قدرة لله على الموجودات إلا بالإعدام ، وعلى هذا التقرير فلا مالك إلا للعدم ، والثاني باطل أيضاً ؛ لأنه يقتضى أن تكون قدرته وملكه على العدم ويلزم أن يقال : إنه ليس لله في الموجودات مالكية ولا ملك وهذا بعيد . والجواب أن الله تعالى مالك الموجودات ، وملكها ، بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم ، أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة ، وهذه القدرة ليست إلا الله تعالى ، فالملك الحق هو الله سبحانه وتعالى، إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول : إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله ، والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبان الناس ليس إلا لله ، فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات ، ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا اللّه ، وتمام الكلام في هذا الفصل متعلق بمسئلة الحشر والنشر . فإن قيل : إن المالك لا يكون مالكاً للشيء إلا إذا كان المملوك موجوداً ، والقيامة غير موجودة في الحال ، فلا يكون الله مالكاً ليوم الدين ، بل الواجب أن يقال : مالك يوم الدين ، بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد ، فهذا إقرار ، ولو قال أنا قاتل زيداً بالتنوين كان تهديداً ووعيداً . قلنا : الحق ما ذكرتم ، إلا أن قيام القيامة لما كان أمراً حقاً لا يجوز الإخلال في الحكمة جعل وجود القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال ، وأيضاً من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال . الفائدة الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله ، والرب ، والرحمن والرحيم ، والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولاً فأنا إله . ثم ربيتك بوجوه النعم فأنارب ، ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ؛ ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ، ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين . فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة ، وفي السورة مرة ثانية فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة ؟ قلنا ، التقدير كأنه قيل : أذكر أني إله ورب مرة واحدة ، واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا ٢٤٦ تفسير سورة الفاتحة تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ، ونظيره قوله تعالى ( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ) الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو الله امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء ؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ، وعقابه على ما لم يعمله ظلم ، وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين ، وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكاً لها ، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكاً للعباد ولأعمالهم ؛ علمنا أنه خالق لها مقدر لها ، والله أعلم . الفصل الخامس في تفسیر قوله إياك نعبد وإياك نستعين ، وفيه فوائد الفائدة الأولى : العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير ، وهو مأخوذ من قولهم : طريق معبد ، أي مذلل ، واعلم أن قولك إياك نعبد معناه لا أعبد أحد سواك ، والذي يدل على هذا الحصر وجوه : الأول : أن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم ، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الانعام ، وأعظم وجوه الانعام الحياة التي تفيد الممكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به ، فالمرتبة الأولى - وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع - وإليها الإشارة بقوله تعالى ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) وقوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم - الآية) والمرتبة الثانية - وهي خلق المنتفع به - وإليها الإِشارة بقوله تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) ولما كانت المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما تنتظم بالحركات الفلكية على سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله ( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ) فثبت بما ذكرنا أن كل النعم حاصل بايجاد الله تعالى ، فوجب أن لا تحسن العبادة إلا لله تعالى، فلهذا المعنى قال إياك نعبد، فان قوله إياك نعبد يفيد الحصر. الوجه الثاني : في دلائل هذا الحصر والتعيين : وذلك لأنه تعالی سمی نفسه ههنا بخمسة أسماء : الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، ومالك يوم الدين ، وللعبد أحوال ثلاثة الماضي والحاضر، والمستقبل : أما الماضي فقد كان معدوماً محضاً كما قال تعالى ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شیئاً) وکان ميتاً فأحیاه الله تعالی کما قال ( كيف تكفرون بالله وکنتم ٢٤٧ تفسير سورة الفاتحة أمواتاً فأحياكم ) وكان جاهلا فعلمه الله كما قال ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن الله تعالى كان قديماً أزلياً ، فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلى أحدثه ونقله من العدم فهو إله لهذا المعنى ، . وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان معدوماً كان محتاجاً إلى الرب الرحمن الرحيم ، أما لما دخل في الوجود انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عنده أسباب الضرورات ، فقال الله تعالى : أنا إله لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود ، أما بعد أن صرت موجوداً فقد كثرت حاجاتك إلى فأنا رب رحمن رحيم ، وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين ، فصارت هذه الصفات الخمس من صفات الله تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكمل إلا بالله وفضله وإحسانه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء إلا بعبادة الله تعالى ، فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل الحصر. الوجه الثالث : في دليل هذا الحصر، وهو أنه قد دل الدليل القاطع على وجوب كونه تعالى قادراً عالماً محسناً جواداً كريماً حليماً ، وأما كون غيره كذلك فمشكوك فيه ؛ لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس إلا ويحتمل اضافته إلى قدرة الله تعالى ، ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب مشكوكاً فيه ، فثبت أن العلم بكون الاله تعالى معبوداً للخلق أمر يقيني ، وأما كون غيره معبوداً للخلق فهو أمر مشكوك فيه ، والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك ، فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا الله تعالى فلهذا المعنى قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ومهانة إلا أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنا وأمرأ ، ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره ، وأيضاً قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره ، فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره ، فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكناً لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته كان محتاجاً فقيراً والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير ، والشيء ما لم يكن غنياً في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغنى لذاته هو الله تعالى فدافع الحاجات هو الله تعالى ، فمستحق العبادات هو الله تعالى ، فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة ، وأرضا بلا ٢٤٨ تفسير سورة الفاتحة دعامة ، ويسير الشمس والقمر ، ويسكن القطبين ، ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق ، وتارة الهواء وهي الريح ، وتارة الماء وهو المطر ، وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر ، وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ، ثم جعل في الأرض أجساماً مقيمة لا تسافر وهي الجبال ؛ وأجساماً مسافرة لا تقيم وهي الأنهار، وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه ، ورفع محمداً عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته ، وجعل الماء ناراً على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا ناراً ، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، ورفع موسى فوق الطور ، وقال له ( اخلع نعليك ) ورفع الطور على موسى وقومه ( ورفعنا فوقكم الطور ) وغرق الدنيا من التنور اليابسة لقوله ( وفار التنور ) وجعل البحر يبساً لموسى عليه السلام ، فمن كانت قدرته هكذا كيف يسوي في العبادة بينه وبين غيره من الجمادات أو النبات أو الحيوان أو الانسان أو الفلك أو الملك ، فان التسوية بين الناقص والكامل والخسيس والنفيس تدل على الجهل والسفه . الفائدة الثانية : قولك إياك نعبد يدل على أنه لا معبود إلا الله ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه لا إله إلا الله، فقوله (إياك نعبد وإياك نستعين) يدل على التوحيد المحض واعلم أن المشركين طوائف ، وذلك لأن كل من اتخذ شريكاً لله فذلك الشريك إما أن يكون جسماً وإما أن لا يكون ، أما الذين اتخذوا شريكاً جسمانياً فذلك الشريك أما أن يكون من الأجسام السفلية. أو من الأجسام العلوية ، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام السفلية فذلك الجسم إما أن. يكون مركباً أو بسيطاً ، أما المركب فاما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان أو من الإِنسان ، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام المعدنية فهم الذين يتخذون الأصنام إما من الأحجار أو من الذهب أو من الفضة ويعبدونها ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام النباتية فهم الذين اتخذوا شجرة معينة معبوداً لأنفسهم ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الحيوان فهم الذين اتخذوا العجل معبوداً لأنفسهم ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الناس فهم الذين قالوا عزير بن الله والمسيح ابن الله ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام البسيطة فهم الذين يعبدون النار وهم المجوس ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام العلوية فهم الذين يعبدون الشمس والقمر وسائر الكواكب ويضيفون السعادة والنحوسة إليها وهم الصابئة وأكثر المنجمين ، وأما الذين اتخذوا الشركاء لله من غير الأجسام فهم أيضاً طوائف: الطائفة الأولى: الذين قالوا مدبر العالم هو النور والظلمة ، وهؤلاء هم المانوية والثنوية . والطائفة الثانية : هم الذين قالوا الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ولكل نوع من أنواع هذا العالم روح فلكي يدبره ويتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ٢٤٩ تفسير سورة الفاتحة ويعبدونها وهؤلاء هم عبدة الملائكة ؛ والطائفة الثالثة : الذين قالوا للعالم إلهان : أحدهما خير، والآخر شرير ، وقالوا : مدبر هذا العالم هو الله تعالى وإبليس ، وهما أخوان ، فكل ما في العالم من الخيرات فهو من الله وكل ما فيه من الشرفهو من إبليس. إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : كل من اتخذ لله شريكاً فانه لا بد وأن يكون مقدماً على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه ، إما طلباً لنفعه أو هرباً من ضرره ، وأما الذين اصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا اللّه ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم من الله ورغبتهم في الله ورهبتهم من الله فلا جرم لم يعبدوا إلا اللّه ولم يستعينوا إلا بالله ؛ فلهذا قالوا إياك نعبد وإياك نستعين ، فكان قوله إياك نعبد وإياك نستعين قائماً مقام قوله لا إله إلا الله . واعلم أن الذكر المشهور هو أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقد دللنا على أن قولنا الحمد لله يدخل فيه معنى قولنا سبحان الله لأن قوله سبحانه الله يدل على كونه كاملا تاماً في ذاته ، وقوله الحمد لله يدل على كونه مكملاً متمماً لغيره ، والشيء لا يكون مكملا متمماً لغيره إلا إذا كان قبل ذلك تاماً كاملاً في ذاته ، فثبت أن قولنا الحمد لله دخل فيه معنى قولنا سبحان الله ولما قال الحمد لله فاثبت جميع أنواع الحمد ذكر ما يجري مجرى العلة لإِثبات جميع أنواع الحمد لله ، فوصفه بالصفات الخمس وهي التي لأجلها تتم مصالح العبد في الأوقات الثلاثة على ما بيناه ، ولما بين ذلك ثبت صحة قولنا سبحان الله والحمد لله ثم ذكر بعده قوله إياك نعبد، وقد دللنا على أنه قائم مقام لا إله إلا الله ثم ذكر قوله وإياك نستعين ، ومعناه أن الله تعالى أعلى وأجل وأكبر من أن يتم مقصود من المقاصد وغرض من الأغراض إلا باعانته وتوفيقه وإحسانه ، وهذا هو المراد من قولنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فثبت أن سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها منطبقة على ذلك الذكر ، وآيات هذه السورة جارية مجرى الشرح والتفصيل للمراتب الخمس المذكورة في ذلك الذکر . الفائدة الثالثة : قال إياك نعبد ، فقدم قوله إياك على قوله نعبد ولم يقل نعبدك ، وفيه وجوه : أحدها : أنه تعالى قدم ذكر نفسه ليتنبه العابد على أن المعبود هو الله الحق ، فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يميناً وشمالاً ؛ يحكى أن واحداً من المصارعين الاستاذين صارع رستاقياً جلفاً فصرع الرستاقي ذلك الاستاذ مراراً فقيل للرستاقي : انه فلان الاستاذ ، فانصرع في الحال منه ، وما ذاك إلا لاحتشامه منه ، فكذا ههنا : عرفه ذاته أولا حتى تحصل العبادة مع ٢٥٠ تفسير سورة الفاتحة الحشمة فلا تمتزج بالغفلة . وثانيها : أنه إن ثقلت عليك الطاعات وصعبت عليك العبادات من القيام والركوع والسجود فاذكر أولا قوله إياك نعبد لتذكرني وتحضر في قلبك معرفتي ، فاذا ذكرت جلالي وعظمتي وعزتي وعلمت أني مولاك وأنك عبدي سهلت عليك تلك العبادات ، ومثاله أن من أراد حمل الجسم الثقيل تناول قبل ذلك ما يزيده قوة وشدة ، فالعبد لما أراد حمل التكاليف الشاقة الشديدة تناول أولا معجون معرفة الربوبية من بستوقة قوله إياك حتى يقوى على حمل ثقل العبودية ، ومثال آخر وهو أن العاشق الذي يضرب لأجل معشوقه في حضرة معشوقه يسهل عليه ذلك الضرب ، فكذا ههنا : إذا شاهد جمال إياك سهل عليه تحمل ثقل! العبودية. وثالثها : قال الله تعالى ( ان الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون ) فالنفس إذا مسها طائف من الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة تذكروا حضرة جلال الله من مشرق قوله إياك نعبد فيصيرون مبصرين مستعدين لأداء العبادات والطاعات .. ورابعها : أنك إذا قلت نعبدك فبدأت أولا بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن ، فيحتمل أن إبليس يقول هذه العبادة للأصنام أو للأجسام أو للشمس أو القمر ، أما إذا غيرت. هذا الترتيب وقلت أولا إياك ثم قلت ثانياً نعبد كان قولك أولا إياك صريحاً بأن المقصود والمعبود. هو الله تعالى ، فكان هذا أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك . وخامسها : وهو أن: القديم الواجب لذاته متقدم في الوجود على المحدث الممكن لذاته ، فوجب أن يكون ذكره متقدماً على جميع الأذكار ؛ فلهذا السبب قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون ذكر الحق متقدماً على ذكر الخلق . وسادسها : قال بعض المحققين : من كان نظره في وقت النعمة إلى المنعم لا إلى النعمة كان نظره في وقت البلاء إلى المبتلى لا إلى البلاء ، وحينئذ يكون غرقاً في كل الأحوال. في معرفة الحق سبحانه ، وكل من كان كذلك كان أبداً في أعلى مراتب السعادات ، أما من كان نظره في وقت النعمة إلى النعمة لا إلى المنعم كان نظره في وقت البلاء إلى البلاء لا الى المبتلى. فكان غرقاً في كل الأوقات في الأشتغال بغير الله ، فكان أبداً في الشقاوة ، لأن في وقت وجدان النعمة يكون خائفاً من زوالها فكان في العذاب وفي وقت فوات النعمة كان مبتلي بالخزى والنكال فكان في محض السلاسل والأغلال ، ولهذا التحقيق قال لأمة موسى : اذكروا نعمتي ، وقال لأمة محمد عليه السلام : اذكروني أذكركم ، إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون مستغرقاً في مشاهدة نور جلال إياك ، ومتى كان الأمر كذلك كان في وقت أداء العبادة مستقراً فی عین الفردوس ، کما قال تعالى : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً . وسابعها : لو قيل نعبدك لم يفد نفي عبادتهم لغيره ، لأنه لا امتناع في أن يعبدوا الله ويعبدوا غير الله كما هو دأب المشركين ، أما لما قال إياك. نعبد أفاد أنهم يعبدونه ولا يعبدون غير الله . وثامنها : أن هذه النون نون العظمة ، فكأنه قيل! ٢٥١ تفسير سورة الفاتحة له متى كنت خارج الصلاة فلا تقل نحن ولو كنت في ألف ألف من العبيد ، أما لما اشتغلت بالصلاة وأظهرت العبودية لنا فقل نعبد ليظهر للكل أن كل من كان عبداً لنا كان ملك الدنيا والآخرة . وتاسعها : لو قال إياك أعبد لكان ذلك تكبراً ومعناه اني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان معناه اني واحد من عبيدك ، فالأول تكبر ، والثاني تواضع ، ومن تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر وضعه الله . فان قال قائل : جمیع ما ذکرتم قائم في قوله الحمد لله مع أنه قدم فيه ذکر الحمد علی ذکر الله . فالجواب أن قوله الحمد يحتمل أن يكون لله ولغير الله فاذا قلت الله فقد تقيد الحمد بأن يكون الله، أما لو قدم قوله ((نعبد)) احتمل أن يكون الله واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر ؛ والنكتة أن الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله ، لا جرم حسن تقدم الحمد أما ههنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله لا جرم قدم قوله إياك على نعبد ، فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع العبادة لغير الله . الفائدة الرابعة : لقائل أن يقول : النون في قوله نعبد أما أن تكون نون الجمع أو نون التعظيم ، والأول باطل ، لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً ، والثاني باطل لأن عند أداء العبادة ، فاللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة . واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه ، كل واحد من تلك الوجوه يدل على حكمة بالغة : فالوجه الأول : أو المراد من هذه النون نون الجمع وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة ، واعلم أن فائدة الصلاة بالجماعة معلومة في موضعها ، ويدل عليه قوله عليه السلام : التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها ، ثم نقول : ان الإنسان لو أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة لئلا يتأذى منه انسان فكأنه تعالى يقول : هذه الطاعة التي لها هذا الثواب العظيم لا يفي ثوابها بأن يتأذى واحد من المسلمين برائحة الثوم والبصل ، فاذا كان هذا الثواب لا يفي بذلك فكيف يفي بإيذاء المسلم وكيف يفي بالنميمة والغيبة والسعاية . الوجه الثاني : أن الرجل إذا كان يصلي بالجماعة فيقول نعبد ، والمراد منه ذلك الجمع ، وإن كان يصلي وحده كان المراد اني أعبدك والملائكة معي في العبادة . فكان المراد بقوله نعبد هو وجميع الملائكة الذين يعبدون الله. ٢٥٢ تفسير سورة الفاتحة الوجه الثالث : أن المؤمنین أخوة فلو قال إياك أعبد لكان قد ذکر عبادة نفسه ولم یذکر عبادة غيره ، أما لما قال إياك نعبد كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين شرقاً وغرباً فكأنه سعى في إصلاح مهمات سائر المؤمنين ، وإذا فعل ذلك قضى الله مهماته لقوله عليه السلام من قضى لمسلم حاجة قضى الله له جميع حاجاته . الوجه الرابع : كأنه تعالى قال للعبد لما أثنيت علينا بقولك الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وفوضت إلينا جميع محامد الدنياوالآخرة فقد عظم قدرك عندنا وتمكنت منزلتك في حضرتنا ، فلا تقتصر على إصلاح مهماتك وحدك ، ولكن أصلح حوائج جميع المسلمين فقل إياك نعبد وإياك نستعين. الوجه الخامس : كأن العبد يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أستحق أن أذكرها وحدها ؛ لأنها ممزوجة بجهات التقصير، ولكني أخلطها بعبادات جميع العابدين ، وأذكر الكل بعبادة واحدة وأقول إياك نعبد. وههنا مسئلة شرعية ، وهي أن الرجل إذا باع من غيره عشرة من العبيد فالمشتري إما أن يقبل الكل ، أو لا يقبل واحداً منها ، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة فكذا هنا إذا قال العبد إياك نعبد فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين ، فلا يليق. بكرمه أن يميز البعض عن البعض ويقبل البعض دون البعض ، فأما أن يرد الكل وهو ير جائز لأن قوله إياك نعبد دخل فيه عبادات الملائكة وعبادات الأنبياء والأولياء ، وإما أن يقبل الكل ، وحينئذ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره ، والتقدير كأن العبد يقول: إلهي ان لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردني لأني لست بوحيد في هذه العبادة بل نحن كثيرون فان لم أستحق الاجابة والقبول فاتشفع اليك بعبادات سائر المتعبدين فاجبني. الفائدة الخامسة : اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها ؛ وثقل عليه الاشتغال بغيرها ، وبيانه من وجوه : الأول أن الكمال محبوب بالذات ، وأكمل أحوال الإنسان وأقواها في كونها سعادة اشتغاله بعبادة الله ، فانه يستنير قلبه بنور الإلهية ، ويتشرق لسانه بشرف الذكر والقراءة ، وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله ، وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية والدرجات البشرية ، فاذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإِنسانية في الحال ، وهي موجبة أيضاً لأكمل السعادات في الزمان المستقبل ، فمن وقف على هذه الأحوال زال عنه ثقل الطاعات وعظمت حلاوتها في قلبه . الثاني : أن العبادة أمانة بدليل قوله تعالى ( انا عرضنا الأمانة على السموات - الآية ) وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً.، ٢٥٣ تفسير سورة الفاتحة بدليل قوله ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات ؛ ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني ؛ قال بعض الصحابة : رأيت أعرابياً أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء ، فتعجبنا ، فلما خرج لم يجد ناقته فقال : إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الراوي فزدنا تعجباً ، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه ، والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته ، وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس : يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات. الثالث : أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور ، ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق ، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة : يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف، وتفرق الناس ، وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها ، ووقعت الآكلة في بعض أعضاء عروة بن الزبير ؛ واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو، فلما شرع في الصلاة قطعوا منه ذلك العضو فلم يشعر عروة بذلك القطع ، وان رسول الله ﴿3﴾ أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره ، أزيزاً كأزيز المرجل ، ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى ( فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ) فان النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام وصلت تلك الغلبة إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك ، فاذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند إستيلاء عظمة الله على القلب أولى ، ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر اليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك الملك تمنع القلب عن الشعور بهم ، فاذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازى فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى . ثم قال أهل التحقيق : العبادة لها ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعبد الله طمعاً في الثواب أو هرباً من العقاب ، وهذا هو المسمى بالعبادة ، وهذه الدرجة نازلة ساقطة جداً ، لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب ، وقد جعل الحق وسيلة إلى نيل المطلوب ، ومن جعل المطلوب بالذات شيئاً من أحوال الخلق وجعل الحق وسيلة اليه فهو خسيس جداً. والدرجة الثانية : أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته، أو يتشرف بقبول تكاليفه ، أو يتشرف بالإنتساب اليه ، وهذه الدرجة أعلى من الأولى ، إلا أنها أيضاً ليست كاملة ، لأن المقصود بالذات غير الله . والدرجة الثالثة : أن يعبد الله لكونه إلهاً وخالقاً ، ولكونه عبداً له ، والآلهية توجب الهيبة ٢٥٤ تفسير سورة الفاتحة . والعزة ، والعبودية توجب الخضوع والذلة ، وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات ، وهذا هو المسمى بالعبودية ، واليه الإشارة بقول المصلى في أول الصلاة أصلى لله ، فانه لو قال أصلي لثواب الله ، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته. واعلم أن العبادة والعبودية مقام عال شريف، ويدل عليه آيات : الأولى : قوله تعالى في آخر سورة الحجر ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) والإستدلال بها من وجهين : أحدهما : أنه قال ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) فامر محمداً عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على العبادة إلى أن يأتيه الموت ، ومعناه أنه لا يجوز الاخلال بالعبادة في شيء من الأوقات ، وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة ، وثانيهما : أنه قال ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء : التسبيح : وهوقوله فسبح ؛ والتحميد : وهو قوله بحمد ربك ؛ والسجود : وهو قوله وكن من الساجدين : والعبادة ؛ وهي قوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب ، وتفيد انشراح الصدر ، وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق ، وذلك يوجب زوال ضيق القلب. ٠ الآية الثانية في شرف العبودية: قوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) ولولا أن العبودية أشرف المقامات ، وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج ، ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة ، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق ، وأيضاً بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات ، وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات ، واللائق بالعبد والانعزال عن التصرفات ، وأيضاً العبد يتكفل المولى باصلاح مهماته ، والرسول هو المتكفل باصلاح مهمات الأمة ، وشتان ما بينهما . الآية الثالثة في شرف العبودية : أن عيسى أول ما نطق قال ( اني عبد الله) وصار ذكره لهذه الكلمة سبباً لطهارة أمه ، ولبراءة وجوده عن الطعن ، وصار مفتاحاً لكل الخيرات ، ودافعاً لكل الآفات ، وأيضاً لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت عاقبته الرفعة ، كلما قال تعالى ( ورافعك إلى) ، والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة ، والذي يدعيها بالعمل سبعين سنة كيف يبقى محروماً عن الجنة . الآية الرابعة : قوله تعالى لموسى عليه السلام ( انني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) أمره بعد التوحيد بالعبودية ، لأن التوحيد أصل ، والعبودية فرع ، والتوحيد شجرة ؛ والعبودية ثمرة ، ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر ، فهذه الآيات دالة على شرف العبودية . ٢٥٥ تفسير سورة الفاتحة وأما المعقول فظاهر ، وذلك لأن العبد محدث ممكن الوجود لذاته ، فلولا تأثير قدرة الحق فيه لبقي في ظلمة العدم وفي فناء الفناء ولم يحصل هل الوجود فضلا عن كمالات الوجود ، فلما تعلقت قدرة الحق به وفاضت عليه آثار جوده وإيجاده حصل له الوجود وكمالات الوجود ولا معنى لكونه مقدور قدرة الحق ولكونه متعلق إيجاد الحق إلا العبودية ، فكل شرف وكمال وبهجة وفضيلة ومسرة ومنقبة حصلت للعبد فانما حصلت بسبب العبودية ، فثبت أن العبودية مفتاح الخيرات ، وعنوان السعادات ، ومطلع الدرجات ، وينبوع الكرامات ، فلهذا السبب قال · العبد : إياك نعبد وإياك نستعين ، وكان على كرم الله وجهه يقول : كفى بي فخراً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي شرفاً أن تكون لي ربا ، اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت فاجعلني عبداً كما أردت. الفائدة السادسة : اعلم أن المقامات محصورة في مقامين : معرفة الربوبية ، ومعرفة العبودية وعند اجتماعهما يحصل العهد المذكور في قوله ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) أما معرفة الربوبية فكما لها مذكور في قوله ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) فكون العبد منتقلاً من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً، وحصول الخيرات والسعادات للعبد حال وجوده يغل على كونه ربا رحمانا رحيماً ، وأحوال معاد العبد تدل على كونه مالك يوم الدين ، وعند الإحاطة بهذه الصفات حصلت معرفة الربوبية على أقصى الغايات ، وبعدها جاءت معرفة العبودية ، ولها مبدأ وكمال ، وأول وآخر ، أما مبدؤها وأولها فهو الاشتغال بالعبودية وهو المراد بقوله ( إياك نعبد ) وأما كمالها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل كل المطالب ، وذلك هو المراد بقوله ( وإياك نستعين ) ولما تم الوفاء بعهد الربوبية وبعهد العبودية ترتب عليه طلب الفائدة والثمرة ، وهو قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) وهذا ترتيب شريف رفيع عال يمتنع في العقول حصول ترتيب آخر أشرف منه. الفائدة السابعة : لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين كله مذكور على لفظ الغيبة ، وقوله إياك نعبد وإياك نستعين انتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ، فما الفائدة فيه؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة ، فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين ، ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني واقررت بكوني إلهاً ربارحمانا رحيماً مالكاً ليوم الدين ، فنعم العبد أنت قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل إياك نعبد . الوجه الثاني : ان أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم ٢٥٦ تفسير سورة الفاتحة شافهوه بالسؤال فقالوا (ربنا ظلمنا أنفسنا ، وربنا اغفر لنا ، ورب هب لي ، ورب أرني ) والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضاً العبادة خدمة ، والخدمة في الحضور أولى. الوجه الثالث : أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء ، والثناء في الغيبة أولى ، ومن قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء ، والدعاء في الحضور أولى . الوجه الرابع : العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقرباً إلى الله فينوني حصول القربة ، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعاً من الثناء على الله ، فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، فقال : إياك نعبد وإياك نستعين . - الفصل السادس في قوله وإياك نستعين اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، ويدل عليه وجوه من العقل والنقل ، أما العقل فمن وجوه : الأول ) أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية ، فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان ، وذلك المرجح ليس من العبد ، وإلا لعاد في الطلب ، فهو من الله تعالى ، فثبت أن العبد لا يمكنه الاقدام على الفعل إلا باعانة الله . الثاني : أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب ، ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا باعانة معين ، وما ذاك المعين إلا الله تعالى ، لأن ذلك المعين لو كان بشراً أو ملكاً لعاد الطلب فيه . الثالث : أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة مديدة ولا يأتي به ، ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه ، ولا يتفق له تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل ، فالقاء تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من الله تعالى ، ولا معنى للاعانة إلا ذلك. وأما النقل فيدل عليه آيات : أولاها : قوله وإياك نستعين ، وثانيتها : قوله ( استعينوا بالله ) وقد اضطربت الجبرية والقدرية في هذه الآية: أما الجبرية فقالوا : لو كان العبد مستقلاً بالفعل لما كان للاستعانة على الفعل فائدة ، وأما القدرية فقالوا الاستعانة إنما تحسن لو كان ٢٥٧ تفسير سورة الفاتحة العبد متمكناً من أصل الفعل ، فتبطل الاعانة من الغير ، أما إذا لم يقدر على الفعل لم تكن للاستعانة فائدة . وعندي أن القدرة لا تؤثر في الفعل إلا مع الداعية الجازمة ، فالاعانة المطلوبة عبارة عن خلق الداعية الجازمة ، وإزالة الداعية الصارفة ولنذكر ما في هذه الكلمة من اللطائف والفوائد : - الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع في العمل وههنا ذكر قوله إياك نعبد ثم ذكر عقيبه وإياك نستعين ، فما الحكمة فيه؟ الجواب من وجوه الأول : كأنه المصلى يقول : شرعت في العبادة فاستعين بك في إتمامها ، فلا تمنعني من إتمامها بالموت ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها . الثاني : كأن الإنسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي إلا أن لي قلباً يفر مني ، فأستعين بك في إحضاره ، وكيف وقد قال عليه الصلاة والسلام : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ، فدل ذلك على أن الإنسان لا يمكنه إحضار القلب إلا باعانة الله . الثالث : لا أريد في الأعانة غيرك لا جبريل ولا مكائيل ، بل أريدك وحدك وأقتدي في هذا المذهب بالخليل عليه السلام لأنه لما قيد نمروذ رجليه ويديه ورماه في النار جاء جبريل عليه السلام وقال له : هل لك من حاجة ؟ فقال : أما اليك فلا ، فقال : سله ، فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، بل ربما أزيد على الخليل في هذا الباب ، وذلك لأنه قيد رجلاه ويداه لا غير ، وأما أنا فقيدت رجلي فلا أسير، ويدي فلا أحركهما ، وعيني فلا أنظر بهما ، وأذني فلا أسمع بهما ، ولساني فلا أتكلم به ، وكان الخليل مشرفاً على نار نمروذ وأنا مشرف على نار جهنم ، فكما لم يرض الخليل عليه السلام بغيرك معيناً فكذلك لا أريد معيناً غيرك ، فاياك نعبد وإياك نستعين ، فكأنه تعالى يقول : أتيت بفعل الخليل وزدت عليه ، فنحن نزيد أيضاً في الجزاء لأنا ثمت قلنا : ( يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) وأما أنت فقد نجيناك من النار ، وأوصلناك إلى الجنة ، وزدناك سماع الكلام القديم ، ورؤية الموجود القديم ، وكما أنا قلنا لنار نمروذ ( يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) فكذلك تقول لك نار جهنم : جز يا مؤمن قد أطفأ نورك لهبي. الرابع : إياك نستعين : أي : لا أستعين بغيرك ، وذلك لأن ذلك الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته على تلك الاعانة ، فاذا كانت إعانة الغير لا تتم إلا باعانتك فلنقطع هذه الواسطة ولنقتصر على اعانتك . الوجه الخامس : قوله إياك نعبد يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى ، وذلك يورث العجب فاردف بقوله وإياك نستعين ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت من قوة العبد، بل إنما حصلت باعانة الله فالمقصود من ذكر قوله وإياك نستعين إزالة العجب وافناء تلك النخوة والكبر. الفخر الرازي ج ١ م ١٧ ٢٥٨ تفسير سورة الفاتحة الفصل السابع في قوله اهدنا الصراط المستقيم ، وفيه فوائد الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : المصلى لا بد وأن يكون مؤمناً ، وكل مؤمن مهتد ، فالمصلي مهتد ، فاذا قال : اهدنا كان جارياً مجرى أن من حصلت له الهداية فإنه يطلب الهداية فكان هذا طلباً لتحصيل الحاصل ، وأنه محال ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : - الأول : المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى . يحكى أن نوحا عليه السلام كان يضرب في كل يوم كذا مرات بحيث يغشى عليه ، وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون . فان قيل : ان رسولنا عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا مرة واحدة ، وهو كان يقول كل يوم مرات فلزم أن يقال إن نوحا عليه السلام كان أفضل منه ، والجواب لما كان المراد من قوله اهدنا الصراط المستقيم طلب تلك الأخلاق الفاضلة من الله تعالى والرسول عليه السلام كان يقرأ الفاتحة في كل يوم كذا مرة كان تكلم الرسول ﴿وَّ﴾ بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السلام بها. الوجه الثاني في الجواب : أن العلماء بينوا أن في كل خلق من الأخلاق طرفي تفريط وإفراط، وهما مذمومان ، والحق هو الوسط ، ويتأكد ذلك بقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وذلك الوسط هو العدل والصواب ، فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مؤمناً مهتدياً ، أما بعد حصول هذه الحالة فلا بد من معرفة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفي الأعمال الغضبية وفي كيفية انفاق المال ، فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الافراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال ، وعلى هذا التفسير فالسؤال زائل. الوجه الثالث : أن المؤمن إذا عرف الله بدليل واحد فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلائل على وجود الله وعلمه وقدرته وجوده ورحمته وحكمته ، وربما صح دين الانسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل ، فقوله اهدنا الصراط المستقيم معناه عرفنا يا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وقدرتك وعلمك ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل. ٢٥٩ تفسير سورة الفاتحة الوجه الرابع : أنه تعالى قال (وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) وقال أيضاً لمحمد عليه السلام (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ) وذلك الصراط المستقيم هو أن يكون الإنسان معرضاً، عما سوى الله مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على الله، فقوله اهدنا الصراط المستقيم المراد أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم الموصوف بالصفة المذكورة ، مثاله أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعله إبراهيم عليه السلام ، ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعله إسمعيل عليه السلام ؛ ولو أمر بأن يرمي نفسه في البحر لأطلاع كما فعله يونس عليه السلام ، ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات لأطاع كما فعله موسى مع الخضر عليهما السلام ، ولو أمر بأن يصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القتل والتفريق نصفين لأطاع كما فعله يحيى وزكريا عليهما السلام ، فالمراد بقوله اهدنا الصراط المستقيم هو الاقتداء بانبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء ؛ ولا شك أن هذا مقام شديد هائل ؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به ، إلا أنا نقول : أيها الناس ، لا تخافوا ولا تحزنوا ، فانه لا يضيق أمر في دين الله إلا اتسع ؛ لأن في هذه الآية ما يدل على اليسر والسهولة ؛ لأنه تعالى لم يقل صراط الذين ضربوا وقتلوا بل قال ( صراط الذين أنعمت عليهم ) فلتكن نيتك عند قراءة هذه الآية أن تقول : يا إلهي ، إن والدي رأيته ارتكب الكبائر ، كما ارتكبتها وأقدم على المعاصي كما أقدمت عليها ، ثم رأيته لما قرب موته تاب وأناب فحكمت له بالنجاة من النار والفوز بالجنة فهو ممن أنعمت عليه بان وفقته للتوبة ، ثم أنعمت عليه بان قبلت توبته . فانا أقول : اهدنا إلى مثل ذلك الصراط المستقيم طلباً لمرتبة التائبين ، فاذا وجدتها فاطلب الاقتداء بدرجات الأنبياء عليهم السلام ، فهذا تفسير قوله اهدنا الصراط المستقيم . الوجه الخامس : كأن الإِنسان يقول في الطريق : كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق ، والأعداء إلى طريق ثان ، والشيطان إلى طريق ثالث ، وكذا القول في الشهوة والغضب والحقد والحسد ، وكذا القول في التعطيل والتشبيه والجبر والقدر والارجاء والوعيد والرفض والخروج ، والعقل ضعيف، والعمر قصير ، والصناعة طويلة ، والتجربة خطرة ، والقضاء عسير ، وقد تحيرت في الكل فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة . والمستقيم : السوي الذي لا غلظ فيه . يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله ، فاذا أعرابي على ناقة له فقال : يا شيخ إلى أين؟ فقال إبراهيم إلى بيت الله ، قال كأنك مجنون لا أرى لك مركباً ؛ ولا زاداً، والسفر طويل ، فقال إبراهيم : ان لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها ، قال : وما هي؟ قال : ٢٦٠ تفسير سورة الفاتحة إذا نزلت على بلية ركبت مركب الصبر ، وإذا نزل على نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا ، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : سر باذن الله فانت الراكب وأنا الراجل. الوجه السادس: قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإِسلام، وقال بعضهم : القرآن ، وهذا لا يصح؛ لأن قوله ((صراط الذين أنعمت عليهم)) بدل من الصراط المستقيم ، وإذا كان كذلك كان التقدير اهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ، ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإِسلام ، وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد اهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة ، وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً ليكون لفظ الصراط مذكراً الصراط جهنم فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية. القول الثاني في تفسير اهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي وهبتها منا ، ونظيره قوله تعالى ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) أي ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ضعيفة في خاطره فراغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم. الفائدة الثانية : لقائل أن يقول : لم قال اهدنا ولم يقل اهدني؟ والجواب من وجهين : الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الاجابة أقرب . كان بعض العلماء يقول لتلامذته : إذا قرأتم في خطبة السابق ((ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين)) إن نويتني في قولك ((رضى الله عنك)) فحسن، وإلا فلا حرج، ولكن إياك وأن تنساني في قولك ((وعن جماعة المسلمين)) لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا يقبل ، وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بد وأن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة ، وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ، ولهذا السبب فان السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولا على النبي 2) ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي ﴿وَ﴾﴾ ثانياً؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي ﴿يَ﴾، ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه. الثاني : قال عليه الصلاة والسلام : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها ، قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة ، قال يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك . والثالث : كأنه يقول : أيها العبد ، ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد اللّه فذكرت أولا حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل اهدنا. الرابع : كان العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ،