النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة الصف، الآيات: ١ - ١٤
سورة الصف
مكية، وهي تسعمائة حرف، ومائتان وأحدى وعشرون كلمة، وأربع عشرة آية
أخبرنا أبو الحسن الحيازي قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثني أبو عباس محمد بن موسى
الرازي قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني قال: حدّثني شبابة بن سواد الغزاري قال: حدّثنا
مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد وعن عطاء بن أبي ميمونة عن بن حبش عن أبيّ بن كعب
قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة عيسى (عليه السلام) كان عيسى مصلياً عليه مستغفراً له
مادام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه)) [٢٨٣](١)
بسم الله الرحمن الرحيم
سَبِّعَ لِلّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيُ ﴿١َ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ
مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ كَبِرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا نَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُفْنِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّ كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْبِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَّد
تَّعْلَمُونَ أَبِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمَّ فَلَّا زَاغُوَاْ أَزَّاعَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِفِينَ ﴿ وَإِذْ قَالَ
عِسَى أَبْنُ مَرْتَ بَبَنِىّ إِشْرَهِيَلَ إِنَّ رَسُولُ أَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ بَدَنَّ مِنَ التَّوَيَّةِ وَمُبَيْرًا بِيَسُولٍ بَأَنِى مِنْ بَعْدِى أَسَمُ
أَحَدٌّ فَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَِّنَتِ قَالُواْ هَذَا سِعْرٌ مُِّنٌ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ بِمَّنِ أَفْتَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِّبَ وَهُوَ يُدْعَىَّ إِلَى الْإِسْلَمِ
هُوَ
وَّهُ لَا يَهْدِى الْقَ الَِّنَ ﴿٧َ يُرِيدُونَ ◌ِطْفُواْ ◌ُرَ الَّهِ بِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُتُ نُورِهِ، وَلَّوْ كَرِهِ الْكَفِرُونَ
الَّذِيّ أَرْسَلَ رَسُولُ بِالْمُدَى وَدِينِ اَلَّْ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الْذِينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُّرِكُونَ (٢٦) بَأَيُّهَا الَّذِينَ مَا مَنُواْ هَلْ أَوَلَّكُ
عَلَّ بِحَفِ نُجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِ ﴿٣َ نُؤْمِنُنَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهِدُونَ فِى سِلِ أَهِّ ◌ِأَمْوَلِكُمْ وَأَهِكُمْ ذَلِكُمْ شَرٌ لَّكُمْ
إِنْ كُ نَُّونَ (٦َ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُ وَيُدِْذْكُمْ حَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَجِهَا الْأَنْهَؤُ وَمَسَكِنَ طِيَةً فِى حَتَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْغَوَّزُ اَلْعَظِيمُ (١٣) وَأُخْرَى تُحِبُونَهَا نَصْرٌ مِّنَ لَّهِ وَفَنَّحْ ثَيْتُ وَكَثِ الْمُؤْمِينَ ﴿ وَأَتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارٌ الَّهِ
كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَّ مَنْ أَنْصَارِفَ إِلَى الَّهِ قَالَ الْمَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ فَمَنَتَ ظَائِفَةٌ مِنْ بَنِّيَ
إِسْرَِّيلَ وَكَرَتَ طَِّفَةٌ فَدْنَا الَذِينَ ءَامَنُواْ عَى عَدُوَهِ فَأَصْبَعُواْ ظَهِنَ
﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * يا أيها الذين آمنوا لم
(١) تفسير مجمع البيان: ٩ / ٤٥٩.

٣٠٢
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
تقولون ما لا تفعلون﴾ قال مقاتلان: قال المؤمنون قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب
الأعمال إلى الله سبحانه لعلمناه وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلّهم الله على أحب الأعمال اليه
فقال: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾ فبيّن لهم فابتلوا يوم
أحد بذلك، فولّوا عن النبي ◌َّ مدبرين فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
وقال: الكلبي: قال: المؤمنون: يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال لفعلنا ونزل ﴿هل
أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ ثم أنقطع الكلام ولم يبين لهم شيئاً فمكثوا بعد ذلك
ما شاء الله أن يمكثوا وهم يقولون: ليتنا نعلم ماهي أما والله إذن لأشتريناها بالأموال والأنفس
والأهلين، فدلّهم الله سبحانه فقال: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله﴾ الآية،
فأبتلوا بذلك يوم أحد ففرّوا عن رسول الله وَّ حين صرع وشج في وجهه وكسرت رباعيته،
فنزلت هذه الآية يعيّرهم ترك الوفاء.
وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله سبحانه وتعالى رسوله و 08 بثواب شهداء بدر قالت
الصحابة: لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيّرهم الله بهذه الآية، وقال ابن
عباس: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله دلّنا على أحب
الأعمال إليه فنعمل به، فأخبرهم الله تعالى أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه والجهاد، فكره
ذلك ناس منه وشق عليهم الجهاد وتباطؤوا عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقال: قتادة
والضحاك: نزلتا في شأن القتال، كان الرجل يقول: قتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن،
وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مقلاب قال: حدّثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد
بدمشق قال: حدّثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: أخبرنا حصين بن حذيف الصهري قال:
حدّثني عمي عن سعيد بن المسيب عن مهيب قال: كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونهاهم
فقتله صهيب في القتال، فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلاناً ففرح بذلك رسول الله وَلّل، فقال
عمرو بن عبد الرحمن لصهيب: أخبر النبي ◌ّلم أنك قتلته فأن فلاناً ينتحله، فقال صهيب: إنما
قتلته لله تعالى ولرسوله، فقال عمرو بن عبدالرحمن: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا
أبا يحيى؟ قال: نعم يا رسول الله، فأنزل الله سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا
تفعلون﴾ والآية الأخرى.
وقال الحسن: هؤلاء المنافقون ندبهم الله سبحانه ونسبهم الى الأقرار الذي أعلنوه
للمسلمين فأنزل الله فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ كذباً وزوراً، وقال:
ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون، وقال: مجاهد: نزلت
في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قال: في مجلس لهم: لو علمنا أي الأعمال أحب
الى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله سبحانه هذه السورة فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح

٣٠٣
سورة الصف، الآيات: ١ - ١٤
حبيساً في سبيل الله حتى أموت أو أُقتل فقتل بمؤته شهيداً رحمة الله عليه ورضوانه، وقال:
ميمون بن مهران: نزلت في الرجل يقرض نفسه بما لم يفعله نظيره ويحبون أن يحمدوا عما لم
يفعلوا .
حدّثنا أبو القاسم الحسيني لفظاً قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس
الطرائفي قال: حدّثنا عمي سعيد الدارمي قال: حدّثنا محبوب بن موسى الأنطاكي قال: حدّثنا
أبو إسحاق الفراري عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد
الله بن سلام قال: خرجنا نتذاكر فقلنا: أيكم رسول الله و لر فسأله أي الأعمال أحب إلى الله،
ثم تفرقنا وَهِبنا أن يأتيه أحدنا، فأرسل إلينا رسول الله وَّر وجمعنا فجعل يومي بعضنا الى بعض
فقرأ علينا ﴿سبح لله﴾ الى آخرها .
قال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد الله بن سلام الى آخرها قال يحيى بن أبي كثير: فقرأ
علينا أبو سلمة إلى آخرها، قال الأوزاعي: فقرأ علينا يحيى بن إسحاق إلى آخرها، قال أبو
إسحاق الفزاري: فقرأها علينا الأوزاعي إلى آخرها، قال محبوب بن موسى: قرأها علينا
الفزاري الى آخرها، قال عثمان بن سعيد: فقرأها علينا محبوب الى آخرها، قال الطرائفي:
فقرأها علينا عثمان بن سعيد الى آخرها، قال القاسم: وقرأها علينا أبو الحسن الطرائفي الى
آخره، وقرأها علينا الإستاذ أبو القاسم الى آخرها وسألنا أحمد الثعلبي أن يقرأ فقرأ علينا إلى
آخرها .
﴿كبر مقتاً﴾ نصب على الحال وأن شئت على التمييز.
وقال الكسائي: ﴿أن تقولوا﴾ في موضع رفع لان ﴿كبر﴾ بمنزلة قولك بئس رجلا أخوك،
وأضمر القراء فيه أسماً مرفوعاً، والمقت والمقاتة مصدر واحد يقال: رجل ممقوت ومقيت إذا
لم تحبّه الناس ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله﴾ ولا يزولون عن أماكنهم ﴿كأنَّهم بنيان
مرصوص﴾ قد رصّ بعضه إلى بعض أي أحكم وأيقن وأدقّ فليس فيه فرجه ولا خلل، وأصله
من الرصاص، ومنه قول النبي ◌َّير: ((تراصوا بينكم في الصفوف لا يتخللنكم الشياطين كأنها
بنات حذف)) [٢٨٤](١).
﴿وإذ قال: موسى لقومه﴾ من بني إسرائيل ﴿ياقوم لم تؤذونني﴾ وذلك حين رموه بالادرة
﴿وقد تعلمون أني رسول الله إليكم﴾ والرسول يحترم ويعظم ﴿فلما زاغوا أزاغ الله﴾ عن الحق
﴿قلوبهم﴾ عن الدين ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني
رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد﴾
وهو الذي لا يذم، وفي وجهه قولان:
(١) تفسير مجمع البيان: ٥ / ٣٨٧ بتفاوت.

٣٠٤
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
أحدهما: أن الأنبياء كلّهم حمّادون لله سبحانه ونبينا وَّر أحمد، أي أكثر حمداً لله منهم.
والثاني: أنَّ الأنبياء كلّهم محمودون ونبيّنا أحمد أي أكثر مناقب وأجمع للفضائل.
﴿فلما جائهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو
يدعى الى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره
ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون * يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾ قراءة العامة بالتخفيف من
الإنجاء وقرأ ابن عامر بالتشديد من [التنجية] ﴿من عذاب أليم) بيّن ما هي فقال: ﴿تؤمنون بالله
ورسوله وتجاهدون في سبيله الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم
ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيّبة﴾ .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان
قال: حدّثنا محمد بن الفرح البغدادي قال: حدّثنا حجاج بن محمد بن جبير القصاب عن الحسن
قال: سألنا رسول الله وَلي عليها فقال: ((قصر من لؤلؤة في الجنّة وذلك القصر سبعون داراً من
ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير
سبعون فراشاً من كل لون، على كلّ فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة على
كل مائدة سبعون لوناً من كل الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة، قال: فيعطي الله
المؤمن من القوة في غذاءه وحده ما يأتي على ذلك كله)) [٢٨٥](١).
﴿في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى﴾ قال: نحاة البصرة: هي في محل الخفض (٢)
مجازه: وتجارة أخرى، وقال نحاة الكوفة: محلها رفع أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب
الآجل .
﴿تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾ ثم حثهم على نصرة الدين وجهاد
المخالفين فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله﴾ أعواناً بالسيف على أعدائه، قرأ أبو
عمرو وقرأ أهل الحجاز أنصاراً بالتنوين وهو أختيار أيوب، وقرأ الباقون بالأضافة وهو أختيار
أبي حاتم وأبي عبيد قال: لقوله ﴿نحن أنصاراً لله﴾ ولم يقل: أنصاراً لله.
﴿كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري الى الله قال: الحواريون نحن أنصار
الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيّدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا
ظاهرین﴾ .
(١) مجمع الزوائد: ١٠ / ٤٢٠، تفسير القرطبي: ١٨ / ٨٨.
(٢) أي معطوفة على تجارة.

٣٠٥
سورة الصف، الآيات: ١ - ٧
سورة الجمعة
مدنية، وهي سبعمائة وعشرون حرفاً، ومائة وثمانون كلمة، وأحدى عشر آية
أخبرنا أبو عمرو الفرائي قال: أخبرنا موسى قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا سليمان قال:
حدّثنا أبو معاذ عن أبي عصمة عن زيد العمي عن أبي نصرة عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن
النبي ◌َّ﴾ قال: ((من قرأ سورة الجمعة كتب له عشر حسنات بعدد من ذهب الى الجمعة من مصر
من أمصار المسلمين ومن لم يذهب)) [٢٨٦](١).
بسم الله الرحمن الرحيم
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِ ﴿٣َ هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِتْنَ
رَسُولَا فِنْهُمْ بَتْلُواْ عَلَيْهِمْ مَتِهِ، وَيُزَكِِّمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَّلَلِ مُبِينٍ
وَمَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَنَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْنِهِ مَن يَشَاءُ وَالَهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ﴿﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا النََّرَةُ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَشْفَارًاً بِنْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَابَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَِّنَ جَ قُلْ بَأَيُّهَا الَّذِينَ هَاءُوَاْ إِنْ زَعَمَّتُمْ أَنَّكُمْ
أَوْلِيَاءُ لِلَِّ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ أَوْتَّ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَا يَنَّوْنَهُ أَبَّدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالظَّالِينَ
﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس﴾ قال أهل اللغة: كل أسم
على فعّول بتشديد للعين فالفاء منه منصوبة، نحو سفّود وكلّوب وسمّور وشبّوط - وهو ضرب من
السمك إلاّ أحرف: سبّوح وقدّوس، ومردوح لواحد المراديح(٢)، وحكى الفراء عن الكسائي
قال: سمعت أبا الدنيا وكان إعرابياً فصيحاً يقرأ القدوس بفتح القاف ولعلها لغة.
﴿العزيز الحكيم﴾ وقرأ أبو وائل الملك القدوس بالرفع على معنى هو الملك القدوس.
أخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٥ بتفاوت.
(٢) المراديح: كل ما بسط ومد على الأرض.

٣٠٦
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
ابن سليمان قال: حدّثنا محمد بن إسحاق الرازي قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان قال: سمعت
عمرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال: هذه الآية ﴿يسبح لله ما في السموات
وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾ في التوراة سبعمائة آية.
﴿هو الذي بعث في الأميين﴾ يعني العرب ﴿رسولا منهم﴾ محمداً ويلز ﴿يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمةَ وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم﴾ في
﴿آخرين﴾ وجهان من الأعراب: أحدهما الخفض على الرد الى الأميين، مجازه: وفي آخرين،
والثاني: النصب على الردّ الى الهاء والميم من قوله ﴿يعلمهم﴾ أي ويعلم آخرين منهم أي من
المؤمنین الذین یدینون بدينه .
﴿لما يلحقوا بهم﴾ أي لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم.
وأختلف العلماء فيهم فقال ابن عمرو سعيد بن جبير: هم العجم، وهي رواية ليث عن
مجاهد يدلّ عليه كما روى ثور بن يزيد عن أبي العتب عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية
﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ كلّمه فيها الناس فأقبل رسول الله وَليل على سلمان فقال: ((لو
كان (الدين)(١) عند الثريا لناله رجال من هؤلاء)) [٢٨٧](٢).
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال:
حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي
قال: حدّثني حُصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول
الله ◌َ﴾ قال: قال النبي ◌َلّر: ((رأيتني تبعني غنم سود ثم أتبعتها غنم سود ثم اتبعتها غنم عفر))
أوّلها أبا بكر قال: أمّا السود فالعرب، وأما العفر فالعجم تبعايعك بعد العرب، قال: ((كذلك
عبّرها الملك سحر)) [٢٨٨](٣) يعني وقت السحر.
وبه عن أبي حمزة قال: حدّثني السدي قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا قال: رجل
من أصحاب النبي ◌ٍَّ فأنه يعني به علياً، وإذا قال: رجل من أهل بدر فأنما يعني به علياً، فكان
أصحابه لا يسألونه عن أسمه، وقال: عكرمة ومقاتل: هم التابعون، وقال ابن زيد وابن حيان:
هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي وَ ل ير الى يوم القيامة وهي رواية ابن أبي نحيح عن
مجاهد .
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي وَلتر قال: ((وأن في أصلاب أصلاب أصلاب
(١) في المصدر: الإيمان.
(٢) صحيح مسلم: ٧ / ١٩٢ .
(٣) المصنّف: ٧ / ٢٣٤، وبتفاوت في كنز العمال: ١١ / ٤٤٩، ح ٣٢١١٣.

٣٠٧
سورة الصف، الآيتان: ٨ - ٩
رجال (أمتي)(١) رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب)) [٢٨٩](٢) ثم تلا رسول الله وَله.
﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ ﴿وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو
الفضل العظيم مثل الذين حملوا التوراة﴾ أي كلّفوا العمل بها ﴿ثم لم يحملوها﴾ ولم يعملوا بما
فيها ولم يؤدّوا حقّها ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ كتباً من العلم والحكمة.
قال الفراء: هي الكتب العظام واحدها سفر، ونظيرها في الكلام شبر وأشبار وجلد
وأجلاد فكما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرؤون التوراة ولا
ينتفعون به، لأنهم خالفوا ما فيه.
أنشدنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتب قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن المنذر قال: أنشدنا
أبو محمد العشائي المؤدب قال: أنشدنا أبو سعيد الضرير:
بجيّدها إلا كعلم الأباعر
زوامل للأسفار لا علم عندهم
بأسفاره إذا راح ما في الغرائز(٣)
لعمرك ما يدري المطي إذا غدا
﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين قل يا أيها الذين
هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس﴾ محمد وأصحابه ﴿فتمنوا الموت﴾ فادعوا على
أنفسكم بالموت ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه.
﴿ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾. أخبرنا الحسن قال:
حدّثنا السني قال: حدّثنا النسائي قال: أخبرني عمرو بن عثمان قال: حدّثنا بقية بن الوليد
قال: حدّثنا الزبيدي قال: حدّثني الزهري عن أبي عبيد أنه سمع أبا هريرة يقول قال: رسول
الله ◌َله: ((لا يتمن أحدكم الموت أما محسن فإن يعش يزدد خيراً فهو خيرٌ له وأما مسيئاً
فلعلّه أن يستعتب)) [٢٩٠](٤).
قُلْ إِنَّ أَلْمَوْتَ الَّذِى نَّعِزُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَفِيكُمْ ثُمَّ ثُّدُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَتَشْكُمْ بِمَا
كُ تَعَلُونَ ﴿َ بَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٩
﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنَّه ملاقيكم ثم تردّون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم
(١) في المصدر: من أصحابي رجالا.
(٢) كنز العمّال: ١٢ / ٣٤٥٧٢.
(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٨، لسان العرب: ١١ / ٣١٠، وفيه: للأشعار، بدل: للأسفار - والبعير، بدل:
المطي، وبأوساقه بدل: بأسفاره.
(٤) مسند أحمد: ٢ / ٣٠٩، وفي كنز العمّال: ٤ / ٢٥٤، ح ١٠٤٠٨، بتفاوت يسير.

٣٠٨
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
بما كنتم تعملون * يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ أي في يوم الجمعة
كقوله سبحانه ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾(١) أي في الأرض وأراد بهذا النداء الآذان عند قعود
الإمام على المنبر للخطبة، يدل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد
بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدّثنا محمد بن
إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان لرسول الله صل﴾ مؤذن واحد - بلال ــ لم يكن
له مؤذن آخر غيره، فكان إذا جلس رسول الله وسلم على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل
أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان فكثر الناس وتباعدت
المنازل زاد أذاناً فأمر بالتأذين الأوّل على دار له بالسوق يقال لها الزوراء، فكان يؤذن له عليها،
فأذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأوّل، فإذا نزل أقام للصلاد فلم يُعب ذلك عليه .
وقراءة العامة ﴿الجمعة﴾ بالضم الميم، وقرأ الأعمش مخففة بجزم الميم وهما لغتان
وجمعها : جُمع وجمعات.
أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا أبا الحسن بن أيوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز
قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: سمعت الكسائي يخبر عن سليمان عن الزهري قال: قال ابن
عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم قال الفرّاء وأبو عبيد: التخفيف حسن وهو
.. ](٢) في مذهب العربية مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر. وقال
.... ]
الفراء: وفيها لغة أخرى ثالثة: جمعة بالفتح كقولك رجل ضحكة وهمزة ولمزة وهي لغة بني
عقيل، وقيل: هي لغة النبي ◌ُّ وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما أخبرنا الحسن قال: حدّثنا
الكندي قال: حدّثنا محمد بن مخلد العطار قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن أبي موسى قال:
حدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أمية قال: حدّثنا قيس الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع
الضبي عن سليمان قال: قال رسول اللـه وَله: ((إنَّما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه))
[٢٩١](٣). وقيل: لأنّ الله سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء فأجتمعت فيه المخلوقات.
وقيل: يجمع الجماعات فيها، وقيل: لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أوّل من سماها
جمعة كعب بن لؤي.
أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حفصويه قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن حفص
الحلواني قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا عبد العزيز
عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة قال: أول من قال: أما بعد كعب بن لؤي، وكان
(١) سورة فاطر: ٤٠ .
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٣) صدر الحديث في كنز العمّال: ٧ / ٧٠٩، ح ٢١٠٣٩، والذيل غير موجود.

٣٠٩
سورة الصف، الآيتان: ٨ - ٩
أول من سمى الجمعة الجمعة وكان يقال للجمعة: العروبة، وقيل: أوّل من سماها جمعة
الأنصار.
أخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا سلمة
ابن شيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: جمع أهل
المدينة قبل أن يقدم النبي ◌ّر المدينة وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سمّوها الجمعة، قالت
الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فهلموا فلنجعل
يوماً يجمع فيه فيذكر الله عزّ وجلّ ونصلّي ونشكره - أو كما قالوا ..
فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم
الجمعة يوم العروبة واجتمعوا الى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسمّوه يوم
الجمعة حين أجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحده وذلك
لقلتهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك بعد ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ الآية، فهذه أول
جمعة جمعت في الإسلام.
فأما أول جمعة جمعها رسول الله يله بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول
الله ◌َلّ مهاجراً حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الأثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت
من شهر ربيع الأول حين أشتد الضحى فأقام ويله بقباء يوم الأثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء
ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة
الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد وكانت
هذه الجمعة أول جمعة.
وقال: الحسن هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد: جمعها رسول اللـه وَّ في
الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، وقال ◌َله: ((الحمد
لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من
الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وإنقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل،
من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيداً، وأوصيكم
بتقوى الله فأنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله
فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وأن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون
وصدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرِّ والعلانية
لا ينوي بذلك إلاّ وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء
الى ما قدم، وما كان من سوء تودّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله روؤف

٣١٠
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
بالعباد، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلق لذلك فأنه يقول ما يبدلّ القول لديَّ وما أنا بظلام
للعبيد، واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرِّ والعلانية فإنه من يتّق الله كفر عنه سيئاته،
ويعظم له أجراً، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وان تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته
وتوقي سخطه، وأن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظّكم ولا
تفرطوا في جنب الله فقد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين،
فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقّ جهاده، هو اجتباكم
وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيى عن بيّنة ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله، وأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فأنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه
وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك الناس ولا يملكون
منه، الله أكبر ولا قوّة إلاّ بالله العظيم)) [٢٩٢](١).
فلهذا صارت الخطبة شرطاً في إنعقاد الجمعة وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن:
هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من الظهر فإذا تركها
وصلّى الجمعة فقد صلى الركعتين من الظهر، وأقلّ ما يجزي من الخطبة أن يحمد الله ويصلّي
على نبيّه ويوصي بتقوى الله سبحانه ويقرأ آية من القرآن في الخطبة الأولى ويجب في الثانية أربع
كالأولى إلّ إن الواجب بدل قراءة الآية الدعاء، هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، وقال أبو
حنيفة: لو أقتصر على التحمد أو التسبيح أو التكبير أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب
ما يتناوله أسم الخطبة .
ثم القيام شرط في صحة الخطبة مع القدرة عليه في قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا حنيفة فأنه لم
يشرطه فيها، والدليل على أن القيام شرط في الخطبة قوله سبحانه: ﴿وتركوك قائماً﴾. وحديث
ابن عمر: ما كان رسول الله وَله يخطب خطبتين إلاّ وهو قائم.
وللشافعي قولان في الطهارة في حال الخطبة فقال في الجديد: هي شرط في الخطبة،
وقال في القديم: ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله.
فهذا بيان القول في أول جمعه جمعت في الإسلام، وأول جمعه جمعها رسول الله وَلقوله
وأول خطبة خطبها فيها في المدينة، فأمّا أول جمعة جمعت بعدها بالمدينة فقال ابن عباس: أول
جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة بقرية يقال لها جُواثا من قرى البحرين.
قوله: ﴿فاسعوا الى ذكر الله﴾ أي أمضوا إليه واعملوا له.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا
(١) تاريخ الطبري: ٢ / ١١٥، تفسير مجمع البيان: ١٠ / ١١.
-

٣١١
سورة الصف، الآيتان: ٨ - ٩
يحيى بن حنظلة قال: سمعت سالماً قال: قال ابن عمر: سمعت وَلّ يقرأ فأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع
ابن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ما
سمعت عمر قط يقرأها إلاّ وأمضوا الى ذكر الله.
وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الكلمواني قال: حدثنا أبو بكر محمد بن
محمد بن حفص قال: حدثنا السري بن خزيمة قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان عن
حنظلة عن سالم عن عمر أنه كان يقرأها فأمضوا الى ذكر الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال:
كان عبد الله يقرأها فأمضوا الى ذكر الله ويقول: لو قرأها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي،
وهي قراءة أبي العالية أيضاً، وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن
يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنّة والخشوع.
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب
قال: أخبرنا عبد الوهاب قال: سئل سعيد عن فضل الجمعة فأخبرنا عن قتادة أنه كان يقول في
هذه الآية ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله﴾ فالسعي أن
تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال: وكان يتأوّل هذه الآية ﴿فلما بلغ معه السعي﴾(١)
يقول فلما مشى معه، وقال: الكلبي فلما عمل مثله عمله.
وأخبرنا محمد بن حمدويه قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع قال: قال
الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله سبحانه وتعالى ﴿إن سعيكم لشتى﴾(٢)
وقال سبحانه: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾(٣) وقال تعالى: ﴿فإذا تولى سعى في الأرض
ليفسد فيها﴾(٤) وقال زهر: سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يدركوهم ولم يلاقوا ولم يألوا
الى ذكر الله يعني الصلاة.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب وليع
قال: حدّثنا منصور بن دينار عن موسى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب ﴿فاسعوا الى ذكر
الله﴾ قال: موعظة الإمام ﴿وذروا البيع﴾ يعني البيع والشراء لأنَّ البيع يتناول المعنيان جميعاً
ومنه قول النبي ◌َ: ((البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» [٢٩٣](٥) أراد البائع والمشتري، وقال
الأخطل :
(١) سورة الصافات: ١٠٢ .
(٣) سورة النجم: ٣٩.
. (٤) سورة البقرة: ٢٠٥.
(٥) كتاب المسند للشافعي: ١٣٨، مسند أحمد: ٢ / ٩.
(٢) سورة الليل: ٤.

٣١٢
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
وبعت لذبيان العلاء بمالكا (١)
وباع بنيه بعضهم بخشارة
يريد بالأول البيع وبالآخر الابتياع، وإنَّما يحرم البيع عند الأذان الثاني، وقال الزهري:
عند خروج الإمام، وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشرى، وروى السدي عن أبي
مالك قال: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير ويشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
ولا يقومون فنزلت هذه الآية.
﴿ذالكم﴾ الذي ذكرت من حضور الجمعة والإستماع الى الجمعة وأداء الفريضة (خيركم
لكم﴾ من المبايعة ﴿إن كنتم تعلمون﴾ مصالح أنفسكم ومضارها.
ذكر تلكم الآية
أعلم أن صلاة الجمعة واجب على كل مسلم إلاّ خمسة نفر: النساء والصبيان والعبيد
والمسافر والمرضى. يدل عليه ما أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق
الأزهري [باسفرائين] قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال: أخبرنا المزني
قال: قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثني سلمة بن عبد الله الحطمي عن محمد
ابن كعب القرطي أنه سمع رجلا من بني وائل يقول: قال رسول الله وتلقى: ((تجب الجمعة على
كلّ مسلم إلا امرأة أو صبي أو مملوك)) [٢٩٤](٢).
وأخبرنا أن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا الربيع بن
سليمان الحبري قال: حدّثنا عبد الملك بن سلمة القرشي قال: حدّثنا أبو المثنى سلمان بن يزيد
الكعبي عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله وكليقول: «تحرم التجارة
عند الأذان يوم الجمعة ويحرم الكلام عند الخطبة وتحل التجارة بعد صلاة الجمعة ولا تجب
الجمعة على أربعة: المريض والعبد والصبي والمرأة، فمن سعى بلهو أو تجارة أستغنى الله عنه
والله غني حميد)) [٢٩٥].
وتجب الجمعة على أهل القرى إذا سمعوا النداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان
يكون المؤذِّن صيّتاً والأصوات هادئة والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سور البلد، ويعتبر كل
قرية بالسور الذي يليها، هذا مذهب الشافعي، وقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة
على من كان على عشرة أميال من المصر، وقال سعيد بن المسيب: يجب على من آواه المبيت،
وقال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال، ربيعة أربع أميال، مالك والليث: ثلاثة
أميال.
(١) الصحاح: ٢ / ٦٤٥، لسان العرب: ٤ / ٢٤٠، وفي المصادر هو للحطيئة وليس للأخطل.
(٢) كتاب المسند للشافعي: ٦١.

٣١٣
سورة الصف، الآيتان: ٨ - ٩
وقال أبو حنيفة، لا تجب الجمعة على أهل السواد سواء كانت القرية قريبة من البلد أو
بعيدة، حتى حكي أن محمد بن الحسن سأله هل تجب الجمعة على أهل دياره وبينها وبين
الكوفة مجرى نهر، فقال: لا .
واختلف الفقهاء في عدد من ينعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: ينعقد بأثنين، وقال الليث
ابن سعد وأبو يوسف: بثلاثة، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة، وقال ربيعة: الرأي بأثني
عشر، وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين نفساً، قال: فكل قرية جمعت فيها
أربعين بالغين عاقلين أحرار مقيمين لا يظعنون عنها شتاءً وصيفاً الا ظعن حاجة وجبت عليهم
الجمعة، وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير أعتبار عدد،
وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى ولا يجوز لهم أقامتها فيها، وأشترط
في وجوب الجمعة وأنعقادها: المصر الجامع للسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري،
واحتج بحديث علي كرم الله وجهه: لا جمعة ولا تسويق إلا في مصر جامع، وفي بعض
الأخبار إلا على أهل مصر جامع وضعّفه بعضهم.
والدليل على أبي حنيفة حديث ابن عباس قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة النبي وله
بالمدينة في قرية من قرى البحرين يقال لها جواثاً، وروى أن عمر بن الخطاب رضيالله كتب الى
أهل البحرين صلّوا الجمعة حيث ماكنتم، وتصح إقامة الجمعة بغير إذن السلطان وحضوره، وقال
أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو خليفة.
والدليل على أن السلطان ليس بشرط في أنعقاد الجمعة، ما روي أن الوليد بن عقبة والي
الكوفة أبطأ يوماً في حضور الجمعة فتقدّم عبد الله بن مسعود وصلى الجمعة بالناس من غير
إذنه، وروي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه صلى الجمعة بالناس، يوم حصر عثمان ولم
يُنقل أنه إستأذنه، وروى أن سعيد بن العاص والي المدينة لما أخرج من المدينة صلى أبو موسى
الأشعري الجمعة بالناس من غير استئذان.
ولا يجوز أن يصلي في بلد واحد إلاّ جمعة واحدة فأن صليت ثانية بطلت، وقال أبو
يوسف: فإن كان للبلد جانبان جاز أن يصلي كل جانب منه جمعة، وقال محمد بن الحسن يجوز
أن يصلي في بلد واحد جمعتان أستحساناً .
فأما الوعيد الوارد لمن ترك صلاة الجمعة من غير عذر، فأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال:
حدّثنا أبو العباس الأحمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال: أخبرنا ابن أبي فديك
قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أسيد البرّاد عن عبد الله بن قتادة عن جابر بن عبد الله أن
رسول الله ﴿ قال: ((من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)) [٢٩٦](١).
(١) المستدرك الحاكم: ١ / ٢٩٢.

٣١٤
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
وروى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال: ((لينتهين أقوام يسمعون
النداء يوم الجمعة ثم لا يشهدونها أو ليطبعن الله على قلوبهم أو ليكونن من الغافلين أو ليكونن
من أهل النار)) [٢٩٧](١).
وروى أنه و ﴿ خطب فقال: ((إن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي
هذا، [في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة] فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام
عادل أو جائر من غير عذر فلا بارك الله له ولا جمع الله شمله ألا فلا حج له ألا ولاصوم له،
ومن تاب تاب الله عليه)) [٢٩٨](٢).
أخبرنا أبو عبد الله الفتحوي قال: حدّثنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حسن بن علي عن الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي
المسيّب قال: أردت الجمعة زمن الحجاج، قال: فتهيأت للذهاب ثم قلت: أين أذهب أصلي
خلف هذا فقلت مرة: أذهب، وقلت مرة: لا أذهب قال: فاجمع رأي على الذهاب، فناداني
مناد من جانب البيت: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر
الله﴾ قال: وجلست اكتب كتاباً فعرض لي شيء إن أنا كتبته في كتابي زين كتابي وكنت قد
كذبت، فأن أنزلته كان في كتابي بعض القبح وكنت قد صدقت، فقلت مرة: اكتب، وقلت مرة:
لا أكتب، فأجمع رأي على تركه فتركته، فناداني مناد من جانب البيت ﴿يثبت الله الذين
آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾(٣).
فأما ثواب من شهد الجمعة
وأخبرنا أحمد بن أبي قال: حدّثنا الهيثم بن كليب قال: حدّثنا عيسى بن أحمد قال:
حدّثنا بقية قال: حدّثني الضحاك بن حمزة عن أبي نصرة عن أبي رجاء العطار عن أبي بكر
الصديق وعمر بن حصين قالا: قال رسول الله وَله: ((من اغتسل يوم الجمعة كُفِّرت عنه ذنوبه
وخطاياه فإذا أخذ في المشي [إلى الجمعة] كتب له بكل خطوة عمل عشرين سنة فإذا (فرغ) (٤)
من (الجمعة)(٥) أجيز بعمل مائتي سنة)) [٢٩٩].
وأخبرنا أحمد بن أُبي في آخرين قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: أخبرنا الربيع قال:
(١) مسند الشاميين للطبراني: ٢ / ٢٨٥، ح ١٣٥٢.
(٢) سنن ابن ماجة: ١ / ٣٤٣، كنز العمّال: ٧ / ٧٢١، ح ٢١٠٩٢.
(٣) سورة إبراهيم: ٢٧ .
(٤) في المصدر: انصرف.
(٥) في المصدر: الصلاة.

٣١٥
سورة الصف، الآيتان: ٨ - ٩
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي وَلـ
قال: ((من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنه ومن راح في الساعة الثانية
فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة
فكأنما قرّب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرة
الملائكة يستمعون الذكر)) [٣٠٠](١).
وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن أحمد بن الحسن البصري قال:
حدّثنا عبد الله بن محمد بن شودب قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي قال: حدّثنا
الحسن بن عرفة قال: حدّثنا بن يزيد بن هارون عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وعليه:
((ليلة أُسري بي الى السماء رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة
مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدّسونه ويقولون في تسبيحهم: اللهم أغفر لمن شهد
الجمعة، اللهم أغفر لمن اغتسل في الجمعة» [٣٠١] (٢).
فأما فضل يوم الجمعة
فأخبرنا أبو عمرو الفراتي وأبو عبد الله الحافظ وأبو محمد الكناني وأبو علي الثوري
قالوا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي
قال: أخبرنا مالك عن يزيد بن عبد الله بن السهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن أبي
سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق
آدم وفيه أهبط وفيه [تِيْبَ] عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلاّ وهي مسبحة يوم
الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلاّ الجن والإنس وفيه ساعة لا
يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه إياه)) [٣٠٢](٣).
قال أبو هريرة: قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، فقلت له: كيف
يكون آخر ساعة وقد قال النبي و لتر لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيه
فقال ابن سلام ألم يقل النبي وَله: ((من جلس مجلساً ينتظر فيه الصلاة فهو في الصلاة حتى
يصلّي)) فقلت بلى قال: ((فهو ذلك)) [٣٠٣](٤).
وأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا إبن هند قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال حدّثنا أَبُو
(١) كتاب المسند للشافعي: ٦٢.
(٢) تفسير القرطبي: ١٨ / ١١٩.
(٣) كتاب المسند: ٧٢.
(٤) مسند أحمد: ٥ / ٤٥١.

٣١٦
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
بدر شجاع بن الوليد السكوني قال حدّثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن أبي مسلم عن أنس بن
مالك قال: أبطأ علينا رسول الله (عليه السلام) ذات يوم فلمّا خرج قلنا: أحُبستَ قال: ذلك أنّ
جبرئيل (عليه السلام) أتاني بهيئه المرأة البيضاء فيها نكته سوداء فقال إنّ هذه الجمعة فيها خيرٌ
لك ولأمّتك وقد أرادها والنصارى فأخطؤوها، قلت: يا جبرائيل ما هذه النكته السوداء ؟ قال:
هذه السّاعة الّتي في يوم الجمعة لا يوافقها مسلم يسأل اللّه فيها خيراً إلاّ أعطاه إيّاه أو ذخر له
مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوءِ مثله وإنّه خيرُ الأيّام عند اللّه، وإنّ أهل الجنّة يسمّونه
يوم المرند، قلت: يا رسول الله وما يوم المرند؟
قال: إنّ في الجنّة وادياً، رائحة نبته مسك أبيض، يتنزل الله سبحانه وتعالى كل يوم جمعة
ويضع كرسيّه فيه، ثم يجاءُ بمنابر من نور وتوضع خلفه فتحفُّ منه الملائكة ثم يجاءُ بكرسي من
ذهب فيوضع، ثمّ يجيىء النبيّيون والصدّيقون والشهداء والمؤمنون أهل الغرف فيجلسون ثمّ يُقسم
اللّه سبحانه وتعالى فيقول: أي عبادي سلوا، فيقولون: نسألك رضوانك ؟ فيقول: قد رضيت
عنكم، فسلوا، فيسألون مناهم فيعطيهم اللّه ما شاءوا وأضعافها فيعطيهم مالا عين رأت ولا خطر
على قلب بشر، ثم يقول: ألم أنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، ثم
ينصرفون إلى غرفهم ويعودون كلّ يوم جمعة قلت: يا جبرائيل ما غرفهم ؟ قال: من لؤلؤة بيضاء
أو ياقوته حمراء أو زبرجدة خضراء مفرزة منها أبوابها فيها أزواجها، مطردة فيها أنهارها .
وأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا أَبُو العبّاس عبد الوهّاب بن عبد الجليل ذكر قال حدّثنا
أَبُو محمّد أحمد بن محمّد بن إسحاق السني قال حدّثنا أحمد بن غالب البصري الزاهد بعد إذ
قال حدّثنا دينار مولى أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه وَ الجو: ((إنّ ليلة الجمعة ويوم الجمعة
أربعة وعشرون ساعة، لله سبحانه في كل ساعة ستمائه ألف عتيق من النّار)) [٣٠٤](١).
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضَّلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وَإِذَّا رَأَوْ نِحَرَّةً أَوْ لَوَا أَنَفَضُوْ إِلَيْهَا وَرَكُوَ فَأَبِمَاْ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهُوِ وَمِنَ النِّجَزَّةُ وَاللَّهُ
غَيْرُ الزَِّفِينَ
﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ أي فرغ منها .
﴿فانتشروا في الأرض﴾ للتجارة والتصرف في حوائجكم.
﴿وابتغوا من فضل الله﴾ أي الرزق وهما أمر إباحة وتخيير كقوله سبحانه ﴿وإذا حللتم
فاصطادوا﴾(٢).
(١) مسند أبي يعلى: ٦ / ٢٠١ بتفاوت.
(٢) سورة المائدة: ٢.

٣١٧
سورة الصف، الآيتان: ١٠ - ١١
وقد أخبر عقيل أنّ أبا الفرح أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثني العبّاس بن أبي
طالب قال حدّثنا علي بن المعافي بن يعقوب الموصلي قال: حدّثنا أَبُو علي الضايع عن أبي
خلف عن أنس قال: قال رسول اللّه ◌َلير في قول الله سبحانه ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في
الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ قال: ليس بطلب دنيا ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة،
وزيارة أخ في اللّه(١).
قال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ هو طلب العلم.
وقال جعفر بن محمّد الصّادق ﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ هو يوم
السبت .
﴿وإذا رأوا تجارةً أو لهواً﴾ الآية أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر
قال حدّثنا علي بن حرب قال حدّثنا إبن فضيل قال حدّثنا حُصَين عن سالم بن الجعد عن جابر
ابن عبد اللّه قال: أقبلت عيرٌ ونحن نصلّي مع النّ (عليه السلام) الجمعة فانفضّ الناس إليها
فما بقي غير إثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت ﴿وإذا رأوا تجارةً أو لهواً﴾ الآية.
وقال الحسن وأَبُو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دُحية بن خليفة
بتجارة زيت من الشام والنبي ◌َ ﴿ يخطب يوم الجمعة، فلمّا رأوهُ قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن
يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي وَلٍّ إلاّ رهط منهم أَبُو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال رسول اللّه
(عليه السلام): ((والّذي نفس محمّد بيده لو تتابعتم حتّى لا يبقى أحدٌ منكم لسال بكم الوادي
ناراً)) [٣٠٥](٢).
قال المقاتلان: بينا رسول اللّه (عليه السلام) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دُحية بن خليفة بن
فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة بن عامر من الشام بتجارة، وكان إذا
قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلّ أتاه وكان يقدّم إذا قدم كل ما يحتاج إليه من دقيق أو بُرّ أو غيره،
فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه
فيخرج إليه الناس، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يُسلم، ورسول اللّه (عليه السلام) قائماً
على المنبر يخطب، فخرج النّاس فلم يبقَ في المسجد إلاّ إثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي (عليه
السلام): ((لولا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء)) [٣٠٦](٣) وأنزل اللّه سبحانه هذه
الآية، وقال إبن عباس في رواية الكلبي لم يبق في المسجد إلاّ ثمانية رهط، وقال إبن كيسان:
خرجوا إلاّ أحد عشر رجلا وامرأة.
} (١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ١٤.
(٢) مسند أبي يعلى: ٣ / ٤٦٨.
(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ١١.

٣١٨
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
قال قتادة ومقاتل: بلغنا أنّهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وكل مرّة بعير تقدم من الشام، وكل
ذلك يوافق يوم الجمعة.
وقال مجاهد: كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر، يقدمون يتبعون التجارة واللهو،
فأنزل اللّه سبحانه ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً﴾ قال المفسّرون: يعني الطبل وذلك أنّ العير كانت
إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفير .
· وقال جابر بن عبد الله: كان الجواري إذا نكحوا يمرّون بالمزامير والطبل فانفضّوا إليها،
فنزلت هذه الآية، وقوله ﴿انفضوا إليها﴾ ردّ الكناية إلى التجارة لأنّها أهم وأفضل، وقد مضت
هذه المسألة.
وقرأ طلحه بن مصرف ﴿وإذا رأوا لهواً أو تجارة انفضّوا إليها﴾.
﴿وتركوك قائماً﴾ على المنبر.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أَبُو عَمُرو بن الحسن قال حدّثنا أحمد بن الحسن بن
سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حُصين عن مسعر وأبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن حسان
عن عبيدة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه أنّه سئل: أكان النبي ◌َّه يخطب قائماً أو قاعداً؟
قال أما تقرأ ﴿وتركوك قائماً﴾.
﴿قل ما عند الله خيرٌ من اللّهو ومن التّجارة﴾ قرأ أَبُو رجاء العطاردي ﴿خير من اللهو
والتجارة للّذين آمنوا).
﴿والله خير الرازقين﴾ لأنّه مُوجد الأرزاق فإيّاه فاسألوا ومنه فاطلبوا.

٣١٩
سورة المنافقون، الآيات: ١ - ٧
سورة المنافقون
مدنيّة، وهي سبعمائة وستة وسبعون حرفاً،
ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشرة آية
أخبرنا الهادي قال: حدّثنا طغران قال: حدّثنا ابن أبي داود قال: حدّثنا محمّد بن عاصم
قال: حدّثنا شبابة قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن يزيد عن ذرّ بن حبيش عن أُبي
ابن كعب قال: قال رسول اللّه وَله: ((من قرأ سورة المنافقين بري من النفاق)) [٣٠٧](١).
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَسُولُ اللَّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ (٣) أَخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ ◌ُنَّهُ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الهِّ إِنَهُمْ سَآَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦َ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ
ثُمَّ كَفَرُواْ فَطِيعَ عَلَى قُلُوبِمْ فَهُمْ لَا يَفْفَهُونَ
) ﴿﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُمْجِبُّكَ أَحْسَامُهُمِّ وَإِن يَقُولُواْ نَسْمَعْ
لِقَوْلِمْ كَنَّهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوُّ فَأَحْذَرَّهُمْ فَتَلَهُمُ الَّهُ أَنَّ يُؤْفَّكُونَ (١َ) وَإِذَا
قِلَ لَمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ نُسْتَكْرُونَ ﴿٦َ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
أَشْتَغْفَرْنَّ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهِدِى الْقَوْمَ الْفَسِنَ ﴿٦َ هُمُ الَّذِينَ
يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَلِلَّهِ خَآئِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَّفِفِينَ
لَا يَفْقَهُونَ
﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول اللّه والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد إنّ
المنافقين لكاذبون﴾ فيما أظهروا لأنّهم أضمروا خلافه.
﴿إتخذوا أيمانهم جُنّة﴾ سترة ﴿فصدّوا عن سبيل الله إنّهم ساءَ ما كانوا يعملون﴾ ﴿ذلك
بأنّهم آمنوا ثمّ كفروا فُطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾
الاستواء خلقها، وحسن صورتها، وطول قامتها .
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ١٦.

٣٢٠
الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عبّاس: وكان عبد اللّه بن أُبيّ جسيماً صحيحاً فصيحاً ذلق اللسان، فإذا قال يسمع
النبي (عليه السلام) قوله.
﴿وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خشبٌ مستّدةٌ﴾ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام.
قرأ الأعمش والكسائي وأَبُو عَمرو عن عابس وقيل عبّاس: خشب مخفف بجزم الشين،
وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد قال: [المدُّ مذهبها](١) في العربية، وذلك أنّ
واحدتها خشبة ولم تجد في كلامهم اسماً على مثل فعلة تجمع فُعُلُ بضم الفاء والعين، ويلزم من
فعلها أن ينقل البدن أيضاً فيقرأ ﴿والبُدَن جعلناها لكم﴾ لأن واحدتها بُدنة أيضاً.
وقرأ الأخرون بالتثقيل وهي اختيار أبي حاتم واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم.
أخبرنا أَبُو بكر بن أبي محمّد الحمشاذي قال: أخبرنا أَبُو بكر بن مالك القطيعي، حدّثنا
محمّد بن يونس بن موسى قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا سليم العاملاني قال: جاءَ رجل
إلى إبن سيرين فقال: رأيت حالي مُحْتضن خشبة، فقال أحسبك من أهل هذه الآية وتلا ﴿كأنّهم
خشُبٌ مسنّدة﴾ .
﴿يحسبون﴾ من جبنهم وسوء ظنهم وقلّة يقينهم.
﴿كلّ صيحة عليهم﴾ قال مقاتل: يقول إن نادى مناد في العسكر وانقلبت دابّة، ونُشدت
ضالة ظنّوا أنّهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب.
وقال بعضهم: إنّما قال ذلك لأنّهم على وجل من أن ينزل اللّه فيهم، يهتك أستارهم وتبيح
دماءهم وأموالهم وقال الشاعر في هذا المعنى:
مسوّمة تدعو عُبيداً وأزنما(٢)
ولو أنها عصفورة لحسبتها
ثمّ قال ﴿هم العدّو﴾ ابتداء وخبر.
﴿فاحذرهم﴾ ولا تأمنهم.
﴿قاتلهم الله﴾ لعنهم الله.
﴿أَنّى يؤفكون﴾ يصرفون عن الحق.
﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لوّوا رؤوسهم﴾ أي أمالوها وأظهروا
بوجوههم إظهاراً للكراهية .
(١) كذا في المخطوط.
(٢) الصحاح: ٥ / ١٩٤٦.