النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
بقية المباحث عن اسمائه تعالى
وكل واحد من تلك الأقسام يتصل بعضو معين اتصالا معيناً . ويكون وصول ذلك القسم إلى
ذلك العضو في ممر معين ، إلا أنها لما كثرت ودقت خرجت عن ضبط العقل ، فثبت أن تلك
العشرة آلاف تنبه العقل على أن أقسام حكمة الله تعالى في تخليق هذا البدن خارج عن التعديد
والتحديد والاحصاء والاستقصاء كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فكل من
وقف على نوع آخر من أنواع تلك الحكمة فقد وصل إلى معرفة اسم آخر من أسماء الله تعالى ،
ولما كان لا نهاية لمراتب حكمة الله تعالى ورحمته فكذلك لا نهاية لأسمائه الحسنى ولصفاته
العليا ، وذكر جالينوس في كتاب منافع الأعضاء أنه لما صنف ذلك الكتاب لم يكتب فيه منافع
مجمع النور . قال : وإنما تركت كتابتها ضنة بها لشرفها ، فرأيت في بعض الليالي كأن ملكاً نزل
من السماء وقال : جالينوس ، إن إلهك يقول : لم أخفيت حكمتي عن عبادي قال : فلما
انتهيت صنفت في هذا المعنى كتاباً مفرداً ، وبالغت في شرحه ، فثبت بما ذكرنا أنه لا نهاية
لأسماء الله الحسنى.
المسئلة الرابعة : إنا نرى في كتب الطلسمات والعزائم أذكاراً غير معلومة ورقى غير
مفهومة وكما أن تلك الألفاظ غير معلومة فقد تكون الكتابة غير معلومة ، وأقول : لا شك أن
الكتابة دالة على الألفاظ ، ولا شك أن الألفاظ دالة على الصور الذهنية فتلك الرقى إن لم يكن
فيها دلالة على شىء أصلاً لم يكن فيها فائدة . وان كانت دالة على شيء فدلالتها إما أن تكون
على صفات الله ونعوت كبريائه ، وإما أن تكون دالة على شيء آخر : أما الثاني فإِنه لا يفيد ؛
لأن ذكر غير الله لا يفيد لا الترغيب ولا الترهيب ، فبقي أن يقال : إنها دالة على ذكر الله
وصفات المدح والثناء ، فنقول : ولما كانت أقسام ذكر الله مضبوطة ولا يمكن الزيادة عليها كان
أحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون من جنس هذه الأدعية ، وأما الاختلاف الحاصل بسبب
اختلاف اللغات فقليل الأثر ، فوجب أن تكون هذه الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة
تلك المجهولات ، لكن لقائل أن يقول : إن نفوس أكثر الخلق ناقصة قاصرة ، فإِذا قرؤا هذه
الأذكار المعلومة وفهموا ظواهرها وليست لهم نفوس قوية مشرقة إلهية لم يقوتأثرهم عن الإلهيات
ولم تتجرد نفوسهم عن هذه الجسمانيات ، فلا تحصل لنفوسهم قوة وقدرة على التأثير ، أما إذا
قرؤا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية
استولى الخوف والفزع والرعب على نفوسهم فحصل لهم بهذا السبب نوع من التجرد عن عالم
الجسم ، وتوجه إلى عالم القدس ، وحصل بهذا السبب لنفوسهم مزيد قوة وقدرة على التأثير ،
فهذا ما عندي في قراءة هذه الرقى المجهولة.
المسئلة الخامسة : إن بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة ، والعاقل لا بد
الفخر الرازي ج ١ م ١١

١٦٢
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
وأن يعتبر تلك المناسبات حتى ينتفع بالذكر؛ والكلام في شرح هذا الباب مبني على مقدمة عقلية
وهي أنه ثبت عندنا أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالجوهر والماهية ، فبعضها إلهية مشرقة
حرة كريمة ، وبعضها سفلية ظلمانية نذلة خسيسة ، وبعضها رحيمة عظيمة الرحمة ، وبعضها
قاسية قاهرة ، وبعضها قليلة الحب لهذه الجسمانيات قليلة الميل اليها ، وبعضها محبة للرياسة
والاستعلاء ، ومن اعتبر أحوال الخلق علم أن الأمر كما ذكرناه ثم إنا نرى هذه الأحوال لازمة
لجواهر النفوس ، وإن كل من راعى أحوال نفسه علم أن له منهجاً معيناً وطريقاً مبيناً في
الإرادة والكراهة والرغبة والرهبة ، وأن الرياضة والمجاهدة لا تقلب النفوس عن أحوالها
الأصلية ومناهجها الطبيعية ، وإنما تأثير الرياضة في أن تضعف تلك الأخلاق ولا تستولي على
الإِنسان ، فاما أن ينقلب من صفة أخرى فذلك محال ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة
والسلام ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)) وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((الأرواح
جنود مجندة)) إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم ، فكل اسم من أسماء الله تعالى دال
على معنى معين ، فكل نفس غلب عليها ذلك المعنى كانت تلك النفس شديدة المناسبة لذلك
الاسم ، فاذا واظب على ذكر ذلك الاسم انتفع به سريعاً ، وسمعت أن الشيخ أبا النجيب
البغدادي السهر وردي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يراه من المصلحة ، ثم
كان يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين وكان ينظر إلى وجهه فان رآه عديم التأثر عند قراءتها
عليه قال له اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فانك ما خلقت لهذا الطريق ، وإن رآه
متأثراً عند سماع اسم خاص مزيد التأثر أمره بالمواظبة على ذلك الذكر ، وأقول : هذا هو
المعقول ، فانه لما كانت النفوس مختلفة كان كل واحد منها مناسباً لحالة مخصوصة ، فاذا
اشتغلت تلك النفس بتلك الحالة التي تناسبها كان خروجها من القوة إلى الفعل سهلا هيناً
يسيراً ، وليكن هذا آخر كلامنا في البحث عن مطلق الأسماء ، والله الهادي.
الباب التاسع
في المباحث المتعلقة بقولنا (( الله)) وفيه مسائل
المسئلة الأولى : المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم علم الله تعالى ، وأنه ليس بمشتق
البتة ، وهو قول الخليل وسيبويه ، وقول أكثر الأصوليين والفقهاء ، ويدل عليه وجوه ،
وحجج : -

١٦٣
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
الحجة الأولى : أنه لو كان لفظاً مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من
وقوع الشركة فيه لأن اللفظ المشتق لا يفيد إلا أنه شيء ما مبهم حصل له ذلك المشتق منه وهذا
المفهوم لا يمنع من وقوع الشركة فيه بين كثيرين ، فثبت أن هذا اللفظ لو كان مشتقاً لم يمنع
وقوع الشركة فيه بين كثيرين، ولو كان كذلك لما كان قولنا ((لا إله إلا الله)) توحيداً حقاً مانعاً
من وقوع الشركة فيه بين كثيرين؛ لان بتقدير أن يكون الله لفظاً مشتقاً كان قولنا ((الله)) غير
مانع من أن يدخل تحته أشخاص كثيرة ، وحينئذ لا يكون قولنا ((لا إله إلا الله)) موجباً للتوحيد
المحض ، وحيث أجمع العقلاء على أن قولنا (( لا إله إلا الله)) يوجب التوحيد المحض علمنا أن
قولنا ((الله)) اسم علم موضوع لتلك الذات المعينة ، وأنها ليست من الألفاظ المشتقة.
الحجة الثانية : أن من أراد أن يذكر ذاتاً معينة ثم يذكره بالصفات فإنه یذکر إسمه أولا
ثم يذكر عقيب الاسم الصفات ، مثل أن يقول : زيد الفقيه النحوي الأصولي ، إذا عرفت
هذا فنقول : إن كل من أراد أن يذكر الله تعالى بالصفات المقدسة فإِنه يذكر أولا لفظة الله ثم
يذكر عقيبه صفات المدائح مثل أن يقول : الله العالم القادر الحكيم ، ولا يعكسون هذا فلا
يقولون: العالم القادر الله، وذلك يدل على أن قولنا ((الله)) اسم علم.
( فان قيل ) : أليس أنه تعالى قال في أول سورة إبراهيم ( العزيز الحميد الله الذي له ما
في السموات وما في الأرض)؟ (قلنا): ههنا قراءتان منهم من قرأ الله بالرفع ، وحينئذ يزول
السؤال ، لأنه لما جعله مبتدأ فقد أخرجه عن جعله صفة لما قبله ، وأما من قرأ بالجر فهو نظير
لقولنا : هذه الدار ملك للفاضل العالم زيد وليس المراد أنه جعل قوله زيد صفة للعالم
الفاضل ، بل المعنى أنه لما قال هذه الدار ملك للعالم الفاضل بقي الإشتباه في أنه من ذلك
العالم الفاضل؟ فقيل عقيبه زيد، ليصير هذا مزيلاً لذلك الإشتباه ، ولما لم يلزم ههنا أن يقال
اسم العلم صار صفة فكذلك في هذه الآية.
الحجة الثالثة : قال تعالى : ( هل تعلم له سميا) وليس المراد من الاسم في هذه الآية
الصفة وإلا لكذب قوله ( هل تعلم له سميا) فوجب أن يكون المراد اسم العلم ، فكل من
أثبت لله اسم علم قال ليس ذاك إلا قولنا الله .
وإحتج القائلون بأنه ليس اسم علم بوجوه وحجج : -
الحجة الأولى : قوله تعالى ( وهو الله في السموات ) وقوله ( هو الله الذي لا إله إلا هو )
فإِن قوله ((الله)) لا بد وأن يكون صفة ، ولا يجوز أن يكون اسم علم ، بدليل أنه لا يجوز أن
يقال : هو زيد في البلد، وهو بكر ، ويجوز أن يقال : هو العالم الزاهد في البلد ، وبهذا

١٦٤
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
الطريق يعترض على قول النحويين : إن الضمير لا يقع موصوفاً ولا صفة ، وإذا ثبت كونه
صفة إمتنع أن يكون اسم علم.
الحجة الثانية : أن اسم العلم قائم مقام الإشارة ، فلما كانت الإشارة ممتنعة في حق
الله تعالى كان اسم العلم ممتنعا فى حقه .
الحجة الثالثة : أن اسم العلم إنما يصار إليه لیتمیز شخص عن شخص آخر يشبهه في
الحقيقة والماهية ، وإذا كان هذا في حق الله ممتنعاً كان القول بإثبات الاسم العلم مجالا في حقه ؛
والجواب عن الأول لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى أن يقال : هذا زيد الذي لا
نظير له في العلم والزهد؟ والجواب عن الثاني أن الاسم العلم هو الذي وضع لتعيين الذات
المعينة ، ولا حاجة فيه إلى كون ذلك المسمى مشاراً إليه بالحس أم لا ، وهذا هو الجواب عن
الحجة الثالثة .
المسئلة الثانية : الذين قالوا : إنه اسم مشتق ذكروا فيه فروعاً : -
الفرع الأول : أن الإله هو المعبود ، سواء عبد بحق أو بباطل ، ثم غلب في عرفُ
الشرع على المعبود بالحق ، وعلى هذا التفسير لا يكون إلهاً في الأزل.
واعلم أنه تعالى هو المستحق للعبادة ، وذلك لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها
وفروعها ، وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والواجب واحد وهو الله تعالى ، وما سواه
مكن ، والممكن لا يوجب إلا بالمرجح ، فكل الممكنات إنما وجدت بإيجاده وتكوينه إما إبتداء
وأما بواسطة ، فجميع ما حصل للعبد من أقسام النعم لم يحصل إلا من الله ، فثبت أن غاية
الأنعام صادرة من الله والعبادة غاية التعظيم فإذا ثبت هذا فنقول : إن غاية التعظيم لا يليق إلا
لمن صدرت عنه غاية الإنعام فثبت أن المستحق للعبودية ليس إلا الله تعالى.
الفرع الثاني : أن من الناس من يعبد الله لطلب الثواب وهو جهل وسخف، ويدل
عليه وجوه : الأول : أن من عبد الله ليتوصل بعبادته إلى شيء آخر كان المعبود في الحقيقة هو
ذلك الشيء ، فمن عبد الله لطلب الثواب كان معبوده في الحقيقة هو الثواب ، وكان الله تعالى
وسيلة إلى الوصول إلى ذلك المعبود ، وهذا جهل عظيم . الثاني : أنه لو قال : أصلي لطلب
الثواب أو للخوف من العقاب ، لم تصح صلاته . الثالث : أن من عمل عملا لغرض آخر
كان بحيث لو وجد ذلك الغرض بطريق آخر لترك الواسطة ، فمن عبد الله للأجر والثواب كان
بحيث لو وجد الأجر والثواب بطريق آخر لم يعبد الله ، ومن كان كذلك لم يكن محباً لله ولم

١٦٥
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
يكن راغباً في عبادة الله ، وكل ذلك جهل ، ومن الناس من يعبد الله لغرض أعلى من الأول ،
وهو أن يتشرف بخدمة الله ، لأنه إذا شرع في الصلاة حصلت النية في القلب ، وتلك النية عبارة
عن العلم بعزة الربوبية وذلة العبودية ، وحصل الذكر في اللسان ، وحصلت الخدمة في
الجوارح والأعضاء فيتشرف كل جزء من أجزاء العبد بخدمة الله ، فمقصود العبد حصول هذا
الشرف.
الفرع الثالث : من الناس من طعن في قول من يقول : الإِله هو المعبود من وجوه :
الأول : أن الأوثان عبدت مع أنها ليست آلهة . الثاني : أنه تعالى إله الجمادات والبهائم ، مع
أن صدور العبادة منها محال . الثالث : أنه تعالى إله المجانين والأطفال ، مع أنه لا تصدر
العبادة عنها . الرابع : أن المعبود ليس له بكونه معبوداً صفة ؛ لأنه لا معنى لكونه معبوداً إلا
أنه مذكور بذكر ذلك الإنسان ، ومعلوم بعلمه ، ومراد خدمته بارادته ، وعلى هذا التقدير فلا
تكون الإلهية صفة لله تعالى . الخامس : يلزم أن يقال : إنه تعالى ما كان إلهاً في الأزل.
الفرع الرابع : من الناس من قال : الإله ليس عبارة عن المعبود ، بل الإِله هو الذي
يستحق أن يكون معبوداً ، وهذا القول أيضاً يرد عليه أن لا يكون إلهاً للجمادات والبهائم
والأطفال والمجانين ، وأن لا يكون إلهاً في الأزل ، ومنهم من قال : إنه القادر على أفعال لو
. فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور العبادة عنه ، واعلم أنا إن فسرنا الإله بالتفسيرين
· الأولين لم يكن إلهاً في الأزل ، ولو فسرناه بالتفسير الثالث كان إلهاً في الأزل.
التفسير الثاني : الإله مشتق من ألهت إلى فلان ، أي : سكنت اليه ، فالعقول لا
تسكن إلا إلى ذكره والأرواح لا تعرج إلا بمعرفته ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الكمال
محبوب لذاته ، وما سوى الحق فهو ناقص لذاته ؛ لأن الممكن من حيث هو هو معدوم ، والعدم
أصل النقصان والناقص بذاته لا يكمل إلا بتكميل الكامل بذاته ، فاذا كان الكامل محبوباً
لذاته وثبت أن الحق كامل لذاته وجب كونه محبوباً لذاته . الثاني : أن كل ما سواه فهو ممكن
لذاته ، والممكن لذاته لا يقف عند نفسه ، بل يبقى متعلقاً بغيره ، لأنه لا يوجد إلا بوجود
غيره ، فعلى هذا كل ممكن فانه لا يقف عند نفسه بل ما لم يتعلق بالواجب لذاته لم يوجد ، وإذا
كان الأمر كذلك في الوجود الخارجي وجب أن يكون كذلك في الوجود العقلي ، فالعقول مترقبة
إلى عتبة رحمته والخواطر متمسكة بذيل فضله وكرمه ، وهذان الوجهان عليهما التعويل في تفسير
قوله تعالى ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
التفسير الثالث : أنه مشتق من الوله ، وهو ذهاب العقل . واعلم أن الخلق قسمان :

١٦٦
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
واصلون إلى ساحل بحر معرفته ، ومحرومون ، فالمحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه
الجهالة فكأنهم فقدوا عقولهم وأرواحهم ، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة
الكبرياء والجلال ، فتاهوا في ميادين الصمدية ، وبادوا في عرصة الفردانية ، فثبت أن الخلق
كلهم والهون في معرفته ، فلا جرم كان الإله الحق للخلق هو هو ، وبعبارة أخرى وهي أن
الأرواح البشرية تسابقت في ميادين التوحيد والتمجيد فبعضها تخلفت وبعضها سبقت فالتي
تخلفت بقيت في ظلمات الغبار والتي سبقت وصلت إلى عالم الأنوار ، فالأولون بادوا في أودية
الظلمات ، والآخرون طاشوا في أنوار عالم الكرامات .
التفسير الرابع : أنه مشتق من لاة إذا ارتفع ، والحق سبحانه وتعالى هو المرتفع عن
مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات ؛ لأن الواجب لذاته ليس إلا هو ، والكامل لذاته ليس إلا
هو، والأحد الحق في هويته ليس إلا هو، والموجد لكل ما سواه ليس إلا هو، وأيضاً فهو تعالى
مرتفع عن أن يقال : إن ارتفاعه بحسب المكان ، لأن كل ارتفاع حصل بسبب المكان فهو
للمكان بالذات وللمتمكن بالعرض ؛ لأجل حصوله في ذلك المكان ، وما بالذات أشرف مما
بالغير ، فلو كان هذا الارتفاع بسبب المكان لكان ذلك المكان أعلى وأشرف من ذات الرحمن ،
ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه سبحانه وتعالى أعلى من أن يكون علوه بسبب المكان ، وأشرف
من أن ينسب إلى شيء مما حصل في عالم الإمكان .
التفسير الخامس : من أله في الشيء إذا تحير فيه ولم يهتد اليه ، فالعبد إذا تفكر فيه
تحير ؛ لأن كل ما يتخيله الإنسان ويتصوره فهو بخلافه ، فان أنكر العقل وجوده كذبته نفسه ؛
لأن كل ما سواه فهو محتاج ، وحصول المحتاج بدون المحتاج اليه محال ، وان أشار الى شيء
يضبطه الحس والخيال وقال إنه هو كذبته نفسه أيضاً ؛ لأن كل ما يضبطه الحس والخيال
فأمارات الحدوث ظاهرة فيه ، فلم يبق في يد العقل إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الإعتراف
بالعجز عن الإدراك ، فههنا العجز عن درك الإدراك إدراك ، ولا شك أن هذا موقف عجيب
تتحير العقول فيه وتضطرب الالباب في حواشيه.
التفسير السادس : من لاه يلوه إذا احتجب ، ومعنى كونه محتجباً من وجوه : الأول :
أنه بكنه صمديته محتجب عن العقول . الثاني : أن لو قدرنا أن الشمس كانت واقفة في وسط
الفلك غير متحركة كانت الأنوار باقية على الجدران غير زائلة عنها ، فحينئذ كان يخطر بالبال
أن هذه الأنوار الواقعة على هذه الجدران ذاتية لها ، إلا لما شاهدنا أن الشمس تغيب وعند
غيبتها تزول هذه الأنوار عن هذه الجدران فبهذا الطريق علمنا أن هذه الأنوار فائضة عن قرص
الشمس ، فكذا ههنا الوجود الواصل إلى جميع عالم المخلوقات من جناب قدرة الله تعالى كالنور

١٦٧
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
الواصل من قرص الشمس : فلو قدرنا انه كان يصح على الله تعالى الطلوع والغروب والغيبة
والحضور لكان عند غروبه يزول ضوء الوجود عن الممكنات ، فحينئذ كان يظهر أن نور الوجود
منه ، لكنه لما كان الغروب والطلوع عليه محالا لا جرم خطر ببال بعض الناقصين أن هذه
الأشياء موجودة بذواتها ولذواتها ، فثبت أنه لا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال نوره ، فلهذا
قال بعض المحققين : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال
نوره وإذا كان كذلك ظهر أن حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول ، ولا يجوز أن يقال :
محجوبة لأن المحجوب مقهور ، والمقهور يليق بالعبد ، أما الحق فقاهر ، وصفة الإحتجاب
صفة القهر فالحق محتجب ، والخلق محجوبون .
التفسير السابع : إشتقاقه من أله الفصيل إذا ولع بأمه ، والمعنى أن العباد مولهون
مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال ، ويدل عليه أمور : ( الأول ) : أن الإنسان إذا وقع في
بلاء عظيم وآفة قوية فهنالك ينسى كل شيء إلا الله تعالى ، فيقول بقلبه ولسانه : يا رب ، يا
رب ، فاذا تخلص عن ذلك البلاء وعاد إلى منازل الآلاء والنعماء أخذ يضيف ذلك الخلاص إلى
الأسباب الضعيفة والأحوال الخسيسة ، وهذا فعل متناقض ، لأنه إن كان المخلص عن الآفات
والموصل إلى الخيرات غير الله وجب الرجوع في وقت نزول البلاء إلى غير الله، وإن كان مصلح
المهمات هو الله تعالى في وقت البلاء وجب أن يكون الحال كذلك في سائر الأوقات ، وأما الفزع
إليه عند الضرورات والإعراض عنه عند الراحات فلا يليق بأرباب الهدايات ، والثاني : أن
الخير والراحة مطلوب من الله ، والثالث : أن المحسن في الظاهر أما الله أو غيره ، فإن كان
غيره فذلك الغير لا يحسن إلا إذا خلق الله في قلبه داعية الإحسان ، فالحق سبحانه وتعالى هو
المحسن في الحقيقة ، والمحسن مرجوع إليه في كل الأوقات ، والخلق مشغوفون بالرجوع إليه.
شكا بعض المريدين من كثرة الوسواس ، فقال الأستاذ : كنت حداداً عشرسنين ،
وقصاراً عشرة أخرى ، وبواباً عشرة ثالثة ، فقالوا : ما رأيناك فعلت ذلك ، قال : فعلت
ولكنكم ما رأيتم ، أما عرفتم أن القلب كالحديد؟ فكنت كالحداد ألينه بنار الخوف عشر
سنين ، ثم بعد ذلك شرعت في غسله عن الأوضار والأقذار عشرسنين ، ثم بعد هذه الأحوال
جلست على باب حجرة القلب عشرة أخرى سالا سيف ((لا إله إلا الله)) فلم أزل حتى يخرج
منه حب غير الله ، ولم أزل حتى يدخل فيه حب الله تعالى ، فلما خلت عرصة القلب عن غير
الله تعالى وقويت فيه محبة الله سقطت من بحارعالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب في تلك
القطرة، وفني عن الكل، ولم يبق فيه إلا محض سر (( لا إله إلا الله)).
التفسير الثامن: أن إشتقاق لفظ ((الإله)) من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به

١٦٨
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
فألهه أي أجاره ، والمجير لكل الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه وتعالى ، لقوله تعالى ( وهو
يجير ولا يجار عليه) ولأنه هو المنعم لقوله تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ) ولأنه هو المطعم،
لقوله تعالى ( وهو يطعم ولا يطعم ) ولأنه هو الموجد لقوله تعالى ( قل كل من عند الله) فهو،
سبحانه وتعالى قهار للعدم بالوجود والتحصيل ، جبار لها بالقوة والفعل والتكميل ، فكان في
الحقيقة هو الله ولا شيء سواه.
وههنا لطائف وفوائد: الفائدة الأولى: عادة المدیون أنه إذا رأی صاحب الدين من البعد
فإِنه يفر منه ، والله الكريم يقول : عبادي : أنتم غرمائي بكثرة ذنوبكم ، ولكن لا تفروا
مني ، بل أقول ( ففروا إلى الله ) فإني أنا الذي أقضى ديونكم وأغفر ذنوبكم ، وأيضاً الملوك
يغلقون أبوابهم عن الفقراء دون الأغنياء ، وأنا أفعل ضد ذلك.
الفائدة الثانية : قال ﴿وَ﴾: إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بین الجن
والإنس والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون ، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها
﴾ إنما ذكر هذا الكلام على سبيل التفهيم ، وإلا فبحار
عباده يوم القيامة ، وأقول : إنه ﴿
الرحمة غير متناهية فكيف يعقل تحديدها بحد معين.
﴾ : إن الله عز وجل يقول يوم القيامة للمذنبين: هل أحببتم
الفائدة الثالثة : قال ـ
لقائي؟ فيقولون : نعم يا رب ، فيقول الله تعالى: ولم؟ فيقولون : رجونا عفوك وفضلك،
فيقول الله تعالى : إني قد أوجبت لكم مغفرتي :
﴾ : إن الله عز وجل ينشر
الفائدة الرابعة : قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله
على بعض عباده يوم القيامة تسعة وتسعين سجلا كل واحد منها مثل مد البصر فيقول له : هل
تنكر من هذا شيئاً؟ هل ظلمك الكرام الكاتبون ؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول الله تعالى: فهل
كان لك عذر في عمل هذه الذنوب؟ فيقول : لا يا رب ، فيضع ذلك العبد قلبه على النار
فيقول الله تعالى: أن لك عندي حسنة وإنه لا ظلم اليوم، ثم يخرج بطاقة فيها ((أشهد أن لا
إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)) فيقول العبد: يا رب ، كيف تقع هذه البطاقة في
مقابلة هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة أخرى ، فطاشت السجلات
وثقلت البطاقة ولا يثقل مع ذكر الله شيء .
الفائدة الخامسة : وقف صبي في بعض الغزوات ینادی علیه في من یزید ٢ في يوم صائف
شديد الحر ، فبصرت به إمرأة فعدت إلى الصبي وأخذته وألصقته إلى بطنها ، ثم ألقت ظهرها
على البطحاء وأجلسته على بطنها تقيه الحر ، وقالت : ابني ، ابني ، فبكى الناس وتركوا ماهم

١٦٩
المباحث المتعلقة بقولنا ((الله))
﴾ حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر ، فقال : أعجبتم من رحمة هذا
فيه فأقبل رسول الله
بابنها فإن الله تعالى أرحم بكم جميعاً من هذه المرأة بابنها ، فتفرق المسلمون على أعظم أنواع
الفرح والبشارة .
المسئلة الثالثة : في كيفة اشتقاق هذه اللفظة بحسب اللغة ، قال بعضهم هذه اللفظة
ليست عربية ، بل عبرانية أو سريانية ، فانهم يقولون إلهاً رحمانا ومرحيانا ، فلما عرب جعل
((الله الرحمن الرحيم)) وهذا بعيد ، ولا يلزم من المشابهة الحاصلة بين اللغتين الطعن في كون
هذه اللفظة عربية أصلية ، والدليل عليه قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات
والأرضٍ ليقولن الله) وقال تعالى: ( هل تعلم له سميا) وأطبقوا على أن المراد منه لفظة
((الله)) وأما الأكثرون فقد سلموا كونها لفظة عربية ، أما القائلون بأن هذا اللفظ اسم علم الله
تعالى فقد تخلصوا عن هذه المباحث ، وأما المنكرون لذلك فلهم قولان : قال الكوفيون :
أصل هذه اللفظة إلاه ، فأدخلت الألف واللام عليها للتعظيم ، فصار الالاه ، فحذفت الهمزة
استثقالاً، لكثرة جريانها على الألسنة، فاجتمع لامان، فادغمت الأولى فقالوا ((الله)) وقال
البصريون أصله لاه، فألحقوا بها الألف واللام فقيل ((الله)) وأنشدوا : -
يسمعها لاهه الكبار
كحلفة من أبي رباح
فأخرجه على الأصل .
المسئلة الرابعة: قال الخليل: أطبق جميع الخلق على أن قولنا ((الله)) مخصوص بالله
سبحانه وتعالى ، وكذلك قولنا الإله مخصوص به سبحانه وتعالى ، وأما الذين كانوا يطلقون
اسم الإله على غير الله فانما كانوا يذكرونه بالإِضافة كما يقال إله كذا ، أو ينكرونه فيقولون :
إله كما قال الله تعالى خبرا عن قوم موسى ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال انكم قوم تجهلون ) .
المسئلة الخامسة : اعلم أن هذا الاسم مختص بخواص لم توجد في سائر أسماء الله
تعالى، ونحن نشير إليها ( فالخاصة الأولى) أنك إذا حذفت الألف من قولك ((الله)) بقي
الباقي على صورة ((الله)) وهو مختص به سبحانه ، كما في قوله ( ولله جنود السموات والأرض )
ولله خزائن السموات والأرض ) وإن حذفت عن هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة
((له)) كما في قوله تعالى ( له مقاليد السموات والأرض ) وقوله ( له الملك وله الحمد) فان حذفت
اللام الباقية كانت البقية هي قولنا ((هو)) وهو أيضاً يدل عليه سبحانه كما في قوله ( قل هو الله
أحد ) وقوله ( هو الحي لا إله إلا هو) والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع ؛ فانك
تقول: هما ، هم فلا تبقى الواو فيهما، فهذه الخاصية موجودة في لفظ ((الله)) غير موجودة في

١٧٠
البحث المتعلقة بقولنا ((الرحمن الرحيم))
سائر الأسماء ، وكما حصلت هذه الخاصية بحسب اللفظ فقد حصلت أيضاً بحسب المعنى ،
فانك إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة ، وما وصفته بالقهر ، وإذا دعوته بالعليم فقد
وصفته بالعلم ، وما وصفته بالقدرة ، وأما إذا قلت يا الله فقد وصفته بجميع الصفات ؛ لأن
الإله لا يكون إلهاً إلا إذا كان موصوفاً بجميع هذه الصفات ، فثبت أن قولنا الله قد حصلت له
هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر الأسماء .
الخاصية الثانية : أن كلمة الشهادة وهي الكلمة التي بسببها ينتقل الكافر من الكفر إلى
الإِسلام لم يحصل فيها إلا هذا الاسم ، فلو أن الكافر قال : أشهد أن لا إله إلا الرحمن أو إلا
الرحيم ، أو إلا الملك ، أو إلا القدوس لم يخرج من الكفر ولم يدخل في الإسلام ، أما إذا
قال أشهد أن لا إله إلا الله فإنه يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام ، وذلك يدل على
اختصاص هذا الاسم بهذه الخاصية الشريفة ، والله الهادي إلى الصواب.
الباب العاشر
في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم
اعلم أن الأشياء على أربعة أقسام : الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً ، والذي يكون
نافعاً ولا يكون ضرورياً ، والذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً ، والذي لا يكون نافعاً ولا
یکون ضروریاً.
أما القسم الأول - وهو الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً - فاما أن يكون كذلك في الدنيا
فقط، وهو مثل النفس - فانه لو انقطع منك لحظة واحدة حصل الموت ، وإما أن يكون كذلك
في الآخرة ، وهو معرفة الله تعالى ، فانها إن زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب ،
واستوجب عذاب الأبد.
وأما القسم الثاني - وهو الذي یکون نافعاً ولا یکون ضرورياً ۔ فهو كالمال في الدنيا.
وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة.
وأما القسم الثالث - وهو الذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً - فكالمضار التي لا بد منها
في الدنيا : كالأمراض ، والموت ، والفقر ، والهرم ، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة ، فان
منافع الآخرة لا يلزمها شيء من المضمار.

١٧١
البحث المتعلق بقولنا ((الرحمن الرحيم))
وأما القسم الرابع - وهو الذي لا يكون نافعاً ولا ضرورياً - فهو كالفقر في الدنيا
والعذاب في الآخرة .
إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن النفس في الدنيا نافع وضروري فلو انقطع عن
الإِنسان لحظة لمات في الحال ، وكذلك معرفة الله تعالى أمر لا بد منه في الآخرة فلو زالت عن
القلب لحظة لمات القلب لا محالة ، لكن الموت الأول أسهل من الثاني ؛ لأنه لا يتألم في الموت
الأول إلا ساعة واحدة ، وأما الموت الثاني فإنه يبقى ألمه أبد الآباد ، وكما أن التنفس له
أثران : أحدهما : إدخال النسيم الطيب على القلب وإبقاء اعتداله وسلامته ، والثاني :
إخراج الهواء الفاسد الحار المحترق عن القلب ، كذلك الفكر له أثران : أحدهما : إيصال
نسيم الحجة والبرهان إلى القلب وإبقاء إعتدال الإيمان والمعرفة عليه ، والثاني : إخراج الهواء
الفاسد المتولد من الشبهات عن القلب ، وما ذاك إلا بأن يعرف أن هذه المحسوسات متناهية في
مقاديرها منتهية بالآخرة إلى الفناء بعد وجودها ، فمن وقف على هذه الأحوال بقي آمناً من
الآفات واصلاً إلى الخيرات والمسرات ، وكمال هذين الأمرین ینکشفلعقلك بأن تعرف أن كل
ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة الله ، وذرة من أنوار إحسانه ، فعند هذا ينفتح
على قلبك معرفة كون الله تعالى رحماناً رحيماً.
فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس، وبدن
وروح، وجسد .
( أما نفسك ) فلا شك أنها كانت جاهلة في مبدأ الفطرة كما قال تعالى ( والله أخرجكم
من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) ثم
تأمل في مراتب القوى الحساسة والمحركة والمدركة والعاقلة ، وتأمل في مراتب المعقولات وفي
جهاتها ، واعلم أنه لا نهاية لها البتة ، ولو أن العاقل أخذ في اكتساب العلم بالمعقولات وسرى
فيها سريان البرق الخاطف والريح العاصف وبقي في ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين
لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدراً متناهياً ، ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل
إليها أيضاً غير متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي قليل في كثير ، فعند هذا يظهر له أن
الذي قاله الله تعالى في قوله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) حق وصدق .
( وأما بدنك ) فاعلم أنه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة ، فتأمل كيفية تركيبها
وتشريحها ، وتعرف ما في كل واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة
وحينئذ يظهر لك صدق قوله تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وحينئذ ينجلي لك أثر

١٧٢
البحث المتعلق بقولنا ((الرحمن الرحيم))
من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك ، فتفهم شيئاً قليلاً من معنى قوله الرحمن الرحيم .
فإن قيل : فهل لغير الله رحمة أم لا؟ قلنا : الحق أن الرحمة ليست إلا لله ، ثم بتقدير أن
تكون لغير الله رحمة إلا أن رحمة الله أكمل من رحمة غيره ، وههنا مقامان: المقام الأول : في
بيان أنه لا رحمة إلا لله ، فنقول : الذي يدل عليه وجوه : ( الأول ): أن الجود هو إفادة ما
ينبغي لا لعوض ، فكل أحد غير الله فهو إنما يعطي ليأخذ عوضاً ، إلا أن الأعواض أقسام:
منها جسمانية مثل أن يعطي ديناراً ليأخذ كرباساً ، ومنها روحانية وهي أقسام : فأحدها أنه
يعطي المال لطلب الخدمة ، وثانيها يعطي المال لطلب الإعانة ، وثالثها يعطي المال لطلب الثناء
الجميل ، ورابعها يعطي المال لطلب الثواب الجزيل ، وخامسها يعطي المال ليزيل حب المال
عن القلب ، وسادسها يعطي المال لدفع الرقة الجنسية عن قلبه ، وكل هذه الأقسام أعواض
روحانية ، وبالجملة فكل من أعطى فإنما يعطي ليفوز بواسطة ذلك العطاء بنوع من أنواع
الكمال ، فيكون ذلك في الحقيقة معاوضة ، ولا يكون جوداً ، ولا هبة ، ولا عطية ، أما الحق
سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالاً ، فكان الجواد المطلق
والراحم المطلق هو الله تعالى .
الحجة الثانية : أن كل من سوى الله فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد
واجب الوجود لذاته ، فكل رحمة تصدر من غير الله فهي إنما دخلت في الوجود بإيجاد الله فيكون
الرحيم فى الحقيقة هو الله تعالى .
الحجة الثالثة : أن الإنسان يمكنه الفعل والترك ، فيمتنع رجحان الفعل على الترك إلا
عند حصول داعية جازمة في القلب ، فعند عدم حصول تلك الداعية يمتنع صدور تلك الرحمة
منه ، وعند حصولها يجب صدور الرحمة منه ، فيكون الراحم في الحقيقة هو الذي خلق تلك
الداعية في ذلك القلب ، وما ذاك إلا الله تعالى ، فيكون الراحم في الحقيقة هو الله تعالى .
الحجة الرابعة : هب أن فلاناً يعطي الحنطة ، ولكن ما لم تحصل المعدة الهاضمة للطعام
لم يحصل الانتفاع بتلك الحنطة ، وهب أنه وهب البستان فما لم تحصل القوة الباصرة في العين
لم يحصل الانتفاع بذلك البستان ، بل الحق أن خالق تلك الحنطة وذلك البستان هو الله تعالى
والممكن من الانتفاع بهما هو الله ، والحافظ له عن أنواع الآفات والمخافات. حتى يحصل
الانتفاع بتلك الأشياء هو الله تعالى ، فوجب أن يقال : المنعم والراحم في الحقيقة هو الله
تعالى .
المقام الثاني : في بيان أن بتقدير أن تحصل الرحمة من غير الله إلا أن رحمة الله أكمل
.

١٧٣
النكت المستخرجة من البسملة
وأعظم . وبيانه من وجوه : الأول : أن الإنعام يوجب علو حال المنعم ودناءة حال المنعم عليه
بالنسبة إلى المنعم ، فإذا حصل التواضع بالنسبة إلى حضرة الله فذاك خير من حصول هذه الحالة
بالنسبة إلى بعض الخلق .
الثاني : أن الله تعالى إذا أنعم عليك بنعمة طلب عندها منك عملاً تتوصل به إلى
استحقاق نعم الآخرة ، فكأنه تعالى يأمرك بأن تكتسب لنفسك سعادة الأبد ، وأما غير الله فإنه
إذا أنعم عليك بنعمة أمرك بالاشتغال بخدمته والانصراف إلى تحصيل مقصوده ، ولا شك أن
الحالة الأولى أفضل .
الثالث : أن المنعم عليه يصير كالعبد للمنعم ، وعبودية الله أولى من عبودية غير الله .
الرابع : أن السلطان إذا أنعم عليك فهو غير عالم بتفاصيل أحوالك ، فقد ينعم عليك
حال ما تكون غنياً عن إنعامه ، وقد يقطع عنك إنعامه حال ما تكون محتاجاً إلى إنعامه ، وأيضاً
فهو غير قادر على الإنعام عليك في كل الأوقات وبجميع المرادات ، أما الحق تعالى فإنه عالم
بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، فإذا ظهرت بك حاجة عرفها ، وإن طلبت منه شيئاً
قدر على تحصيله ، فكان ذلك أفضل .
الخامس : الإنعام يوجب المنة ، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق .
فثبت بما ذكرنا أن الرحمن الرحيم هو الله تعالى ، وبتقدير أن يحصل رحمن آخر فرحمة الله
تعالى أكمل وأفضل وأعلى وأجل والله أعلم .
الباب الحادي عشر
في بعض النكت المستخرجة من قولنا ( بسم الله الرحمن الرحيم )
النكتة الأولى : مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه ، فشكا إلى الله تعالى ، فدله
على عشب في المفازة ، فأكل منه فعوفي بإذن الله تعالى ، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر
فأكل ذلك العشب فازداد مرضه ، فقال يا رب ، أكلته أولاً فانتفعت به ، وأكلته ثانياً فازداد
مرضي ، فقال : لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء ، وفي المرة الثانية
ذهبت منك إلى الكلاء فازداد المرض ، أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها أسمى ؟

١٧٤
النكت المستخرجة من البسملة
الثانية : باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة ، فلما انفجر الصبح نامت ، فدخل
السارق دارها وأخذ ثيابها ؛ وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب ، فوضعها فوجد الباب ، ففعل
ذلك ثلاث مرات ، فنودي من زاوية البيت : ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان
يقظان .
الثالثة : كان بعض العارفين يرعى غنماً وحضر في قطيع غنمه الذئاب ، وهي لا تضر
أغنامه ، فمر عليه رجل وناداه : متى اصطلح الذئب والغنم ؟ فقال الراعي: من حين
اصطلح الراعي مع الله تعالى .
الرابعة : قوله ( بسم الله) معناه أبدأ باسم الله، فأسقط منه قوله ((أبدأ)) تخفيفاً، فإذا
قلت بسم الله فكأنك قلت أبدأ باسم الله ، والمقصود منه التنبيه على أن العبد من أول ما شرع
في العمل كان مدار أمره على التسهيل والتخفيف والمسامحة ، فكأنه تعالى في أول كلمة ذكرها
لك جعلها دليلاً على الصفح والإحسان .
الخامسة : روي أن فرعون قبل أن يدعي الإلهية بنى قصراً وأمر أن يكتب ( بسم الله)
على بابه الخارج ، فلما ادعى الإلهية وأرسل إليه موسى عليه السلام ودعاه فلم ير به أثر الرشد
قال : إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً ، فقال تعالى : يا موسى ، لعلك تريد إهلاكه ، أنت
تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه ، والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج
صار آمناً من الهلاك وإن کان کافراً فالذي کتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره کیف
یکون حاله ؟
السادسة : سمى نفسه رحماناً رحیاً فكيفلا يرحم ؟ روي أن سائلاً وقفعلى باب رفيع
فسأل شيئاً فأعطي قليلاً ، فجاء في اليوم الثاني بفأس وأخذ يخرب الباب فقيل له : ولم تفعل ؟
قال : إما أن يجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب . إلهنا إن بحار الرحمة بالنسبة إلى
رحمتك أقل من الذرة بالنسبة إلى العرش ، فكما ألقيت في أول كتابك على عبادك صفة رحمتك
فلا تجعلنا محر ومين عن رحمتك وفضلك .
السابعة ((الله)) إشارة إلى القهر والقدرة والعلو، ثم ذكر عقيبه الرحمن الرحيم ، وذلك
يدل على أن رحمته أكثر وأكمل من قهره .
الثامنة : كثيراً ما يتفق لبعض عبيد الملك أنهم إذا اشتروا شيئاً من الخيل والبغال والحمير
وضعوا عليها سمة الملك لئلا يطمع فيها الأعداء ، فكأنه تعالى يقول : إن لطاعتك عدواً وهو
:

١٧٥
النكت المستخرجة من البسلمة
الشيطان فإذا شرعت في عمل فاجعل عليه سمتي ، وقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، حتى لا
يطمع العدو فيها .
التاسعة : اجعل نفسك قرین ذکر الله تعالی حتی لا تبعد عنه في الدارین ، روی عن
النبي ﴿1﴾ أنه دفع خاتمه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: أكتب فيه لا إله إلا
الله ، فدفعه إلى النقاش وقال : أكتب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فكتب النقاش فيه
ذلك، فأتى أبو بكر بالخاتم إلى النبي ﴿وَلَ﴾ فرأى النبي فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو
بكر الصديق ، فقال : يا أبا بكر، ما هذه الزوائد؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ما رضيت أن
أفرق إسمك عن إسم الله ، وأما الباقي فما قلته ، وخجل أبو بكر ، فجاء جبريل عليه السلام
وقال : يا رسول الله أما إسم أبي بكر فكتبته أنا لأنه ما رضي أن يفرق إسمك عن اسم الله فما
رضي الله أن يفرق إسمه عن إسمك ، والنكتة أن أبا بكر لما لم يرض بتفريق اسم محمد
وَ﴾ عن إسم الله عز وجل وجد هذه الكرامة فكيف إذا لم يفارق المرء ذكر الله تعالى؟
العاشرة : أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة قال ( بسم الله مجراها ومرساها ) فوجد
النجاة بنصف هذه الكلمة ، فمن واظب على هذه الكلمة طول عمره كيف يبقى محر وماً عن
النجاة؟ وأيضاً أن سليمان عليه السلام نال مملكة الدنيا والآخرة بقوله ( انه من سليمان وانه بسم
الله الرحمن الرحيم) فالمرجو أن العبد إذا قاله فاز بملك الدنيا والآخرة .
الحادية عشرة : إن قال قائل لم قدم سليمان عليه السلام إسم نفسه على إسم الله تعالى في
قوله ( انه من سليمان ) فالجواب من وجوه : ( الأول ) : أن بلقيس لما وجدت ذلك الكتاب
موضوعاً على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد واقفاً على طرف الجدار علمت
أن ذلك الكتاب من سليمان ، فأخذت الكتاب وقالت : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب
ورأت بسم الله الرحمن الرحيم قالت : وانه بسم الله الرحمن الرحيم ، فقوله ( انه من سليمان )
من كلام بلقيس لا كلام سليمان ( الثاني ) لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ( انه من
سليمان ) وفي داخل الكتاب إبتدأ بقوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كما هو العادة في جميع
الكتب ، فلما أخذت بلقيس ذلك الكتاب قرأت ما في عنوانه ، فقالت : انه من سليمان ، فلما
فتحت الكتاب قرأت : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقالت : وانه بسم الله الرحمن الرحيم
( الثالث ) أن بلقيس كانت كافرة فخاف سليمان أن تشتم الله إذا نظرت في الكتاب فقدم إسم
نفسه علی إسم الله تعالى ، لیکون الشتم له لا لله تعالى.
الثانية عشرة: الباء من (( بسم)) مشتق من البر فهو البار على المؤمنين بأنواع الكرامات في

١٧٦
النكت المستخرجة من البسملة.
الدنيا والآخرة ، وأجل بره وكرامته أن يكرمهم يوم القيامة برؤيته .
مرض لبعضهم جار يهودي قال : فدخلت عليه للعيادة وقلت له : أسلم ، فقال : على
ماذا؟ قلت : من خوف النار قال : لا أبالي بها ، فقلت للفوز بالجنة ، فقال لا أريدها ، قلت
فماذا تريد؟ قال : على أن يريني وجهه الكريم ، قلت : أسلم على أن تجد هذا المطلوب ،
فقال لي : أكتب بهذا خطا ، فكتبت له بذلك خطا فأسلم ومات من ساعته ، فصلينا عليه
ودفناه ، فرأيته في النوم كأنه يتبختر فقلت له يا شمعون ، ما فعل بك ربك؟ قال : غفر لي ،
وقال لي : أسلمت شوقاً إلى.
وأما السين فهو مشتق من إسمه السميع ، يسمع دعاء الخلق من العرش إلى ما تحت
الثري.
1
روى أن زيد بن حارثة خرج مع منافق من مكة إلى الطائف فبلغا خربة فقال المنافق
ندخل ههنا ونستريح ، فدخلا ونام زيد فأوثق المنافق زيداً وأراد قتله ، فقال زيد : لم
تقتلني؟ قال : لأن محمداً يحبك وأنا أبغضه ، فقال زيد: يا رحمن أغثني، فسمع المنافق صوتاً
يقول : ويحك لا تقتله ، فخرج من الخربة ونظر فلم ير أحداً ، فرجع وأراد قتله فسمع
صائحاً أقرب من الأول يقول : لا تقتله ، فنظر فلم يجد أحداً، فرجع الثالثة وأراد قتله
فسمع صوتاً قريباً يقول : لا تقتله ، فخرج فرأى فارساً معه رمح فضربه الفارس ضربة فقتله ،
ودخل الخربة وحل وثاق زيد ، وقال له : أما تعرفني ؟ أنا جبريل حين دعوت كنت في السماء
السابعة فقال الله عز وجل : أدرك عبدي ، وفي الثانية كنت في السماء الدنيا ، وفي الثالثة
بلغت إلى المنافق .
وأما الميم فمعناه أن من العرش إلى ما تحت الثرى ملكه وملكه .
قال السدى : أصاب الناس قحط على عهد سليمان بن داود عليهما السلام ، فأتوه فقالوا
له : يا نبي الله، لو خرجت بالناس إلى الإستسقاء ، فخرجوا وإذا بنملة قائمة على رجليها
باسطة يديها وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك ، ولا غنى لي عن فضلك ، قال : فصب
الله تعالى عليهم المطر، فقال لهم سليمان عليه السلام : ارجعوا فقد أستجيب لكم بدعاء
غيركم .
أما قوله ((الله)) فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي الله ، فاذا مت أقول الله،
وإذا سئلت في القبر أقول الله ، وإذا جئت يوم القيامة أقول الله، وإذا أخذت الكتاب أقول
:

١٧٧
النكت المستخرجة من البسلمة
الله وإذا وزنت أعما لي أقول الله، وإذا جزت الصراط أقول الله، وإذا دخلت الجنة أقول الله،
وإذا رأيت الله قلت لله .
النكتة الثالثة عشرة : الحكمة في ذكر هذه الأسماء الثلاثة أن المخاطبين في القرآن ثلاثة
أصناف كما قال تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ) فقال :
أنا الله للسابقين ، الرحمن للمقتصدين ، الرحيم للظالمين ، ة أيضاً الله هو معطى العطاء ،
والرحمن هو المتجاوز عن زلات الأولياء ، والرحيم هو المتجاوز عن الجفاء ، ومن كمال رحمته
كأنه تعالى يقول أعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ، ولو علمته المرأة لجفتك ، ولو علمته
الأمة لأقدمت على الفرار منك ، ولو علمه الجار لسعى في تخريب الدار ، وأنا أعلم كل ذلك
وأستره بکرمي لتعلم أني إله کریم.
الرابعة عشرة : الله يوجب ولايته ، قال الله تعالى ( الله ولي الذين آمنوا ) والرحمن يوجب
محبته ، قال الله تعالى ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) والرحيم
يوجب رحمته ( وكان بالمؤمنين رحيماً ) .
الخامسة عشرة: قال عليه الصلاة والسلام: من رفع قرطاساً من الأرض فيه (( بسم الله
الرحمن الرحيم )) إجلالاً له تعالى كتب عند الله من الصدیقین ، وخفف عن والديه وان كانا
مشركين ، وقصة بشر الحافي في هذا الباب معروفة ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام
قال: يا أبا هريرة ، إذا توضأت فقل: بسم الله، فإن حفظتك لا تبرح أن تكتب لك الحسنات
حتى تفرغ ، وإذا غشيت أهلك فقل : بسم الله ، فان حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى
تغتسل من الجنابة ، فان حصل من تلك الواقعة ولد كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك
الولد ، وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب ، حتى لا يبقى منهم أحد . يا أبا هريرة إذا
ركبت دابة فقل : بسم الله والحمد لله ، يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة ، وإذا ركبت
السفينة فقل : بسم الله والحمد لله ، يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها . وعن أنس بن
مالك أن رسول الله ﴿وَّ﴾﴾ قال: سترما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن
يقولوا : بسم الله الرحمن الرحيم ، والإِشارة فيه أنه إذا صار هذا الاسم حجاباً بينك وبين
أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟
السادسة عشرة : كتب قيصر إلى عمر رضي الله عنه أن بي صداعاً لا يسكن فابعث لي
دواء ، فبعث إليه عمر قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه يسكن صداعه ، وإذا رفعها عن
رأسه عاوده الصداع ، فعجب منه ففتش القلنسوة فإِذا فيها كاغد مكتوب فيه : بسم الله
الفخر الرازي ج ١ م ١٢

١٧٨
النكت المستخرجة من البسملة
الرحمن الرحيم .
السابعة عشرة: قال ﴿وَ﴾: من توضأ ولم يذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لتلك
الأعضاء ، ومن توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لجميع بدنه ، فاذا كان الذكر على الوضوء
طهوراً لكل البدن فذكره عن صميم القلب أولى أن يكون طهوراً للقلب عن الكفر والبدعة .
الثامنة عشرة : طلب بعضهم آية من خالد بن الوليد فقال: انك تدعى الإِسلام فارنا آية.
لنسلم ، فقال : ائتوني بالسم القاتل ، فأتى بطاس من السم ، فأخذها بيده وقال : بسم الله
الرحمن الرحيم ، وأكل الكل وقام سالماً باذن الله تعالى ، فقال المجوس هذا دين حق.
التاسعة عشرة : مر عيسى بن مريم عليه السلام على قبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون
ميتاً ، فلما انصرف من حاجته مر على القبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور ، فتعجب
من ذلك ، فصلى ودعا الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه : يا عيسى ، كان هذا العبد عاصياً
ومذمات كان محبوساً في عذابي ، وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت ولداً وربته حتى كبر ،
فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعم بسم الله الرحمن الرحيم ، فاستحيت من عبدي أن أعذبه بناري
في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على وجه الأرض.
العشرون : سئلت عمرة الفرغانية - وكانت من كبار العارفات - ما الحكمة فى أن الجنب
والحائض منهيان عن قراءة القرآن دون التسمية فقالت : لأن التسمية ذكر اسم الحبيب والحبيب
لا يمنع من ذكر الحبيب.
الحادية والعشرون: قيل في قوله ((الرحيم)) هو تعالى رحيم بهم في ستة مواضع في القبر
وحشراته ، والقيامة وظلماته ، والميزان ودرجاته، وقراءة الكتاب وفزعاته ، والصراط ومخافاته
والنار ودركاته.
الثانية والعشرون: كتب عارف ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وأوصى أن تجعل في كفنه
فقيل له : أي فائدة لك فيه فقال : أقول يوم القيامة : إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه بسم الله
الرحمن الرحيم ، فعاملني بعنوان كتابك.
الثالثة والعشرون: قيل ((بسم الله الرحمن الرحيم)) تسعة عشر حرفاً، وفيه فائدتان :
إحداهما : أن الزبانية تسعة عشر، فالله تعالى يدفع باسهم بهذه الحروف التسعة عشر،
الثانية : خلق الله تعالى الليل والنهار أربعة وعشرين ساعة ، ثم فرض خمس صلوات في خمس
ساعات فهذه الحروف التسعة عشر تقع كفارات للذنوب التي تقع في تلك الساعات التسعة
عشر.

١٧٩
سورة الفاتحة وذکر اسمائها
الرابعة والعشرون : لما كانت سورة التوبة مشتملة على الأمر بالقتال لم يكتب في أولها
((بسم الله الرحمن الرحيم)) وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح ((باسم الله، والله أكبر)) ولا يقال
(( بسم الله الرحمن الرحيم)) لأن وقت القتال والقتل لا يليق به ذكر الرحمن الرحيم ، فلما وفقك
لذكر هذه الكلمة في كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك
للقتل والعذاب ، وإنما خلقك للرحمة والفضل والاحسان ، والله تعالى الهادي إلى الصواب.
الكلام في سورة الفاتحة وفي ذكر أسماء هذه السورة ، وفيه أبواب
الباب الأول
الست
اعلم أن هذه الصورة لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى : -
فالأول: ((فاتحة الكتاب)) سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم ،
والقراءة في الصلاة ، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره ، وقيل
لأنها أول سورة نزلت من السماء.
والثاني: ((سورة الحمد)) والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد.
والثالث: ((أم القرآن)) والسبب فيه وجوه : -
الأول : أن أم الشيء أصله ، والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة : الإلهيات ،
والمعاد ، والنبوات ، وإثبات القضاء والقدر الله تعالى ، فقوله ( الحمد لله رب العالمين ، الرحمن
الرحيم ) يدل على الإِلهيات ، وقوله ( مالك يوم الدين ) يدل على المعاد ، وقوله ( إياك نعبد
وإياك نستعين ) يدل على نفي الجبر والقدر وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره ، وقوله
( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليه ولا الضالين ) يدل
أيضاً على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات ، وسيأتي شرح هذه المعاني بالاستقصاء ، فلما
كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت
بأم القرآن .
السبب الثاني لهذا الاسم : أن حاصل جميع الكتب الالهية يرجع إلى أمور ثلاثة : اما
الثناء على الله باللسان ، وإما الاشتغال بالخدمة والطاعة ، وأما طلب المكاشفات
والمشاهدات ، فقوله ( الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ) كله ثناء

١٨٠
سورة الفاتحة وذکر اسمائها
على الله، وقوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين) اشتغال بالخدمة والعبودية ، إلا أن الابتداء وقع
بقوله ( إياك نعبد ) وهو اشارة إلى الجد والاجتهاد في العبودية ، ثم قال ( وإياك نستعين ) وهو
إشارة إلى اعتراف العبد بالعجز والذلة والمسكنة والرجوع إلى الله ، وأما قوله ( اهدنا الصراط
المستقيم ) فهو طلب للمكاشفات والمشاهدات وأنواع الهدايات.
السبب الثالث لتسمية هذه السورة بأم الكتاب : أن المقصود من جميع العلوم : إما
معرفة عزة الربوبية ، أو معرفة ذلة العبودية فقوله ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك
يوم الدين ) يدل على أنه هو الإِله المستولى على كل أحوال الدنيا والآخرة ، ثم من قوله (إياك
نعبد وإياك نستعين - إلى آخر السورة) يدل على ذل العبودية ، فإنه يدل على أن العبد لا يتم له
شيء من الأعمال الظاهرة ولا من المكاشفات الباطنة إلا باعانة الله تعالى وهدايته.
السبب الرابع : أن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله ، وهو علم
الأصول واما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه ، وهو علم الفروع ، وإما علم تصفية الباطن
وظهور الأنوار الروحانية والمكاشفات الالهية . والمقصود من القرآن بيان هذه الأنواع الثلاثة ،
وهذه السورة الكريمة مشتملة على تقرير هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه : فقوله ( الحمد
لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) إشارة إلى علم الأصول ؛ لأن الدال على
وجوده وجود مخلوقاته ، فقوله ( رب العالمين ) يجري مجرى الاشارة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة
وجوده إلا بكونه ربا للعالمين ، وقوله ( الحمد لله ) إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد ، ولا يكون
مستحقاً للحمد إلا إذا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات ، ثم وصفه بنهاية
الرحمة ۔۔ وھو کونه رحمانا رحيماً - ثم وصفه بكمال القدرة - وهو قوله مالك يوم الدين - حيث لا
يهمل أمر المظلومين ، بل يستوفي حقوقهم من الظالمين ، وعند هذا تم الكلام في معرفة الذات
والصفات وهو علم الأصول ، ثم شرع بعده في تقرير علم الفروع ، وهو الاشتغال بالخدمة
والعبودية ، وهو قول ( إياك نعبد) ثم مزجه أيضاً بعلم الأصول مرة أخرى ، وهو أن أداء
وظائف العبودية لا يكمل إلا باعانة الربوبية ، ثم شرع بعده في بيان درجات المكاشفات وهي
على كثرتها محصورة في أمور ثلاثة : أولها : حصول هداية النور في القلب ، وهو المراد من
قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) ، وثانيها : أن يتجلى له درجات الأبرار المطهرين من
الذين أنعم الله عليهم بالجلايا القدسية والجواذب الإلهية ، حتى تصير تلك الأرواح القدسية
كالمرايا المجلوة فينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى ، وهو قوله ( صراط الذين
أنعمت عليهم ) ، وثالثها : أن تبقى مصونة معصومة عن أوضار الشهوات ، وهو قوله
( غير المغضوب عليهم) وعن أوزار الشبهات ، وهو قوله ( ولا الضالين ) فثبت أن هذه
: