النص المفهرس
صفحات 121-140
: ١٢١ مباحث الاسم العقلية والنقلية فهل يمكن ذلك العرفان في حق جنس الملائكة أو في حق فرد من أفرادهم ؟ الإنصاف أن هذه المباحث صعبة ، والعقل كالعاجز القاصر في الوفاء بها كما ينبغي ، وقال بعضهم : عقول المخلوقات ومعارفهم متناهية ، والحق تعالى غير متناه ، والمتناهي يمتنع وصوله إلى غير المتناهي ولأن أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وأعظم العلوم علم الله سبحانه وتعالى ، وأعظم الأشياء لا يمكن معرفته إلا بأعظم العلوم ، فعلى هذا لا يعرف الله إلا الله . المقدمة السادسة : أعلم أن معرفة الأشياء على نوعين : معرفة عرضية ، ومعرفة ذاتية : أما المعرفة العرضیة فکما إذا رأینا بناء علمنا بأنه لا بد له من بان ، فأما أن ذلك الباني كيفكان في ماهيته ، وأن حقيقته من أي أنواع الماهيات ، فوجود البناء لا يدل عليه ، وأما المعرفة الذاتية فكما إذا عرفنا اللون المعين ببصرنا ، وعرفنا الحرارة بلمسنا ، وعرفنا الصوت بسمعنا ، فإنه لا حقيقة للحرارة والبرودة إلا هذه الكيفية الملموسة ، ولا حقيقة للسواد والبياض إلا هذه الكيفية المرئية ، إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا علمنا احتياج المحدثات إلى محدث وخالق فقد عرفنا الله تعالى معرفة عرضية إنما الذي نفيناه الآن هو المعرفة الذاتية ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة حتى لا تقع في الغلط . المقدمة السابعة : أعلم أن إدراك الشيء من حيث هو هو - أعني ذلك النوع الذي سميناه بالمعرفة الذاتية - يقع في الشاهد على نوعين : أحدهما : العلم ، والثاني : الإبصار ، فإنا إذا أبصرنا السواد ثم غمضنا العين فإنا نجد تفرقة بديهية بين الحالتين ، فعلمنا أن العلم غير ، وأن الإبصار غير ، إذا عرفت هذا فنقول : بتقدير أنه يقال يمكن حصول المعرفة الذاتية للخلق فهل لتلك المعرفة ولذلك الإدراك طريق واحد فقط أو يمكن وقوعه على طريقين مثل ما في الشاهد من العلم والإبصار؟ هذا أيضاً مما لا سبيل للعقل إلى القضاء به والجزم فيه ، وبتقدير أن يكون هناك طريقان أحدهما المعرفة والثاني الإبصار فهل الأمر هناك مقصور على هذين الطريقين أو هناك طرق كثيرة ومراتب مختلفة ؟ كل هذه المباحث مما لا يقدر العقل على الجزم فيها البتة ، فهذا هو الكلام في هذه المقدمات . المسئلة العاشرة : في أنه هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة إسم أم لا ؟ نقل عن قدماء الفلاسفة إنكاره ، قالوا : والدليل عليه أن المراد من وضع الإسم الإشارة بذكره إلى المسمى فلو كان الله بحسب ذاته إسم لكان المراد من وضع ذلك الإسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمى ، فإذا ثبت أن أحداً من الخلق لا يعرف ذاته المخصوصة البتة لم يبق في وضع الإِسم لتلك الحقيقة فائدة ، فثبت أن هذا النوع من الإِسم مفقود ، فعند هذا قالوا : إنه ليس لتلك الحقيقة إسم ، بل له لوازم معرفة ، وتلك اللوازم هي أنه الأزلي الذي لا يزول ، وأنه ١٢٢ مباحث الاسم العقلية والنقلية الواجب الذي لا يقبل العدم ، وأما الذين قالوا إنه لا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يشرف بعض المقربين من عباده بأن يجعله عارفاً بتلك الحقيقة المخصوصة قالوا إذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يمتنع وضع الإسم لتلك الحقيقة المخصوصة ، فثبت أن هذه المسئلة مبنية على تلك المقدمات. السابقة . المسئلة الحادية عشرة : بتقدير أن يكون وضع الإسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً. وجب القطع بأن ذلك الإسم أعظم الأسماء ، وذلك الذكر أشرف الأذكار ، لأن شرف العلم بشرف المعلوم ، وشرف الذكر بشرف المذكور ، فلما كان ذات الله تعالى أشرف المعلومات والمذكورات كان العلم به أشرف العلوم ، وكان ذكر الله أشرف الأذكار ، وكان ذلك الإسم أشرف الأسماء وهو المراد من الكلام المشهور الواقع في الألسنة ، وهو إسم الله الأعظم ، ولو اتفق لملك مقرب أو ني مرسل الوقوفعلى ذلك الإسم حال ما یکون قد تجلى له معناه لم یبعد أن يطيعه جميع عوالم الجسمانيات والروحانيات . المسئلة الثانية عشرة : القائلون بأن الإسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه : - الأول : قول من يقول إن ذلك الإسم الأعظم هو قولنا ( ذو الجلال والإكرام) وورد فيه قوله عليه الصلاة والسلام ((ألظوا بياذا الجلال والإكرام)) وهذا عندي ضعيف، لأن الجلال إشارة إلى الصفات السلبية ، والإكرام إشارة إلى الصفات الإضافية ، وقد عرفت أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات . . والقول الثاني : قول من يقول أنه هو ( الحي القيوم) لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي. ابن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله تعالى ؟ فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) فقال (( ليهنك العلم أبا المنذر)) وعندي أنه ضعيف، وذلك لأن الحي هو الدراك الفعال ، وهذا ليس فيه كثرة عظمة لأنه صفة ، وأما القيوم فهو مبالغة في القيام ، ومعناه كونه قائماً بنفسه مقوماً. لغيره ، فكونه قائماً بنفسه مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره ، وكونه مقوماً لغيره صفة إضافية فالقيوم لفظ دال على مجموع سلب وإضافة ، فلا يكون ذلك عبارة عن الإِسم الأعظم . القول الثالث : قول من يقول : أسماء الله كلها عظيمة مقدسة ، ولا يجوز وصف الواحد منها بأنه أعظم ؛ لأن ذلك يقتضي وصف ما عداه بالنقصان ، وعندي أن هذا أيضاً ضعيف لأنا بينا أن الأسماء منقسمة إلى الأقسام التسعة ، وبينا أن الإسم الدال على الذات. المخصوصة يجب أن يكون أشرف الأسماء وأعظمها ، وإذا ثبت هذا بالدلائل فلا سبيل فيه إلى الإنكار . ١٢٣ الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية القول الرابع: أن الإِسم الأعظم هو قولنا ((الله)) وهذا هو الأقرب عني لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الإسم يجري مجرى إسم العلم في حقه سبحانه ، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة . المسئلة الثالثة عشرة : أما الإِسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزاء ماهية المسمى فهذا في حق الله تعالى محال ، لأن هذا إنما يتصور في حق من كانت ماهيته مركبة من الأجزاء وذلك في حق الله محال ، لأن كل مركب فإنه محتاج إلى جزئه ، وجزؤه غيره فكل مركب فإنه محتاج إلى غيره ، وكل محتاج إلى غيره فهو ممكن ، ينتج أن كل مركب فهو ممكن لذاته ، فما لا يكون ممكناً لذاته امتنع أن يكون مركباً ، وما لا يكون مركباً إمتنع أن يحصل له إسم بحسب جزء ماهيته . المسئلة الرابعة عشرة : أعلم أنا بينا أن الإسم الدال على الذات هل هو حاصل في حق الله تعالى أم لا ، قد ذكرنا إختلاف الناس فيه ، وأما الإِسم الدال بحسب جزء الماهية فقد أقمنا البرهان القاطع على إمتناع حصوله في حق الله تعالى ، فبقيت الأقسام السبعة فنقول : أما الإسم الدال على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود ، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات ذلك الوجود ، ونحن نذكر المسائل المفرعة على هذه الأقسام والله الهادي . الباب الرابع في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية قد عرفت أن هذا البحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام : ( الأول ) الأسماء الدالة على الوجود وفيه مسائل : - المسئلة الأولى: أطبق الأكثرون على أنه يجوز تسمية الله تعالى باسم الشيء ونقل عن جهم ابن صفوان أن ذلك غير جائز ، أما حجة الجمهور فوجوه : - الحجة الأولى : قوله تعالى ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) وهذا يدل على أنه يجوز تسمية الله باسم الشيء ، فإن قيل : لو كان الكلام مقصوراً على قوله ( قل الله ) لكان دليلكم حسناً ، لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) وهذا ١٢٤ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية كلام مستقل بنفسه ، ولا تعلق له بما قبله ، وحينئذ لا يلزم أن يكون الله تعالى مسمى باسم الشيء قلنا: لما قال ( أي شيء أكبر شهادة) ثم قال ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله ( أي شيء أكبر شهادة) وحينئذ يلزم المقصود . الحجة الثانية : قوله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) والمراد بوجهه ذاته ، ولو لم تكن ذاته شيئاً لما جاز إستثناؤه عن قوله ( كل شيء هالك ) وذلك يدل على أن الله تعالى مسمى بالشئ . الحجة الثالثة : قوله عليه السلام في خبر عمران بن الحصين ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على الله تعالى . الحجة الرابعة : روي عبد الله الأنصاري في الكتاب الذي سماه بالفاروق عن عائشة ﴾ يقول ((ما من شيء أغير من الله عز وجل)). رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله الحجة الخامسة: أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وذات الله تعالى كذلك ، فيكون شيئاً . واحتج جهم بوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى ( الله خالق كل شيء) وكذلك قوله ( وهو على كل شيء قدير ) فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقاً ومقدوراً، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء. فإن قالوا أن قوله تعالى ( الله خالق كل شيء ) وقوله : (وهو على كل شيء قدير ) عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر ، الثاني أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيراً قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول : أن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن أدعاء هذا التخصيص محال . الحجة الثانية : قوله تعالى ( ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير ) حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه ١٢٥ الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال . الحجة الثالثة : لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء ، وأسماء الله تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس إسماً لله تعالى : أما قولنا أن إسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر، وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء ، وإذا كان كذلك كان المفهوم من لفظ الشيء حاصلاً في أخس الأشياء وذلك يدل على أن إسم الشيء لا يفيد صفة المدح والجلال ، وأما قولنا : أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال ، فالدليل عليه قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) والاستدلال بالآية أن كون الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة ، فإذا لم يدل الإسم على هذا المعنى لم يكن الإسم حسناً ثم إنه تعالى أمرنا بأن ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء الحسنة فقد ألحد في أسماء الله ، فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح ، وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب . الحجة الرابعة: أنه لم ينقل عن رسول الله ﴿يَ﴾ ولا عن أحد من الصحابة أنه خاطب الله تعالى بقوله يا شيء ، وكيف يقال ذلك وهذا اللفظ في غاية الحقارة ، فكيف يجوز للعبد خطاب الله بهذا الإسم ، بل نقل عنهم أنهم كانوا يقولون: يا منشىء الأشياء ، يا منشىء الأرض والسماء . واعلم أن من الناس من يظن أن هذا البحث واقع في المعنى ، وهذا في غاية البعد ، فإنه لا نزاع في أن الله تعالى موجود وذات وحقيقة ، إنما النزاع في أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه ، فهذا نزاع في مجرد اللفظ لا في المعنى ، ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق ، فليكن الإنسان عالمً بهذه الدقيقة حتى لا يقع في الغلط . المسئلة الثانية : في بيان أنه هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى؟ اعلم أن هذا البحث يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة ، وهي أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك على معنيين : أحدهما : أن يراد بالوجود الوجدان والادراك والشعور ، ومتى أريد بالوجود الوجدان والادراك فقد أريد بالموجود لا محالة المدرك والمشعور به ، والثاني : أن يراد بالوجود الحصول والتحقق في نفسه ، واعلم أن بين الأمرين فرقاً ، وذلك لأن كونه معلوم الحصول في الأعيان ١٢٦ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية يتوقف على كونه حاصلا في نفسه ، ولا ینعکس ، لأن کونه حاصلاً في نفسه لا يتوقفعلى كونه معلوم الحصول في الأعيان ؛ لأنه يمتنع في العقل كونه حاصلا في نفسه مع أنه لا يكون معلوماً الأحد ، بقي ههنا بحث ، وهو أن لفظ الوجود هل وضع أولا للادراك والوجدان ثم نقل ثانياً إلى حصول الشيء في نفسه ، أو الأمر فيه بالعكس ، أو وضعا معاً؟ فنقول : هذا البحث لفظي ، والأقرب هو الأول ، لأنه لولا شعور الانسان بذلك الشيء لما عرفحصوله في نفسه، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون وضع اللفظ لمعنى الشعور والادراك سابقا على وضعه لحصول الشيء نفسه . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى يكون على وجهين : أحدهما : كونه معلوماً مشعوراً به ، والثاني : كونه في نفسه ثابتاً متحققاً ، أما بحسب المعنى الأول فقد جاء في القرآن قال الله تعالى: ( لوجدوا الله ) ولفظ الوجود ههنا بمعى الوجدان والعرفان ، وأما بالمعنى الثاني فهو غير موجود في القرآن . فان قالوا : لما حصل الوجود بمعنى الوجدان لزم حصول الوجود بمعنى الثبوت والتحقق إذ لو كان عدما محضا لما كان الأمر كذلك. فنقول : هذا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لا يلزم من حصول الوجود بمعنى الوجدان والمعرفة حصول الوجود بمعنى الثبوت ؛ لما ثبت أن المعدوم قد يكون معلوماً، والثاني : أنا بينا أن هذا البحث ليس إلا في اللفظ ، فلا يلزم من حصول الاسم بحسب معنى حصول الاسم بحسب معنى آخر ، ثم نقول : ثبت باجماع المسلمين إطلاق هذا الاسم فوجب القول به . فان قالوا : ألستم قلتم إن اسماء الله تعالى يجب كونها دالة على المدح والثناء ،؛ ولفظ الموجود لا يفيد ذلك؟ قلنا عدلنا عن هذا الدليل بدلالة الاجماع ، وأيضاً فدلالة لفظ الموجود على المدح أكثر من دلالة لفظ الشيء عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه عند قوم يقع لفظ الشيء على المعدوم كما يقع على الموجود ، أما الموجود فانه لا يقع على المعدوم البتة ، فكان إشعار هذا اللفظ بالمدح أولى . الثاني : أن لفظ الموجود بمعنى المعلوم يفيد صفة المدح والثناء ، لأنه يفيد أن بسبب كثرة الدلائل على وجوده وإلا هیته صار کأنه معلوم لكل أحد موجود عند کل أحد واجب الاقرار به عند كل عقل ، فهذا اللفظ أفاد المدح والثناء من هذا الوجه ، فظهر الفرق بينه وبين لفظ الشيء . ١٢٧ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية المسئلة الثالثة : في الذات : روى عبد الله الأنصاري الهروي في الكتاب الذي سماه أنه قال : بالفاروق أخباراً تدل على هذا اللفظ: أحدها عن عائشة عن رسول الله ﴿؟ ((إن من أعظم الناس أجراً الوزير الصالح من أمير يطيعه في ذات الله )) وثانيها عن أبي هريرة ـية﴾: ((إن إبراهيم لم يكذب إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله)) وثالثها قال قال رسول الله عن كعب بن عجرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿صَل﴾﴾: ((لا تسبوا عليا فانه كان مخشوشاً في ذات الله)) ورابعها عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﴿وَ﴾ أي الجهاد أفضل؟ قال ((ان تجاهد نفسك وهواك في ذات الله)) وخامسها عن النعمان بن بشير عن النبي وَ﴾ قال: ((ان للشيطان مصايد وفخوخاً منها البطر بأنعم الله، والفخر بعطاء الله، والكبر على عباد الله ، واتباع الهوى في غير ذات الله)). وأقول : إن كل شيء حصل به أمر من الأمور فان كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكراً قيل إنه ذو ذلك الأمر ، وإن كان مؤنثاً قيل إنها ذات ذلك الأمر ، فهذه اللفظة وضعت لافادة هذه النسبة والدلالة على ثبوت هذه الاضافة ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه من المحال أن تثبت هذه الصفة لصفة ثانية ، وتلك الصفة الثانية تثبت لصفة ثالثة ، وهكذا إلى غير النهاية ، بل لا بد وأن تنتهي إلى حقيقة واحدة قائمة بنفسها مستقلة بماهيتها ، وحينئذ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات ، فقولنا ((إنها ذات كذا وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية القائمة بنفسها ، فلهذا السبب جعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة ، ولما كان الحق تعالى قيوما في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقاً وصدقاً ، وأما الأخبار التي رويناها عن الأنصاري الهروي فإن شيئاً منها لا يدل على هذا المعنى ؛ لأنه ليس المراد من لفظ الذات فيها حقيقة الله تعالى وماهيته ، وإنما المراد منه طلب رضوان الله ، ألا ترى أنه قال: ((لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله)) أي: في طلب مرضاة الله، وهكذا الكلام في سائر الأخبار. المسئلة الرابعة : في لفظ النفس ، وهذا اللفظ وارد في القرآن ، قال تعالى : ( تعلم ما في نفسي ، ولا أعلم ما في نفسك ) وقال : ( ويحذركم الله نفسه ) وعن عائشة قالت : كنت نائمة إلى جنب رسول الله ﴿چ﴾﴾ ، ثم فقدته ، فطلبته ، فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد ، وهو يقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وعن أبي هريرة عن النبي ﴿لَا﴾ أنه قال: (( يقول الله تعالى : أنا مع عبدي حين يذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، وأن تقرب مني شبراً تقربت منه ١٢٨ الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن جاءني يمشي جئته أهرول)) والخبر الثالث ـ لة): ((لما خلق الله عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله الخلق كتب في كتابه على نفسه وهو مرفوع فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي )» والخبر الرابع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿ص﴾: (( ليس أحد أحب اليه المدح من الله تعالى ، ومن أجل ذلك مدح نفسه ، وليس أحد أغير من الله ، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ، ولیس أحد أحب الیه العذر من الله ، ومن أجل ذلك أنزل الكتاب ● علمها هذا وأرسل الرسل)). الخبر الخامس عن عائشة رضي الله عنها أن النبي التسبيح : سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ، ومداد كلماته ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ! الخبر السادس : روى أبو ذر عن النبي عليه الصلاة والسلام عن الله سبحانه وتعالى أنه قال: ((حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) وتمام الخبر مشهور، الخبر السابع : عن ابن عمر أن النبي ﴿3﴾﴾ قرأ ذات يوم على المنبر (وما قدروا الله حق قدره) ثم أخذ يمجد الله نفسه : أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا العزيز أنا الكريم ، فرجف برسول الله ﴾ المنبر حتى خفنا سقوطه. الخبر الثامن: عن أبي هريرة عن النبي ﴿وَ﴾﴾ أنه قال: التقى آدم وموسى عليهما السلام فقال له موسى : أنت الذي أشقيت الناس فأخرجتهم من الجنة ، قال آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته ، واصطنعك لنفسه ، وأنزل عليك التوراة ، فهل وجدت كتبته علي قبل أن يخلقني ؟ قال : نعم ، قال فحج آدم موسى ثلاث مرات)) الخبر التاسع: عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﴿وَلَ﴾﴾: ((يقول الله تعالى : هذا دين ارتضيته لنفسي ، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما)). الخبر العاشر: عن أنس بن مالك عن النبي ﴿وَ﴾ يرويه عن ربه أنه قال: ((من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، فلا أبالي في أي واد من الدنيا أهلكه ، وأقذفه في جهنم ، وما ترددت في نفسي في قضاء شىء قضیت ترددي في قبض عبدي المؤمن ؛ يكره الموت ولا بد له أنه قال : ما قال عبد منه وأكره مساءته)). الخبر الحادي عشر: عن عبد الله عن النبي ﴿لَله قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك - أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وغمه ، وأبدله مكان حزنه فرحاً)) . الخبر الثاني عشر: عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ، أنه قال : إن الله تعالى بعثني رحمة للعالمين وأن أكسر المعازف والأصنام ، وأقسم ربي على نفسه أن لا يشرب عبد خمراً ثم لم يتب إلى الله تعالى منه إلا سقاه الله تعالى من طينة الخبال )) ١٢٩ الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية فقال: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: ((صديد أهل جهنم)). واعلم أن النفس عبارة عن ذات الشيء ، وحقيقته ؛ وهويته ، وليس عبارة عن الجسم المركب من الأجزاء ، لأن كل جسم مركب ، وكل مركب ممكن ، وكل ممكن محدث ، وذلك على الله محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه. المسئلة الخامسة: في لفظ الشخص، عن سعد بن عبادة عن النبي ﴿يَا﴾ قال ((لا شخص أغير من الله ، ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أحب اليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب اليه المدح من الله )). واعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص وحجمية ، بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعيناً باعتباره يمتاز عن غيره. المسئلة السادسة : في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على الله ، قال الله تعالى ( الله نور السموات والأرض) وأما الأخبار فروى أنه قيل لعبد الله بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقى في بطن أمه، فقال: سمعت رسول الله ﴿1﴾ يقول: ((إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور شيء فقد إهتدى ، ومن أخطأ فقد ضل)) فلذلك أقول: جف القلم على علم الله تعالى . واعلم أن القول بأن الله تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية في جسم ، والجسم محدث فكيفياته أيضاً محدثة ، وجل الإله عن أن يكون محدثاً . الثاني : أن النور تضاده الظلمة ، والإله منزه عن أن يكون له ضد. الثالث : أن النور يزول ويحصل له أفول ، والله منزه عن الأقول والزوال ، وأما قوله تعالى : ( الله نور السموات والأرض) فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات ، والدليل عليه ما ذكرناه من الدلائل العقلية ، وأيضاً فانه تعالى قال عقيب هذه الآية ( مثل نوره ) فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه ، فهذا يدل على أنه في ذاته ليس بنور ، بل هو خالق النور. بقي أن يقال : فما المقتضى لحسن إطلاق لفظ النور عليه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : قرأ بعضهم ( الله نور السموات والأرض) وعلى هذه القراءة فالشبهة زائلة ، والثاني : أنه سبحانه منور الأنوار ومبدعها وخالقها ؛ فلهذا التأويل حسن إطلاق النور عليه . والثالث : الفخر الرازي ج ١ م ٩ ١٣٠ الاسماء الدالة الصفات الحقيقية أن بحكمته حصلت مصالح العالم . وانتظمت مهمات الدنيا والآخرة ، ومن كان ناظماً للمصالح وساعياً في الخيرات فقد يسمى بالنور ، يقال : فلان نور هذه البلد ، إذا كان موصوفاً بالصفة المذكورة . والرابع : أنه هو الذي تفضل على عباده بالايمان والهداية والمعرفة ، وهذه الصفات من جنس الأنوار ، ويدل عليه القرآن والأخبار : أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية ( نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ) وأما الأخبار فكثيرة : - : الخبر الأول : ما روى أبو أمامة الباهلي عن النبي ﴿3﴾ أنه قال («اتقوا فراسة المؤمن فانه ینظر بنور الله . الخبر الثاني : عن أنس بن مالك عن النبي ﴿3﴾ أنه قال: « هل تدرون أي الناس أكيس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعداداً قالوا : يا رسول الله ، هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والانابة إلى دار الخلود ، فاذا دخل النور في القلب انفسح واتسع للاستعداد قبل نزول الموت)). الخبر الثالث: عن ابن مسعود قال: تلا النبي ﴿وَ﴾﴾ قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) فقلت : يا رسول الله كيف يشرح الله صدره ؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، فقلت : ما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال : الانابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والتأهب للموت قبل نزول الموت. الخبر الرابع: عن أنس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله ﴿وَلِ﴾﴾ يمشي في طريق إذ لقيه حارثة فقال رسول الله ﴿1﴾: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت والله مؤمناً حقاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أنظر ما تقول ، فان لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري وكأني أنظر الى عرش ربي بارزاً ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها . وإلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام: عرفت فالزم، ثم قال رسول الله ﴿وَل﴾: ((من سره أن ينظر إلى رجل نور الله الإيمان في قلبه فلينظر الى هذا)) ثم قال: يا رسول الله ، ادع الله لي بالشهادة ، فدعاله ، فنودى بعد ذلك : يا خيل الله اركبي ، فكان أول فارس ركب ، فاستشهد في سبيل الله . الخبر الخامس : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند النبي ﴿اصَ﴾ إذ سمع صوتاً من فوقه ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : إن هذا الباب من السماء قد فتح ، وما فتح قط ، فنزل منه ملك فقال : يا محمد أبشر بنورين لم يؤتهما أحد من قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة . : ١٣١ الاسماء الدالة على الصقات الحقيقية الجدلية): ((يمر المؤمن على الخبر السادس : عن يعلى بن منبه قال : قال رسول الله الصراط يوم القيامة فتناديه النار: ((جز عني يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي)). 3﴾ كان يقول ((اللهم بك الخبر السابع : عن نافع عن عبدالله بن عمر أن النبي ـ نصبح ، وبك نمسي ، وبك نحيا وبك نموت ، وإليك النشور ، اللهم اجعلني من أفضل عبادك عندك حظاً ونصيباً ، في كل خير تقسمه اليوم : من نور تهدي به ، أو رحمة تنشرها ، أو رزق تبسطه ، أو ضرتكشفه ، أو بلاء تدفعه ، أو سوء ترفعه ، أو فتنة تصرفها)). الخبر الثامن: عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي ﴿يَ﴾﴾ أنه سئل عن أهل الجنة فقال: ((أهل الجنة شعث رؤسهم ، وسخة ثيابهم ، لو قسم نور أحدهم على أهل الأرض لوسعهم )). الخبر التاسع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﴿يَ﴾: أن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا ، وإذا قالوا لم ينصت لقولهم ، حاجة أحدهم تتلجلج في صدره ، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم. الخبر العاشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿وَل﴾﴾: إن الله عز وجل يقول: نوري هداي، و((لا إله إلا الله)) كلمتي ، فمن قالها أدخلته حصني ومن أدخلته حصني فقد أمن. الخبر الحادي عشر: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﴿َّ﴾ كان يدعو «أعوذ بكلمات الله التامة، وبنوره الذي أشرقت له الأرض، وأضاءت به الظلمات ، من زوال نعمتك ، ومن تحول عافيتك ، ومن فجأة نقمتك ، ومن درك الشقاء وشر قد سبق)) . الخبر الثاني عشر: عن النبي ﴿وَِّ﴾﴾ أنه كان يقول ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً ، وفي بصري نوراً ، والحديث مشهور. المسئلة السابعة : في لفظ الصورة ، وفيه أخبار : الخبر الأول : عن أبي هريرة رضي ﴾ أنه قال: ((إن الله خلق آدم على صورته )) وعن ابن عمر قال : قال الله عنه ، عن النبي رسول الله ﴿وَ﴾﴾ ((لا تقبحوا الوجه فان الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن)) قال اسحاق بن راهويه : صح عن رسول الله ﴿1﴾ ((إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)). ١٣٢ الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية الخبر الثاني : عن معاذ بن جبل قال صلى بنا رسول الله ﴿وَ﴾﴾ ذات غدوة فقال له قائل: ما رأيتك أسفر وجهك مثل الغداة ، قال: « وما أبالي ، وقد بدا لي ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟ قلت : أنت أعلم أي ربي ، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها فعلمت ما في السموات والأرض . واعلم أن العلماء ذكروا في تأويل هذه الأخبار وجوها: (الأول) أن قوله ((إن الله خلق آدم على صورته)) الضمير عائد إلى المضروب ، يعني أن الله تعالى خلق آدم على صورة المضروب ، فوجب الاحتراز عن تقبيح وجه ذلك المضروب ( الثاني ) أن المراد أن الله خلق آدم على صورته التي كان في آخر أمره ، يعني أنه ما تولد عن نطفة ودم وما كان جنيناً ورضيعاً ، بل خلقه الله رجلاً كاملاً دفعة واحدة ( الثالث ) أن المراد من الصورة الصفة يقال صورة هذا الأمر كذا ، أي: صفته، فقوله ((خلق الله آدم على صورة الرحمن )) أي: خلقه على صفته في كونه خليفة له في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية ، كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع العالم. المسئلة الثامنة: الفلاسفة قد يطلقون لفظ ((الجوهر)) على ذات الله تعالى، وكذلك النصارى ، والمتكلمون يمتنعون منه ، أما الفلاسفة فقالوا : المراد من الجوهر الذات المستغني عن المحل والموضوع ، والله تعالى كذلك ، فوجب أن يكون جوهراً ، فالجوهر فوعل وإشتقاقه من الجهر ، وهو الظهور ، فسمى الجوهر جوهراً لكونه ظاهراً بسبب شخصيته وحجميته ، فكونه جوهراً عبارة عن كونه ظاهر الوجود ، وأما حجميته فليست نفس الجوهر ، بل هي سبب لكونه جوهراً وهو ظهور وجوده ، والحق سبحانه وتعالى أظهر من كل ظاهر بحسب كثرة الدلائل على وجوده ، فكان أولى الأشياء بالجوهرية هو هو، وأما المتكلمون فقالوا : أجمع المسلمون على الإمتناع من هذا اللفظ فوجب الامتناع منه . المسئلة التاسعة: أطلق أكثر الكرامية لفظ ((الجسم)) على الله تعالى فقالوا: لا نريد به كونه مركباً مؤلفاً من الأعضاء ، وإنما نريد به كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل وأما سائر الفرق فقد أطبقوا على إنكار هذا الاسم. ولنا مع الكرامية مقامان : المقام الأول : أنا لا نسلم أنهم أرادوا بكونه جسماً معنى غير الطول والعرض والعمق ، وكيف لا نقول ذلك وأنهم يقولون : أنه تعالى فوق العرش ، ولا يقولون إنه في الصغر مثل الجوهر الفرد ، والجزء الذي لا يتجزأ ، بل يقولون ) إنه أعظم من العرش ، وكل ما كان كذلك كانت ذاته ممتدة من أحد جانبي العرش الى الجانب الآخر فكان طويلاً عريضاً عميقاً ، فكان جسماً بمعنى كونه طويلاً عريضاً عميقاً، فثبت أن قولهم إنا أردنا : ١٣٣ الاسماء الدالة على كيفية الوجود بكونه جسماً معنى غير هذا المعنى كذب محض وتزوير صرف. المقام الثاني : أن نقول : لفظ الجسم لفظيوهم معنى باطلاً ، وليس في القرآن والأحاديث ما يدل على وروده فوجب الامتناع منه ، لا سيما والمتكلمون قالوا : لفظ الجسم يفيد كثرة الأجزاء بحسب الطول والعرض والعمق ، فوجب أن يكون لفظ الجسم يفيد أصل هذا المعنى. المسئلة العاشرة: في إطلاق لفظ ((الأنية)) على الله تعالى: اعلم أنهذه اللفظة تستعملها الفلاسفة كثيراً، وشرحه بحسب أصل اللغة أن لفظة ((إن)) في لغة العرب تفيد التأكيد والقوة في الوجود ، ولما كان الحق سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته ، وكان واجب الوجود أكمل الموجودات في تأكد الوجود ، وفي قوة الوجود ، لا جرم أطلقت الفلاسفة بهذا التأويل لفظ الأنية عليه . المسئلة الحادية عشرة: في إطلاق لفظ الماهية عليه: اعلم أن لفظ ((الماهية)) ليس لفظاً مفرداً بحسب أصل اللغة ، بل الرجل إذا أراد أن يسأل عن حقيقة من الحقائق فانه يقول : ما تلك الحقيقة وما هي؟ وكان النبي ﴿وَ﴾ يقول: أرنا الأشياء كما هي، فلما كثر السؤال عن معرفة الحقائق بهذه اللفظة جعلوا مجموع قولنا ما هي كاللفظة المفردة ، ووضعوا هذه اللفظة بإزاء الحقيقة فقالوا ماهية الشيء أي حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة. المسئلة الثانية عشرة: في إطلاق لفظ ((الحق)) اعلم أن هذا اللفظ إن أطلق على ذات الشيء كان المراد كونه موجوداً وجوداً حقيقياً في نفسه والدليل عليه أن الحق مقابل للباطل والباطل هو المعدوم قال لبيد : - ألا كل شيء ما خلا الله باطل فلما كان مقابل الحق هو المعدوم وجب أن يكون الحق هو الموجود ، وأما إن أطلق لفظ الحق على الاعتقاد كان المراد أن ذلك الاعتقاد صواب مطابق للشيء في نفسه ، وإنما سمي هذا الاعتقاد بالحق لأنه إذا كان صواباً مطابقاً كان واجب التقرير والإبقاء ، وأما أن أطلق لفظ الحق على القول والخبر کان المراد أن ذلك الاخبار صدق مطابق لأنه إذا كان كذلك كان ذلك القول واجب التقرير والابقاء ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى هو المستحق لاسم الحق ، أما بحسب ذاته فلأنه هو الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله. وأما بحسب الاعتقاد فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه هو الاعتقاد الصواب المطابق الذي لا يتغير عن هذه الصفة ، وأما بحسب الأخبار والذكر فلان هذا الخبر أحق الأخبار بكونه صدقاً واجب التقرير ، فثبت أنه تعالى هو ١٣٤ الاسماء الدالة على كيفية الوجود الحق بحسب جميع الإعتبارات والمفهومات والله الموفق الهادي. القسم الثاني من هذا الباب الأسماء الدالة على كيفية الوجود : - اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمات عقلية. المقدمة الأولى : اعلم أن كونه تعالى أزلياً أبدياً لا يوجب القول بوجود زمان لا آخر له ، وذلك لأنا نقول : كون الشيء دائم الوجود في ذاته إما أن يتوقف على حصوله في زمان أولا يتوقف عليه ، فان لم يتوقف عليه فهو المقصود ، لأن على هذا التقدير يكون تعالى أزلياً أبدياً من غير حاجة إلى القول بوجود زمان آخر ، وأما ان توقف عليه فنقول : ذلك الزمان إما أن یکون أزلیا أولا یکون فان کان ذلك الزمان أزلیاً فالتقدیر هو أن کونه أزلیا لا يتقرر إلا بسبب زمان آخر فحينئذ يلزم افتقار الزمان إلى زمان آخر فيلزم التسلسل ، وأما ان قلنا أن ذلك الزمان ليس أزلياً فحينئذ قد كان الله أزلياً موجوداً قبل ذلك الزمان ، وذلك يدل على أن الدوام لا يفتقر إلى وجود زمان آخر ، وهو المطلوب ، فثبت أن كونه تعالى أزلياً لا يوجب الاعتراف بكون الزمان أزلياً . المقدمة الثانية : أن الشيء كلما كان أزلياً كان باقياً ، لكن لا يلزم من كون الشيء باقياً كونه أزلياً ، ولفظ ((الباقي)) ورد في القرآن قال الله تعالى (ويبقى وجه ربك ) وأيضاً قال تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) والذي لا يصير هالكاً يكون باقياً لا محالة ، وأيضاً قال تعالى ( هو الأول والآخر ) فجعله أولا لكل ما سواه ، وما كان أولا لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول ؛ إذ لو كان له أول لامتنع أن يكون أولا لأول نفسه ، ولو كان له آخر لامتنع كونه آخراً لآخر نفسه ، فلما كان أولا لكل ما سواه وكان آخراً لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول وآخر ، فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى أزلياً لا أول له ، أبدياً لا آخر له. المقدمة الثالثة : لو كان صانع العالم محدثاً لافتقر إلى صانع آخر ، ولزم التسلسل ، وهو محال فهو قديم ، وإذا ثبت أنه قديم وجب أن يمتنع زواله ، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . إذا ثبتت هذه المقدمات فلنشرع في تفسير الأسماء : - الاسم الأول : القديم ، واعلم أن هذا اللفظ يفيد في أصل اللغة طول المدة ، ولا يفيد نفي الأولية يقال : دار قديم إذا طالت مدته ، قال الله تعالى ( حتى عاد كالعرجون القديم) وقال ( انك لفي ضلالك القديم ) . الاسم الثاني : الأزلي ، وهذا اللفظ يفيد الانتساب إلى الأزل ، فهذا يوهم أن الأزل ١٣٥ الاسماء الدالة على كيفية الوجود شيء حصل ذات الله فيه ، وهذا باطل ، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت ذات الله مفتقرة الى ذلك الشيء ومحتاجة إليه ، وهو محال ، بل المراد وجود لا أول له البتة. الاسم الثالث : قولنا لا أول له ، وهذا اللفظ صريح في المقصود ، واختلفوا في أن قولنا لا أول له صفة ثبوتية أو عدمية ، قال بعضهم : ان قولنا لا أول له اشارة إلى نفي العدم السابق ونفي النفي اثباب ، فقولنا لا أول له وان كان بحسب اللفظ عدماً إلا أنه في الحقيقة ثبوت ، وقال آخرون : أنه مفهوم عدمي ، لأنه نفي لكون الشيء مسبوقاً بالعدم ، وفرق بين العدم وبين كونه مسبوقاً بالعدم ، فكونه مسبوقاً بالعدم كيفية ثبوتية ، فقولنا لا أول له سلب لتلك الكيفية الثبوتية ، فكان قولنا لا أول مفهوماً عدمياً ، وأجاب الأولون عنه بأن كونه مسبوقاً بالعدم لو كان كيفية وجودية زائدة على ذاته لكانت تلك الكيفية الزائدة حادثة ، فكانت مسبوقة بالعدم ، فكان كونها كذلك صفة أخرى ، ولزم التسلسل ، وهو محال. الاسم الرابع : الأبدي ، وهو يفيد الدوام بحسب الزمان المستقبل. الاسم الخامس : السرمدى ، واشتقاق هذه اللفظة من السرد ، وهو التوالي والتعاقب ، قال عليه الصلاة والسلام في الأشهر الحرم: ((واحد فرد وثلاثة سرد )) أي: متعاقبة ، ولما كان الزمان إنما يبقى بسبب تعاقب أجزائه وتلاحق أبعاضه وكان ذلك التعاقب والتلاحق مسمى بالسرد أدخلوا عليه الميم الزائدة ليفيد المبالغة في ذلك المعنى. إذا عرفت هذا فنقول : الأصل في لفظ السرمد أن لا يقع إلا على الشيء الذي تحدث أجزاؤه بعضها عقيب البعض ، ولما كان هذا المعنى في حق الله تعالى محالا كان إطلاق لفظ السرمدي عليه مجازاً، فان ورد في الكتاب والسنة أطلقناه وإلا فلا. الاسم السادس : المستمر ، وهذا بناء الاستفعال ، وأصله المرور والذهاب ، ولما كان بقاء الزمان بسبب مرور أجزائه بعضها عقيب البعض لا جرم أطلقوا المستمر ، إلا أن هذا إنما يصدق في حق الزمان ، أما في حق الله فهو محال ؛ لأنه باق بحسب ذاته المعينة لا بحسب تلاحق أبعاضه و أجزائه . الاسم السابع : الممتد وسميت المدة مدة لأنها تمتد بحسب تلاحق أجزائها وتعاقب أبعاضها فيكون قولنا في الشيء ، إنه امتد وجوده إنما يصح في حق الزمان والزمانيات ، أما في حق الله تعالى فعلى المجاز . الاسم الثامن : لفظ الباقي ، قال تعالى ( ويبقى وجه ربك ) واعلم أن كل ما كان أزلياً ١٣٦ الاسماء الدالة على كيفية الوجود كان باقياً ولا ينعكس ، فقد يكون باقياً ولا يكون أزلياً ولا أبدياً كما في الأجسام والأعراض الباقية ، ومن الناس من قال : لفظ الباقي يفيد الدوام ، وعلى هذا ألا يصح وصف الأجسام بالباقي ، وليس الأمر كذلك ، لاطباق أهل العرف على قول بعضهم لبعض أبقاك الله. الاسم التاسع : الدائم ، قال تعالى ( أكلها دائم ) ولما كان أحق الأشياء بالدوام هو الله کان الدائم هو الله. الاسم العاشر: قولنا ((واجب الوجود لذاته)) ومعناه أن ماهيته وحقيقته هي الموجبة لوجوده ، وكل ما كان كذلك فانه يكون ممتنع العدم والفناء ، واعلم أن كل ما كان واجب الوجود لذاته وجب أن يكون قديماً أزلياً ، ولا ينعكس ؛ فليس كل ما كان قديماً أزلياً كان واجب الوجود لذاته ، لأنه لا يبعد أن يكون الشيء معللاً بعلة أزلية أبدية ، فحينئذ يجب كونه أزلياً أبدياً بسبب كون علته كذلك، فهذا الشيء يكون أزلياً أبدياً مع أنه لا يكون واجب الوجود لذاته، وقولهم بالفارسية ((خداي)) معناه أنه واجب الوجود لذاته لأن قولنا ((خداي » كلمة مركبة من لفظتين في الفارسية احداهما : خود ، ومعناه ذات الشيء ونفسه وحقيقته والثانية قولنا ((آي)) ومعناه جاء، فقولنا ((خداي)) معناه أنه بنفسه جاء ، وهو إشارة إلى أنه بنفسه وذاته جاء إلى الوجود لا بغيره، وعلى هذا الوجه فيصير تفسير قولهم ((خداي)) أنه لذاته كان موجوداً. الاسم الحادي عشر: الكائن ، واعلم أن هذا اللفظ كثير الورود في القرآن بحسب صفات الله تعالى ، قال الله تعالى (وكان الله على كل شيء مقتدراً) وقال أن الله ( كان علماً حكياً ) وأما ورود هذا اللفظ بحسب ذات الله تعالى فهو غير وارد في القرآن ، لكنه وارد في بعض الأخبار ، روى في الأدعية المأثورة عن النبي ﴿وَلَ﴾ «يا كائنا قبل كل كون، ويا حاضراً مع كل كون ، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون )» أو لفظ يقرب معناه مما ذكرناه ويناسبه من بعض الوجوه واعلم أن ههنا بحثاً لطيفاً نحوياً: وذلك أن النحويين أطبقوا على أن لفظ ((كان)) على قسمين : أحدهما : الذي يكون تاماً ، وهو بمعنى حدث ووجد وحصل ، قال تعالى (كنتم خير أمة ) أي حدثتم ووجدتم خير أمة. والثاني: الذي يكون ناقصاً كقولك ((كان الله علماً حكيماً ))، فان لفظ كان بهذا التفسير لا بد له من مرفوع ومنصوب، واتفقوا على أن كان على كلا التقديرين فعل ، إلا أنهم قالوا : انه على الوجه الأول فعل تام ، وعلى الثاني فعل ناقص ، فقلت للقوم : لو كانت هذه اللفظة فعلا لكان دالا على حصول حدث في زمان معين ولو کان کذلك لکنا إذا أسندناه الی اسم واحد لکان حينئذ قد دل على حصول حدث لذلك الشيء ، وحينئذ يتم الكلام ، فكان يجب أن يستغني عن ذكر المنصوب ، وعلى هذا التقدير ١٣٧ اقسام الصفات الحقيقية يصير فعلا تاماً . فثبت أن القول بان بهذه الكلمة الناقصة فعل يوجب كونها تامة غير ناقصة ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا . فكان القول بأن هذه الكلمة ناقصة كلاماً باطلاً ، ولما أوردت هذا السؤال عليهم بقي الأذكياء من النحويين والفضلاء منهم متحيرين فيه زماناً طويلاً ، وما أفلحوا في الجواب ، ثم لما تأملت فيه وجدت الجواب الحقيقي الذي يزيل الشبهة، وتقريره أن نقول: لفظ ((كان)) لا يفيد إلا الحدوث والحصول والوجود، إلا أن هذا على قسمين : منه ما يفيد حدوث الشيء في نفسه ، ومنه ما يفيد موصوفية شيء بشيء آخر. أما القسم الأول: فان لفظ ((كان)) يتم باسناده إلى ذلك الشيء الواحد لأنه يفيد أن ذلك الشيء قد حدث وحصل ، واما القسم الثاني فانه لا تتم فائدته إلا بذكر الاسمين ، فانه إذا ذکر کان معناه حصول موصوفية زيد بالعلم ولا يمكن ذكر موصوفية هذا بذاك إلا عند ذكرهما جميعاً ، فلا جرم لا يتم المقصود إلا بذكرهما، فقولنا: ((كان زيد عالماً))، معناه أنه حدث وحصل موصوفية زيد بالعلم ، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الكون يفيد الحصول والوجود فقط ، إلا أنه في القسم الأول يكفيه إسناده إلى اسم واحد ، وفي القسم الثاني لا بد من ذكر الاسمين ، وهذا من اللطائف النفيسة في علم النحو، إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير لا فرق بين الكائن والموجود فوجب جواز إطلاقه على الله تعالى. القسم الثالث : من أقسام الصفات الحقيقية : - الصفة التي تكون مغايرة للوجود ولکیفیات الوجود. اعلم أن هذا البحث مبني على أنه هل يجوز قيام هذه الصفات بذات الله تعالى ؟ فالمعتزلة والفلاسفة ينكرونه أشد الانكار ، ويحتجون عليه بوجوه : - الأول : أن تلك الصفة إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها ، والقسمان باطلان ، فبطل القول بالصفات ، وإنما قلنا أنه يمتنع كونها واجبة لذاتها لوجهين ( الأول ) أنه ثبت في الحكمة أن واجب الوجود لذاته لا يكون إلا واحداً (الثاني ) أن الواجب لذاته هو الذي يكون غنياً عما سواه ، والصفة هي التي تكون مفتقرة إلى الموصوف، فالجمع بين الوجوب الذاتي وبين كونه صفة للغير محال ، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون ممكناً لذاته لوجهين ( الأول ) أن الممكن لذاته لا بد له من سبب ، وسببه لا يجوز أن يكون غير ذات الله ، لأن تلك الذات لما امتنع خلوها عن تلك الصفة ، وتلك الصفة مفتقرة إلى الغير لزم كون تلك الذات مفتقرة إلى الغير. وما كان كذلك كان ممكناً لذاته فيلزم أن يكون الواجب لذاته ممكناً لذاته، وهو محال ، ولا يجوز أن يكون هو ذات الله تعالى ؛ لأنها قابلة لتلك الصفة فلو كانت ١٣٨ اقسام الصفات الحقيقية مؤثرة فيها لزم كون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد فاعلا وقابلا معاً ، وهو محال ؛ لما ثبت أن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد ، والفعل والقبول أثران مختلفان ( الثاني ) أن الأثر مفتقر إلى المؤثر ، فافتقاره إليه إما أن یکون بعد حدوثه ، أو حال حدوثه ، أو حال عدمه ، والأول باطل . وإلا لكان تأثير ذلك المؤثر في إيجاده تحصيلاً للحاصل ، وهو محال ، فبقي القسمان الأخيران ، وذلك يقتضي أن يكون كلما كان الشيء أثراً لغيره كان حادثاً، فوجب أن يقال : الشيء الذي لا يكون حادثاً فإنه لا يكون أثراً للغير ، ثبت أن القول بالصفات باطل. الحجة الثانية على نفي الصفات : قالوا : إن تلك الصفات إما أن تكون قديمة أو حادثة والأول باطل لأن القدم صفة ثبوتية على ما بيناه ، فلو كانت الصفات قديمة لكانت الذات مساوية للصفات في القدم ، ويكون كل واحد منهما مخالفاً للآخر بخصوصية ماهيته المعينة وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فيكون كل واحد من تلك الأشياء القديمة مركباً من جزأين ثم نقول : ويجب أن يكون كل واحد من ذينك الجزأين قديماً لأن جزء ماهية القديم يجب أن يكون قديماً ، وحينئذ يكون ذانك الجزآن يتشاركان في القدم ويختلفان بالخصوصية ، فيلزم كون كل واحد منهما مركباً من جزأين ، وذلك محال لأنه يلزم أن يكون حقيقة الذات وحقيقة كل واحدة من تلك الصفات مركبة من أجزاء غير متناهية وذلك محال ، وإنما قلنا إنه يمتنع كون تلك الصفات حادثة لوجوه : ( الأول ) : أن قيام الحوادث بذات الله محال ، لأن تلك الذات إن كانت كافية في وجود تلك الصفة أو دوام عدمها لزم دوام وجود تلك الصفة أو دوام عدمها بدوام تلك الذات ، وإن لم تكن كافية فيه فحينئذ تكون تلك الذات واجبة الاتصاف بوجود تلك الصفة أو عدمها ، وذلك الوجود والعدم يكونان موقوفين على شيء منفصل ، والموقوف على الموقوف على الغير موقوف على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، ينتج أن الواجب لذاته ممكن لذاته ، وهو محال . ( والثاني ) أن ذاته لو كانت قابلة للحوادث لكانت قابلية تلك الحوادث من لوازم ذاته ، فحينئذ يلزم كون تلك القابلية أزلية لأجل كون تلك الذات أزلية ، لكن يمتنع كون قابلية الحوادث أزلية ؛ لأن قابلية الحوادث مشروط بإمكان وجود الحوادث ، وإمكان وجود الحوادث في الأزل محال ، فكان وجود قابليتها في الأزل محالاً . (الثالث ) أن تلك الصفات لما كانت حادثة الإله الموصوف بصفات الإلهية موجوداً قبل حدوث هذه الصفات ، فحينئذ تكون هذه الصفات مستغنى عنها في ثبوت الإلهية ، فوجب نفيها ، فثبت أن تلك الصفات إما أن تكون حادثة أو قديمة ، وثبت فسادهما فثبت إمتناع وجود الصفة . الحجة الثالثة : أن تلك الصفات إما أن تكون بحيث تتم الإلهية بدونها أو لا تتم ، فإن ١٣٩ اقسام الصفات الحقيقية كان الأول كان وجودها فضلاً زائداً، فوجب نفيها ، وإن كان الثاني كان الإله مفتقراً في تحصيل صفة الإلهية إلى شيء آخر ، والمحتاج لا يكون إلهاً . الحجة الرابعة : ذاته تعالى إما أن تكون كاملة في جميع الصفات المعتبرة في المدائح والكمالات، وإما أن لا تكون ، فإن كان الأول فلا حاجة إلى هذه الصفات ، وإن كان الثاني كانت تلك الذات ناقصة في ذاتها مستكملة بغيرها ، وهذه الذات لا يليق بها صفة الإلهية . الحجة الخامسة : لما كان الإله هو مجموع الذات والصفات فحينئذ يكون الإله مجزأ مبعضاً منقسماً ، وذلك بعيد عن العقل ؛ لأن كل مركب ممكن لا واجب . الحجة السادسة : أن الله تعالى كفر النصارى في التثليث ، فلا يخلو إما أن يكون لأنهم قالوا بإثبات ذوات ثلاثة ، أو لأنهم قالوا بالذات مع الصفات ، والأول لا يقوله النصارى ، فيمتنع أن يقال إن الله كفرهم بسبب مقالة هم لا يقولون بها ، فبقي الثاني ، وذلك يوجب أن يكون القول بالصفات كفراً . فهذه الوجوه يتمسك بها نفاة الصفات ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى هذا التقدير يمتنع أن يحصل الله تعالى إسم بسبب قيام الصفة الحقيقية به . المسألة الثانية في دلائل مثبتي القول بالصفات : أعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً ، فنقول يمتنع أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات، ويدل عليه وجوه ( الأول ) أنا ندرك تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا : ذات الله ذات ، وبين قولنا : ذات الله عالمة قادرة ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات ( الثاني ) أنه يمكن العلم بكونه موجوداً مع الذهول عن كونه قادراً وعالماً ، وكذلك يمكن أن يعلم كونه قادراً مع الذهول عن كونه عالماً، وبالعكس ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات ( الثالث ) أن كونه عالماً عام التعلق بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن ، وكونه قادراً ليس عام التعلق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة ، بل هو مختص بالجائز فقط ، ولولا الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان ذلك ( الرابع ) أن كونه تعالى قادراً يؤثر في وجود المقدرو ، وكونه عالماً لا يؤثر ، ولولا المغايرة وإلا لما كان كذلك ( الخامس ) أن قولنا : موجود ، يناقضه قولنا : ليس بموجود ، ولا يناقضه قولنا : ليس بعالم ، وذلك يدل على أن المنفي بقولنا : ليس بموجود مغاير للمنفي بقولنا : ليس بعالم ، وكذا القول في كونه قادراً . فهذه دلائل واضحة على أنه لا بد من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى ، إلا أنه بقي أن يقال: لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من ((كونه قادراً)) ١٤٠ اقسام الصفات الحقيقية كونه بحيث يصح منه الإيجاد، وتلك الصحة معللة بذاته، و((كونه عالماً)) معناه الشعور والإدراك ، وذلك حالة نسبية إضافية ، وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة ، وهذا تمام الكلام في هذا الباب . المسئلة الثالثة : أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة ، وهي مثل العلم والقدرة ، فإن العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم ، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور ، فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات . أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق الله تعالى فليست إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو الدراك الفعال ، إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضاً كذلك ، وحينئذ لا تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول ، وقال المتكلمون إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً قادراً، واحتجوا عليه بأن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في هذه الصحة ، فلا بد وأن تكون تلك الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة ، فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة ، فيقال لهم : قد دللنا على أن ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة ، فسقط هذا الدليل ، وأيضاً الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة ، فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى ، ولزم التسلسل ، ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية ، وقال قوم ثالث : معنى كونه حياً أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم ، فهذا عبارة عن نفي الامتناع ، ولكن الامتناع عدم ، فنفيه يكون عدماً للعدم ، فيكون ثبوتاً ، فيقال لهم : هذا مسلم ، لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة ، فإن قالوا : الدليل عليه أنا نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية ، فوجب أن يكون كونها حية مغايراً لتلك الذات ، فيقال لهم: قد دللنا على أنا لا نعقل ذات الله تعالى تعقلاً ذاتياً ، وإنما نتعقل تلك الذات تعقلاً عرضياً ، وعند هذا يسقط هذا الدليل ، فهذا تمام الكلام في هذا الباب . المسئلة الرابعة : لفظ الحي وارد في القرآن ، قال الله تبارك وتعالى ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وقال ( وعنت الوجوه للحي القيوم) وقال ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم ، فما السبب في أن ذكره الله تعالى في معرض المدح العظيم ؟ فالجواب إن التمدح لم يحصل بمجرد كونه حياً ، بل بمجموع كونه حياً قيوماً . وذلك لأن القيوم هو القائم