النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة المعارج، الآيات: ٣٦ - ٤٤
أمسى سوائمهم عزين فلولا
أخليفة الرحمن إنّ عشيرتي
وقال آخر:
كأن الجماجم من وقعها
خناطيل(٢) يهون شتى عزينا(٣)
وأخبرني عقيل أن المعافى أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا بكار قال: حدّثنا مؤمل
قال: حدّثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن النبيّ ◌َّ خرج
على أصحابه وهم حلق حلق فقال: ((ما لي أراكم عزين)) [٣٥](٤).
قال المفسّرون: كان المشركون يجتمعون حول النبيّ ◌َلر ويتسمعون كلامه ولا ينتفعون به،
بل يكذبونه ويكذبون عليه ويستهزؤون به وبأصحابه، ويقولون: دخل هؤلاء الجنّة كما يقول
محمد، فلندخلها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم فأنزل الله سبحانه: ﴿أيطمع كلّ امرىء
منهم أن يدخل جنّة نعيم﴾ قرأ الحسن وطلحة بفتح الياء وضم الخاء، ومثله روى المفضل عن
عاصم، الباقون ضده ﴿كلّ﴾ لا يدخلونها ثمّ ابتدأ فقال: ﴿إنّا خلقناهم ممّا يعلمون﴾ أي من
نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة فلا يستوجب الجنّة أحد منهم بكونه شريفاً ؛ لأنّ مادة الخلق واحدة بل
يستوجبونها بالطاعة، قال قتادة في هذه: إنّما خلقت يابن آدم من قذر فاتق إلى الله.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن برزة قال: حدّثنا محمد بن سليمان
ابن الحرث الباغندي قال: حدّثنا عارم أبو النعمين السدوسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن
ثابت عن أنس بن مالك، قال: كان أبو بكر الصديق إذا خطبنا ذكر مناتن ابن آدم فذكر بدء خلقه
أنّه يخرج من مخرج البول مرتين، ثمّ يقع في الرحم نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ يخرج من
بطن أمه فيتلوث في بوله وخراه حتی یقذر أحدنا نفسه.
وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا موسى بن محمد بن عليّ، قال: حدّثنا جعفر بن محمد
الفريابي، قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا جرير بن عثمان
عن عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: قال رسول الله وَله وبصق
يوماً في كفه ووضع عليها أصبعه فقال: ((يقول عزّوجلّ بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل
هذه، حتّى إذا سوّيتك وعدّلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتّى إذا
بلغت التراقي قلت: أتصدّق وأنى أوان الصدقة)) [٣٦](٥).
(١) جامع البيان للطبري: ١٠٧/٢٩.
(٢) الخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش والطير في تفرقة.
(٣) تفسير القرطبي: ٢٩٣/١٨.
(٤) مسند أحمد: ٩٣/٥.
(٥) مسند أحمد: ٢١٠/٤.

٤٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: إنّا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب فحذف أجل،
كقول الشاعر :
أأزمعت من آل ليلى احتكاراً
وشطّت على ذي هوى أن تزارا(١)
أي من أجل آل لیلی.
وقيل: ﴿ما﴾ بمعنى من، مجازه: إنا خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا كلبهائم. ﴿فلا
أُقسم بربّ المشارق والمغارب﴾ قرأ أبو حيوة برب المشرق والمغرب ﴿إنا لقادرون * على أن
نبدّل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين﴾ نظيره في سورة الواقعة.
﴿قذرهم يخوضوا﴾ في باطلهم ﴿ويلعبوا﴾ ويلهوا في دنياهم ﴿حتّى يلاقوا يومهم الذي
يوعدون﴾ نسختها آية القتال ﴿يوم يخرجون﴾ قراءة العامّة بفتح الياء وضم الراء، وروى الأعشى
عن أبي بكر عن عاصم بضم الياء وفتح الراء ﴿من الأجداث﴾ القبور ﴿سراعاً﴾ إلى إجابة
الداعي ﴿كأنّهم إلى نصب﴾ قراءة العامّة بفتح النون وجزم الصاد يعنون إلى شيء منصوب،
يقال: فلان نصب عيني.
قال ابن عباس: يعني إلى غاية وذلك حين سمعوا الصيحة الأخيرة. الكلبي: إلى علم
وزواية، وقال أبو العلاء: سمعت بعض العرب يقول: النصب الشبكة التي يقع فيها الصيد
فيتسارع إليها صاحبها مخافة أن يفلت الصيد منها، وقرأ زيد بن ثابت وأبو رجاء وأبو العالية
ومسلم البطين والحسن وأشهب العقيلي وابن عامر ﴿إلى نصب﴾ بضم النون والصاد، وهي رواية
حفص عن عاصم واختيار أبي حاتم.
قال مقاتل والكسائي: يعني إلى أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقال الفراء
والأخفش: النُصُب جمع النُصْب مثل رُهُن، والأنصاب جمع النُصُب فهي جمع الجمع. وقيل:
النُصُب والأنصاب واحد.
﴿يوفضون﴾ يسرعون. قال الشاعر:
فوارس ذبيان تحت الحديد
كالجن يوفضن من عبقر
(٢)
وقال ابن عباس وقتادة: يسعون، وقال أبو العالية ومجاهد: يستبقون، ضحاك: يطلعون.
الحسن يبتدرون. القرظي يشتدون ﴿خاشعة﴾ ذليلة خاضعة ﴿أبصارهم﴾ بالعذاب، قال قتادة:
سواد الوجوه ﴿ترهقهم ذلة﴾ يغشاهم هوان، ومنه غلام مراهق إذا غشى الإحتلام ﴿ذلك اليوم
الذي كانوا يوعدون﴾ وهو يوم القيامة.
(١) لسان العرب: ١٤٤/٨.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٩٧/١٨.

٤٣
سورة نوح، الآيات: ١ - ٢٨
سورة نوح
مكيّة وهي تسعمائة وتسعة وعشرون حرفاً،
ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وثمان وعشرون آية.
أخبرني محمد بن القيّم قال: حدّثنا محمد بن محمد بن شاذه قال: حدّثنا أحمد بن محمد
ابن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا سليم بن فتينة عن شعبة عن عاصم بن تهّدله
عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة نوح كان من
المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح)) [٣٧](١) .
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى فَوْمِهِ: أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَّكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ ﴿بَ قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُ نَذِيرٌ
◌ُبِينُ ﴿ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿٣َ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنِ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزَّكُمْ إِلَى أَلِ مُسَمََّّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
إِذَّا جَّ لَا يُؤَخَّرٌ لَوْ كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤] قَالَ رَبِّ إِنْ دَعَوْتُ قَوِْى لَيْلَا وَهََّ ﴿ فَمْ يَزِدْهُرْ دُعَلَىَ إِلَّ فِرَارًا
وَإِنَّ كُلُمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ نِيَّانَهُمْ وَأَصَرُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكَبَارًا
ثُمَّ إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿َ ثُمَّ إِنَّ أَعْلَنْتُ لَّمْ وَأَسْرَدْتُ لَمْ إِسْرَارًا ﴿ فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا ﴿َ يُرْسِلِ السَّمَ عَيْكُ مِدْرَارًا ﴿ وَيُعَدِ ذَكُ بِأَنَّوَلِ وَبَنِينَ وَنَجْعَلِ لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَرًّا
◌َكُرْ لَا تَرْعُونَ لِلَّهِ وَقَارَ (َ وَقَدْ خَفَكُمْ أَطَوَارًا (١٤) أَرْ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اَللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتِ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ
اَلْقُعَرَ فِيهِنَّ نُنَا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاً ﴿يَا وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَأَنَّا (٨٧) ثُمَّ يُذَكُ فِيهَا وَمُرِّئُكُمْ
قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ
إِخْرَاجًا ﴿١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
وَأََّّعُواْ مَنْ لَّ يَزْدَهُ مَالُ وَوَلَدُهُ، إِلَّ خَسَارًا (٦) وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (٣٠) وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ مَالِهَنَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ
وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَرَّ ﴿هَ وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيْرًاً وَلا ◌َزِدِ الَِّينَ إِلَّ صَلَلَا (٢٤) مِنَّا خَطِيَبِهِمْ
أَعْرِفُواْ فَأُدْخِلُوْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٣٤) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَّهِنَ
دَيَّارًا ﴿٣) إِنَّكَ إِن تَدَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّ فَاجِرًا كَفَّارًا (٦٧) رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَّلِّوَلِدَىّ وَلِمَنْ
دَخَلَ بَّى مُؤْمِنَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ اَلْطَلِينَ إِلَّ نَبَارًا (َّ
(١) تفسير مجمع البيان: ١٣٠/١٠.

٤٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني
لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم﴾ ﴿من﴾ صلة
﴿ويؤخّركم إلى أجل مسمىٍّ﴾ وهو الموت فلا يهلككم بالعذاب ﴿إنّ أجل الله إذا جاء لا يُؤخّر
لو كنتم تعلمون * قال ربّ إنّي دعوت قومي ليلا ونهاراً * فلم يزدهم دعائي إلاّ فراراً﴾ نفاراً
وإدباراً عنه ﴿وإنّي كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم﴾ لئلا يسمعوا دعوتي
﴿واستغشوا ثيابهم﴾ غطوا بها وجوههم لئلاّ يروني ولا يسمعوا صوتي ﴿وأصرّوا﴾ على الكفر
﴿واستكبروا استكباراً * ثمّ إنّ دعوتهم جهاراً * ثمّ إنّ أعلنت لهم﴾ الدعوة ﴿وأسررت لهم
إسراراً * فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفّاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً﴾.
أخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن عمران بن
هارون قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان عن مطرف عن الشعبي: أن عمر
خرج يستسقي بالناس، فلم يزد على الاستغفار حتّى رجع، فقالوا له: ما رأيناك استسقيت، فقال
عمر: لقد طلبت المطر لمحاويج السماء التي يستنزل منها المطر، ثمّ قرأ: ﴿استغفروا ربكم إنّه
كان غفّاراً * يُرسل السماء عليكم مدراراً﴾ .
﴿ويُمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات﴾ بساتين ﴿ويجعل لكم أنهاراً﴾ جارية، وذلك
أن قوم نوح لما كذّبوه زماناً طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة،
فهلكت أموالهم ومواشيهم، فوعدهم الله إن آمنوا أن يرد عليهم.
وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفر
الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني
ابناً، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله فقلنا أتاك
رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من ذات نفسي في
ذلك شيئاً إنّما أعتبرت فيه قول الله سبحانه حكاية عن نبيّه نوح (عليه السلام) إنّه قال لقومه:
﴿استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم
جنّات ويجعل لكم أنهاراً﴾ .
﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراً﴾. قال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة،
سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون لله حقّ عظمته. منصور عن مجاهد: لا تبالون لله عظمته.
العوفي عن ابن عباس: لا تعلمون لله عظمة. قتادة: لا ترجون لله عاقبة، ابن زيد: لا ترون لله
طاعة. الكلبي: لا تخافون لله عظمة. ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثبكم
على توقيركم إياه خير، الحسن: لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. سعيد بن جبير أيضاً:
لا يرجون لله ثواباً ولا يخافون عقاباً، والرجاء من الأضداد يكون أملا وخوفاً .

٤٥
سورة نوح، الآيات: ١ - ٢٨
﴿وقد خلقكم أطواراً﴾ تارات ومرات حالا بعد حال، نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة، إلى تمام
الخلقة ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً * وجعل القمر فيهن نوراً﴾.
﴿وجعل الشمس سراجاً﴾ قال الحسن: يعني في السماء الدنيا. وهذا جائز في كلام
العرب، كما يقال: أتيت بني تميم وأتاني بعضهم، ويقول: فلان متوار في دور بني فلان، وإنّما
هو في دار واحدة. وقال مقاتل: هو معناه وجعل القمر معهن نوراً لأهل الأرض، ﴿في﴾ بمعنى
مع. وقال عبد الله بن محمد: وإن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات وضوء الشمس ونور
القمر منها وأقفيتها قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك آية من كتاب الله سبحانه ﴿وجعل القمر فيهنّ
نوراً وجعل الشمس سراجاً﴾ مصباحاً مضيئاً.
وقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تُصلينا أحياناً وتبرد علينا أحياناً، فقال: إنّها في
الصيف في السماء الرابعة وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمن، ولو كانت في
السماء الدنيا لما قام لها شيء.
﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ وكان حقّه إنباتاً ولكنّه مصدر مخالف للصدر، وقال
الخليل: مجازه: فنبتم نباتاً ﴿ثمّ يعيدكم فيها﴾ أمواتاً ﴿ويخرجكم﴾ منها أحياءَ ﴿إخراجاً * والله
جعل لكم الأرض بساطاً﴾ مهاداً يحملكم ويستركم أمواتا ﴿لتسلكوا منها سبلا فجاجاً﴾ طرقاً
مختلفة. ﴿قال نوح ربّ إنّهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلاّ خساراً﴾ وهم القادة
والأشراف ﴿ومكروا مكراً كباراً﴾ عظيماً يقال: كبر كبار بالتخفيف وكبّار بالتشديد، كلها بمعنى
واحد ونظيره في كلام العرب، أمر عجيب وعجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان، وكمال
وكمّال، وقرّاء للقاريووضّاء للوضي، وأنشد ابن السكيت:
وبالحُسن قلب المسلم القراء (١)
بيضاء تصطاد القلوب وتستبي
وقال آخر :
خُلق الكريم وليس بالوضاء(٢)
والمرء يلحقه بقيتان الندى
وقرأ ابن محيص وعيسى: كبارا بالتخفيف، واختلفوا في معنى مكرهم.
فقال ابن عباس: قالوا قولا عظيماً. الحسن: مكروا في دين الله وأهله مكراً عظيماً.
الضحاك: افتروا على الله وكذّبوا رسله. وقيل: حرّشوا أسفلتهم على قتل نوح.
﴿وقالوا﴾ لهم ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً﴾ قرأ أهل المدينة بضم الواو، وغيرهم
بفتحها(٣) وهما لغتان ﴿ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق﴾ قراءة العامة غير مجرى فيهما، قال أبو
(٢) تفسير القرطبي: ٣٠٧/١٨.
(١) تفسير القرطبي: ٣٠٦/١٨.
(٣) في المخطوط : بفتحه.

٤٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
حاتم: لأنهما على بناء فعل مضارع وهما مع ذلك أعجميان. وقرأ الأعمش وأشهب العقيلي:
ولا يغوثاً ويعوقاً مصروفين ﴿ونسراً﴾ .
أخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد
العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن المرقان، قال: حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد
عن محمد بن كعب، قال: كان لآدم (عليه السلام) خمس بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق
ونسر، وكانوا عباداً فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: هل
لكم أن أصور لكم في قبلتكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: نكره أن يجعل في قبلتنا شيئاً
نصلي إليه، قال: فأجعله في مؤخّر المسجد. قالوا: نعم فصوره لهم من صفر ورصاص، ثمّ
مات آخر فصوّره لهم، ثمّ مات آخر فصوّره لهم، قال: فنقصت الأشياء كما ينقصون اليوم
وأقاموا على ذلك ما شاء الله، ثمّ تركوا عبادة الله سبحانه فأتاهم الشيطان فقال: ما لكم لا
تعبدون شيئاً، قالوا: من نعبد؟ قال: هذه آلهتكم وآلهة آبائكم لا ترونها مصوّرة في مصلاّكم،
قال: فعبدوها من دون الله عزّوجل، حتّى بعث الله عزّوجلّ نوحاً فدعاهم إلى عبادة الله
سبحانه، فقالوا: ﴿لا تذرن آلهتكم﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ونسراً﴾ .
وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس، ﴿ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق
ونسراً﴾ قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح (عليهما السلام)، وكان لهم أتباع يقتدون بهم،
فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا
ذكرناهم، فصوّروهم، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنّما كانوا يعبدونهم وبهم
يسقون المطر فعبدوهم.
قال ابن عباس: كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند، يحول بين الكافرين وبين أن
يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إنّ هؤلاء يفخرون عليكم فيزعمون أنّهم بنو آدم دونكم وإنّما
هو جسد وأنا أصور لكم مثله تطوفون(١) به، فنحت خمسة أصنام وحملهم على عبادتها وهي ودّ
وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان وطمّها التراب،
فلم تزل مدفونة حتّى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، فاتخذت قضاعة ودّاً فعبدوها بدومة
الجندل، ثمّ توارثه بنوه الأكابر فالأكابر حتّى صارت إلى كلب فجاء الإسلام وهو عندهم، وأخذ
أعلى وأنعم وهما من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زماناً، ثمّ إن بني ناجية أرادوا أن
ينزعوه من أعلى وأنعم، ففروا به إلى الحصين أخي بني الحرث بن كعب، وأما يعوق فكان
لكهلان، ثمّ توارثه بنوه الأكبر فالأكبر، حتّى صار إلى همدان، وأما نسر فكان لخثعم يعبدونه،
وأما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه(٢).
(١) في المخطوط: تطيفون.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٨ / ٣٠٨.

٤٧
سورة نوح، الآيات: ١ - ٢٨
وقال عطاء وقتادة والثمالي والمسيب: صارت أوثان قوم نوح إلى العرب فكان ود لكلب
بدومة الجندل، وكان سواع برهاط لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجوف، وكان
يعوق لهمدان، وكان نسر لآل ذي الكلاع من حمير، وأما اللات فلثقيف، وأما العزى فلسليم
وغطفان وخثعم ونصر وسعيد بن بكر، وأما مناة فكانت لقديد، وأما أساف ونائلة وهبل فلأهل
مكّة، وكان أساف حيال الحجر الأسود، وكانت نائلة حيال الركن اليماني، وكان هبل في جوف
الكعبة ثمانية عشر ذراعاً.
وقال الواقدي: كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة
أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير.
﴿وقد أضلّوا كثيراً﴾ أي ضل بعبادتها وبسببها كثيراً من الناس نظيره ﴿ربّ إنّهنّ أضللن
كثيراً من الناس﴾(١) ﴿ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالا * فمما خطيئاتهم﴾ أي من خطاياهم(٢) و(ما)
صلة وقرأ أبو عمروا خطاياهم ﴿أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً﴾ وقرأ
أبو حيوة والأعمش: مما خطتهم على الواحد، وروى أبو روق عن الضحاك في قوله سبحانه:
﴿أُغرقوا فأُدخلوا ناراً﴾ قال: يعني في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب ويحترقون
في الماء من جانب.
أنشدنا أبو القيّم الحسن قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح، قال: أنشدنا أبو
بكر بن الأنبازي:
والحادثات فنون ذات أطوار
الخلق مجتمع طوراً ومفترق
فاللهُ يجمع بين الماء والنار
لا تعجبنّ لأضداد إن اجتمعت
﴿وقال نوح﴾ قال مقاتل: نوح بالسريانية الساكن، وإنّما سمّي نوحاً؛ لأنّ الأرض سكنت
إليه ﴿ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً﴾. أحداً يدور في الأرض فيذهب ويحيى،
وهو فيعال من الدوران مثل القیام أصله قیوام ودیّوار.
وقال القتيبي: أصله من الدارأي نازل داراً ﴿إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك﴾ قال ابن
عباس: كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنّه كذّاب وإن أبي حذّرنيه فيموت
الكبير وينشأ الصغير عليه.
﴿ولا يلدوا إلّ فاجراً كفّاراً﴾ يعني: من سيكفر ويفجر. قال محمد بن كعب ومقاتل
والربيع وعطية وابن زيد: إنّما قال نوح (عليه السلام) هذا حين أخرج الله تعالى كلّ مؤمن
(١) سورة إبراهيم: ٣٦.
(٢) في المخطوط: خطياتهم.

٤٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
أصلابهم وأرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: سبعين سنة
وأخبر الله سبحانه وتعالى نوحاً أنّهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمناً، فحينئذ دعا علیھم نوح،
فأجاب الله سبحانه دعاءه فأهلكهم كلّهم ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب.
وقال أبو العالية والحسن: لو أهلك أطفالهم معهم لكان عذاباً من الله لهم، ولكن الله
تعالى أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم، والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿وقوم نوح
لما كذبوا الرسل أغرقناهم﴾(١) وقد علمنا أن الأطفال لم يكذّبوا الرسل وإنّما وقع العذاب على
المكذبين.
﴿ربّ أغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً﴾ أي داري، وقال الضحاك: مسجدي،
وقيل: سفينتي ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ عامة وقال الكلبي: من أُمّة محمد وَلِّ ﴿ولا تزد
الظالمين إلاّ تباراً﴾ هلاكاً ودماراً.
(١) سورة الفرقان: ٣٧.

٤٩
سورة الجن، الآيات: ١ - ١٥
سورة الجن
مكيّة وهي ثمان مائة وسبعون حرفاً،
وخمس وثمانون كلمة، وثماني وعشرون آية
أخبرنا نافل بن راقم بن أحمد بن عبد الجبار البابي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن
محمد البلخي، قال: حدّثنا عمرو بن محمد الكرباسي، قال: حدّثنا أسباط بن اليسع البخاري،
قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي، قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن عليّ بن زيد عن أُبيّ
ابن كعب، قال: قال رسول الله وَل﴾: ((مَنْ قرأ سورة الجنّ أُعطي بعدد كلّ جنّي وشيطان صدّق
بمحمد وكذّب به عتق رقبة)) [٣٨](١) .
بسم الله الرحمن الرحيم
يَهْدِىَ إِلَى الْرُبْدِ قَامَنَّا بِهِمْ
قُلْ أُوجِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا فُرَُّنَا عَيَا.
وَلَنْ نُشْرِكَ بِيِّنَاً أَحَدًا ﴿َ وَأَنَُّ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا مَا أَتَّخَذَّ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدَّا (٣َ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيْنَا عَلَى اللَّهِ
شَطَطًا (٢) وَأَنَّ ◌َا أَنْ لَّنْ نَهُوَلَ الْإِنْسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذًِّا ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ
اَلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا ﴿ وَأَنَّهُمْ طَنُواْ كَمَا ظَهُ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَّ ◌َلَهُ أَحَدَّا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ
حَرًَّا شَدِيدًا وَشُهُبَا ﴿َ وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِسَّمْعَ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ بِهَبَا رَّصَدًا ﴿ وَأَنَّا
لَا نَدْرِىَ أَشَرُّ أُرِيَدَ بِمَنْ فِ اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَّدًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ
قِدَدًا ﴿ وَأَنَّ ظَنَنَّاً أَنْ لَّى تُشْجِزَّ اللَّهَ فِى الْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَمُ هَرَبً ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْمُدَىَّ أَمَنَّا بِه
فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبَّهِ، فَلَّ يَخَافُ بَحْسَا وَلَا رَهَمَا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْفَسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَبِكَ
١٥
تَجَزَّوْاْ رَشَدًا (٤) وَأَمَّا أَلْقَنِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا
﴿قلّ أُوحي إليّ أنّهُ استمع نفرٌ من الجن﴾ وكانوا تسعة من جن نصيبين استمعوا قراءة
النبيّ وَّه وقد مرّ خبرهم(٢).
(١) تفسير مجمع البيان: ١٤٠/١٠.
(٢) راجع مسند أحمد: ١ / ٤٥٨.

٥٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من بني الشيطان وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود
إبليس. ﴿فقالوا﴾ لما رجعوا إلى قومهم ﴿إنّا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي إلى الرُشد فآمنًا به ولن
نُشرك بربّنا أحداً * وأنّه﴾ بالفتح قرأه أهل الشام والكوفة إلاّ حفصاً.
وفتح أبو جعفر ما كان مردوداً على الوحي، وكسر ما كان حكاية عن الجن، وجرها كلّها
الباقون .
﴿تعالى جدّ ربّنا﴾ حدّثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن مهدي العدل، قال: حدّثنا
الأصم، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عبد الله بن سفيان عن السدي في قوله: ﴿جدّ
ربّنا﴾ قال: أمر ربنا .
وبإسناده عن سفيان عن سلمان التيمى عن الحسن، قال: غنى ربنا ومنه قيل: للحظ جد
ورجل مجدود. وقال ابن عباس: قدرة ربنا. مجاهد وعكرمة: جلاله. قتادة: عظمته. ابن أبي
نجيح عن مجاهد: ذكره. ضحاك: فعله. القرظي: آلاؤه ونعمه على خلقه. الأخفش: علا ملك
ربنا. ابن كيسان: علا ظفره على كل كافر بالحجة. والجدّ في اللغة: العظمة، ومنه قول أنس:
كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا أي عظم.
وقال ابن عباس: لو علمت أن في الإنس جدّاً ما قالت تعالى جدّ ربّنا، وقال أبو جعفر
الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس: ليس لله جد وإنّما وليه الجدّ بالجهالة فلم توخذوا به.
﴿ما اتخذ صاحبة ولا ولداً﴾ وقرأ عكرمة: ﴿تعالى جدّ ربّنا﴾ بكسر الجيم على ضد
الهزل، وقرأ ابن السميع: (جدي ربّنا) وهو الجدوى والمنفعة.
﴿وأنّه كان يقول سفيهنا﴾ جاهلنا، وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس لعنه الله ﴿على الله
شططاً﴾ عدواناً وقولا عظيماً ﴿وإنّا ظننا﴾ حسبنا ﴿أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً﴾
أي كنّا نظنّهم صادقين في قولهم: إنَّ لله صاحبة وولداً حتّى سمعنا القرآن ﴿وأنّه كان رجال من
الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ وذلك قول الرجل من العرب إذا أمسى بالأرض القفر: أعوذ
بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتّى يصبح.
قال مقاتل: أوّل مَنْ تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثمّ بنو حنيفة ثمّ فشا ذلك في
العرب.
أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أبو القيّم عبد الله بن
محمد بن إسحاق المروزي، قال: حدّثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرطوس، قال: حدّثنا
فروة بن معراء الكندي، قال: حدّثنا القيّم بن مالك عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن
كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر

٥١
سورة الجن، الآيات: ١ - ١٥
رسول الله ( بمكّة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من
الغنم فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان أرسله،
فأتانا الحمل يشتدّ حتّى دخل الغنم، ولم يصبه كدمة، قال، وأنزل الله سبحانه على رسوله
بمكة: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾.
﴿فزادوهم رهقاً﴾ يعني: [إن الإنس زادوا الجن طُغياناً باستعاذتهم](١) فزادتهم رهقاً .
قال ابن عباس: أثماً. معمر عن قتادة: خطيئة. سعيد عنه: جرأة(٢). مجاهد: طغياناً.
ربيع: فرقاً. ابن زيد: خوفاً. إبراهيم: عظمة، وذلك أنّهم قالوا: [سدنا] الجن والإنس. مقاتل:
غيّاً. الحسن: شرّاً. ثعلب: خساراً. والرهق في كلام العرب: الإثمّ وغشيان المحارم، ورجل
مرهق: إذا كان كذلك. وقال الأعشى:
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها
هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً(٣)
﴿وأنّهم ظنّوا كما ظننتم﴾ يا معشر الكفّار من الإنس ﴿أن لن يبعث الله أحداً﴾ بعد موته
﴿وأنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرساً شديداً﴾ من الملائكة ﴿وشُهباً﴾ من النجوم ﴿وأنّا كّا
نقعد منها﴾ من السماء ﴿مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً * وأنا لا ندري أشرّ
أُريد بمن في الأرض﴾ برمي الشهب ﴿أم أراد بهم ربّهم رشداً * وأنا منّا الصالحون ومنّا دون
ذلك كنّا طرائق دداً﴾ أهواء مختلفة وفرقاً شتى، منّا المؤمن ومنّا الكافر.
قال سعيد بن جبير: ألواناً شتى. الحسن: قدداً مختلفين، الأخفش: ضروباً، أبو عبيدة:
أصنافاً، المؤرّخ: أجناساً، النضر: مللا، ابن كيسان: شيعاً وفرقاً لكلّ فرقة هوى كأهواء
الناس، وقال الفراء: تقول العرب: هؤلاء طريقة قومهم أي ساداتهم ورؤساؤهم، المسيّب: كنّا
مسلمين ويهوداً ونصارى.
أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن الخطاب، قال: حدّثنا الحسن بن
محمد بن نحتويه، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم الصوري بأنطاكية، قال: حدّثنا
محمد بن المتوكل بن أبي السراي، قال: حدّثنا المطلب بن زياد، قال: سمعت السدي يقول في
قول الله سبحانه: ﴿كنّا طرائق قدداً﴾، قال: الجن مثلكم فيهم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة.
واحد القدد: قدة، وهي الفرقة وأصلها من القدّ وهو القطع. قال لبيد يرثي أخاه أربد:
ليلة تمشي الجياد كالقدد
لم تبلغ العين كل نهمتها
(١) التقويم عن تفسير القرطبي: ١٩ / ١٠.
(٢) في تفسير القرطبي: سعيد بن جبير: كفراً.
(٣) لسان العراب: ١٢٩/١٠.

٥٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
وقال آخر:
يوم ولّت خيل عمرو قددا
ولقد قلت وزيد جاسر
﴿وإنا ظننا﴾ علمنا ﴿أن لن نعجز الله في الأرض﴾ إن أراد بنا أمراً ﴿ولن نعجزه هرباً﴾ إن
طلبنا ﴿وأنّا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يُؤمن بربّه فلا يخاف﴾ قرأه العامّة بالألف، وقرأ
الأعمش فلا يخفف بالجزم ﴿بخساً﴾ نقصاً ﴿ولا رهقاً﴾ ظلماً، يقول: لا يخاف أن ينقص من
حسناته، ولا أن يزداد في سيّئاته، ولا أن يؤخذ بذنب غيره، ولا أن يعاقب بغير جرم، وقيل:
رهقاً: مكروهاً يغشاه، وقيل: ذهاب كله نظيره قوله سبحانه وتعالى: ﴿فلا يخاف ظلماً ولا
هضماً﴾(١) .
﴿وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون﴾ الجائرون العادلون عن الحق. يقال: أقسط الرجل
فهو مقسط إذا عدل، قال الله سبحانه: ﴿وأقسطوا إنّ الله يحب المقسطين﴾(٢)، وقسط يقسط
قسوطاً إذا جاد. قال الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة
عمراً وهم قسطوا على النعمان (٣)
قسطنا على الأملاك في عهد تبّع
وأنشد ابن زید:
(٤)
ومن قبل ما أدرى النفوس عقابها
ونظيره في الكلام المترب: الفقير، والمترب: الغني.
﴿فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشداً﴾ أي قصدوا وأعدّوا وتوخّوا ومنه بتحرّى القبلة لمن
عميت عليه. وقال امرؤ القيس :
ديمة هطلاء فيهـا وطـف
طبق الأرض تحرّى وتدر (٥)
﴿وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ .
لَنَّفْسَهُ فِيهِ وَمَّنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبَّهِ، يَسْلُكُهُ
وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌ََّهُ غَدَقًّا
عَذَابًا صَعَدًا (٨) وَأَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدَّا ﴿ وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ
عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿َ قُلْ إِنَّا أَدْعُوْ رَقِّ وَلَا أُشْرِأُ بِهِ أَحَدًا (٣٠) قُلْ إِنِّ لَّ أَمْلِكُ لَكُمُ ضَرَّ وَلَا رَسَّدًا (٢٦) قُلْ إِنِّ
(١) سورة طه: ١١٢.
(٢) سورة الحجرات: ٩.
تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧.
(٣)
جامع البيان للطبري: ١٤١/٢٩.
(٤)
(٥) الصحاح: ١٥١٢/٤.

٥٣
سورة الجن، الآيات: ١٦ - ٢٨
لَّنْ يُحِبِ مِنَ اَلَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا ﴿ إِلَّا بَلَغَا مِنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ
لُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِيْنَّ فِيهَا أَبَدَّا (٨٢َ حَتّىَ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
﴿ قُلْ إِنْ أَدْرِىِّ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِ أَمَدًّا (٣٥) عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ:
ش
إِلَّا مَنْ أَرْتَضَى مِن رَّسُولِ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدَّا (٢٧) لِبَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ
وِسَّلَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْسَى كُلُّ شٍَ عَدَذَا لِيَ
﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ قراءة العامة لو: بكسر الواو. وقرأ الأعمش: لو استقاموا بضم الواو.
﴿على الطريقة﴾ اختلف المفسرون في تأويلها، فقال قوم: معناها وأن لو استقاموا على
طريقة الحقّ والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين. ﴿لأسقيناهم ماءً غدقا﴾، قال عمر رضي عنْه
في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة، يعني أعطيناهم مالا
كثيراً وعيشاً رغيداً ووسعنا عليهم في الرزق وبسطنا لهم في الدنيا ﴿لنفتنهم فيه﴾ لنختبرهم كيف
شكرهم فيما خوّلوا وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن رياح والضحاك وقتادة وعبيد بن عمير
وعطية ومقاتل والحسن، قال: كان والله أصحاب رسول الله وَل﴾ سامعين لله مطيعين فتحت
عليهم كنوز كسرى وقيصر، ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان بن عفان.
ودليل هذا التأويل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولو أنّهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم
من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾(١) وقوله سبحانه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا
واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾(٢) وقوله تعالى: ﴿مَنْ عمل صالحاً من ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فلنحييتّه حياة طيّبة﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنّه كان غفّاراً يرسل
السماء عليكم مدراراً﴾ (٤) الآيات.
وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة وكانوا كفّاراً كلهم
لأعطيناهم مالا كثيراً ولوسّعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجاً، حتّى يفتنوا فيعذبهم.
وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وابن
مجلد، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ
شيء﴾(٥)
(١) سورة المائدة: ٦٦ .
(٢) سورة الأعراف: ٩٦.
(٣) سورة النحل : ٩٧.
(٤) سورة نوح: ١٠ - ١١ .
(٥) سورة الأنعام: ٤٤.

٥٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن﴾(١).
وقوله سبحانه: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾(٢).
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿كلّّ إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾(٣).
﴿ومَنْ يعرض عن ذكر ربّه يُسلكه﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب وأيوب بالياء وهو اختيار أبي
حاتم وأبي عبيد. وقرأ مسلم بن جندب: نُسلكه بضم النون وكسر اللام. وقرأ الآخرون بفتح
النون وضم اللام وهما لغتان سلك واسلك بمعنى واحد أي يدخله.
﴿عذاباً صعداً﴾ قال ابن عباس: شاقاً. السدي: مشقة. قتادة: لا راحة فيه. مقاتل: لا
فرج فيه. الحسن: لا يزداد إلاّ شدّة.
ابن زيد: متعباً. والأصل فيه أن الصعود يشقّ على الإنسان، ومنه قول عمر: ما تصعدني
شيء ما تصعد في خطبة النكاح، أي ما شقّ عليّ. وقال عكرمة: هو جبل في النار. وقال
الكلبي: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد في النار جبلا من صخرة ملساء حتّى يبلغ أعلاها
يجذب من أمامه بالسلاسل، ويضرب بمقامع الحديد حتّى يبلغ أعلاها ولا يبلغه في أربعين سنة،
فإذا بلغ أعلاها أجر إلى أسفلها، ثمّ يكلف أيضاً صعودها فذلك دأبه أبداً، وهو قوله: ﴿سأُرهقه
صعوداً﴾ (٤).
﴿وأنّ المساجد لله﴾ قال سعيد بن جبير: قالت الجن لنبي الله كيف لنا أن نأتي المسجد
ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: وأن المساجد لله ﴿فلا تدعوا مع الله أحداً﴾.
قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله سبحانه
نبيه وَّه والمؤمنين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا المساجد، وأراد بها المساجد كلّها.
وقال الحسن: أراد بها البقاع كلها وذلك، أن الأرض جعلت للنبي وس٣- مسجداً، وكان
المسلمون بعد نزول هذه الآية إذا دخل أحدهم المسجد قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله والسلام
على رسول الله.
وقال سعيد بن جبير وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد
وهي سبعة: القدمان والركبتان واليدان والوجه. وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول:
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبو القيّم البزاز يقول: قال ابن عطاء: مساجدك
أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها .
(١) سورة الزخرف: ٣٣.
(٣) سورة العلق: ٦ - ٧.
(٤) سورة المدّثّر: ١٧ .
(٢) سورة الشورى: ٢٧.

٥٥
سورة الجن، الآيات: ١٦ - ٢٨
وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا غير مرة، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال:
حدّثنا حمدان السلمي، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل ومعلّى بن أسيد ومسلم بن إبراهيم،
قالوا: حدّثنا وهيب، قال: حدّثنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، قال: قال رسول
اللهِ وَله: (أُمرتُ أن أسجد على سبعة: أعظم الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين
وأطراف القدمين، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً) [٣٩](١).
وأخبرنا أبو بكر الجوزقي، قال: أخبرنا عمرو بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا أحمد بن
سلمة، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم
عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله وَله يقول: ((إذا سجد العبد
سجد معه سبعة)) [٤٠](٢) فإن جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن
جعلت الأعضاء فواحدها مسجَد بفتح الجيم. وقال الحسن: ﴿وأن المساجد لله﴾ يعني
الصلوات فلا تدعوا مع الله أحداً أي أفردوا له التوحيد وأخلصوا له العبادة. وقيل: معناه
فردّوها لذكر الله وعبادته فلا تتخذوها متجراً ولا مجلساً ولا طرقاً ولا تجعلوا فيها لغير الله
نصيباً .
﴿وَأَنّه لمّا قام عبد الله﴾ يعني: محمداً وَّر ﴿يدعوه﴾ يقول: لا إله إلّ الله ويدعوا إليه
ويقرأ القرآن ﴿كادوا﴾ يعني: الجن ﴿يكونون عليه لبداً﴾ أي يركبون بعضهم بعضاً، ويزدحمون
ويسقطون حرصاً منهم على استماع القرآن. قاله الضحاك ورواه عطية عن ابن عباس.
سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر من الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا
من طاعة أصحاب رسول الله وَسير له واهتمامهم به في الركوع والسجود واقتدائهم به في الصلاة.
وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبّدت الجن والإنس،
وتظاهروا عليه ليبطلوا الحقّ الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلاّ أن يتم هذا الأمر
وينصره ويظهره على من ناواه.
وأصل اللبد: الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه قيل للجراد الكبير: لبدٌ، وتلبد الشعر إذا
تراكم. ومنه سمي اللبد لبداً، كما ويقال للشعر على الأسد: لبدة وجمعها لبدٌ، قال زهير:
لدى أسد شاك السلاح خبان له لبد أظفاره لم تُقلّم(٣)
وفيه أربع لغات: لِيَدٌ بكسر اللام وفتح الباء و [هي] قراءة العامة واختيار أبي عبيدة وأبي
(١) مسند أحمد: ٢٩٢/١.
(٢) كتاب المسند للشافعي: ٤٠.
(٣) تفسير القرطبي: ٢٤/١٩.

٥٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
حاتم واحدتها لِبدة بكسر اللام، ولُبد بضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيص
وواحدتها لبدة بضم اللام، ولُبُد بضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيوة واحدتها لبيد، ولُبّد بضم
اللام وتشديد الباء وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وواحدها لابد مثل راكع رُكع وساجد وسُجد.
﴿قل﴾ يعني رسول الله وَليل وبه قرأ أكثر القرّاء، وقرأ أبو جعفر والأعمش وعاصم وحمزة
﴿قل﴾ على الأمر ﴿إنّما أدعوا ربّي ولا أُشرك به أحداً * قل إنّ لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً *
قل إنّ لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ أي ملجأ أميل إليه وقال قتادة:
نصراً. الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب، السدي: جرزاً .
قال مقاتل: قال كفار قريش للنبي وَله: إنّك أتيت بأمر عظيم لم يسمع بمثله، وقد عاديت
الناس كلهم فارجع عن هذا الأمر، فنحن نجزيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات. وفي قراءة
أُبي عنّا (ولا رشداً).
﴿إلاّ بلاغاً من الله ورسالاته﴾ فإن فيه الحوار والأمن والنجاة قاله الحسن.
وقال قتادة: إلاّ بلاغاً من الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه، فإمّا الكفر والإيمان
فلا أملكهما .
وقيل: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً لكن أبلغ بلاغاً من الله، إنّما أنا مرسل ومبلّغ لا
أملك إلاّ ما ملكت.
﴿ومَنْ يعصِ الله ورسوله فإنّ له نار جهنم خالدين فيها أبداً * حتّى إذا رأوا ما يوعدون﴾
يعني العذاب.
﴿فسيعلمون مَنْ أضعف ناصراً وأقلّ عدداً * قل إن أدري أقريب ما تُوعدون﴾ يعني
العذاب وقيل: القيامة ﴿أم يجعل له ربّي أمداً﴾ أجلا وغاية تطول مدتها ﴿عالم الغيب﴾ رفع
على نعت قوله ربّي، وقيل: هو عالم الغيب. ﴿فلا يُظهر﴾ يُطلع ﴿على غيبه أحداً * إلاّ مَنْ
ارتضى﴾ اصطفى ﴿من رسول﴾ فإنه يصطفيه ويُطلعه على ما يشاء من الغيب. ﴿فإنّه يُسلك من
بين يديه ومن خلفه﴾ ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها ﴿رصداً﴾ حفظة من الملائكة
يحفظونه من الشياطين واستماع الجن ليلا يسترقوه فيلقوه إلى كهنتهم.
قال سعيد بن المسيب: ﴿رصداً﴾ أربعة من الملائكة حفظة. قال مقاتل وغيره: كان الله
إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة جبرائيل يخبره، فبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصداً من
الملائكة يحرسونه ويطردون الشيطان، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك، قالوا: هذا شيطان
فاحذر، وإذا جاءه ملك، قالوا: هذا رسول ربّك.

٥٧
سورة الجن، الآيات: ١٦ - ٢٨
﴿ليعلم﴾ قرأ ابن عباس ويعقوب بضم الياء، أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلّغوا، وقرأ
الآخرون بفتح الياء أي ليعلم الرسول أن الملائكة ﴿أن قد أبلغوا رسالات ربّهم وأحاط بما
لديهم﴾ عندهم ﴿وأحصى كلّ شيء عدداً﴾ فلم يخفَ عليه شيئاً (١) ونصب عدداً على الحال وإن
شئت على المصدر أي عد عدداً .
(١) في المخطوط: عليهم شيء.

٥٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
سورة المزمل
هي مكيّة إلّ قوله سبحانه: ﴿إِن ربّك يعلم﴾ إلى آخر السورة، وهي ثمانمائة
وثمانية وثلاثون حرفاً، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وعشرون آية في الكوفي
أخبرني أبو الحسن الماوردي، قال: حدّثنا أبو محمد بن أبي حامد، قال: حدّثنا أبو
جعفر محمد بن الحسن الأصفهاني، قال: حدّثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: حدّثنا سفيان
الثوري، قال: حدّثنا أسلم المعري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابزي عن أبيه عن أُبي
بن كعب، قال: قال رسول الله وَلجر: ((مَنْ قرأ سورة المزمّل رُفع عنه العسر في الدنيا
والآخرة)) [٤١](١).
بسم الله الرحمن الرحيم
يَّصْفَهُ، أَوِ أَنْتُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿٣َ أَوْ زِدْ عَلَيْهٌ وَرَّلِ الْقُرْءَنَ زَيْلًا
وَأَيُّهَا الْمُؤْمِلُ ﴿َ فُ الَِّلَ إِلَّ فَّيلًا (ِ
إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَّدُ وَطَّا وَأَقْوَُ ◌ِبَلَا ()
إِنَّا سَتَلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَفِيلًا
﴿يا أيُّها المزمّل﴾ المتلفف بثوبه، وأصله المتزمل فأدغم التاء في الزاء، ومثله يقال: تزمل
وتدثر بثوبه إذا تغطى به، وزمل غيره إذا غطّاه.
قال امرؤ القيس :
كبير أُناس في بجاد مزمّل(٢)
قال أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن قوله سبحانه: ﴿يا أيُّها المزمّل﴾ ما كان تزميله
ذلك؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشر ذراعاً نصفه عليَّ وأنا نائمة ونصفه على رسول الله وَلال،
وهو يصلّي.
قال أبو عبد الله: فسألتها ما كان؟
قالت: والله ما كان جزّاً ولا قزّاً ولا مرعزي ولا إبريسم ولا صوفاً كان سداه شعراً
ولحمته وبراً.
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٥٧.
-
(٢) لسان العرب: ٢٥٥/١٠.

٥٩
سورة المزمل، الآيات: ١ - ٦
وقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصلِّ. وقال عكرمة: يعني: يا أيُّها الذي زُمّل هذا
الأمر أي حُمّله، وكان يقرأ المزمّل بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها. وقالت الحكماء: إنّما
خاطبه بالمزمل والمدثر في أوّل الأمر؛ لأنّه لم يكن أدّى بعد شيئاً من تبليغ الرسالة.
﴿قم الليل﴾ قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو السماك العدوي: بضمه الضمة القاف ﴿إلاّ
قليلا﴾ ثمّ بين فقال: ﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾ إلى الثلث ﴿أو زد عليه﴾ على النصف إلى
الثلثين، خيّره بين هذه المنازل، فلما نزلت هذه الآية صلّى النبيّ وَلاوأصحابه واشتد ذلك عليهم
وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن
لا يحفظ حتى شقّ عليهم وانتفخت أقدامهم وانتُقعت ألوانهم، فرحمهم الله سبحانه وخفف عنهم
ونسخها بقوله: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾(١) الآية. وكان بين أوّل السورة وآخرها سنة.
وقال سعيد بن جبير: لمّا نزل قوله: ﴿يا أيُّها المزمّل﴾ مكث النبيّ ◌َّ على هذه الحال
عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله تعالى، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله
سبحانه بعد عشر سنين ﴿إنّ ربّك يعلم أنّك تقوم أدنى﴾(٢) الآية. فخفف عنهم بعد عشر سنين.
وقال مقاتل وابن كيسان: كان هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، ثمّ نسخ ذلك
بالصلوات الخمس. وقال ابن عباس: لما نزل أول المزمّل كانوا يقومون نحو من قيامهم في
شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها سنة. وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت:
كنت أجعل لرسول الله وقبل حصيراً يصلّي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فاجتمعوا فلمّا تكثر
جماعتهم، كره ذلك وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا
يتنحنحون ويشتغلون حتّى خرج إليهم، فقال: ((يا أيُّها الناس اكلفوا(٣) من الأعمال ما تطيقون،
فإنّ الله لا يملّ من الثواب حتّى تملّوا من العمل وإنّ خير العمل أدومه وان قلّ)) [٤٢](٤) فنزلت
عليه: ﴿يا أيُّها المزمّل قم الليل﴾ فكُتبت عليهم وانزلت بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم
ليربط الحبل فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهر، فلمّا رأى الله ما يكلّفون ويبتغون به وجه الله
ورضاه رحمهم فوضع ذلك عنهم فقال: ﴿إن ربّك يعلم أنّك تقومُ أدنى من ثلثي الليل ونصفه
وثلثه﴾ الآية. فردّهم إلى الفريضة ووضع عنهم قيام الليل إلاّ ما تطوعوا به.
وقال الحسن: في هذه الآية الحمد لله تطوع بعد فريضة.
﴿ورتّل القرآن ترتيلا﴾. قال الحسن: اقرأه قراءة، بيّنه تبياناً، وعنه أيضاً: اقرأه على
(١) سورة المزمل: ٢٠.
(٢) سورة المزمل: ٢٠.
(٣) أكلفوا: تحمّلوا: النهاية لابن الأثير.
(٤) تفسير القرطبي: ٣٧/١٩.

٦٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
هينتك ثلاث آيات وأربعاً وخمساً. قتادة: تثبت فيه تثبيتاً. ابن كيسان: تفهّمه تالياً له. وقيل:
فصّله تفصيلا ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغّر رتّل ورتل إذا كان مغلجاً. أبو بكر
ابن طاهر: دبّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك
بالإقبال عليه .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدثني أبي،
قال: حدّثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ وَّل،
قال: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية
تقرأها)) [٤٣](١) .
﴿إِنّا سنُلقي عليك قولا ثقيلا﴾ قال الحسن: إنّ الرجل ليهدُّ السورة ولكن العمل به ثقيل.
وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. ابن عباس: شديداً. أبو العالية: ثقيلا بالوعد والوعيد
والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلا على المنافقين. الفرّاء: ثقيلا ليس بالخفيف
السفساف؛ لأنه كلام ربّنا. عبد العزيز بن يحيى: مهيباً، ومنه يقال للرجل العاقل: هو رزين
راجح.
وسمعت الأُستاذ أبا القيّم بن جندب يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن
إبراهيم يقول: سمعت الحسين بن الفضل وسئل عن هذه الآية، فقال: معناها أنا سنلقي عليك
قولا خفيفاً على اللسان ثقيلا في الميزان. وقال أبو بكر بن طاهر: يعني قولا لا يحمله إلاّ قلب
مؤيد بالتوفيق ونفس مزيّنة بالتوحيد. وقال القيّم: في هذه الآية سماع العلم من العالم مرّ
واستعماله ثقيل لكنه يأتي بالفرح إذا استعمله العبد على جد السنّة وتمام الأدب. وقيل: عنى
بذلك أن القرآن عليه ثقيل محمله. قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا يثقل في
الموازين يوم القيامة .
أخبرنا أبو الحسين ابن أبي الفضل القهندري، قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا محمد بن
يحيى فقال: وفيما قرأت على عبد الله عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن
الحرث بن هشام سأل رسول الله صل﴿، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول
الله ◌َله: «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ فينفصم عني وقد وعيت ما قال،
وأحياناً يتمثل الملك رجلا فأعرف ما يقول)) [٤٤](٢).
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وان جبينه ليرفض
عرقاً .
(١) فتح الباري: ٣٤٩/١٣، السنن الكبرى: ٢٢/٥، ح ٨٠٥٦.
(٢) مسند أحمد: ١٥٨/٦، تفسير القرطبي: ٣٩/١٩.