النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة الفاتحة وذكر اسمائها السورة مشتملة على هذه الأسرار العالية التي هي أشرف المطالب ، فلهذا السبب سميت بأم الكتاب كما أن الدماغ يسمى أم الرأس لاشتماله على جميع الحواس والمنافع . السبب الخامس : قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب ، قال: سمعت أبا بكر القفال قال : سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر، قال قيس بن الحطيم : - وصاروا بعد ألفتهم سلالا نصبنا أمنا حتى ابذعروا فسميت هذه السورة بأم القرآن لأن مفزع أهل الايمان إلى هذه السورة كما أن مفزع ١ العسكر إلى الراية ، والعرب تسمى الأرض أما ؛ لأن معاد الخلق اليها في حياتهم ومماتهم ، ولأنه يقال : أم فلان فلانا إذا قصده. الاسم الرابع: من أسماء هذه السورة (( السبع المثاني)) قال الله تعالى ( ولقد آتيناك سبعاً من المثانى ) وفي سبب تسميتها بالمثانى وجوه : - الأول : أنها مثنى : نصفها ثناء العبد للرب ، ونصفها عطاء الرب للعبد. الثاني : سميت مثانى لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة. الثالث : سميت مثانى لأنها مستثناة من سائر الكتب ، قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ، ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم. الرابع : سميت مثاني لأنها سبع آيات ، كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن ، فمن قرأ الفاتحة أعطاه الله ثواب من قرأ كل القرآن . الخامس : آياتها سبع ، وأبواب النيران سبعة ، فمن فتح لسانه بقراءتها غلقت عنه : يا محمد ، الأبواب السبعة ، والدليل عليه ما روى أن جبريل عليه السلام قال للنبي ﴿ كنت أخشى العذاب على أمتك . فلما نزلت الفاتحة أمنت ، قال : لم يا جبريل؟ قال : لأن الله تعالى قال ( وان جهنم لموعدهم أجمعين ، لها سبعة أبواب ، لكل باب منهم جزء مقسوم ) وآياتها سبع فمن قرأها صارت كل آية طبقاً على باب من أبواب جهنم ، فتمر أمتك عليها منها سالمين . السادس : سميت مثاني لأنها تقرأ في الصلاة ثم انها تثني بسورة أخرى. ١٨٢ سورة الفاتحة وذكر اسمائها السابع : سميت مثاني لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له . الثامن : سميت مثاني لأن الله أنزلها مرتين ، وأعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى ( سبعاً من المثاني ) في سورة الحجر . الإسم الخامس : الوافية ، كان سفيان بن عيينة يسميها بهذا الإسم ، قال الثعلبي ، وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف ، ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز ، وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة . الإسم السادس : الكافية ، سميت بذلك لأنها تكفي عن غيرها ، وأما غيرها فلا يكفي عنها ، روى محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله :: أم القرآن عوض عن غيرها ، وليس غيرها عوضاً عنها . الإسم السابع : الأساس ، وفيه وجوه : - الأول : أنها أول سورة من القرآن ، فهي كالأساس . الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه ، وذلك هو الأساس . الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة ، وهذه السورة مشتملة على كل ما لا بد منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها . الإسم الثامن : الشفاء ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (1) : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم ، ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في أذنه فبرى فذكروه لرسول الله ﴿2﴾﴾ فقال: هي أم القرآن ، وهي شفاء من كل داء. وأقول : الأمراض منها روحانية ، ومنها جسمانية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكفر مرضاً فقال تعالى ( في قلوبهم مرض ) وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات ، فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة . الإسم التاسع : الصلاة ، قال عليه الصلاة والسلام : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد هذه السورة . الإسم العاشر: السؤال، روى أن رسول الله ﴿مَ﴾﴾ حكى عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه قال : من شغله ذكري عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، وقد فعل .٠ ٠٠ ١٨٣ فضائل الفاتحة الخليل عليه السلام ذلك حيث قال ( الذي خلقني فهو يهدين ) إلى أن قال ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) ففي هذه السورة أيضاً وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو قوله ( الحمد لله إلى قوله مالك يوم الدين ) ثم ذكر العبودية وهو قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى ( إهدنا الصراط المستقيم ) وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين ، وهو أيضاً يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله أهدنا ولم يقل أرزقنا الجنة . الإسم الحادي عشر: سورة الشكر، وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإِحسان . الإِسم الثاني عشر: سورة الدعاء ، لاستمالها على قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ) فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء والله أعلم . الباب الثاني في فضائل هذه السورة ، وفيه مسائل المسئلة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول : أنها مكية ، روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ، ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء ، وروي أيضاً بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن ( الحمد لله رب العالمين ) وذلك أن رسول الله ﴾ أسر إلى خديجة فقال : لقد خشيت أن يكون خالطني شيء، فقالت : وما ذاك ؟ قال : إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ ، ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله ﴿يَ﴾﴾ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : دق الله فاك. والقول الثاني : أنها نزلت بالمدينة ، روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد ، لأن العلماء على خلافه ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالإتفاق ، ومنها قوله بهار ١٨٤ فضائل الفاتحة تعالى ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ، وهي فاتحة الكتاب ، وهذا يدل على أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم ، الثاني : أنه يبعد أن يقال إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب .. القول الثالث : قال بعض العلماء : هذه السورة نزلت بمكة مرة ، وبالمدينة مرة أخرى، فهي مكية مدنية ، ولهذا السبب سماها الله بالمثاني ؛ لأنه ثنى إنزالها ، وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها . المسئلة الثانية : في بيان فضلها، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﴿وَ﴾﴾ أنه قال فاتحة الكتاب شفاء من السم ، وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﴿وَ﴾﴾ أن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب ( الحمد لله رب العالمين ) فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة ، وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة ، وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان ، ثم أودع علوم الفرقان في المفصل ، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام في هذه العلوم الثلاثة ، فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية . المسئلة الثالثة : قالوا : هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف، وهي الثاء ، والجيم والخاء ، والزاي ، والشين ، والظاء ، والفاء ، والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مَشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الويل والثبور ، قال تعالى ( لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وأدعوا ثبوراً كثيراً) والجيم أول حروف إسم جهنم ، قال تعالى (وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) وقال تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ) وأسقط الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى ( يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه ) وقال تعالى (إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين ) وأسقط الزاى والشين لأنهما أول حروف الزفير والشهيق ، قال تعالى ( لهم فيها زفير وشهيق ) وأيضاً الزاى تدل على الزقوم ، قال تعالى ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) والشين تدل على الشقاوة ، قال تعالى ( فأما الذين شقوا ففي النار ) وأسقط الظاء لقوله ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغنى من اللهب ) وأيضاً يدل على لظى ، قال تعالى ( كلا إنها لظى نزاعة للشوى ) وأسقط الفاء ؛ لأنه يدل على الفراق ، قال تعالى ( يومئذ يتفرقون ) وأيضاً قال ١٨٥ اسرار المستنبطة من الفاتحة ( لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من إفترى ) . فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعاً من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة ، فنقول : الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم ( لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة ، وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب ، تنبيها على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمناً من الدركات السبع في جهنم ، والله أعلم . الباب الثالث فى الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة ، وفيه مسائل المسئلة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال ( الحمد لله ) فكأن سائلاً يقول : الحمد لله منبي عن أمرين : أحدهما : وجود الإِله ، والثاني : كونه مستحقاً للحمد ، فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق الحمد ؟ ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذين السؤالين ، فأجاب عن السؤال الأول بقوله (رب العالمين ) وأجاب عن السؤال الثاني بقوله ( الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) أما تقرير الجواب الأول ففيه مسائل : - المسئلة الأولى : أن علمنا بوجود الشيء إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري ، لأنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإِله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظرياً ، والعلم النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل ، ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان محتاج إلى مدير يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه ، فكان قوله ( رب العالمين ) إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر الحكيم . ثم فيه لطائف: اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى ما سوى الله فقوله ( رب العالمين) إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه محتاج في وجوده إلى إيجاده ، وفي بقائه إلى إبقائه ، فكان هذا إشارة إلى أن كل جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل قاطع على وجود الإِله الحكيم القادر القديم ، كما قال تعالى (وإن من ١٨٦ الأسرار المستنبطة من الفاتحة شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) . اللطيفة الثانية : أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين ، بل قال ( الحمد لله رب العالمين ) والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد والمحدث حال حدوثها ، لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي أم لا ؟ فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب ، والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه ، فقوله ( رب العالمين ) تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها ، والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه ، أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيهاً على أن كل ما سوى الله فإنه لا يستغنى عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه . اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن ، وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه ، فقوله ( رب العالمين ) تنبيه على أن كل موجود سواه فإنه دليل على إلهيته . ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله ( الحمد لله ) فأولها : سورة الأنعام وهو قوله ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ) واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله ( رب العالمين ) لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله ، والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله ، فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة ، وأيضاً فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق السموات والأرض ؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين ، وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى ، أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه ، فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة . وثانيهما : سورة الكهف، وهو قوله ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف، فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات ، فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط ، وقوله في أول سورة الفاتحة ( رب العالمين ) إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين ، ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السموات والأرضين ، فكان المذكور في أول سورة الكهف نوعاً من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة . : ١٨٧ الأسرار المستنبطة من الفاتحة وثالثها : سورة سبأ : وهو قوله ( الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض ) فبين في أول سورة الأنعام أن السموات والأرض له ، وبين في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السموات والأرض له ، وهذا أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله ( الحمد لله رب العالمين) . ورابعها : قوله ( الحمد لله فاطر السموات والأرض ) والمذكور في أول سورة الأنعام كونه خالقاً لها ، والخلق هو التقدير ، والمذكور في هذه السورة كونه فاطراً لها ومحدثاً لذواتها ، وهذا غير الأول إلا أنه أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله ( الحمد لله رب العالمين ) . ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقاً السموات والأرض ذكر كونه جاعلا الظلمات والنور ، أما في سورة الملائكة فلما ذكر كونه فاطر السموات والأرض ذكر كونه جاعلا الملائكة رسلا ، ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السموات والأرض جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السموات والأرض جعل الروحانيات ، وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية إلا أنها بأسرها تجري مجرى الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله ( الحمد لله رب العالمين ) فهذا هو التنبيه على أن قوله ( رب العالمين ) يجري مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القدیم. المسئلة الثانية : أن هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله فهي أيضاً مشتملة على الدلالة على كونه متعالياً في ذاته عن المكان والحيز والجهة ، لأنا بينا أن لفظ العالمين يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان ، فالمكان عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد ، والزمان عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية : فقوله ( رب العالمين ) يدل على كونه ربا للمكان والزمان وخالقا لهما وموجداً لهما ، ثم من المعلوم أن الخالق لا بد وأن يكون سابقاً وجوده على وجود المخلوق ، ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز ، متعالية عن الجهة والحيز ، فلو حصلت ذاته بعد حصول الفضاء في جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته ، وذلك محال ، فقوله ( رب العالمين ) يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الإعتبار. المسئلة الثالثة: هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول في المحل كما تقول النصارى والحلولية ؛ لأنه لما كان ربا للعالمين كان خالقاً لكل ما سواه ، والخالق سابق على المخلوق ، فكانت ذاته موجودة قبل كل محل ، فكانت ذاته غنية عن كل محل ، فبعد وجود المحل إمتنع إحتياجه إلى المحل . ١٨٨ الاسرار المستنبطة من الفاتحة المسئلة الرابعة : هذه الآية تدل على أن إله العالم ليس موجباً بالذات ، بل هو فاعل مختار والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شىء من أفعاله الحمد والثناء والتعظيم ؟ ألا ترى أن الإنسان إذا إنتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فانه لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار في التسخين وتأثير الجمد في التبريد ليس بالقدرة والإختيار بل بالطبع ، فلما حكم بكونه مستحقاً للحمد والثناء ثبت أنه فاعل بالإختيار ، وإنما عرفنا كونه فاعلاً مختاراً ؛ لأنه لو كان موجباً لدامت الأثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ، ولامتنع وقوع التغير فيها ، وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالإختيار لا موجب بالذات ، ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت کونه مستحقاً للحمد. المسئلة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقاً لمصالح العباد موافقاً لمنافعهم كان الأحكام والإِتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالماً فثبت بما ذكرنا أن قوله ( الحمد لله ) يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزهاً عن الحيز والمكان ، ويدل على كونه منزهاً عن الحلول في المحل ، ويدل على كونه في نهاية القدرة ويدل على كونه في نهاية العلم ويدل على كونه في نهاية الحكمة . وأما السؤال الثاني - وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر فلم قلتم إنه يستحق الحمد والثناء ؟ والجواب هو قوله ( الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : إما أن يكون في السلامة والسعادة ، وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره ، فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا بخلق الله وتكوينه وإيجاده ، فكان رحماناً رحيماً ، وإن كان في المكاره والآفات ، فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد ، أو من الله ، فإن كانت من العباد فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين من الظالمين في يوم الدين ، وإن كانت من الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الکثیر علی کل ما أنزله بعباده في الدنيا من المكروهات والمخافات ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بد وأن يكون مستحقاً للحمد الذي لا نهاية له ، والثناء الذي لا غاية له فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) مرتب ترتيباً لا يمكن في العقل وجود كلام أكمل وأفضل منه . واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية ، واعلم أن الانسان مركب من جسد ، ومن روح ، والمقصود ، من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة للروح فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتياً ١٨٩ الاسرار المستنبطة من الفاتحة بأعمال تعين الروح على اكتساب السعادات الروحانية الباقية ، وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتياً بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته ، وتلك الأعمال هي العبادة ، فأحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظباً على العبادات ، وهذه أول درجات سعادة الإنسان ، وهو المراد بقوله ( إياك نعبد) فاذا واظب على هذه الدرجة مدة فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب ، وهو أنه وحده لا يستقل بالاتيان بهذه العبادات والطاعات بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى واعانته وعصمته فانه لا يمكنه الاتيان بشيء من العبادات والطاعات ، وهذا المقام هو الدرجة الوسطى في الكمالات ، وهو المراد من قوله ( واياك نستعين ) ثم إذا تجاوز عن هذا المقام لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله ، وأنوار المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله وهو المراد من قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) وفيه لطائف : - اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق في الإعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم ، أما في الاعتقادات فبيانه من وجوه : ( الأول ) : أن من توغل في التنزيه وقع في التعطيل ونفي الصفات ، ومن توغل في الاثبات وقع في التشبيه واثبات الجسمية والمكان ، فهما طرفان معوجان ، والصراط المستقيم الاقرار الخالي عن التشبيه والتعطيل ، ( والثاني ) : أن من قال فعل العبد كله منه فقد وقع في القدر ، ومن قال لا فعل للعبد فقد وقع في الجبر وهما طرفان معوجان ، والصراط المستقيم إثبات الفعل للعبد مع الاقرار بان الكل بقضاء الله ، وأما في الأعمال فنقول : من بالغ في الأعمال الشهوانية وقع في الفجور ، ومن بالغ في تركها وقع في الجمود ، والصراط المستقيم هو الوسط ، وهو العفة ، وأيضاً من بالغ في الأعمال الغضبية وقع في التهور ، ومن بالغ في تركها وقع في الجبن ، والصراط المستقيم هو الوسط ، وهو الشجاعة . اللطيفة الثانية : أن ذلك الصراط المستقيم وصفه بصفتين أولاهما إيجابية ، والأخرى سلبية أما الايجابية فكون ذلك الصراط صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وأما السلبية فهي أن تكون بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات حتى استوجبوا غضب الله عليهم ، وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم النظرية حتى ضلوا عن العقائد الحقية والمعارف اليقينية . اللطيفة الثالثة : قال بعضهم : إنه لما قال ( اهدنا الصراط المستقيم ) لم يقتصر عليه ، بل قال ( صراط الذين أنعمت عليهم ) وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل ، وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق ، وعقولهم غير وافية بادراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط ، فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور ١٩٠ الاسرار المستنبطة من الفاتحة عقل ذلك الكامل ؛ فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات. 1 وقد ظهر بما ذكرنا أن هذه السورة وافية ببيان ما يجب معرفته من عهد الربوبية وعهد العبودية المذكورين في قوله تعالى ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) . المسئلة الثانية : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : - اعلم أن أحوال هذا العالم ممزوجة بالخير والشر، والمحبوب والمكروه ، وهذه المعاني ظاهرة لا شك فيها، إلا أنا نقول: الشر وإن كان كثيراً إلا أن الخير أكثر، والمرض وإن كان كثيراً إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيراً إلا أن الشبع أكثر منه ، وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فانه يجدها دائماً في التغيرات والانتقال من حال إلى حال ، ثم انه يجد الغالب في تلك التغيرات هو السلامة والكرامة والراحة والبهجة ، أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة ، إذا عرفت هذا فنقول أن تلك التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ، ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإِله رحيم محسن كريم ، أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء وجد بعد العدم فانه لا بد له من سبب ، ولذلك فانا إذا سمعنا أن بيتاً حدث بعد أن لم يكن فان صريح العقل شاهد بأنه لا بد له من فاعل تولى بناء ذلك البيت ، ولو أن إنساناً شككنا فيه لم نتشكك ، فانه لا بد وأن يكون فاعل تلك الأحوال المتغيرة قادراً ، إذ لو كان موجباً بالذات لدام الأثر بدوامه ، فحدوث الأثر بعد عدمه يدل على وجود مؤثر قادر ، وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيماً محسناً ؛ فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة والخير والبهجة والسلامة ، ومن كان غالب أفعاله راحة وخيراً وكرامة وسلامة كان رحيماً محسناً ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد ، ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد الله وثنائه حاضراً في عقل كل أحد ؛ فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال ( الحمد لله.) ولما نبه على هذا المقام نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول ، وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط، بل هو إله كل العالمين ، وذلك لأنك إنما حكمت بافتقار نفسك إلى الإِله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث والامكان وهذه المعاني قائمة في كل العالمين ، فإنها محل الحركات والسكنات وأنواع التغيرات ، فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها ، وإذا حصل الإشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول ، فهذا يقتضى كونه ربا للعالمين، وإلهاً السموات والأرضين، ومدبراً لكل الخلائق أجمعين ، ولما تقرر هذا المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ١٩١ الاسرار المستنبطة من الفاتحة ويقدر على خلق العرش والكرسي والسموات والكواكب لا بد وأن يكون قادراً على اهلاكها ، ولا بد وأن يكون غنياً عنها ، فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة والجلال ، وحينئذ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن أتقرب إليه ، وبأي طريق أتوسل إليه ، فعند هذا ذكر الله ما يجري مجرى العلاج الموافق لهذا المرض ، فكأنه قال : أيها العبد الضعيف ، أنا وإن كنت عظيم القدرة والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة ، فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك يوم الدين ، فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين ، لا أضيع عملا من أعمالك ، فان أتيتني بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات ، وان أتيتني بالمعصية قابلتها بالصفح والاحسان والمغفرة . ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة ، وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة ، وهو قوله ( إياك نعبد ) وثانيها : مقام الطريقة ، وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب ، فيعلم أنه لا يتيسرله شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل إليه من عالم الغيب ، وهو قوله ( وإياك نستعين ) وثالثها : أنه يشاهد عالم الشهادة معزولا بالكلية ، ويكون الأمر كله لله ، وحينئذ يقول : اهدنا الصراط المستقيم. ثم إن ههنا دقيقة ، وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد ، فحينئذ علم العبد أن روحه وحده لا يكفي في طلب هذا المقصود ، فعند هذا أدخل روحه في زمرة الأرواح المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربانية ، حتى إذا اتصل بها وانخرط في سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم ، فحينئذ يفوز في تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة ، فلهذا قال ( صراط الذين أنعمت عليهم). ثم لما بين أن الاتصال بالأرواح المطهرة يوجب مزيد القوة والاستعداد؛ بين أيضاً أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان ، فلهذا قال ( غير المغضوب عليهم ) وهم الفساق ( ولا الضالين ) وهم الكفار. ولما تمت هذه الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة - أعني الشريعة المدلول عليها بقوله إياك نعبد ، والطريقة المدلول عليها بقوله وإياك نستعين ، والحقيقة المدلول عليها بقوله اهدنا الصراط المستقيم - ثم لما حصل الاستسعاد بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال ١٩٢ الاسرار المستنبطة من الفاتحة بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء ، فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الانسانية . المسئلة الثالثة : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة ، اعلم أن الانسان خلق محتاجاً إلى جر الخيرات واللذات ، ودفع المكروهات والمخافات ، ثم إن هذا العالم عالم الأسباب فلا يمكنه تحصيل الخيرات واللذات إلا بواسطة أسباب معينة ، ولا يمكنه دفع الآفات والمخافات إلا بواسطة أسباب معينة ، ولما كان جلب النفع ودفع الضرر محبوباً بالذات ، وكان استقراء أحوال هذا العالم يدل على أنه لا يمكن تحصيل الخير ولا دفع الشر إلا بتلك الأسباب المعينة ، ثم تقرر في العقول أن ما لا يمكن الوصول إلى المحبوب إلا بواسطته فهو محبوب - صار هذا المعنى سبباً لوقوع الحب الشديد لهذه الأسباب الظاهرة ، وإذا علم أنه لا يمكنه الوصول إلى الخيرات واللذات إلا بواسطة خدمة الأمير والوزير والأعوان والأنصار بقي الانسان متعلق القلب بهذه الأشياء ، شديد الحب لها ، عظيم الميل والرغبة إليها ، ثم قد ثبت في العلوم الحكمية أن كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات الراسخة وثبت أيضاً أن حب التشبه غالب على طباع الخلق . أما الأول فكل من واظب على صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف مدة مديدة صارت تلك الحرفة والصناعة ملكة راسخة قوية وكلما كانت المواظبة عليها أكثر كانت الملكة أقوى وأرسخ ، وأما الثاني فهو أن الإنسان إذا جالس الفساق مال طبعه إلى الفسق ، وما ذاك إلا لأن الأرواح جبلت على حب المحاكاة وإذا عرفت هذا فنقول : إنا بينا أن استقراء حال الدنيا يوجب تعلق القلب بهذه الأسباب الظاهرة التي بها يمكن التوسل إلى جر المنافع ودفع المضار ، وبينا أنه كلما كانت مواظبة الانسان عليها أكثر كان استحكام هذا الميل والطلب في قلبه أقوى وأثبت ، وأيضاً فأكثر أهل الدنيا موصوفون بهذه الصفة مواظبون على هذه الحالة . وبينا أن النفوس مجبولة على حب المحاكاة وذلك أيضاً يوجب استحكام هذه الحالة . فقد ظهر بالبينات التي ذكرناها أن الأسباب الموجبة لحب الدنيا والمرغبة في التعلق بأسبابها كثيرة قوية شديدة جداً ثم نقول : إنه إذا اتفق للانسان هداية إلهية تهديه إلى سواء السبيل وقع في قلبه أن يتأمل في هذه الأسباب تأملا شافياً وافياً فيقول : هذا الأمير المستولي على هذا العالم إستولى على الدنيا بفرط قوته وكمال حكمته أم لا ؟ الأول باطل ، لأن ذلك الأمير ربما كان أكثر الناس عجزاً ، وأقلهم عقلاً ، فعند هذا يظهر له أن تلك الأمارة والرياسة ما حصلت له بقوته ، وما هيئت له بسبب حكمته ، وإنما حصلت تلك الأمارة والرياسة لأجل قسمة قسام وقضاء حكيم علام لا دافع لحكمه ولا مرد لقضائه ، ثم ينضم إلى هذا النوع من الإعتبار أنواع أخرى من الإِعتبارات تعاضدها وتقويها ، فعند حصول هذه المكاشفة ينقطع قلبه عن الأسباب الظاهرة ، : . ١٩٣ الاسرار المستنبطة من الفاتحة وينتقل منها إلى الرجوع في كل المهمات والمطلوبات إلى مسبب الأسباب ومفتح الأبواب ، ثم إذا توالت هذه الإعتبارات وتواترت هذه المكاشفات صار الإنسان بحيث كلما وصل إليه نفع وخير قال هو النافع وكلما وصل إليه شر ومكروه قال هو الضار ، وعند هذا لا يحمد أحداً على فعل إلا الله ، ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله ، فيصير الحمد كله لله والثناء كله لله ، فعند هذا يقول العبد الحمد لله . واعلم أن الإستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم إلا بتقدير الله ، ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله ، وذلك هو قوله ( رب العالمين ) ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال العالمين منظومة على الوصف الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك يقول ( الرحمن الرحيم ) فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحه في الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه ، ثم يبقى العبد متعلق القلب بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال : مالك يوم الدين ليس إلا الذي عرفته بأنه هو الرحمن الرحيم ، فحينئذ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبة ويعلم أن المتكفل بإصلاح مهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله ، وحينئذ ينقطع التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله ، ثم إن العبد حين كان متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولاً بخدمتهما ، وبعد الفراغ من تلك الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما ، فعند زوال ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلاً بخدمة الأمير والوزير فلان يشتغل بخدمة المعبود كان أولى ، فعند هذا يقول : إياك نعبد ، والمعنى إني كنت قبل هذا أعبد غيرك ، وأما الآن فلا أعبد أحداً سواك ، ولما كان يستعين في تحصيل المهمات بالأمير والوزير فلأن يستعين بالمعبود الحق في تحصيل المرادات كان أولى ، فيقول : وإياك نستعين والمعنى : إني كنت قبل هذا أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك ، ولما كان يطلب المال والجاه اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى ، فيقول : اهدنا الصراط المستقيم ، ثم إن أهل الدنيا فريقان: أحدهما : الذين لا يعبدون أحداً إلا الله ولا يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الاغراض والمقاصد إلا من الله ، والفرقة الثانية ، الذين يخدمون الخلق ويستعينوا بهم ويطلبون الخير منهم ، فلا جرم العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة الأولى ، وهم الذين أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية ، ولا تجعلني في زمرة الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون ، فان متابعة هذه الفرقة لا تفيد إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ والله أعلم. الفخر الرازي ج ١ م ١٣ ١٩٤ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة الباب الرابع في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة ٠ 1 المسئلة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة ، وعن الأصم والحسن ابن صالح أنها لا تجب. لنا أن كل دليل نذكره في بيان أن قراءة الفاتحة واجبة فهو يدل على أن أصل القراءة واجب وتزيد ههنا وجوها : - الأول : قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ) والمراد بالقرآن القراءة ، والتقدير : أقم قراءة الفجر ، وظاهر الأمر للوجوب. الثاني : عن أبي الدرداء أن رجلا سأل النبي ﴿1﴾ فقال: أفي الصلاة قراءة فقال: نعم، فقال السائل: وجبت ، فأقر النبي ﴿يَ﴾ ذلك الرجل على قوله وجبت. الثالث: عن ابن مسعود أن النبي ﴿وَ﴾﴾ سئل: أيقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أتكون صلاة بغير قراءة ، وهذان الخبران نقلتهما من تعليق الشيخ أبي حامد الاسفرايني . حجة الأصم قوله عليه الصلاة والسلام : صلوا كما رأيتموني أصلي ، جعل الصلاة من الأشياء المرئية ، والقراءة ليست بمرئية ، فوجب كونها خارجة عن الصلاة ، والجواب أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم. 1 المسئلة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة ، فان ترك منها حرفاً واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته ، وبه قال الأكثرون ، وقال أبو حنيفة لا تجب قراءة الفاتحة . لنا وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله تعالى ( واتبعوه ) ولقوله ( ليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ولقوله تعالى ( فاتبعوني يحببكم الله) ويا للعجب من أبي حنيفة أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد ، وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﴿3﴾ أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه ، في أنه عليه الصلاة والسلام مسح ١٩٥ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة على الناصية ، فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة ، وههنا نقل أهل العلم نقلا متواتراً أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها ، وهذا من العجائب. الحجة الثانية : قوله تعالى ( أقيموا الصلاة ) والصلاة لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها المعهود السابق ، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا يأتي بها : وإذا كان كذلك كان قوله ( أقيموا الصلاة ) الأعمال التي كان رسول الله جارياً مجرى قوله : ( أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول ، والتي أتى بها الرسول عليه الصلاة والسلام هي الصلاة المشتملة على الفاتحة ، فيكون قوله ( أقيموا الصلاة ) أمرا بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب ، ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن أكثر من مائة مرة فكان ذلك دليلاً قاطعاً على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول عمرهم ، ويدل عليه أيضاً ما روى في الصحيحين أن النبي ﴿وَ﴾﴾ وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وإذا ثبت هذا وجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، والعجب من أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تمسك في مسئلة طلاق الفار بأثر عثمان مع أن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير كانا يخالفانه ونص القرآن أيضاً يوجب عدم الارث ، فلم لم يتمسك بعمل كل الصحابة على سبيل الاطباق والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة مع أن هذا القول على وفق القرآن والأخبار والمعقول؟ الحجة الرابعة : أن الأمة وان اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا لكنهم اتفقوا عليه في العمل ، فانك لا ترى أحداً من المسلمين في المشرق والمغرب إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركاً سبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله ( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) فان قالوا إن الذين اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها قرءوها لا على اعتقاد الوجوب ، بل على اعتقاد الندبية فلم يحصل الاجماع على وجوب قراءتها ، فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ، ونحن قد بينا إطباق الكل على الإِتيان بالقراءة ، فمن لم يأت بالقراءة كان تاركاً طريقة المؤمنين في هذا العمل ، فدخل تحت الوعيد ، وهذا القدر يكفينا في الدليل، ولا حاجة بنا في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الاجماع في اعتقاد الوجوب. ١٩٦ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة الحجة الخامسة : الحديث المشهور ، وهو أنه سبحانه وتعالى قال : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى : حمدني عبدي ، إلى آخر الحديث ، وجه الاستدلال أنه تعالى حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ثم بين أن هذا التنصيف لم يحصل إلا بسبب آيات هذه السورة فنقول : الصلاة لا تنفك عن هذا التنصيف ، وهذا التنصيف لا يحصل إلا بسبب هذه السورة ، ولازم اللازم لازم ، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة ، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة . الحجة السادسة : قوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة ، وذلك غير ممكن ، فلا بد من صرفه إلى حكم من أحكام الصلاة ، وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى الكمال ، والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة وإنما دخل على حصولها للرجل ، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ، وخروجه عن عهدة للتكليف بسببها ، وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء النفي على ظاهره . الثاني : من اعتقد أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة فعند عدم قراءة الفاتحة لا توجد ماهية الصلاة لأن الماهية يمتنع حصولها حال عدم بعض أجزائها ، وإذا ثبت هذا فقولهم إنه لا يمكن إدخال حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزأ من الصلاة ، وهذا هو أول المسئلة ، فثبت أن على قولنا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره. الثالث : هب أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره ، إلا أنهم أجمعوا على أنه متى تعذر العمل بالحقيقة وحصل للحقيقة مجازان أحدهما أقرب إلى الحقيقة والثاني أبعد فانه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب ، إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا یکون صحيحاً أتم من المشابهة بین المعدوم وبین الموجود الذی یکون صحیحاً لكنه لا یکون كاملاً ، فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى. الوجه الرابع : أن الحمل على نفي الصحة أولى لوجوه : أحدها : أن الأصل إبقاء ما كان على ما كان ، والثاني : أن جانب الحرمة راجح ، والثالث : أن هذا أحوط. الحجة السابعة : عن أبي هريرة عن النبي ﴿983﴾ أنه قال : كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، غير تمام ، قالوا : الخداج هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز ، قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ؛ لأن التكليف بالصلاة قائم ، والأصل في الثابت البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال ، فعند الإتيان بها على سبيل ١٩٧ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة النقصان وجب أن لا نخرج عن العهدة ، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح ، قال : لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب أن لا يفيد هذا القضاء الخروج عن العهدة ، وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام في هذا المقام. الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في تعليقه عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي ﴾ قال : لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب . هريرة رضي الله عنه أن النبي ﴿ والحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك أن رجلا دخل المسجد وصلى ، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إذا توجهت إلى القبلة فكبر ، واقرأ بفاتحة الكتاب ، وجه الدليل أن هذا أمر ، وجب والأمر للوجوب ، وأيضاً الرجل قال : علمني الصلاة ، فكل ما ذكره الرسول أن يكون من الصلاة ، فلما ذكر قراءة الفاتحة وجب أن تكون قراءة الفاتحة جزأ من أجزاء الصلاة . الحجة العاشرة : روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها ، قالوا : نعم ، قال : فما تقرؤن في صلاتكم؟ قالوا الحمد لله رب العالمين ، فقال : هي هي ، وجه الدليل أنه عليه الصلاة والسلام لما قال: ما تقرؤن في صلاتكم فقالوا الحمد لله ، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عند الصحابة أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة ، فكان هذا إجماعاً معلوماً عندهم. الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وجه الدليل أن قوله فاقرؤا أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة ، أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول يقتضي أن تكون الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، والثاني يقتضي أن تكون قراءة غير الفاتحة واجبة علينا ، وهو باطل بالإجماع ، والثالث يقتضى أن يكون المكلف مخيراً بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها ، وذلك باطل بالاجماع ، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها ، وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص ، والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز. واعلم أنه تعالى إنما سمي قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل ، وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا ١٩٨ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة تکون ، وحينئذ لا تكون متيسرة للكل. الحجة الثانية عشرة : الأمر بالصلاة كان ثابتاً ، والأصل في الثابت البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بها للصلاة المشتملة على قراءة الفاتحة ، لأن الأخبار دالة على أن سورة الفاتحة أفضل من سائر السور ، ولأن المسلمين أطبقوا على أن الصلاة مع قراءة هذه السورة أكمل من الصلاة الخالية عن قراءة هذه السورة ، فعند عدم قراءة هذه السورة وجب البقاء على الأصل. الحجة الثالثة عشرة : قراءة الفاتحة توجب الخروج عن العهدة باليقين ، فكانت أحوط فوجب القول بوجوبها للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وأما المعقول فهو أنه يفيد دفع ضرر الخوف عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس واجب ؛ فان قالوا فلو اعتقدنا الوجوب لاحتمل كوننا مخطئين فيه ، فيبقى الخوف، قلت : إعتقاد الوجوب يورث الخوف المحتمل ، وإعتقاد عدم الوجوب يورثه أيضاً فيتقابل هذان الضرران ، وأما في العمل فإن القراءة لا توجب الخوف ، أما تركه فيفيد الخوف، فثبت أن الأحوط هو العمل. الحجة الرابعة عشرة : لو كانت الصلاة بغير الفاتحة جائزة وكانت الصلاة بالفاتحة جائزة لما كانت الصلاة بالفاتحة أولى ؛ لأن المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز ، لكنهم أجمعوا على أن الصلاة بهذه السورة أولى ، فثبت أن الصلاة بغير هذه السورة غير جائزة . الحجة الخامسة عشرة : أجمعنا على أنه لا يجوز إبدال الركوع والسجود بغيرهما ، فوجب أن لا يجوز إبدال قراءة الفاتحة بغيرها ، والجامع رعاية الاحتياط . الحجة السادسة عشرة : الأصل بقاء التكليف، فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة تقتضي الخروج عن العهدة ، أما أن يعرف بالنص أو القياس ، أما الأول فباطل ، لأن النص الذي يتمسكون به هو قوله تعالى ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وقد بينا أنه دليلنا ، وأما القياس فباطل ، لأن التعبدات غالبة على الصلاة ، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس. الحجة السابعة عشرة : لما ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام واظب على القراءة طول عمره فحينئذ تكون قراءة غير الفاتحة ابتداعاً وتركاً للاتباع وذلك حرام لقوله عليه الصلاة والسلام اتبعوا ولا تبتدعوا ، ولقوله عليه الصلاة والسلام ، وأحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها. ١٩٩ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة الحجة الثامنة عشرة : الصلاة مع الفاتحة وبدون الفاتحة إما أن يتساويا في الفضيلة أو الصلاة مع الفاتحة أفضل ، والأول باطل بالاجماع ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على الصلاة بالفاتحة ، فتعين الثاني ، فنقول : الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير جابر فوجب أن لا يجوز المصير اليه ، لأنه قبيح في العرف فيكون قبيحاً في الشرع . واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدى عن أبي هريرة أنه قال: أمرني رسول الله ﴿مَاي" أن أخرج ، وأنادي : لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب . والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا ، وذلك لأن قوله ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة ، أو غير الفاتحة أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها ، والأول يقتضى أن يكون الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، والثاني يقتضى أن يكون قراءة غير الفاتحة واجبة بعينها ، وهو باطل بالإجماع والثالث يقتضى أن يكون المكلف مخيراً بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها ، وذلك باطل بالاجماع ؛ لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها ، وسلم أبو حنيفة أن . الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز. واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين ، فهي متيسرة للكل ، وأما سائر السور فقع تكون محفوظة وقد لا تکون، وحينئذ لا تكون متيسرة للکل. وعن الثاني أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة أنه قال: أمرني رسول الله ﴿وَلا﴾ أن أخرج وأنادي : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وأيضاً لم لا يجوز أن يقال : المراد من قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب هو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى؟ وإذا ثبت التعارض فالترجيح معنا ؛ لأنه أحوط ، ولأنه أفضل ، والله أعلم. المسئلة الثالثة : لما كان قول أبي حنيفة وأصحابه أن قراءة الفاتحة غير واجبة لا جرم اختلفوا في مقدار القراءة ، فقال أبو حنيفة : إذا قرأ آية واحدة كفت ، مثل قوله ألم ، وحم والطور ، ومدهامتان ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا بد من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين . ٢٠٠ المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة المسئلة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : بسم الله الرحمن الرحيم آية من أول سورة الفاتحة ، وتجب قراءتها مع الفاتحة ، وقال مالك والأوزاعي رضي الله تعالى عنهما : إنه ليس من القرآن إلا في سورة النمل ، ولا يقرأ لا سراً ولا جهراً إلا في قيام شهر رمضان فانه يقرؤها وأما أبو حنيفة فلم ينص عليه ، وإنما قال : يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بها ، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا ، قال يعلى : سألت محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال : ما بين الدفتين قرآن ، قال : قلت : فلم تسره ؟ قال : فلم يجبني ، وقال الكرخي لا أعرف هذه المسئلة بعينها لمتقدمي أصحابنا ، إلا أن أمرهم باخفائها يدل على أنها ليست من السورة ، وقال بعض فقهاء الحنفية : تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسئلة لأن الخوض في إثبات أن التسمية من القرآن أو ليست منه أمر عظيم ، فالأولى السكوت عنه . وأعلم أن هذه المسئلة تشتمل على ثلاث مسائل ، إحداها : أن هذه المسئلة هل هي مسئلة اجتهادية حتى يجوز الاستدلال فيها بالظواهر وأخبار الآحاد ، أو ليست من المسائل الاجتهادية بل هي من المسائل القطعية . وثانيتها : أن بتقدير أنها من المسائل الاجتهادية فما الحق فيها ؟ ! وثالثتها : الكلام في أنها تقرأ بالإعلان أو بالأسرار ، فلنتكلم في هذه المسائل الثلاث . .. المسئلة الخامسة : في تقرير أن هذه المسئلة ليست من المسائل القطعية ، وزعم القاضي أبو بكر أنها من المسائل القطعية ، قال : والخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حد التكفير فلا أقل من: التفسيق ، واحتج عليه بأن التسمية لو كانت من القرآن لكان طريق إثباته إما التواتر أو الآحاد. والأول باطل ، لأنه لو ثبت بالتواتر كون التسمية من القرآن لحصل العلم الضروري بأنها من القرآن ، ولو كانت كذلك لامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة . والثاني أيضاً باطل ؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن ، فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز إدعاء الروافض في أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف، وذلك يبطل الإسلام . واعلم أن الشيخ الغزالي عارض القاضي فقال : نفي كون التسمية من القرآن إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف، وإن ثبت بالآحاد فحينئذ يصير القرآن ظنياً ، ثم أورد على نفسه سؤالاً وهو أنه لو قال قائل ((ليس من القرآن عدم)) فلا حاجة في إثبات هذا العدم إلى النقل ؛ لأن الأصل هو العدم ، وأما قولنا ( إنه قرآن ) فهو ثبوت فلا بد فيه من النقل ، ثم