النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة التكوير، الآيات: ١١ - ٢٩. يقال: إذا قام زيد قعد عمر، وقال ابن عباس في قوله: ﴿إذا الشمس كوّرت﴾ إلى قوله: ﴿علمت﴾: اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة. ﴿فلا أُقسم بالخنّس الجوار الكتّس﴾ قال قوم: هي النجوم الخمسة الذراري السيارة تخنس في مجارتها فترجع ورائها ويكنس في وقت اختفائها غروبها كما يكنس الظباء في مغارها، وقال قتادة: هي النجوم تبدوا بالليل وتخفى بالنهار فلا تُرى ودليل هذا التأويل ما روى شعبة عن سماك عن خالد بن عرغرة أن رجلا من مراد قال لعلي: ما الخنس الجوار الكنس؟ قال: هي الكواكب تخنس بالنهار فلا تُرى وتكنس بالليل فتأوي إلى مجاريها، وهي بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري، قال ابن زيد: معنى الخنس: أنها تخنس أي تتأخر عن مطالعها كل سنة لها في كل عام تأخر يتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع يخنس عنه والكنس يكنسن بالنهار فلا تُرى. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن النواب قال: حدّثنا رضوان بن أحمد بن عبدالجبار قال: حدّثنا أبو معونة عن الأعمش عن إبراهيم عن عبدالله في قوله سبحانه: ﴿الجوار الكنس﴾ قال: هي بقر الوحش، وإليه ذهب إبراهيم وجابر بن زيد وقال سعيد بن جبير: هي الظباء وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وأصل الخنس الرجوع إلى وراء، والكنوس أن يأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي يأوي إليها الوحش قال الأعشى: فلما لحقنا الحي أتلع أنس كما أتلعت تحت المكانس ربرب(١) ويقال لها الكنايس أيضاً، قال طرفة بن العبد: كأن كناسي ضالة يكنفانها وأطرقي تحت صلب مؤيد (٢) وقال أوس بن حجر: : ألم ترأن الله أنزل مزنه. وعفر الظباء في الكناس تقمع (٣) ﴿والليل إذا عسعس﴾ قال الحسن: أقبل بظلامه، وقال الآخرون: أدبر، يقول العرب: عسعس الليل وسعسع إذا أدبر ولم يبق منه إلّ اليسير، قال علقمة بن فرط: وانجاب عنها ليلها وعسعشًا (٤) حتى إذا الصبح لها تنفسا وقال رؤبة : (١) جامع البيان للطبري: ٩٦/٣٠. جامع البيان للطبري: ٣٠ /٩٦. (٢) (٣) المصدر السابق. (٤) جامع البيان للطبري: ٩٩/٣٠. ١٤٢ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي يا هندما أسرع ما تسمسعا من بعد أن كان فتى سرعرعا(١) من بعد إن كان فتى سرّعرعا . . ﴿والصبح إذا تنفّس﴾ أقبل وأضاء وبدأ أوله وقيل: أمتد وارتفع. ﴿إنه﴾ يعني القرآن ﴿لقول﴾ لتنزيل ﴿رسول كريم﴾ وهو جبريل (عليه السلام) ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم﴾ في السماء يطيعه الملائكة ﴿أمين﴾ على الوحي ﴿وما صاحبكم﴾ محمد ﴿بمجنون ولقد رآه﴾ يعني جبريل على صورته ﴿بالأفق المبين﴾ وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق الذي يجيء منه النهار، قاله مجاهد وقتادة. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن علويه قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحق بن بشر قال: حدّثنا ابن جريح عن عكرمة، ومقاتل عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﴿ لجبريل: ((إني أحبّ أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء)) قال: لن تقوى على ذلك، قال: ((بلى)) قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: ((بالأبطح)) قال: لا يسعني قال: ((فبمنى)) قال: لا يسعني قال: ((فبعرفات)) [١٠١](٢) قال: ذاك بالحرى أن يسعني، فواعده فخرج النبي ◌َّ للوقت، فإذا هو بجبريل (عليه السلام) قد أقبل من جبال عرفات بخشخشه وكلكله قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجله في الأرض، فلما رآه النبي ◌َّ﴾ خرّ مغشياً عليه فتحوّل جبريل في صورته فضمّه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في النجوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنّه ليتضائل أحياناً من مخافة الله عزّوجل حتى يصير مثل الوضع - يعني العصفور - حتى ما يحمل عرش ربك إلاّ عظمته. ﴿وما هو﴾ يعني محمد بَّر. ﴿على الغيب﴾ أي الوحي وخبر السماء وما اطّلع عليه من علم الغيب ﴿بظنين﴾ قرأ زيد بن ثابت والحسن وابن عمرو والأشهب وعاصم والأعمش وحمزة وأهل المدينة والشام بالضاد، وكذلك في حرف أُبيّ بن كعب ومصحفه، وهي قراءة ابن عباس برواية مجاهد واختيار أبي حاتم ومعناه: يبخل يقول: [يأتيه] علم الغيب وهو منقوش فيه فلا يبخل به عليكم بل يعلّمكم ويخبركم به، يقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضناً وضنانة فأنا ضنين، أي بخيل، قال الشاعر: بسرك عمن سالني لضنين(٣) أجود بمضنون التلاد وانني وقرأ الباقون بالظاء وكذلك هو في حرف ابن مسعود ومصحفه وهي قراءة عبدالله وعروة (١) الصحاح: ١٢٢٩/٣. (٢) تفسير القرطبي: ٢٤١/١٩. (٣) شرح شافية ابن الحاجب ٢: ٢٦٥، وفي الهامش. ١٤٣ سورة التكوير، الآيات: ١١ - ٢٩ ابني الزبير وعمر بن عبدالعزيز وأبي عبدالسلمي ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ومعناه يتهمهم يقال: فلان يُظن بمال ويزن بمال أي يتهمّ به، والظنّة: التهمة، قال الشاعر: أما وكتاب الله لا عن شناءة هجرت ولكن الظنين ظنين(١) واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: أنهم لم يبخّلوه فيحتاج أن ينفى عنه ذلك البخل، وإنما كذّبوه واتهموه، ولأنّ الأكثر من كلام العرب ما هو بظنين بكذا ولا يقولون على كذا إنّما يقولون: ما أنت على كذا بمتهم، وقيل بظنين. بضعيف حكاه الفراء والمبرّد يقال: رجل ظنين أي ضعيف، وبئر ضنون إذا كانت ضعيفة الماء، قال الأعشى: جُنّب صوب اللجب الماطر ما جعل الجد الظنون الذي يقذف بالبوصي والماهر(٢) مثل الفراتي إذا ماطـمـا ﴿وما هو﴾ يعني القرآن ﴿بقول شيطان رجيم فأين تذهبون﴾ يعني قال: أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان، قال الكسائي: سمعت العرب تقول: انطلق به الغور، وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق، أي [ .](٣) قال سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة وأنشدني بعض بني عقيل : تصيح بنا حنيفة إذا رأتنا وأي الأرض تذهب بالصياح(٤) يريد إلى أي الأرض تذهب. وقال الواسطي: فأين تذهبون من ضعف إلى ضعف ارجعوا إلى فُسحة الربوبيّة ليستقر بكم القرار، وقال الجنيد: معنى هذه الآية مقرون بآية اخرى وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه﴾(٥) فأين يذهبون. ﴿إن هو إلاّ ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ أي يتبع الحق ويعمل به ويقيم عليه ثم قال: ﴿وما تشاءون إلّ أن يشاء الله ربّ العالمين﴾ أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكى قال: أخبرنا أبو حامد بن بلال البزاز قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا أبو مسهر قال: حدّثني سعيد عن سليمان بن موسى قال: لما أنزل الله سبحانه وتعالى ﴿لمن شاء منكم أن (١) تفسير القرطبي: ٢٤٢/١٩. (٢) تفسير القرطبي: ٢٤٢/١٩، والجد: البئر، والفراتي: نسبة للفرات، والبوصي: ضرب من السفن، والماهر: السابح. (٣) بياض في المخطوط. (٤) تفسير القرطبي: ٢٤٣/١٩. (٥) سورة الحجر: ٢١. ١٤٤ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي يستقيم﴾ قال أبو جهل بن هشام: ذاك إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله سبحانه ﴿وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين﴾ . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا [الفرمي](١) قال: حدّثني مالك بن سليمان قال: حدّثنا بقية عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: لمّا أنزل الله سبحانه على رسوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ قالوا: الأمر إلينا إن شئناً استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين﴾ وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عمر بن مهران قال: حدّثنا أبو مسلم الكنجي قال: حدّثنا جعفر بن جبير بن فرقد قال: سمعت رجلا سأل الحسن عن قول الله سبحانه وتعالى ﴿وما تشاؤون إلّ أن يشاء الله رب العالمين﴾ فقال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتی شاء الله لها . وأخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن علي بن الحسين قال: حدّثنا علي بن أحمد بن بسطام قال: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا أبو سنان عن وهب بن منبّه قال: الكتب التي أنزلها الله سبحانه على الأنبياء بضع وتسعون كتاباً قرأت منها بضعاً وثمانين كتاباً فوجدت فيها (من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر). : قال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك فلا تشاء إلاّ مشيئته ولا تعمل إلاّ بقوته ولا تطيع إلاّ بفضله ولا تعصي. إلاّ بخذلانه فماذا يبقى لك وماذا تفتخر من أفعالك وليس من فعلك شیء؟. (١) هو أبو علي الفرمي نسبة (الفر) إلى مدينة على ساحل مصر (معجم البلدان). ١٤٥ سورة الإنفطار، الآيات: ١ - ٨ سورة الإنفطار ء مكيّة، وهي تسع عشر آية، وثمانون كلمة، وثلثمائة وسبعة وعشرون حرفاً أخبرني محمد بن القاسم قال: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ إذا السماء انفطرت اعطاه الله سبحانه من الأجر بعدد كل قبر حسنة وبعدد كل قطرة ماء حسنة وأصلح الله له شأنه يوم القيامة)) [١٠٢](١). بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا الشَّمَاءُ أَنْفَطَرَّتْ ﴿ وَإِذَا الْكَوَكِبُ أَثْرَتِ ﴿٣٣] وَإِذَا الْبِحَارُ فُجْرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٦َ الَّذِى خَلَفَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَّدَّمَتْ وَأَخَرَتْ (٥) بَأَنْهَا الْإِسَنُ مَا غَرَّكَ بِيَكَ الْكَرِيرِ ! (٣ فى أَيِّ صُورَرَ مَّا شَآءَ رَّكَبَّكَ ﴿إذا السماء انفطرت﴾ انشقت ﴿وإذا الكواكبُ انتثرت﴾ تساقطت ﴿وإذا البحار فجّرتٍ﴾ أي فجر بعضها في بعض عدنها في ملحها وملحها في عدنها فصارت بحراً واحداً، وقال الحسن: ذهب ماؤها، وقال الكلبي: مليت. ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ بحثت ونثرت وأثيرت فاستخرج ما في الأرض من الكنوز ومن فيها من الموتى أحياء، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته إذا هدمته فجعلت أسفله أعلاه، وهذا من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضّتها وأموالها ﴿علمت نفسٌ ما ما قدّمت﴾ من عمل صالح أو طالح. ﴿وأخّرت﴾ من سنّة حسنة أو سيئة، وقال عكرمة: ما قدّمت من الفرائض التي أدّتها واخّرت من الفرائض التي ضيّعتها، وقيل: ما قدمت من الأعمال وأخّرت من المظالم، وقيل: (١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٨٣. ١٤٦ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي ما قدّمت من الصدقات وأخرّت من التركات، وقيل ما قدّمت من الاسقاط والإفراط وما أخرت من الأولاد وهذا جواب إذا . ﴿يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم﴾. أخبرنا عبدالله الفتحوي قال: حدّثنا أبو علي المقريء قال: حدّثنا أبو القاسم ابن الفضل المقريء قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا المقدّمي وعلي بن هاشم قالا: حدّثنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن برقان قال: حدّثني صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي ◌َّ تلا هذه الآية: ﴿يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم﴾ قال: جهله، وقال قتادة: غرّة شيطانه عدوه المسّلط عليه . وحدّثني الحسن بن محمد بن الحسن قال: حدّثني أبي عن جدّي عن علي بن الحسن الهلالي عن إبراهيم بن الأشعث قال: قيل للفضّيل بن عياض: لو أقامك الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بين يديه فقال: ما غرّك بربّك الكريم ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة، نظمه محمد ابن السماك فقال: الله في الخلوة ثانيكا يا كاتم الذنب أما تستحي غرك من ربّك إمهالـه وستره طول مساويكا(١) وقال: مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجّل عليه بالعقوبة، وتلا [نصر] بن مغلس هذه الآية فقال: غرّه رفق الله به. وسمعت أبا القاسم الحلبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الورّاق يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لو أقامني الله سبحانه بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ قلت: غرّني بك برّك بي سابقاً وآنفاً . وسمعته يقول: أخبرنا عبدالله بن محمد بن صالح المغافري يقول: سمعت حماد بن بكر يحكي عن بعضهم أنه قال: لو سألني عن هذا ربي لقلت: غرّني حلمك، وسمعته يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن يزيد النسقي يقول: سمعت أبا عبدالله حسن أبي بكر الورّاق يقول: سمعت أبا بكر الورّاق يقول: لو قال لي ما غرّك بربّك الكريم لقلت: غرّني كرم الكريم. قال أهل الإشارة: إنّما قال: ﴿بربّك الكريم﴾ دون سائر أسمائه وصفاته؛ لأنه كان لفتة الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، قال منصور بن عمار لو قيل: ما غرّك بي؟ قلت: يا رب ما غرّني إلّ ما علمته من فضلك على عبادك وصفحك عنهم، وروى أبو وائل عن ابن مسعود (١) تفسير القرطبي: ٢٤٦/١٩. ١٤٧ سورة الإنفطار، الآيات: ٩ - ١٩ قال: ما منكم من أحد إلاّ سيخلو الله سبحانه وتعالى به يوم القيامة فيقول: يابن آدم ما غرّك بي يابن آدم ماذا عملت فيما علمت يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ . وسمعت أبا القاسم النيسابوري يقول: سمعت أبا عبدالله محمد بن عبيدالله الشامي وأبا الحسن محمد بن الحسين القاضي الجرجاني يقولان: سمعنا إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر. وأنشدني الحسن بن جعفر البابي يقول: أنشدني منصور بن عبدالله الأصفهاني يقول: أنشدنا أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى: وغرّه طول تماديه يا من غلا في الغنى والتيه ولم تخف غبّ معاصيه(١) أملى لك الله فبارزته ﴿الذي خلقك فسوّاك فعدّلك﴾ قرأ أهل الكوفة بتخفيف الدال أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء قبيحاً أو جميلا وقصيراً أو طويلا، وقرأ الباقون بالتشديد أي قوّمك وجعلك معتدل الخلق، وهو اختيار الفراء وأبي عبيد لقوله سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾(٢). ﴿في أي صورة ما شاء ركّك﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم. وأنبأني عبدالله بن حامد قال: أخبرنا عبدالله بن عبدالرحمن العسكري قال: حدّثنا عبدالرحمن بن محمّد بن منصور قال: حدّثنا مطهر بن الهيثم قال: حدّثنا موسى بن علي عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ويلي .. [ .... ](٣): ((وما ولد لك)) قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إمّا غلام وإما جارية. قال ◌َله: ((من شبه)) قال: فمن شبه إمه وأباه، فقال النبي وَله: ((لا تقل هكذا إنّ النطفة إذا أستقرت في الرحم أحضر الله كلّ نسب بينهم وبين آدم، أما قرأت هذه الآية ﴿في أي صورة ما شاء ركّبك﴾)) قال ◌َله: ((إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة خنزير)) [١٠٣](٤). كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴿﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ إِنَّ يَعْلَمُونَ مَا نَفْعَلُونَ (١) المصدر السابق، وفيه: غلا في العجب. (٢) سورة التين: ٤. (٣) بياض في المخطوط. (٤) تفسير مجمع البيان: ٢٨٧/١٠. ١٤٨ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمِ (١٣) وَإِنَّ الْفُغَّرَ لَّفِى ◌َِيمِ (3َ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (٢٥) وَمَا هُ عَنَّهَا بِغَيِينَ (٨٦) وَمَا أَدْرَبِكَ مَا يَوْمُ اَلْدِينِ (١) ثُمَّ مَآ أَدْرَتِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَّفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ ﴿كلّ بل تكذبون بالدين﴾ قراءة العامة بالتاء لقوله سبحانه ﴿وإن عليكم﴾ وقراءة أبو جعفر بالياء ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ رقباء يحفظون عليكم أعمالكم. ﴿كراماً﴾ على الله ﴿كاتبين﴾ يكتبون أقوالكم وأفعالكم. ﴿يعلمون ما تفعلون إنّ الأبرار﴾ يعني الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله وإجتناب معاصيه، وأخبرنا عبدالرحمن بن يحيى العدل قال: حدّثنا علي المؤمل قال: حدّثنا أحمد بن عثمان قال: حدّثنا هشام بن عامر قال: حدّثنا سعد بن يحيى بن عبيدالله بن الوليد الوصافي عن محارب بن [دثار] عن ابن عمر عن النبي وَّ قال: ((إنما سماهم الله الأبرار لأنّهم برّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق)) [١٠٤](١) . . : ﴿لفي نعيم * وإنّ الفجّار لفي جحيم * يصلونها﴾ يدخلونها ﴿يوم الدين﴾ يوم القيامة ﴿وما هم عنها بغائبين * وما أدريك ما يوم الدين ثم ما أدريك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً﴾ قراءة أهل مكّة والبصرة برفع الميم ردّاً على اليوم الأول، وقراءة غيرهم بالنصب أي في يوم، واختاره أبو عبيد قال: لأنها اضافة غير محضة ﴿والأمر يومئذ لله﴾. (١) تفسير القرطبي: ١٢٥/١٩. ١٤٩ سورة المطففين، الآيات: ١ - ١٤ سورة المطففين مدنية، وهي ست وثلاثون آية، ومائة وتسع وستون كلمة، وسبع مائة وثلاثون حرفاً أخبرنا كامل بن أحمد المفيد قال: أخبرنا محمد بن مطر العدل قال: حدّثنا ابن إبراهيم بن شريك الأسدي قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامه عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَ له: ((من قرأ سورة المطفّفين سقاه الله سبحانه من الرحيق المختوم يوم القيامة)) [١٠٥](١). بسم الله الرحمن الرحيم الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َّرَبُوهُمْ يُخْسِرُونَ وَبْلَ لِلْمُطْفِّفِينَ أَ بَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَّهُمْ تَبَّعُوتُونَ (١) لِيَوْمٍ عَظِيمِ ﴿٥ْ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴿٦َ كََّ إِنَّ كِتَبَ الْغُجَّارِ كِتَبُ مَرَقُومُ جَ وَبِلِّ يَوْمَّدٍ لِلْمُكَّذِبِينَ (٣) الَّذِينَ بَكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٧) وَمَا أَذْرَئِكَ مَا سِمِينٌ إ لَفِى سِتِينٍ ) كَلَا بَلَّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم إِذَا نَ عَلَيْهِ مَابَنَا قَالَ أَسْطِيرُ الْأَوْلِينَ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَنِ هَ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ويل للمطففين﴾ يعني الذين ينقصون الناس ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن، وأصله من الشيء الطفيف وهو النزر القليل، وإناءٌ طفاف إذا لم يكن ملآن، ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم كطف الصاع، يعني ذلك: كقرب الملء منه ناقص عن الملء(٢). ﴿الذين إذا اكتالوا﴾ أخذوا ﴿على الناس﴾ أي منهم، وعلى ومن تتعاقبان في هذا الموضع ﴿يستوفون﴾ حقوقهم منه ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم، يقال: وزنتك حقّك، وكِلْتك طعامك بمعنى وزنت لك وكلت لك، قال الفراء: وهي لغة أهل الحجاز ومَنْ جاوزهم من [ ...... ](٣) قال: وسمعتُ أعرابية تقول: إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. (١) تفسير مجمع البيان: ٢٨٩/١٠. (٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط. (٢) تفسير الطبري: ١١٣/٣٠. ١٥٠ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين حرفين ويقف على: كالوا ووزنوا، ثمّ يبتدئ فيقول: هم يخسرون، قال: وأحسب قراءة حمزة أيضاً كذلك، قال أبو عبيد: والأختيار أن يكون كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط، وذلك أنهم كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا ووزنوا بالألف على ما كتبوا الأفعال كلّها مثل: فاءوا وجاءوا [ ... ](١) المصاحف إلاّ على إسقاطها . والجهة الأُخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلتُ لك ووزنت لك، وهو كلام عربي كما يقال: صدتك وصدت لك وكسبتك وكسبت لك ومثله كثير. ﴿يخسرون﴾ ينقصون. حدّثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا عبدالرحمن بن بشر قال: حدّثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني يزيد النحوي أن عكرمة حدّثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ◌ّلل المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله سبحانه ﴿ويلٌ للمطفّفين﴾ فأحسنوا الكيل. وقال القرطبي: كان بالمدينة تجارٌ يُطفّفون وكانت بياعتهم كشبه القِمار والمنابذة والملامسة والمخاطرة فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فخرج رسول الله ويقول إلى السوق وقرأها عليهم، وقال السدي: قدم رسول الله وَل المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن يوسف قال: حدّثنا ابن عمران قال: حدّثنا أبو الدرداء، عبدالعزيز [بن منيب] قال: حدّثنا إسحاق بن عبدالله بن كيسان عن أبيه عن الضحاك ومجاهد وطاووس عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه وَ ليقول: ((خمس لخمس)) قالوا: يا رسول الله وما خمس لخمس؟ قال: ((ما نقض قوم العهد إلاّ سلّط عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاّ فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلاّ فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النبات وإخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلاّ حبس عنهم القطر)) [١٠٦](٢). وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا ابن أيوب قال: حدّثنا القصواني قال: حدّثنا سنان بن حاتم قال: حدّثنا حفص قال: حدّثنا مالك بن دينار قال: دخلتُ على جار لي وقد نزل به الموت فجعل يقول: جبلين من نار جبلين من نار، قال: قلت: ما تقول أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر، قال: فقمت فجعلت (١) بياض بالمخطوط. (٢) المعجم الكبير: ٣٨/١١. ١٥١ سورة المطففين، الآيات: ١ - ١٤ أضرب أحدهما بالآخر فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر إزداد عظماً فمات في وجعه . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن صقلان قال: حدّثنا محمد بن محمد بن النفاخ الباهلي قال: حدّثنا بركة بن محمد الحلبي عن عثمان بن عبدالرحمن عن النضر بن عدي قال: سمعتُ عكرمة يقول: أشهد على كلّ كيّال أو وزّان أنّه في النار، قيل له: إنّ ابنك كيال أو وزان، قال: أنا أشهد أنه فى النار. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل قال: حدّثني عبدالله بن زكريا القاضي قال: حدّثنا العباس بن عبدالله بن أحمد قال: حدّثنا المبرد قال: حدّثنا الرياسي عن الأصمعي قال: قال لي إعرابي: لا تلتمس الحوائج ممن مروءته في رؤس المكاييل والسن الموازين، وروى عبد خير أن عليّاً مرّ على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فكفا الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، وقال نافع كان ابن عمر يمرّ بالبائع فيقول: اتّقِ الله وأوفِ الكيل والوزن، فإن المطفّفين يوقفون يوم القيامة حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم . ﴿ألا يظنّ﴾ يستيقن ﴿أولئك أنّهم مبعثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع عن هشام صاحب [الدستواني] عن القمر بن أبي [ابزى] قال: حدّثني من سمع ابن عمر قرأ ﴿ويل للمطففين﴾ فلما بلغ ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ بكى حتى خرّوا وامتنع من قراءة ما بعده . ﴿كلّ﴾ قال الحسن: حقاً ﴿إنّ كتاب الفجار﴾ الذي كتب فيه أعمالهم ﴿لفي سجين﴾ قال عبدالله بن عمر ومغيث بن سمي وقتاده ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفّار وأعمالهم، يدلّ عليه ما أخبرنا الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب قال: حدّثنا الأعمش عن المنهال عن زادان عن البرك قال: قال رسول الله وَلجر: ((سجين أسفل سبع أرضين)) [١٠٧](١): وأخبرني أبو عبدالله الفنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقريء قال: حدّثنا أبو [القاسم بن] الفضل قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يعقوب بن عبدالله الأشعري قال: حدّثنا حفص ابن حميد عن سمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إنّ كتاب الفجّار لفي سجين﴾ فقال: إنّ روح الفاجر يُصعد بها إلى السماء (١) تفسير مجمع البيان: ٢٩٢/١٠، وقريب منه في تفسير القرطبي: ٢٥٨/١٩. ١٥٢ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فيُهبط تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجّين، وهي حدّ إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت حدّ إبليس رق فيرقم ويختم ويوضع تحت حدّ إبليس بمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة، وإليه ذهب سعيد بن جبير قال: سجّين تحت حدّ إبليس، وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السُفلى وفيها إبليس وذريته . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل قال: حدّثنا عبدالرحمن بن أبي حاتم قال: قراءتي على يونس بن عبدالأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: وحدّثني عمارة بن عيسى عن يونس بن يزيد عمّن حدّثه عن ابن عباس أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن سجّين وعليّين، فقال كعب: والذي نفسي بيده لأأخبرنّك عنها إلاّ بما أجدُ في كتاب الله المنزل، أما سجّين فإنّها شجرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها كلّ اسم شيطان، فإذا قبضت نفس الكافر عرج بها إلى السماء فغلقت أبواب السماء دونها، ثم رمى بها إلى سجين فذلك سجين، وأما عليّيون فإنّه إذا قُبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى العرش، قال: فيخرج كفّ من العرش فيكتبُ لُه نُزله وكرامته فذلك عليّون. وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السموات منها، يجعل كتاب الفجار تحتها، وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. وأخبرني عقيل: إن المعافى أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني إسحاق بن وهب الواسطي قال: حدّثنا مسعود بن موسى بن مشكان قال: حدّثنا نصر بن خزيمة عن شعيب بن صفوان عن القرطي عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال. ((الفلق جبّ في جهنم مغطّى وأما سجين جبّ في جهنم مفتوح)) [١٠٨](١). وأخبرنا أبو القمر الصفار قال: أخبرنا حاجب بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن حماد قال: حدّثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله سبحانه: ﴿إن كتاب الفجّار لفي سجّين﴾ قال: سجّين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجّار تحتها، وقال عكرمة: أي لفي خسار وضلال، والمعنى أنه أراد بطلان أعمالهم وذهابها بلا محمده ولا ثواب وهذا سائغ مستفيض في كلام الناس، يقولون لمن خمل ذكره وسقط قدره قد الزق بالحضيض، وقال الأخفش: لفي حبس ضيق شديد، وهو فعّيل من السجّن كما يقال فسّيق وشرّيب قال ابن مقبل: ورفقه يضربون البيّض ضاحيّة ضرباً تواصت به الأبطال سجيناً (٢) (١) جامع البيان للطبري: ١٢٠/٣٠، الدر المنثور: ٣٢٥/٦. (٢) تفسير القرطبي: ٢٥٨/١٩ . ١٥٣ سورة المطففين، الآيات: ١ - ١٤. وما أدراك﴾ يا محمد ﴿ما سجّين﴾ أي ذلك الكتاب الذي في السجّين ثِم منّ فقال: ﴿كتاب﴾ أي هو كتاب ﴿مرقوم﴾ مكتوب مثبت عليهم کالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به وقال قتادة: رُقم لهم بشرّ وقيل: مختوم بلغة حمير. ﴿ويل يومئذ للمكذّبين * الذين يكذّبون بيوم الدين * وما يكذّب به إلاّ كلُ مُعتد أثيم * إذا تتلى عليه آياتنا﴾ قراءة العامة تتلى، وقرأ أبو حيان بالياء لتقديم الفعل. ﴿قال أساطير الأوّلين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ أخبرنا الحسين قال: حدّثنا الفضل قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن مكرم التربي ببغداد قال: حدّثنا علي المكرمي قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: حدّثني القعقاع بن حكم أن أبا صالح السمّان قال أن أبا هريرة حدّثه أنّه سمع رسول الله وَّه يقول: ((إنّ العبد إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب صُقل قلبه وإن عاد زادت حتى يسوّد قلبه)) [١٠٩](١) قال: فذلك قوله سبحانه ﴿كلّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسوّد القلب، وقال حذيفة بن اليمان: القلب مثل الكفّ فإذا أذنب العبد انقبض وقبض أصبعاً من أصابعه ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعاً أخرى، ثم إذا أذنب انقبض وقبض أصابعه ثم يطبع عليه فكانوا يرون أنّ ذلك هو الرين، ثمّ قرأ هذه الآية. وقال بكر بن عبدالله: إنّ العبد إذا أصاب الذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة ثمّ إذا أذنب ثانياً صار كذلك فإذا كثرت الذنوب صار القلبُ كالمنخل أو كالغربال، وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى لعله يصديء القلب، وقال ابن عباس: طبع عليها، عطا: غشيت على قلوبهم فهوت بها فلا يفزعون ولا يتحاشون(٢)، وقيل: قلبها فجعل أسفلها أعلاها، نظيره قوله سبحانه ﴿ونقلّب أفئدتهم﴾(٣) وأصل الرين الغلبة، يقال: رانت الخمر على عقله إذا غلبت عليه فسكر، وقال أبو زبيد الطائي : ــبر وأن لا يرينه باتّقاء ثم إذا رآه رانت به الخـ . وقال الراجز: .(٤). لم نرو حتى هجّرت ورين بي ورين بالسّاقي الذي أمسّى مَعي معنى الآية غلب على قلوبهم وأحاطت بها حتى غمرتها وغشيتها. (١) مسند أحمد: ٢٩٧/٢، تحفة الأحوذي: ٢٥/١، جامع البيان للطبري: ١٢٣/٣٠ بتفاوت. (٢) تفسير الطبري: ٣٠ /١٢٤. (٣) سورة الأنعام: ١١٠. (٤) جامع البيان للطبري: ١٢٢/٣٠. ١٥٤ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي كَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَيْهِمْ يَوْمَدٍ لَحْبُوُونَ ثُمَّ إِنَمْ لَصَالُوْ اْمِ (١٦) ثمّ بَلُ هَذَا الَّذِى كُ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٥ (١٧) يَشْهَدُهُ المُعَرَبُونَ كِتَبُ مَرْقُومُ كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْزَارِ لَفِي عِلَّتِينَ (١٨) وَمَا أَدْرَئِكَ مَا عِلُّونَ يُسْقَوْنَ مِن إِنَّ الْأَبْوَارَ لَّفِى نَعِمٍ (٣٧) عَلَى الأَرَبِكِ يَظُرُونَ (٢٣) تَغْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢) غَيْنَاً يَشْرَبُ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (٢٥) خِتَفُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَفَسِ الْمُنََّفِسُونَ (٢٦) وَمِرَاجُهُ مِنْ تَسْنِمِ (49) بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَثْرِمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَغَامَنُونَ وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَىَّ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴿٦َ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَلُونَ (٢٦) وَمَّا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حفظِينَ (٣٣ كَنُواْ يَفْعَلُونَ. فَلَيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ بَضْحَكُونَ (٢٦) عَلَى الْأَرَابِكِ يَظُرُونَ هَلْ تُبَ الْكُفَارُ مَا ﴿كلّ إنهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون﴾ قال بعضهم: من كرامته ورحمته ممنوعون، وقال قتادة: هو أن لا ينظر إليهم ولا يزكيهم، وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته، قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. أخبرنا الحسن بن محمد بن جعفر قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني قال: حدّثنا الحسين بن الفضل قال: حدّثنا عفان بن مسلم الصفار عن الربيع بن صبيح وعبدالواحد بن زيد قالا: قال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربّهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا، وقال يحيى بن سليمان: بن نضلة: يُسئل مالك بن أنس عن هذه الآية قال: لها حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رآوه، وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد [الشبوي] (١) بها يقول: سمعت أبا نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي نظريته وجاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قول الله سبحانه: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ فكتب فيه: لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، فقلت له: أوتدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أن يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا. ﴿ثم أنهم لصالوا الجحيم﴾ لداخلوا النار ﴿ثم يقال هذا الذي كنت به تكذبون # كلّ إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ أخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب عن الأعمش عن النهال عن زادان عن البراء بن عازب عن النبي ◌َّر قال: ((عليين في السماء السابعة تحت العرش)) [١١٠](٢) وقال ابن عباس هو لوح من زيزجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها، وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش (١) كذا في المخطوط . (٢) تفسير القرطبي: ٢٦٢/١٩. ١٥٥ سورة المطففين، الآيات: ١٥ - ٣٦ اليمنى، مقاتل: ساق العرش، علي ابن أبي طلحة وعطاء عن ابن عباس: هو الجنة، عطية عنه: أعمالهم في كتاب الله في السماء، الضحاك: سدرة المنتهى، وقال أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون لجمع الرجال إذا لم يكن له نبأ من واحد ولا ثانية، قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه كقولك عشرين وثلاثين، وقال يونس النحوي: واحدها عليّ وعليّه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن حمدان قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي قال: حدّثنا محمد بن يونس قال: حدّثنا عفان قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عصام ابن يهدله عن خيثمة عن عبدالله بن عمرو في قوله سبحانه: ﴿كلّ إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ قال: إنّ أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا فإذا أشرف رجل أشرقت الجنة وقالوا: قد طلع علينا رجل من أهل عليين. ﴿وما أدريك ما عليّون * كتاب مرقوم﴾ رقم له بخير وفي الآية تقديم وتأخير، مجازها: إنّ كتاب الأبرار مرقوم في عليين وهي محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجّار كتاب مرقوم وهي سجين، وهي محل إبليس وجنوده. ﴿يشهده المقرّبون﴾ الملائكة ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون﴾ أي ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة، الأرائك: كلّ ما يتكيء عليه، وقيل: السرير في الحجلة، وقال مقاتل: ينظرون إلى [أعدائهم](١) كيف يعذّبون، وقال ابن عطاء: على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف وعلى أرائك القربة ينظرون إلى الرؤوف. ﴿تعرفُ في وجوههم نضرة النعيم﴾ أي عصارته وبريقه ونوره يقال أنضر النبات إذا أزهر ونوّر، وقراءة العامة ﴿تعرِف﴾ بفتح التاء وكسر الراء ﴿نضرة﴾ نصب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل. ﴿يُسقون من رحيق﴾ خمر صافية طيبة وقيل: هي الخمر العتيقة، مقاتل: الخمر البيضاء. قال حسان : بردا يُصفّق بالِرحيق السَلسَل(٢) يسقون من ورّد البريص عليهم وقال آخر: (٣) أشهى إلىّ من الرحيق السلسل أم لا سبيل إلى الشباب وذكره (١) في المخطوط: عدوّهم. (٢) تفسير القرطبي: ١٤٣/١٩، والبريض: نهر بدمشق، وبردى: نهر بدمشق أيضاً، ويصفق: يمزج، والرحيق: الخمر البيضاء. (٣) لسان العرب: ٣٤٣/١١. ١٥٦ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي ﴿مختوم﴾ ختمت ومُنعت عن أن يمسها ماس أو تنالها يد إلى أن يفكّ خَتْمها الأبرار يوم القيامة، وقال مجاهد: مطيّن. ﴿ختامه﴾ طينة ﴿مسك﴾ قال ابن زيد: ختامه عند الله سبحانه: مسّك وختامها اليوم في الدنيا طين، وقال ابن مسعود: مختوم ممزوج، ختامه خلطو مسك، وقال علقمة: طعمه وريحه مسك، وقال الآخرون: عاقبته وآخر طعمه مسك، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك، وروى عبدالرحمن بن سابط عن أبي الدرداء في قوله سبحانه ﴿ختامه مسك﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلاّ وجد طيبها . وختم كلّ شيء الفراغ منه، ومنه ختم القرآن، والأعمال بخواتيمها، وقراءة العامة (ختامه) بتقديم التاء وقرأ الكسائي (خاتمه) وهي قراءة علي وعلقمة. أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: أخبرنا يحيى بن زرارة الفراء قال: حدّثني محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن أنه قرأ خاتمه مسك. وباسناده عن الفراء قال: حدّثني أبو الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي قال: قرأ علقمة بن قيس (خاتمه مسك) وقال: أما رأيت المرأة تقول للعطار: اجعل لي خاتمه مسكاً، تريد آخره، والخاتم والختام واحد كما يقال للرجل الكريم: الطابع والطباع، وقال الفرزدق: وبتّ أفضُ أغلاق الختام(١) فيتن بجانبي مـصـرعـات ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وقال مجاهد فليعمل العاملون، نظيره قوله سبحانه: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾(٢)، مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون، ابن حيان: فليتسارع المتسارعون، عطا: فليستبق المتسابقون، زيد بن أسلم: فليتشاح المتشاحون، ابن جرير: فليجدوا في طلبه وليحرصوا عليه، وأصله من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويطلبه ويتمناه ويريده كل واحد منهم لنفسه وينفس به على غيره أي يضنُ. ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ شراب ينصب عليه من علو، ومنه سنام البعير وتسنيم القبور قال الضحاك: هو شراب اسمه تسنيم وهو أشرف الشراب، مقاتل: يسمى تسنيماً؛ لأنه يتسنّم فيصب عليه انصباباً من فوقهم في غرفهم ومنازلهم تجري من جنّة عدن إلى أهل الجنان، قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونها صرفاً ويمزج لساير أهل الجنة. (١) لسان العرب: ٢٩١/١٠. (٢) سورة السجدة: ١٧ . ١٥٧ سورة المطففين، الآيات: ١٥ - ٣٦ وأخبرنا عبدالله بن حامد في آخرين قالوا: أخبرنا مكيّ قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال: حدّثنا سويد بن عمرو الكلبي قال: حدّثنا حماد بن سملة عن علي بن زيد عن يونس بن مهران عن ابن عباس ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ قال: هذا مما قال الله سبحانه: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾(١)، وعن بعضهم: أنها عين تجري في الهواء متسنماً فتصب في أواني أهل الجنّة على مقدار ملئها، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض فلا يحتاجون إلى الأستقاء وهو معنى قول قتادة، وأصل الكلمة مأخوذ من علوّ المكان والمكانة، فيقال للشيء المرتفع: سنام، وللرجل الشريف: سنام وهو إسم معرفة مثل التنعيم وهو اسم جبل. ﴿عيناً يشرب بها﴾ أي منها، وقيل يشربها ﴿المقرّبون﴾ قال الحريري والواسطي: يشرب بها المقرّبون صرفاً على بساط القرب في مجلس الأُنس ورياض القُدس بكأس الرضا على مشاهدة الحقّ سبحانه وتعالى. ﴿إنّ الذين أجرموا﴾ اشركوا أبا جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مترفي مكّة ﴿كانوامن الذين﴾ عمّار وخبّاب وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين. ﴿يضحكون﴾ وبهم يستهزؤون ومن إسلامهم يتعجبون. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وذلك أنه جاء في نفر من المسلمين إلى النبي ◌ّ فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات قبل أن يصل عليّ وأصحابه إلى رسول الله وَلَ﴾ [١١١](٢). ﴿وإذا مرّوا بهم يتغامزون﴾ يغمز بعضاً ويشيرون بالأعين ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين * وإذا رأوهم قالوا إنّ هؤلاء لضالون﴾ حين يأتون محمد يرون أنهم على شيء ﴿وما أرسلوا﴾ يعني المشركين ﴿عليهم﴾ يعني على المؤمنين ﴿حافظين﴾ لأعمالهم موكلين بأحوالهم. ﴿فاليوم﴾ يعني يوم القيامة ﴿الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ كما ضحك الكفار منهم في الدنيا وذلك أنّه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم أخرجوا إليها فإذا وصلوا إليه أغلق دونهم يفعل بهم ذلك مراراً ويضحك المؤمنون منهم وهم ﴿على الأرائك﴾ من الدر والياقوت ﴿ينظرون﴾ إليهم كيف يعذبون، قال كعب: بين الجنة والنار كویّ فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا اطلّع من بعض تلك الكوى، دليله قوله سبحانه ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾(٣) ﴿هل ثوّب﴾ جوزي ﴿الكفار ما كانوا يفعلون﴾ ثوّب وأثاب بمعنى واحد. (١) سورة الصافات: ٦١. (٢) تفسير مجمع البيان: ٢٩٨/١٠، وقريب منه في شواهد التنزيل ٢: ٤٢٨. (٣) سورة الصافات: ٥٥. ١٥٨ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي سورة الانشقاق مكيّة. وهي خمس وعشرون آية، ومائة وسبع كلمات، وأربع مائة وأربع وثلاثون حرفاً أخبرني سعيد بن محمد وكامل بن أحمد ومحمد بن القاسم قالوا: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال النبي وَله: ((من قرأ سورة انشقت أعاذه الله سبحانه أن يعطيه كتابه وراء ظهره)) [١١٢](١). بسم الله الرحمن الرحيم وَأَذْنَتْ ) وَذِنَتْ لِهَا وَحُفَّتْ ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَتْ (٣) وَأَلَّقَتْ مَا فِيهَا وَخَلَّتْ. إِذَا أَلسَّمَاءُ أَنْشَقَتْ لِهَا وَحُقَّتْ ﴿ْ بَأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِهِ ﴿َجَ فَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ بِيَمِهِ .. وَقَلِّثُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٢٤) وَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنَهُ وَرَآَ ظَهْرِهِ.ِ (٣) فَسَوْفَ يَدْعُواْ ٨ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِيَ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ طَنَّ أَنْ لَّنْ يَخُورَ (١٤) بَ إِنَّ رَبَُّ كَانَ بِهِ- بَصِيرًا ويَصْلى سَعِيرًا شُورًا (١) فَمَا فَلَّ أَفْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا أَتَّقَ ﴿٨) لَرْكَيُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقِ (لَهـ ◌َهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢) وَإِذَا قُرِىَّ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْعُدُونَ ﴿ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (9) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ ﴿ فَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴿٣) إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ أَخْرُ غَيْرُ مَعْنُونٍ (٢٥ ﴿إذا السماء انشقت * وأذنت لربّها﴾ أي سمعت أمر ربها بالإنشقاق وطاعته ﴿وحقت﴾ أي وحق لها أن تطيع ربّها وحق الله ذلك عليه. ﴿وإذا الأرض مُدّت﴾ مدّ الأديم العكاظي وزيد في سعتها. ﴿وألقت﴾ أخرجت ﴿ما فيها﴾ من الموتى والكنوز ﴿وتخلّت﴾ وخلت فليس في باطنها شيء. ﴿وأذنت لربّها وحُقت﴾، واختلفوا في جواب قوله ﴿وإذا السماء انشقت﴾ فقيل جوابه متروك؛ لأنّ المعنى مفهوم، وقيل جوابه ﴿يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه﴾ ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل كادح ما عمله، قال المبّرد: فيه تقديم وتأخير تقديره ﴿يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً (١) تفسير مجمع البيان: ٣٠١/١٠. ١٥٩ سورة الإنشقاق، الآيات: ١ - ٢٥ فملاقيه﴾ ﴿إذا السماء انشقت﴾، وقيل: جوابه ﴿وأذنت)، وحينئذ يكون الواو زائدة. ومعنى قوله ﴿كادح إلى ربك كدحاً﴾ أي عامل واصل به إلى ربّك عملا فملاقيه ومجازى به خيراً كان أو شراً، وقال القتيبي ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك، والكدح: السعي والجهد في الأمر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثّر ومنه قول النبي وَلّى: ((من سأل وله ما يغنيه جاءت مسلته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو كدوحاً في وجه)) [١١٣](١) أي أثر الخدش، قال ابن مقبل: وما الدهر إلاّ تارتان فمنهما أموت وأُخرى أبتغي العيش أكدح(٢) وأخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشر عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّر قال: ((النادم ينتظر الرحمة والمعجب ينتظر المقت وكل عامل سيقدم على ما سلف)) [١١٤](٣). ﴿فأمّا من أوتي كتابه﴾ ديوان أعماله ﴿بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً﴾. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مندة قال: حدّثنا محمد بن غالب قال: حدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا مبارك بن فضالة عن أيوب عن أبي مليكة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله* يقول: ((من يحاسب يعذّب)) قالوا: يا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه: ﴿فأمّا من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ قال: ((ذاكم العرض ولكن من نوقش الحساب عذّب)) [١١٥](٤). ﴿وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ فتغُلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، وقال مجاهد: يخلع يده وراء ظهره. ﴿فسوف يدعوا ثبوراً﴾ ينادى بالويل والهلاك ﴿ويصلى سعيراً﴾ قرأ أبو جعفر وأيوب وكوفي غير الكسائي بفتح الياء والتخفيف واختاره أبو عبيد لقوله سبحانه: ﴿إِلاّ من هو صال الجحيم﴾(٥)، وقوله ﴿يصلى النار الكبرى﴾(٦) وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد اللام، واختاره أبو حاتم لقوله سبحانه ﴿ثم الجحيم صلَّوه﴾(٧) ﴿وتصلية جحيم﴾ (٨) ﴿إنه كان في أهله مسروراً﴾ (١) سنن ابن ماجة: ٥٨٩/١. (٢) جامع البيان للطبري: ٢١ /٤٠. (٣) كنز العمال: ٩٣٦/١٥، ح ٤٣٦٠٧. (٤) مسند أحمد: ١٢٧/٦. سورة الصافات: ١٦٣ . (٥) (٦) سورة الأعلى: ١٢ . (٧) سورة الحاقّة: ٣١. (٨) سورة الواقعة: ٩٤. ١٦٠ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبدالله يقول: سمعت أبا القاسم المصري يقول: قال ابن عطاء لنفسه متابعاً ساعياً . ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ يرجع إلينا قال النبي قال: ((أعوذ بك من الحور بعد الكور)) [١١٦](١) وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما معنى يحور حتى سمعت إعرابية تدعوا بنيةً لها فتقول: حوري حوري أي أرجعي، وقال الشاعر: وما المرء إلاّ كالشهاب وضوءه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع(٢) ثم قال: ﴿بلى﴾، أي ليس كما ظن بلى يحور إلينا ويبعث. ﴿إن ربّه كان به بصيراً * فلا أقسمُ بالشفق﴾ قال مجاهد وغيره: هو النهار كلّه، عكرمة: ما بقى من النهار، وقال ابن عباس وأكثر الناس: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس وبغيبوبته يتعلّق أول وقت العشاء الآخرة وإليه ذهب من الصحابة ابن مسعودوابن الزبير وعمر وابنه وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأنس بن مالك وأبو قتادة الأنصاري وأبو هريرة وجابر بن عبدالله ومن التابعين سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وطاووس وعبد الله بن دينار ومكحول، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وابن عبيد وأحمد وإسحاق، وقال قوم: هو البياض، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة، والأختيار القول الأول؛ لأجماع العبادلة عليه، ولأن الشواهد في كلام العرب وأشعارهم تشهد له، قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الثور أحمر كأنه الشقق، وقال الشاعر: أحمر اللون كمحمر الشقق وقال آخر: قم ياغلام أعني غير محتشم على الزمان بكأس حشوها شفق (٣) .... ويقال للحفرة الشفق، وزعم الحكماء أنَّ البياض لا يغيب أصلا قال الخليل: صعدت منارة اسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردّد من أفقِ إلى أفق ولم أره يغيب، والله أعلم. بالصواب. ﴿والليل وما وسق﴾ أي جمع وجمل، ويقال: وسقته أسقه وسقاً، ومنه قيل للطعام المجتمع الكبير: وسق وهو ستون صاعاً، وطعام موسّق أي مجموع في غرارة ووعاء، وقال مجاهد: برواية ابن أبي بحج: وما آوي فيه من دابة، منصور عنه: ومالفّ وأظلم عليه ودخل (١) جامع البيان للطبري: ١٤٨/٣٠. (٢) الدر المنثور: ٣٣٠/٦. (٣) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٣٠٣، تفسير القرطبي: ١٩ / ٢٧٥، وفيه مرتبك محتشم.