النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
أجاب عنه بأن قال : هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهم كونها
من القرآن ، فههنا لا يمكنا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بدليل منفصل ، وحينئذ يعود
التقسيم المذكور من أن الطريق أما أن يكون تواتراً أو آحاداً ، فثبت أن الكلام الذي أورده
القاضي لازم عليه ، فهذا آخر ما قيل في هذا الباب .
والذي عندي فيه أن النقل المتواتر ثابت بأن بسم الله الرحمن الرحيم كلام أنزله الله على
محمد ﴿يَّ﴾، وبأنه مثبت في المصحف بخط القرآن وعند هذا ظهر أنه لم يبق لقولنا أنه من
القرآن أو ليس من القرآن فائدة إلا أنه حصل فيها أحكام شرعية هي من خواص القرآن مثل أنه
هل يجب قراءتها في الصلاة أم لا ، وهل يجوز للجنب قراءتها أم لا وهل يجوز للمحدث مسها
أم لا ، ومعلوم أن هذه الأحكام اجتهادية ، فلما رجع حاصل قولنا إن التسمية هل هي من
القرآن إلى ثبوت هذه الأحكام وعدمها ، وثبت أن ثبوت هذه الأحكام وعدمها أمور اجتهادية
ظهر أن البحث اجتهادي لا قطعي ، وسقط تهويل القاضي .
المسألة السادسة : في بيان أن التسمية هل هي من القرآن وأنها آية من الفاتحة ، قال قراء
المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إنها ليست من الفاتحة ، وقال قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء
الحجاز إنها آية من الفاتحة ، وهو قول ابن المبارك والثوري ، ويدل عليه وجوه : -
ـرا الحجة الأولى : روى الشافعي رضي الله عنه عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي
فاتحة الكتاب فعد بسم الله الرحمن
مليكة عن أم سلمة أنها قالت: قرأ رسول الله ﴿اَلِ﴾﴾
الرحيم آية ، الحمد لله رب العالمين آية ، الرحمن الرحيم آية ، مالك يوم الدين آية ، إياك نعبد
وإيكان نستعين آية ، أهدنا الصراط المستقيم آية ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم ولا الضالين آية ، وهذا نص صريح .
سا الحجة الثانية: روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﴿وَالله﴾ قال:
فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم .
الحجة الثالثة : روي الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال : قال
رسول الله ﴿1﴾: ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري، فقلت
بلى ، فقال : بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة ؟ قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم ،
قال : هي هي ، فهذا الحديث يدل على أن التسمية من القرآن .
الحجة الرابعة : روي الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله
أن النبي ﴿صَ﴾﴾ قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة، قال: أقول الحمد لله رب

٢٠٢
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
العالمين ، قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم .
وَلٌ﴾ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
وروي أيضاً بإسناده عن أم سلمة أن النبي.
٠٠٠
الحمد لله رب العالمين .
وروي أيضاً بإسناده عن على بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا افتتح السورة في
الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يقول : من ترك قراءتها فقد نقص .
وروي أيضاً بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ( ولقد آتيناك سبعاً من
المثاني ) قال : فاتحة الكتاب ، فقيل لابن عباس : فأين السابعة ؟ فقال : بسم الله الرحمن
الرحيم .
وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﴿وَ﴾ أنه قال: إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم
الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها .
وبإسناده أيضاً عن أبي هريرة أن النبي ﴿3﴾ قال يقول الله تعالى: قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله سبحانه مجدني عبدي ،
وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله تبارك وتعالى حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم
قال الله عز وجل أثنى على عبدي ، وإذا قال مالك يوم الدين قال الله فوض إلى عبدي ، وإذا
قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي ، وإذا قال إهدنا الصراط
المستقيم قال الله تعالى هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل .
وبإسناده عن أبي هريرة قال: كنت مع رسول الله ﴿صل﴾ في المسجد والنبي ﴿وَل﴾﴾
يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي ، فافتتح الصلاة وتعوذ ، ثم قال : الحمد لله رب
العالمين، فسمع النبي ﴿يَ﴾ ذلك، فقال له : يا رجل ، قطعت على نفسك الصلاة أما
علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد ، من تركها فقد ترك آية منها ، ومن ترك آية منها
فقد قطع صلاته ، فإنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته .
وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﴿وَ﴾﴾: من ترك بسم الله
الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله .
واعلم أني نقلت جملة هذه الأحاديث من تفسير الشيخ أبي إسحاق الثعلبي رحمه الله .
الحجة الخامسة : قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا كان كذلك
:

٢٠٣
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
وجب أن تكون آية منها ، بيان الأول قوله تعالى ( إقرأ باسم ربك ) ولا يجوز أن يقال : الباء
صلة زائدة ، لأن الأصل أن يكون لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة ، وإذا كان هذا الحرف
مفيداً كان التقدير إقرأ مفتتحاً باسم ربك ، وظاهر الأمر للوجوب ولم يثبت هذا الوجوب في
غير القراءة في الصلاة ، فوجب إثباته في القراءة في الصلاة صوناً للنص عن التعطيل .
الحجة السادسة : التسمية مكتوبة بخط القرآن ، وكل ما ليس من القرآن فإنه غير
مكتوب بخط القرآن ، ألا ترى أنهم منعوا من كتابة أسامى السور في المصحف، ومنعوا من
العلامات على الأعشار والأخماس ، والغرض من ذلك كله أن يمنعوا من أن يختلط بالقرآن ما
ليس منه فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن ، ولما أجمعوا على كتبها بخط
القرآن علمنا أنها من القرآن .
الحجة السابعة : أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله والتسمية موجودة بين
الدفتين ، فوجب جعلها من كلام الله تعالى ، ولهذا السبب حكينا أن يعلى لما أورد هذا الكلام
على محمد ابن الحسن بقي ساكتاً .
واعلم أن مذهب أبي بكر الرازي أن التسمية من القرآن ولكنها ليست آية من سورة
الفاتحة ، بل المقصود من تنزيلها إظهار الفصل بين السور ، وهذان الدليلان لا يبطلان قول
أبي بكر الرازي .
الحجة الثامنة : أطبق الأكثرون على أن سورة الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي رضي
الله تعالى عنه ، قال : قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية واحدة ، وقوله صراط الذين أنعمت
عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية واحدة ، وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال :
بسم الله ليس بآية منها ، لكن قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية ، وقوله غير المغضوب
عليهم ولا الضالين آية أخرى وسنبين في مسئلة مفردة أن قول أبي حنيفة مرجوح ضعيف،
فحينئذ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا إذا إعتقدنا أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية منها
تامة .
الحجة التاسعة : أن نقول : قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة ، فوجب أن تكون آية
منها بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل ، وإذا كان كذلك فالظاهر أن النبي
﴿وَّ﴾ قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقوله تعالى (واتبعوه) وإذا ثبت وجوب قراءتها
ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق .

٢٠٤
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة العاشرة : قوله عليه السلام : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر أو
أجزم وأعظم الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة ، فقراءة الفاتحة فيها بدون قراءة بسم الله يوجب
كون هذه الصلاة بتراء ، ولفظ الأبتر يدل على غاية النقصان والخلل ، بدليل أنه تعالى ذكره في
معرض الذم للكافر الذي كان عدواً للرسول عليه السلام فقال ( إن شانئك هو الأبتر ) ، فلزم
أن يقال : الصلاة الخالية عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم تكون في غاية النقصان والخلل
وكل من أقر بهذا الخلل والنقصان قال بفساد هذه الصلاة ، وذلك يدل على أنها من الفاتحة
وأنه يجب قراءتها .
س/ الحجة الحادية عشرة: ما روي أن النبي ﴿1﴾ قال لأبي بن كعب: ما أعظم آية في
كتاب الله تعالى ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فصدقه النبي عليه السلام في قوله . وجه
الإستدلال أن هذا الكلام يدل على أن هذا القدر آية ، ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله إنه
من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم بل هذا بعض آية ، فلا بد وأن يكون آية تامة في غير
هذا الموضع ، وكل من قال بذلك قال إنه آية تامة في أول سورة الفاتحة .
الحجة الثانية عشرة : إن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها فقرأ أم القرآن
ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية
أنسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن ؟ فأعاد معاوية الصلاة وقرأ بسم
الله الرحمن الرحيم ، وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أنه من القرآن
ومن الفاتحة ، وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها .
الحجة الثالثة عشرة: أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في
أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم الله، فوجب أن يجب على رسولنا ﴿وَ﴾﴾ ذلك، وإذا ثبت
هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضاً في حقنا ، وإذا ثبت الوجوب في حقنا ثبت أنه آية من
سورة الفاتحة ، أما المقدمة الأولى : فالدليل عليها أن نوحاً عليه السلام لما أراد ركوب السفينة
قال ( إركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها) وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس كتب بسم الله
الرحمن الرحيم ، فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمنين
الرحيم ) يدل على أن سليمان قدم إسم نفسه على اسم الله تعالى ؟ قلنا : معاذ الله أن يكون
الأمر كذلك ، وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس ، وكانت المرأة في
بيت لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة ،
فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب ، وكانت قد سمعت باسم سلیمان ،
فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب رأت

٢٠٥
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
التسمية مكتوبة فقالت : وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . فثبت أن الأنبياء عليهم السلام كلما
شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتلؤا بذكر بسم الله الرحمن الرحيم . والمقدمة الثانية : أنه لما
ثبت هذا في حق سائر الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك ، لقوله تعالى ( أولئك الذين
هدى الله فبهداهم اقتده) وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب أن يجب علينا ذلك لقوله
تعالى: (واتبعوه ) وإذا ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل
بالفرق .
الحجة الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات ؛ لأنه تعالى
قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق ، والقديم الخالق يجب أن يكون سابقاً على المحدث
المخلوق ، وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره
سابقاً على ذكر غيره ، وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
سابقة على سائر الأذكار والقراءات ، وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في العقول
وجب أن يكون معتبراً في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند
الله حسن ، وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضاً أنها آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل بالفرق .
الحجة الخامسة عشرة : أن بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في سورة
النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن ، فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وقوله تعالى ( ويل يومئذ للمكذبين ) مكرراً في القرآن بخط واحد
وصورة واحدة ، قلنا : إن الكل من القرآن .
الحجة السادسة عشرة : روي أنه ﴿وَ﴾﴾ كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش
((باسمك اللهم)) حتى نزل قوله تعالى ( إركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) فكتب (( بسم
الله)) فنزل قوله ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) فكتب ((بسم الله الرحمن)) فلما نزل قوله
تعالى (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) كتب مثلها، وجه الاستدلال أن أجزاء هذه
الكلمة كلها من القرآن ، ومجموعها من القرآن ، ثم إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من
القرآن ، إي لو جاز إخراجه من القرآن مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر
الآيات كذلك ، وذلك يوجب الطعن في القرآن .
الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالی کان ینزل هذه الكلمة على
محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه بخط المصحف، وبينا أن حاصل الخلاف في أنه
هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته ، وهل يجوز للجنب

٢٠٦
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
قراءته ، وللمحدث مسه؟ فنقول : ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه ، لقوله عليه
الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .
واحتج المخالف بأشياء: الأول: تعلقوا بخبر أبي هريرة، وهو أن النبي ﴿وَل﴾﴾ قال:
يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد الحمد لله رب
العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله تعالى أثنى علي عبدي
وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي ، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين
يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : (الأول): أنه عليه
الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها ،والثاني: أنه تعالى
قال : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، والمراد من الصلاة الفاتحة ؛ وهذا التصنيف
إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة ، لأن الفاتحة سبع آيات فيجب أن يكون
فيها لله ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد لله إلى قوله إياك نعبد - وللعبد ثلاث آيات
ونصف- وهي من قوله وإياك نستعين إلى آخر السورة - أما إذا جعلنا بسم الله الرحمن الرحيم
آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف، وللعب آيتان ونصف، وذلك يبطل التنصيف
المذكور .
الحجة الثانية : روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﴿1﴾ كان يفتتح الصلاة
بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا يدل على أن التسمية ليست آية من الفاتحة.
الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة : لزم التكرار في
قوله الرحمن الرحيم ، وذلك بخلاف الدليل .
والجواب عن الحجة الأولى من وجوه : الأول : أنا نقلنا أن الشيخ أبا اسحق الثعلبي
روى باسناده أن النبي ﴿وَ﴾ لما ذكر هذا الحديث عد بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة من
سورة الفاتحة ، ولما تعارضت الروايتان فالترجيح معنا ، لأن رواية الإثبات مقدمة على رواية
النفي . الثاني : روى أبو داود السختياني عن النخعي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﴿وَلَ﴾﴾ قال: وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الله تعالى
مجدني عبدي وهو بيني وبين عبدي ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله في مالك يوم الدين هذا بيني
وبين عبدي ، يعني في القسمة ، وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها ،
وإنما يحصل ثلاثة قبلها لو كانت التسمية آية من الفاتحة فصار هذا الخبر حجة لنا من هذا
الوجه . الثالث : أن لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات فهو أيضاً يحتمل النصف فى
المعنى ، قال عليه الصلاة والسلام : الفرائض نصف العلم ، وسماه بالنصف من حيث أنه

٢٠٧
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
بحث عن أحوال الأموات ، والموت والحياة قسمان ، وقال شريح : أصبحت ونصف الناس
على غضبان ، سماه نصفا من حيث إن بعضهم راضون وبعضهم ساخطون . الرابع : ان
دلائلنا في أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة صريحة ، وهذا الخبر الذي تمسكوا به لیس
المقصود منه بيان أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي من الفاتحة أم لا ، لكن المقصود منه بيان
شيء آخر ، فكانت دلائلنا أقوى وأظهر . الخامس : أنابينا أن قولنا أقرب إلى الاحتياط.
والجواب عن حجتهم الثانية ما قال الشافعي فقال : لعل عائشة جعلت الحمد لله رب
العالمين اسما لهذه السورة، كما يقال: قرأ فلان ((الحمد لله الذي خلق السموات)) والمراد أنه
قرأ هذه السورة ، فكذا ههنا ، وتمام الجواب عن خبر أنس سيأتي بعد ذلك.
والجواب عن الحجة الثالثة أن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن ، وتأكید کون الله
تعالى رحمانا رحيماً من أعظم المهمات ، والله أعلم .
المسئلة السابعة : في بيان عدد آيات هذه السورة ، رأيت في بعض الروايات الشاذة أن
الحسن البصري كان يقول : هذه السورة ثمان آيات ، فأما الرواية المشهورة التي أطبق
الأكثرون عليها أن هذه السورة سبع آيات ، وبه فسروا قوله تعالى ( ولقد آتيناك سبعاً من
المثاني ) إذا ثبت هذا فنقول : الذين قالوا إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة قالوا أن
قوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية تامة ، وأما أبو حنيفة فانه
لما أسقط التسمية من السورة لا جرم قال قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية ، وقوله غير
المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى ، إذا عرفت هذا فنقول : الذي قاله الشافعي أولى ،
ويدل عليه وجوه : الأول: أن مقطع قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا يشابه مقطع الآيات
المتقدمة ورعاية التشابه في المقاطع لازم ؛ لأنا وجدنا مقاطع القرآن على ضربين متقاربة
ومتشاكلة فالمتقاربة كما في سورة ((ق)) والمتشاكلة كما في سورة القمر، وقوله ( أنعمت عليهم)
ليس من القسمين ، فامتنع جعله من المقاطع . الثاني: أنا إذا جعلنا قوله غير المغضوب عليهم
ابتداء آية فقد جعلنا أول الآية لفظ غير ، وهذا اللفظ إما أن يكون صفة لما قبله أو استثناء عما
قبله ، والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد ، وكذلك الاستثناء مع المستثنى منه كالشيء
الواحد وإيقاع الفصل بينهما على خلاف الدليل ، أما إذا جعلنا قوله صراط الذين أنعمت
عليهم إلى آخر السورة آية واحدة كنا قد جعلنا الموصوف مع الصفة والمستثنى مع المستثنى منه
كلاماً واحداً وآية واحدة ، وذلك أقرب إلى الدليل . الثالث : أن المبدل منه في حكم
المحذوف ، فيكون تقدير الآية اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لكن طلب الاهتداء بصراط
من أنعم الله عليهم لا يجوز إلا بشرطين : أن يكون ذلك المنعم عليه غير مغضوب عليه ، ولا

٢٠٨
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
ضالاً ، فانا لو أسقطنا هذا الشرط لم يجز الاهتداء به ، والدليل عليه قوله تعالى ( ألم تر إلى
الذين بدلوا نعمة الله كفراً) وهذا يدل على أنه قد أنعم عليهم إلا إنهم لما صاروا من زمرة
المغضوب عليهم ومن زمرة الضالين لا جرم لم يجز الاهتداء بهم ، فثبت أنه لا يجوز فصل قوله
( صراط الذين أنعمت عليهم ) عن قوله ( غير المغضوب عليهم ) بل هذا المجموع كلام
واحد ، فوجب القول بأنه آية واحدة ، فان قالوا : أليس أن قوله الحمد لله رب العالمين آية
واحدة ، وقوله الرحمن الرحيم آية ثانية ، ومع أن هذه الآية غير مستقلة بنفسها ، بل هي
متعلقة بما قبلها؟ قلنا : الفرق أن قوله الحمد لله رب العالمين كلام تام بدون قوله الرحمن
الرحيم ، فلا جرم لم يمتنع أن يكون مجرد قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ، ولا كذلك
هذا ، لما بينا أن مجرد قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ليس كلاماً تاماً ،
بل ما لم يضم إليه قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين لم يصح قوله اهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم ، فظهر الفرق.
المسئلة الثامنة : ذكر بعض أصحابنا قولين للشافعي في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل
هي آية من أوائل سائر السور أم لا : أما المحققون من الأصحاب فقد اتفقوا على أن بسم الله
قرآن من سائر السور ، وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من أول كل سورة أو
هي وما بعدها آية ، وقال بعض الحنفية إن الشافعي خالف الاجماع في هذه المسئلة لأن أحداً ممن
قبله لم يقل إن بسم الله آية من أوائل سائر السور ، ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل
السور بخط القرآن فوجب كونه قرآناً، واحتج المخالف بما روى أبو هريرة أن النبي ﴿قَيلت﴾
قال في سورة الملك : إنها ثلاثون آية ، وفي سورة الكوثر : إنها ثلاث آيات ، ثم أجمعوا على
أن هذا العدد حاصل بدون التسمية ، فوجب أن لا تكون التسمية آية من هذه السور ،
والجواب أنا إذا قلنا بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعده آية واحدة فهذا الاشكال زائل ، فان
قالوا : لما اعترفتم بأنها آية تامة من أول الفاتحة فكيف يمكنكم أن تقولوا أنها بعض آية من سائر
السور؟ قلنا : هذا غير بعيد ، ألا ترى أن قوله الحمد لله رب العالمين آية تامةٍ ، ثم صار
مجموع قوله ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) آية واحدة : فكذا ههنا وأيضاً فقوله
سورة الكوثر ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث آيات ، وأما التسمية فهي
كالشيء المشترك فيه بين جميع السور ، فسقط هذا السؤال.
المسئلة التاسعة : يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال : التسمية آية من الفاتحة إلا أنه يسر
بها في كل ركعة ، وأما الشافعي فانه قال : إنها آية منها ويجهر بها ، وقال أبو حنيفة : ليست
آية من الفاتحة إلا أنها يسربها في كل ركعة ولا يجهر بها أيضاً ، فنقول : الجهر بها سنة ، ويدل

٢٠٩
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
عليه وجوه وحجج .
الحجة الأولى : قد دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة ، وإذا ثبت هذا فنقول :
الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية ، فأما أن يكون
بعضها سرياً وبعضها جهرياً فهذا مفقود في جميع السور ؛ وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية
مشروعاً في القراءة الجهرية .
الحجة الثانية : أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له
بالتعظيم فوجب أن يكون الاعلان به مشروعاً لقوله تعالى ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو
أشد ذكراً) ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخراً بأبيه غير مستنكف منه فانه يعلن بذکره ويبالغ
في إظهاره أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفاً منه ، فإذا كان المفتخر بأبيه
يبالغ في الاعلان والاظهار وجب أن يكون اعلان ذكر الله أولى عملا بقوله ( فاذكروا الله
كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) .
الحجة الثالثة : هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخراً بذلك الذكر غير مبال
بانكار من ينكره ، ولا شك أن هذا مستحسن في العقل ، فيكون في الشرع كذلك ؛ لقوله
عليه السلام (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )) ومما يقوي هذا الكلام أيضاً أن
الاخفاء والسلا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره ، لئلا ينكشفذلك
العيب . أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة فكيف يليق بالعقل إخفاؤه ؟
ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ذاكر الله بالتعظيم ، ولهذا قال عليه السلام
((طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله )) وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : يا
من ذكره شرف للذاكرين . ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في اخفائه ؟ ولهذا السبب
نقل أن عليا رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات ،
وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين.
الحجة الرابعة : ما رواه الشافعي بإسناده ، أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ، ولم يقرأ
بسم الله الرحمن الرحيم ، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود ، فلما سلم ناداه
المهاجرون والأنصار . يا معاوية ، سرقت منا الصلاة ، أين بسم الرحمن الرحيم ؟ وأين
التكبير عند الركوع والسجود ؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير، قال الشافعي : إن
معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند
كل الصحابة من المهاجرين والأنصار وإلا لما قدروا على اظهار الانكار عليه بسبب ترك
التسمية .
الفخر الرازي ج ١ م ١٤

٢١٠
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة الخامسة : روى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله
﴾ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن عمر
بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن إقتدى في دينه بعلي بن إبي طالب فقد إهتدى،
والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار.
الحجة السادسة : إن قوله بسم الله الرحمن الرحيم يتعلق بفعل لا بد من إضماره ،
والتقدير بإعانة إسم الله اشرعوا في الطاعات ، أو ما يجري مجرى هذا المضمر ، ولا شك أن
إستماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة اللّه، ولا قوة على
طاعة الله إلا بتوفيق الله ، وينبه العقل على أنه لا يتم شيء من الخيرات والبركات إلا إذا وقع
الإبتداء فيه بذكر الله ، ومن المعلوم أن المقصود من جميع العبادات والطاعات حصول هذه
المعاني في العقول ، فإذا كان له بهذه الكلمة يفيد هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية
دخل هذا القائل تحت قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر ؛ لأن هذا القائل بسبب إظهار هذه الكلمة أمر بما هو أحسن أنواع الأمر بالمعروف ،
وهو الرجوع إلى الله بالكلية والإستعانة بالله في كل الخيرات ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق
بالعاقل أن يقول إنه بدعة .
واحتج المخالف بوجوه وحجج : الحجة الأولى : روى البخاري بإسناده عن أنس أنه
قال صليت خلف رسول الله ﴿ويدية)، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ، وكانوا يستفتحون
القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وروى مسلم هذا الخبر في صحيحه ، وفيه أنهم لا يذكرون
((بسم الله الرحمن الرحيم)) وفي رواية أخرى ((ولم أسمع أحداً منهم قال بسم الرحمن
الرحيم)) وفي رواية رابعة ((فلم يجهر منهم ببسم الله الرحمن الرحيم)).
الحجة الثانية : ما روى عبد الله بن المغفل أنه قال : سمعني أبي وأنا أقول بسم الله
الرحمن الرحيم فقال : يا بني إياك والحدث في الإسلام ، فقد صليت خلف رسول الله
﴿يَ﴾﴾، وخلف أبي بكر ، وخلف عمر ، وعثمان، فابتدؤا القراءة بالحمد لله رب العالمين،
فإذا صليت فقل : الحمد لله رب العالمين ، وأقول : إن أنساً وابن المغفل خصصا عدم ذكر
بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ، ولم يذكرا علياً ، وذلك يدل على إطباق الكل على أن
علياً كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم .
الحجة الثالثة : قوله تعالى ( أدعوا ربكم تضرعاً وخُفية ، واذكر ربك في نفسك تضرعاً

٢١١
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
وخيفة ) وبسم الله الرحمن الرحيم ذكر الله ، فوجب إخفاؤه ، وهذه الحجة إستنبطها الفقهاء
وإعتمادهم على الكلامين الأولين .
والجواب عن خبر أنس من وجوه : الأول : قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني: روي
عن أنس في هذا الباب ست روايات ، أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات : إحداها قوله
صليت خلف رسول الله ﴿يَ﴾﴾، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون الصلاة
بالحمد لله رب العالمين ، وثانيتها قوله : أنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم .
وثالثتها قوله : لم أسمع أحداً منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم ، فهذه الروايات الثلاث
تقوي قول الحنفية ، وثلاث أخرى تناقض قولهم : إحداها ما ذكرنا أن أنساً روى أن معاوية
لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار ، وقد بينا أن هذا
يدل على أن الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم . وثانيتها روى أبو قلابة عن أنس أن
رسول الله ﴿وَل﴾﴾ وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وثالثتها أنه سئل
عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والأسرار به فقال : لا أدري هذه المسئلة فثبت أن الرواية
عن أنس في هذه المسئلة قد عظم فيها الخبط والإضطراب ، فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى
سائر الدلائل ، وأيضاً ففيها تهمة أخرى ، وهي أن علياً عليه السلام كان يبالغ في الجهر
بالتسمية ، فلما وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر ، سعياً في إبطال آثار علي
عليه السلام ، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا السبب إضطربت أقواله فيه ، ونحن وإن شككنا
في شيء فإنا لا نشك أنه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي
طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإن الأخذ بقول علي أولى ، فهذا جواب قاطع
في المسئلة .
ثم نقول : هب أنه حصل التعارض بين دلائلكم ودلائلنا ، إلا أن الترجيح معنا ،
وبيانه من وجوه : الأول : أن راوي أخباركم أنس وابن المغفل ، وراوي قولنا علي بن أبي
طالب عليه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وهؤلاء كانوا أكثر علماً وقرباً من رسول
الله ﴿رَّ﴾ من أنس وابن المغفل. والثاني: أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على
خلاف القياس لم يقبل ، ولهذا السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله
قال لأن القياس يخالفه إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بأن إظهار هذه الكلمة
أولى من إخفائها ، فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل على هذا البيان الجلي
البديهي ؟ والثالث : أن من المعلوم بالضرورة أن النبي عليه السلام كان يقدم الأكابر على
الأصاغر ، والعلماء على غير العلماء ، والأشراف على الأعراب ، ولا شك أن علياً وابن عباس

٢١٢
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
وابن عمر كانوا أعلى حالاً في العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل، والغالب على
الظن أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول الله ﴿1﴾، وكان أنس
وابن المغفل يقفان بالعيدمنه ، وأيضاً أنه عليه السلام ما كان يبالغ في الجهر امتثالاً لقوله تعالى
( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) وأيضاً فالإنسان أول ما يشرع في القراءة إنما يشرع فيها
بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة ، فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي
﴾ وأن أنساً وابن
وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول الله
المغفل ما سمعاه . الرابع : قال الشافعي : لعل المراد من قول أنس كان رسول الله
يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان يقدم هذه السورة في القراءة على غيرها من
السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه اللفظة إسماً لهذه السورة .
الخامس : لعل المراد من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت ، كما
قال تعالى ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) . السادس: الجهر كيفية ثبوتية، والإخفاء
كيفية عدمية ، والرواية المثبتة أولى من النافية . السابع : أن الدلائل العقلية موافقة لنا ،
وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا ، ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة
الوثقى في دينه ونفسه .
وأما التمسك بقوله تعالى ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) فالجواب أنا نحمل
ذلك على مجرد الذكر ، أما قوله بسم الله الرحمن الرحيم فالمراد منه قراءة كلام الله تعالى على
سبيل العبادة والخضوع ، فكان الجهر به أولى .
المسئلة العاشرة : في تفاريع التسمية وفيه فروع : -
الفرع الأول : قالت الشيعة : السنة هي الجهر بالتسمية ، سواء كانت في الصلاة
الجهرية أو السرية ، وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه .
الفرع الثاني : الذين قالوا التسمية ليست آية من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها
في المصحف في أول كل سورة وفيه قولان: ( الأول ) أن التسمية ليست من القرآن ، وهؤلاء
فريقان : منهم من قال إنها كتبت للفصل بين السور ، وهذا الفصل قد صار الآن معلوماً فلا
حاجة إلى إثبات التسمية ، فعلى هذا لو لم تكتب لجاز ، ومنهم من قال : إنه يجب إثباتها في
المصاحف، ولا يجوز تركها أبداً. والقول الثاني أنها من القرآن ، وقد أنزلها الله تعالى ،
ولكنها آية مستقلة بنفسها ، وليست آية من السورة ، وهؤلاء أيضاً فريقان : منهم من قال :
أن الله تعالى كان ينزلها في أول كل سورة على حدة ومنهم من قال : لا ، بل أنزلها مرة واحدة ،

٢١٣
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
وأمر بإثباتها في أول كل سورة ، والذي يدل على أن الله تعالى أنزلها ، وعلى أنها من القرآن ما
﴾ كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة ، وعن إبراهيم
روي عن أم سلمة أن النبي
بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار : أن الفضل الرقاشي يزعم أن بسم الله الرحمن الرحيم
ليس من القرآن ، فقال : سبحان الله ما أجرأ هذا الرجل ! سمعت سعيد بن جبيرو يقول:
سمعت ابن عباس يقول: كان النبي ﴿يَّ﴾﴾ إذا أنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم علم أن
تلك السورة قد ختمت وفتح غيرها ، وعن عبد الله بن المبارك أنه قال : من ترك بسم الله
الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية ، وروي مثله عن ابن عمر ، وأبي هريرة .
الفرع الثالث : القائلون بأن التسمية آية من الفاتحة وأن الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة
لا شك أنهم يوجبون قراءة التسمية أما الذين لا يقولون به فقد اختلفوا ، فقال أبو حنيفة
وأتباعه والحسن بن صالح بن جني وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : يقرأ التسمية سراً ، وقال
مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً، وأما في النافلة فإن شاء قرأها وإن
شاء ترك .
الفرع الرابع : مذهب الشافعي يقتضي وجوب قراءتها في كل الركعات ، أما أبو حنيفة
فعنه روايتان روى يعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة قبل الفاتحة ،
وروى أبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد ثلاثتهم جميعاً عن أبي حنيفة ، أنه قال : إذا قرأها
في أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يفرغ منها ،
قال : وإن قرأها مع كل سورة فحسن .
الفرع الخامس : ظاهر قول أبي حنيفة أنه لما قرأ التسمية في أول الفاتحة فإنه لا يعيدها
في أوائل سائر السور، وعند الشافعي أن الأفضل إعادتها في أول كل سورة ، لقوله عليه
السلام كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر .
الفرع السادس : اختلفوا في أنه هل يجوز للحائض والجنب قراءة بسم الله الرحمن
الرحيم ؟ والصحيح عندنا أنه لا يجوز .
الفرع السابع : أجمع العلماء على أن تسمية الله على الوضوء مندوبة، وعامة العلماء
على أنها غير واجبة لقوله ﴿يَا﴾: توضأ كما أمرك الله به، والتسمية غير مذكورة في آية
الوضوء ، وقال أهل الظاهر إنها واجبة فلو تركها عمداً أو سهواً لم تصح صلاته ، وقال إسحق
أن تركها عامداً لم يجز ، وأن تركها ساهياً جاز .

٢١٤
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الفرع الثامن : متروك التسمية عند التذكية هل يحل أكله أم لا ؟ المسئلة في غاية الشهرة
قال الله تعالى ( فاذكروا اسم الله عليها صواف) وقال تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
عليه ) .
الفرع التاسع : أجمع العلماء على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال وإلا أ
ويقول ((بسم الله)) فإذا نام قال ((بسم الله)) وإذا قام من مقامه قال ((بسم الله)) وإذا قصد.
العبادة قال ((بسم الله)) وإذا دخل الدار قال ((بسم الله)) أو خرج منها قال ((بسم الله)) وإذا :
أكل أوشرب أو أخذ أو أعطى قال ((بسم الله)) ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن
تقول ((بسم الله)) وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل ((بسم الله )) وهذا
آخر أحواله من الدنيا وإذا قام من القبر قال أيضاً ((بسم الله)) وإذا حضر الموقف قال (( بسم
الله)) فتتباعد عنه النار . ببركة قوله ((بسم الله)).
!
المسئلة الحادية عشرة : قال الشافعي : ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق ،
من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها ، وقال أبو حنيفة : أنها كافية في حق القادر والعاجز :
وقال أبو يوسف ومحمد : أنها كافية في حق العاجز وغير كافية في حق القادر ، واعلم أن مذهب
أبي حنيفة في هذه المسئلة بعيد جداً، ولهذا السبب فإن الفقيه أبا الليث السمرقندي والقاضي
أبا زيد الدبوسي صرحا بتركه .
لنا حجج ووجوه: الحجة الأولى: أنه ﴿1﴾ إنما صلى بالقرآن المنزل من عند الله تعالى !
باللفظ العربي ، وواظب عليه طول عمره ، فوجب أن يجب علينا مثله ، لقوله تعالى أ
( فاتبعوه) والعجب أنه احتج بأنه عليه السلام مسح على ناصيته مرة على كونه شرطاً في صحة
الوضوء ولم يلتفت إلى مواظبته طول عمره على قراءة القرآن باللسان العربي .
الحجة الثانية : أن الخلفاء الراشدين صلوا بالقرآن العربي ، فوجب أن يجب علينا
ذلك ، لقوله عليه السلام : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ، ولقوله عليه السلام :
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ .
الحجة الثالثة : أن الرسول وجميع الصحابة ما قرؤا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي ،
فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله عليه السلام : ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلهم في
النار إلا فرقة واحدة ، قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي . وجه الدليل.
أنه عليه السلام هو وجميع أصحابه كانوا متفقين على القراءة في الصلاة بهذا القرآن العربي ،
فوجب أن يكون القارئ بالفارسية من أهل النار .

٢١٥
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة الرابعة : أن أهل ديار الإسلام مطبقون بالكلية على قراءة القرآن في الصلاة كما
أنزل الله تعالى ، فمن عدل عن هذا الطريق دخل تحت قوله تعالى ( ويتبع غير سبيل
المؤمنين ) .
الحجة الخامسة : أن الرجل أمر بقراءة القرآن في الصلاة ، ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ
القرآن ، فوجب أن لا يخرج عن العهدة ، إنما قولنا إنه أمر بقراءة القرآن لقوله تعالى ( فاقرؤا
ما تيسر من القرآن ) ولقوله عليه السلام للإعرابي : ثم اقرأ بما تيسرمعك من القرآن ، وإنما قلنا
إن الكلام المرتب بالفارسية ليس بقرآن لوجوه : الأول : قوله تعالى ( وإنه لتنزيل رب العالمين )
إلى قوله ( بلسان عربي مبين ) ، الثاني : قوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان
قومه ) ، الثالث : قوله تعالى ( ولو جعلناه قرآناً أعجمياً) وكلمة لو تفيد انتفاء الشئ لانتفاء
غيره وهذا يدل على أنه تعالى ما جعله قرآناً أعجمياً ، فيلزم أن يقال : أن كل ما كان أعجمياً
فهو ليس بقرآن . الرابع : قوله تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) فهذا الكلام المنظوم بالفارسية : إما أن
يقال إنه عين الكلام العربي أو مثله ، أولا عينه ولا مثله ، والأول معلوم البطلان بالضرورة ،
والثاني باطل ، إذ لو كان هذا النظم الفارسي مثلاً لذلك الكلام العربي لكان الآتي به آتياً بمثل
القرآن ، وذلك يوجب تكذيب الله سبحانه في قوله ( لا يأتون بمثله ) ولما ثبت أن هذا الكلام
المنظوم بالفارسية ليس عين القرآن ولا مثله ثبت أن قارئة لم يكن قارئاً للقرآن ، وهو المطلوب ،
فثبت أن المكلف أمر بقراءة القرآن ولم يأت به ، فوجب أن يبقى في العهدة .
الحجة السادسة : ما رواه ابن المنذر عن أبي هريرة عن النبي ﴿وَ﴾﴾ أنه قال لا تجزى
صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، فنقول : هذه الكلمات المنظومة بالفارسية إما أن يقول أبو
حنيفة إنها قرآن أو يقول إنها ليست بقرآن ، والأول جهل عظيم وخروج عن الإجماع ، وبيانه
من وجوه : الأول : أن أحداً من العقلاء لا يجوز في عقله ودينه أن يقول إن قول القائل
دوستان دربهشت قرآن . الثاني : يلزم أن يكون القادر على ترجمة القرآن آتياً بقرآن مثل الأول
وذلك باطل .
الحجة السابعة : روى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني لا
أستطيع أن أحفظ القرآن كما يحسن في الصلاة، فقال ﴿يَ﴾﴾ قل سبحان الله والحمد لله إلى
آخر هذا الذكر ، وجه الدليل أن الرجل لما سأله عما يجزئه في الصلاة عند العجز عن قراءة .
القرآن العربي أمره الرسول عليه السلام بالتسبيح ، وذلك يبطل قول من يقول إنه يكفيه أن
يقول دوستان دربهشت .

٢١٦
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة الثامنة : يقال أن أول الإنجيل هو قوله بسم الاها رحمانا ومرحيانا وهذا هو عين
ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم ، فلو كانت ترجمة القرآن نفس القرآن لقالت النصارى أن هذا
القرآن إنما أخذته من عين الإنجيل ، ولما لم يقل أحد هذا علمنا أن ترجمة القرآن لا تكون
قرآنا .
الحجة التاسعة : أنا إذا ترجمنا قوله تعالى ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة
فلینظر أيها أزکی طعاماً فلیأتکم برزق منه ) کان ترجمته بفر ستیدیکي أُزشما بانقره بشهر بس
بنكردكه كدام طعام بهترست باره ازان بياورد ، ومعلوم أن هذا الكلام من جنس كلام الناس
لفظاً ومعنى فوجب أن لا تجوز الصلاة به ، لقوله عليه الصلاة والسلام : إن صلاتنا هذه لا
يصلح فيها شيء من كلام الناس ، وإذا لم تنعقد الصلاة بترجمة هذه الآية فكذا بترجمة سائر
الآيات ، لأنه لا قائل بالفرق ، وأيضاً فهذه الحجة جارية في ترجمة قوله تعالى (هماز مشاء
بنميم ) إلى قوله ( عتل بعد ذلك زنيم ) فإن ترجمتها لا تكون شتّاً من جنس كلام الناس في
اللفظ والمعنى ، وكذلك قوله تعالى (أدع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها)
فإن ترجمة هذه الآية تكون من جنس كلام الناس لفظاً ومعنى ، وهذا بخلاف ما إذا قرأنا عين
هذه) الآيات بهذه الألفاظ لأنها بحسب تركيبها المعجز ونظمها البديع تمتاز عن كلام الناس
والعجب من الخصوم أنهم قالوا إنه لو ذكر في آخر التشهد دعاء يكون من جنس كلام الناس
فسدت صلاته ثم قالوا : تصح الصلاة بترجمة هذه الآيات مع أن ترجمتها عين كلام الناس لفظاً
ومعنى .
الحجة العاشرة : قوله عليه الصلاة والسلام : أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف
كاف : ولو كانت ترجمة القرآن بحسب كل لغة قرآناً لكان قد أنزل القرآن على أكثر من سبعة
أحرف، لأن على مذهبهم قد حصل بحسب كل لغة قرآن على حدة، وحينئذ لا يصح حصر
حروف القرآن في السبعة .
الحجة الحادية عشرة : أن عند أبي حنيفة تصح الصلاة بجميع الآيات ، ولا شك أنه
قد حصل في التوراة آيات كثيرة مطابقة لما في القرآن من الثناء على الله ومن تعظيم أمر الآخرة
وتقبيح الدنيا . فعلى قول الخصم تكون الصلاة صحيحة بقراءة الإنجيل والتوراة ، وبقراءة
زيد وإنسان ، ولو أنه دخل الدنيا وعاش مائة سنة ولم يقرأ حرفاً من القرآن بل كان مواظباً على
قراءة زيد وإنسان فإنه يلقى الله تعالى مطيعاً ومعلوم بالضرورة أن هذا الكلام لا يليق بدين
المسلمين .

٢١٧
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة الثانية عشرة : أنه لا ترجمة للفاتحة ألا نقول الثناء لله رب العالمين ورحمان
المحتاجين والقادر على يوم الدين أنت المعبود وأنت المستعان أهدنا إلى طريق أهل العرفان لا
إلى طريق أهل الخذلان ، وإذا ثبت أن ترجمة الفاتحة ليست إلا هذا القدر أو ما يقرب منه
فمعلوم أنه لا خطبة إلا وقد حصل فيها هذا القدر فوجب أن يقال الصلاة صحيحة بقراءة جميع
الخطب ، ولما كان باطلاً علمنا فساد هذا القول .
الحجة الثالثة عشرة: لو كان هذا جائزاً لكان قد أذن رسول الله ﴿وَ﴾﴾ لسلمان الفارسي
في أن يقرأ القرآن بالفارسية ويصلي بها ، ولكان قد أذن لصهيب في أن يقرأ بالرومية ، ولبلال
في أن يقرأ بالحبشية ؛ ولو كان هذا الأمر مشروعاً لاشتهر جوازه في الخلق فإنه يعظم في أسماع
أرباب اللغات بهذا الطريق ، لأن ذلك يزيل عنهم أتعاب النفس في تعلم اللغة العربية ،
ويحصل لكل قوم فخر عظيم في أن يحصل لهم قرآن بلغتهم الخاصة ، ومعلوم أن تجويزه يفضي
إلى اندراس القرآن بالكلية ، وذلك لا يقوله مسلم .
الحجة الرابعة عشرة : لو جازت الصلاة بالقراءة بالفارسية لما جازت بالقراءة بالعربية ،
وهذا جائز وذاك غير جائز ، بيان الملازمة أن الفارسي الذي لا يفهم من العربية شيئاً لم يفهم
من القرآن شيئاً البتة ، أما إذا قرأ القرآن بالفارسية فهم المعنى وأحاط بالمقصود وعرف ما فيه من
الثناء على الله ومن الترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا، ومعلوم أن المقصد الأقصى من إقامة
الصلوات حصول هذه المعاني ، قال تعالى ( وأقم الصلاة لذكري ) وقال تعالى ( أفلا يتدبرون
القرآن أم على قلوب أقفالها) فثبت أن قراءة الترجمة تفيد هذه الفوائد العظيمة ، وقراءة القرآن
باللفظ العربي تمنع من حصول هذه الفوائد ، فلو كانت القراءة بالفارسية قائمة مقام القراءة
بالعربية في الصحة ثم إن القراءة بالفارسية تفيد هذه الفوائد العظيمة والقراءة بالعربية مانعة
منها لوجب أن تكون القراءة بالعربية محرمة ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القراءة
بالفارسية غير جائزة .
الحجة الخامسة عشرة : المقتضى لبقاء الأمر بالصلاة قائم ، والفارق ظاهر ، أما المقتضى
فلأن التكليف كان ثابتاً ، والأصل في الثابت البقاء ، وأما الفارق فهو أن القرآن العربي كما
أنه يطلب قراءة لمعناه كذلك تطلب قراءته لأجل لفظه ، وذلك من وجهين : ( الأول ) أن
الأعجاز في فصاحته ؛ وفصاحته في لفظه ( والثاني ) أن توقيف صحة الصلاة على قراءة لفظه
يوجب حفظ تلك الألفاظ ، وكثرة الحفظ من الخلق العظيم يوجب بقاءه على وجه الدهر مصوناً
عن التحريف، وذلك يوجب تحقيق ما وعد الله تعالى بقوله (إنا نحن نزلنا الذكر وأنا له
لحافظون ) أما إذا قلنا إنه لا يتوقف صحة الصلاة على قراءة هذا النظم العربي فإنه يختل هذا

٢١٨
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
المقصود ، فثبت أن المقتضى قائم والفارق ظاهر .
واحتج المخالف على صحة مذهبه بأنه أمر بقراءة القرآن ، وقراءة الترجمة قراءة القرآن ،
ويدل عليه وجوه : ( الأول ) روى أن عبد الله بن مسعود كان يعلم رجلا القرآن فقال ( ان
شجرة الزقوم طعام الاثيم ) وكان الرجل عجمياً فكان يقول : طعام اليتيم"؛ فقال : قل طعام.
الفاجر ، ثم قال عبد الله إنه ليس الخطأ في القرآن أن يقرأ مكان العليم الحكيم بل أن يضع آية
الرحمة مكان آية العذاب ( الثاني ) قوله تعالى ( وانه لفي زبر الأولين ) فأخبر أن القرآن في زبر
الأولين وقال تعالى ( ان هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) ثم أجمعنا على أنه ما، ا
كان القرآن في زبر الأولين بهذا اللفظ لكن كان بالعبرانية والسريانية ( الثالث ) أنه تعالى قال :
( وأوحى إلى هذا القرآن لا نذركم به) ثم أن العجم لا يفهمون اللفظ العربي إلا إذا ذكر تلك.
المعاني لهم بلسانهم ، ثم أنه تعالى سماه قرآناً ، فثبت أن هذا المنظوم بالفارسية قرآن .
والجواب عن الأول أن نقول : إن أحوال هؤلاء عجيبة جداً، فان ابن مسعود نقل عنه
أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة المبالغة في نصرة هذا
المذهب كما نقل عن ابن مسعود ، ثم ان الحنفية لا تلتفت إلى هذا ، بل نقول : إن القائل به.
شاك في دينه ، والشاك لا يكون مؤمناً ، فإن كان قول ابن مسعود حجة فلم لم يقبلوا قوله في .
تلك المسئلة؟ وان لم يكن حجة فلم عول عليه في هذه المسئلة؟ ولعمري هذه المناقضات.
عجيبة ، وأيضاً فقد نقل عن ابن مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب علينا.
إحسان الظن به ؛ وأن نقول: انه رجع عن هذه المذاهب ، وأما قوله تعالى ( وانه لفي زبر.
الأولين ) فالمعنى أن هذه القصص موجودة في زبر الأولين ، وقوله تعالى ( لانذركم ) فالمعنى!
لانذركم معناه ، وهذا القدر القليل من المجاز يجوز تحمله لأجل الدلائل الغامرة القاطعة التيا
ذکرناها.
المسئلة الثانية عشرة : قال الشافعي في القول الجديد تجب القراءة على المقتدي ؛ سواء
أسر الامام بالقراءة أو جهر بها ، وقال في القديم : تجب القراءة إذا أسر الامام ، ولا تجب إذا
جهر وهو قول مالك وابن المبارك وقال أبو حنيفة تكره القراءة خلف الامام بكل حال ، ولنا.
وجوه : -
الحجة الأولى: قوله تعالى ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وهذا الأمر يتناول المنفرد
والمأموم .
الحجة الثانية: أنه ﴿3﴾ كان يقرأ في الصلاة فيجب علينا ذلك لقوله تعالى (فاتبعوه ).

٢١٩
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
إلا أن يقال : ان كونه مأموماً يمنع منه إلا أنه معارضة.
الحجة الثالثة : إنا بينا أن قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة ) أمر بمجموع الأفعال التي كان
رسول الله ﴿وَّ﴾﴾ يفعلها، ومن جملة تلك الأفعال قراءة الفاتحة، فكان قوله (أقيموا الصلاة)
يدخل فيه الأمر بقراءة الفاتحة .
الحجة الرابعة : قوله عليه السلام (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )) وقد ثبت تقرير وجه
الدليل.
فان قالوا : هذا الخبر مخصوص بحال الانفراد لأنه روى جابر أن النبي ﴿قُّ﴾ قال من
صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل ، إلا أن يكون وراء الإمام ، قلنا : هذا الحديث
طعنوا فيه .
الحجة الخامسة : قوله عليه الصلاة والسلام للاعرابي الذي علمه أعمال الصلاة (( ثم
اقرأ بما تيسرمعك من القرآن )) وهذا يتناول المنفرد والمأموم.
الحجة السادسة : روى أبو عيسى الترمذي في جامعه بإِسناده عن محمود بن الربيع عن
عبادة بن الصامت قال : قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الصبح فثقلت عليه القراءة ، فلما
انصرف قال : ما لي أراكم تقرؤن خلف إمامكم ، قلنا : أي والله ، قال : لا تفعلوا إلا بأم
القرآن ، فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ، قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن.
الحجة السابعة : روى مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب
مولى هشام يقول : سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﴿وَل﴾﴾ من صلى صلاة لم يقرأ
فيها بأم القرآن فهي خداج غير تام ، قال : فقلت يا أبا هريرة ، إني أكون أحياناً خلف
الإِمام ، قال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك، والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : ( الأول ) ان
صلاة المقتدي بدون القراءة مبرأة عن الخداج عند الخصم ، وهو على خلاف النص ( الثاني )
أن السائل أورد الصلاة خلف الإمام على أبي هريرة بوجوب القراءة عليه في هذه الحالة ، وذلك
يؤيد المطلوب .
الحجة الثامنة: روى أبو هريرة أن النبي ﴿وَ﴾ قال: إن الله تعالى يقول: قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، بين أن التنصيف إنما يحصل بسبب القراءة ، فوجب أن
تكون قراءة الفاتحة من لوازم الصلاة ، وهذا التنصيف قائم في صلاة المنفرد وفي صلاة المقتدي.

٢٢٠
المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة
الحجة التاسعة : روى الدارقطني باسناده عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول
الله ﴿وَّةٍ﴾ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه الكريم
فقال : هل تقرؤن إذا جهرت بالقراءة ؟ فقال بعضنا أنا لنصنع ذلك ، فقال : وأنا أقول مالي
أنازع القرآن ، لا تقرؤا شيئاً من القرآن إذا جهرت بقراءتي إلا أم القرآن فانه لا صلاة لمن لم
يقرأ بها.
الحجة العاشرة : أن الأحاديث الكثيرة دالة على أن قراءة القرآن توجب الثواب العظيم
وهي متناولة للمنفرد والمقتدي ، فوجب أن تكون قراءتها في الصلاة خلف الإمام موجبة للثواب.
العظيم ، وكل من قال بذلك قال بوجوب قراءتها .
الحجة الحادية عشرة : وافق أبو حنيفة رضي الله عنه على أن القراءة خلف الامام لا تبطل.
الصلاة ، وأما عدم قراءتها فهو عندنا يبطل الصلاة ، فثبت أن القراءة أحوط ، فكانت واجبة
لقوله عليه الصلاة والسلام ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
الحجة الثانية عشرة : إذا بقي المقتدي ساكتاً عن القراءة مع أنه لا يسمع قراءة الإمام بقي
معطلا، فوجب أن يكون حال القارىء أفضل منه ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((أفضل
الأعمال قراءة القرآن)) وإذا ثبت أن القراءة أفضل من السكوت في هذه الحالة ثبت القول.
بالوجوب ، لأنه لا قائل بالفرق.
الحجة الثالثة عشرة : لو كان الاقتداء مانعاً من القراءة لكان الاقتداء حراماً ، لأن قراءة
القرآن عبادة عظيمة ، والمانع من العبادة الشريفة محرم ، فيلزمه أن يكون الاقتداء حراماً ،
وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الاقتداء لا يمنع من القراءة .
واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى (وإذا قرىء القرآن فاستمعوا :
له وأنصتوا) واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا تدل على قولهم ، وبالغنا ، فليطالع ذلك ،
الموضع من هذا التفسير ؛ وأما الأخبار فقد ذكروا أخباراً كثيرة والشيخ أحمد البيهقي بيَّن
ضعفها ، ثم نقول : هب أنها صحيحة ، ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بد من
الترجيح ، وهو معنا من وجوه: ( الأول ): أن قولنا يوجب الاشتغال بقراءة القرآن ، وهو من .
أعظم الطاعات ، وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ولا شك أن قولنا أولى
( الثاني ) أن قولنا أحوط ( الثالث ) : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات
والاذكار الجميلة ، وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر.
المسئلة الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة ،