النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة القمر، الآيات: ١ - ٨ على عهد رسول الله وَلل فرقتين، فكانت إحداهما فوق الجبل والأُخرى أسفل من الجبل، فقال رسول الله وَ﴾: «اللهم اشهد)) [١٥٣](١)، وقال أيضاً: ((اشهدوا)) [١٥٤](٢). وأخبرنا عبدالله بن حامد، قال: أخبرنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك القاضي قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن الأعمش وعبدة الضبي عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله وَلقوله حتى رأيت فِلقَتَیه . وأخبرنا عبدالله، قال: أخبرنا مكي، قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا روح عن شعبة عن سليمان عن مجاهد عن ابن عمر نحو حديث ابن مسعود. وأخبرنا عبدالله قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن زيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب، قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا حصين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: انشقّ القمر ونحن مع النبي ێر بمكة. وأخبرنا عبدالله قال: أخبر عمر بن الحسن الشيباني قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن سعد عن عكرمة عن ابن عباس والحكم عن مجاهد عن ابن عباس ومقسم عن ابن عباس قال: انشق القمر على عهد رسول الله وَلقر باثنين: شطره على السويداء، وشطره على الجندمة. وأخبرني عقيل بن محمد أن أبا الفرج القاضي حدّثهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني محمد بن عبدالله بن بزيع، قال: حدّثنا بشر بن المفضل. قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا النبي ◌َّلو أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا الجبل(٣) بينهما . وبه عن محمد بن جرير قال: حدّثنا علي بن سهل قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله وَّل مرّتين. وبه عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنّا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة فحضر أبي فحضرنا معه فخطبنا حذيفة، فقال: ألا إنّ الله سبحانه يقول: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، ألا فإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق،. (١) السنن الكبرى: ٦ / ٤٧٦ ح ١١٥٥. (٢) السنن الكبرى: ٦ / ٤٧٦ ج ١١٥٥٣. (٣) البداية والنهاية: ٦ / ٨٥. ١٦٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق، فقلت لأبي أيستبق الناس غداً؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنّما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأُخرى فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إنّ الله يقول: ﴿اقتربت الساعة وانشقّ القمر﴾ ألا وإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق، ألا وإنّ المضمار اليوم وغداً السباق، ألا وإنّ الغاية النار والسابق من سبق إلى الجنة. وبه عن ابن جرير قال: حدّثنا الحسن بن أبي يحيى المقدسي قال: حدّثنا يحيى بن حماد، قال: حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: انشقّ القمر على عهد رسول اللـه ◌َّر، وقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة سحركم، فسألوا السفار فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا. فأنزل الله سبحانه ﴿اقتربت الساعة وانشقّ القمر﴾. ﴿وإن ايروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم: مرّ الشيء واستمر إذا ذهب، ونظيره: قرّ واستقر، هذا قول مجاهد وقتادة والفرّاء والكسائي. وقال أبو العالية والضحاك: محكم شديد قوي. سيان عن قتادة: غالب، وهو من قولهم: مرّ الحبل إذا صلب واشتد وقوي، وامررته أنا إذا أحكمتُ فتله. ربيع: نافذ. يمان: ماض. أبو عبيدة: باطل، وقيل: يشبه بعضه بعضاً . ﴿وكذّبوا واتبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقر﴾ يقول: وكل أمر من خير أو شر مستقر قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار. قال قتادة: وكل أمر مستقر: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشر الشر، وقال مقاتل: لكل امرئ منتهى، وقيل: لكل أمر حقيقته، وقال الحسن بن الفضل: يعني يستقر قرار تكذيبهم وقرار تصديق المؤمنين حتى يعرفوا حقيقته في الثواب والعقاب، وقيل: مجازه: كلّ ما قدّر كائن واقع لا محالة، وقيل: لكل أمر من أموري التي أمضيتها في خلقي مستقر قراره لا يزول، وحكى أبو حاتم عن شيبة ونافع مستقرّ بفتح القاف، وذكر الفضل بن شاذان عن أبي جعفر بكسر الراء، ولا وجه لهما . قال مقاتل: انشقّ القمر ثم التأم بعد ذلك. ﴿ولقد جاءهم﴾ يعني أهل مكة ﴿من الأنباء ما فيه مزدجر﴾ متناهى. قاله مجاهد. سفيان: منتهى، وهو مفتعل من الزجر، وأصله مزتجر. فقلبت التاء دالا . ﴿حكمة بالغة﴾ تامة ليس فيها نقصان وهي القرآن ﴿فما تغني النذر﴾ إذا كذّبوهم وخالفوهم. ﴿فتولّ عنهم﴾ نسختها آية القتال ﴿يوم﴾ الى يوم ﴿يدع الداعي إلى شيء نُكر﴾ منكر فظيع ١٦٣ سورة القمر، الآيات: ٩ - ١٦ عظيم وهو النار، وقيل: القيامة، وخفّف الحسن وابن كثير كافه. غيرهما مثقّل، وقرأ مجاهد (نُكِر) على الفعل المجهول أي أُنكر. ﴿خُشّعاً﴾ ذليلة ﴿أبصارهم﴾ وهو نصب على الحال مجازه ﴿يخرجون من الأجداث خشعاً﴾، وقرأ ابن عباس ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف (خاشعاً) بالألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبدالله وأبي رجاء خاشعة أبصارهم، وقرأ الباقون (خشّعاً) بلا ألف على الجمع. قال الفرّاء وأبو عبيدة: إذا تأخرت الأسماء عن فعلها فلك فيه التوحيد والجمع والتأنيث والتذكير تقول من ذلك: مررت برجال حسن وجوههم، وحسنة وجوههم وحسان وجوههم. قال الشاعر: ,(١) من إياد بن نزار بن معد وشباب حسن أوجههم فمن وحّد فلأنّه في معنى الجمع، ومن جمع فلأنّه صفات، والصفات اسماء، ومن أنّث فلتأنيث الجماعة، وقال الآخر: يرمي الفجاج بها الركبان معترضاً أعناق بزلها مزجى لها الجدل (٢) قال الفرّاء: لو قال: معترضة أو معترضات أو مزجاة أو مزجيات كان كل ذلك جائزاً. ﴿يخرجون من الأجداث﴾ القبور ﴿كأنهم جراد منتشر﴾ حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيره ﴿كالفراش المبثوث﴾ . ﴿مهطعين﴾ مسرعين منقلبين عامدين ﴿إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر﴾. ﴿﴿ كَذِّبَتْ قَلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَحْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ﴿٢٨) فَدَهَا رَبَّهُ: أَنّ مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ فَقَتَحْنَاً أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَِرِ ﴿١٣) وَفَخَرَنَا الْأَرْضَ عُونَا فَلْنَفَى أَلْعَاءُ عَلَى أَمْرِ قَدْ قُدِرَ (١٣) وَحَلَهُ عَلَى ذَّاتِ أَلْوَجِ وَدُسُرٍ (١٣) نَحْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ (9) وَلَقَد تَرَكْتَهَاَ ءَايَةُ فَهَلْ مِن مُّذُكِرِ (١٥) فَكَيْفَ كَانَّ ١٦ عَذَاِ وَنُذُرٍ ﴿كذبت قبلهم﴾ أي قبل أهل مكة ﴿قوم نوح فكذبوا عبدنا﴾ نوحاً لا ﴿وقالوا مجنون﴾ أي هو مجنون ﴿وازدُجر﴾ أي زجروه عن دعوته ومقالته، وقال مجاهد: استطر جنوناً، وقال ابن زيد: اتهموه وزجروه وواعدوه (لئنْ لم تنتهِ لتكوننّ من المرجومين)). (١) لسان العرب: ٧١/٨ (٢) جامع البيان للطبري: ٢٧ / ١١٩. ١٦٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فدعا ربه أني مغلوب﴾ مقهور ﴿فانتصر﴾ فانتقم لي منهم. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف، قال: حدّثنا الوفراوندي، قال: حدّثنا يوسف ابن موسى، قال: حدّثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن عبد بن عمير، قال: إن الرجل من قوم نوح ليلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً، فيفيق حين يفيق وهو يقول: رب اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون. ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ منصبّ مندفق ولم يقلع ولم ينقطع أربعين يوماً. قال ابن عباس والقرظي: منفجر من الأرض. يمان: طبق ما بين السماء والأرض. أبو عبيدة: هايل. الكسائي: سايل. قال امرؤ القيس يصف غيثاً: راح تمريه الصباثم انتحى (١) فيه شؤبوب جنوب منـهــر وقال سلامة بن جندل يصف فرساً : (٢) والقصب مضطمر واللون غربيب والماء منهمر والشدّ منحدر ﴿وفجّرنا﴾ شققنا ﴿الأرض﴾ بالماء ﴿عيوناً فالتقى الماء﴾ يعني ماء السماء وماء الأرض، وانما قال: التقى الماء، والالتقاء لا يكون من واحد وانما يكون من اثنين فصاعداً، لأن الماء جمعاً وواحداً. وقرأ عاصم الجحدري (فالتقى الماءان)، وقرأ الحسن (فالتقى الماوان) بجعل إحدى الألفين واواً. ﴿على أمر قد قدر﴾ قُضي عليهم في أُم الكتاب. قال محمد بن كعب القرظي: كانت الأقوات قبل الاجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا هذه الآية. ﴿وحملناهم على ذات ألواح﴾ ذكر النعت وترك الاسم، مجازه: على سفينة ذات ألواح من الخشب ﴿ودسر﴾ مسامير، واحدها دسار، يقال منه: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير، وهذا قول القرظي وقتادة، وابن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس وشهر بن حوشب: هي صدر السفينة سمّيت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها، اي تدفع، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، قال: الدسر: كلكل السفينة، وأصل الدسر الجر والدفع، ومنه الحديث في العنبر "إنما هو شيء دسّره البحر))، أي دفعه ورمى به، وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. الضحّاك: ألواح جانبها، والدسر أصلها وطرفها. ليث بن أبي نجيح عن مجاهد: أضلاعها . (١) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٣٢. (٢) الصحاح: ١ / ٢٠٢. ١٦٥ سورة القمر، الآيات: ٩ - ١٦ ﴿تجري بأعيننا﴾ أي بمرأى منّا. مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قول الناس للدموع: عين الله عليك. مقاتل بن سليمان: بوحينا. سفيان: بأمرنا. ﴿جزاء لمن كان كفر﴾ يعني فعلنا ذلك ثواباً لنوح، ومجاز الآية: لمن جحد وأنكر وكفر بالله فيه، وجعل بعضهم ﴿من﴾ هاهنا بمعنى (ما)، وقال معناه: جزاء لمن كان كفر من أيادي الله ونعمائه عند الذين غرقهم، وإليه ذهب ابن زید، وقيل: معناه عاقبناهم لله ولأجل کفرهم به. وقرأ مجاهد ﴿جزاء لمن كان كفر﴾ بفتح الكاف والفاء يعني كان الغرق جزاء لمن يكفر بالله، وکذب رسوله فأهلكهم الله. وما نجا من الكفّار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته، وكان السبب في نجاته على ما ذكر أن نوحاً عليلا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام. فشكر الله تعالى ذلك له ونجّاه من الغرق. ﴿ولقد تركناها﴾ يعني السفينة ﴿آية﴾ عبرة. قال قتادة: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأُمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمداً. ﴿فهل من مذكر﴾ متّعظ معتبر وخائف مثل عقوبتهم. ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ أي إنذاري. قال الفرّاء: الإنذار والنذر مصدران تقول العرب: أنذرت إنذاراً ونذراً، كقولك: انفقت إنفاقاً ونفقة، وأيقنت إيقاناً ويقيناً . ﴿ولقد يسّرنا﴾ سهّلنا وهونّا ﴿القرآن للذكر﴾ اي ليتذكر ويُعتبر به ويتفكر فيه، وقال سعيد ابن جبير: يسّرنا للحفظ ظاهراً، وليس من كتب الله كتاباً يقرأ كله ظاهراً إلاّ القرآن. ﴿فهل من مذكر﴾ متّعظ بمواعظه. أخبرني الحسن بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه قال: حدّثنا أبو عمير بن النحاس ببيت المقدس، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة عن عبدالله بن شوذب عن مطر الوراق في قول الله سبحانه ﴿فهل من مذكر﴾ قال: هل من طالب علم فيعان عليه. ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنّا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس﴾ شؤم وشرّ ﴿مستمر﴾ وكان يوم الأربعاء، مستمر: شديد ماض على الصغير والكبير فلم تُبقِ منهم أحداً إلاّ أهلكته، وقرأ هارون الاعور ﴿نحِس﴾ بكسر الحاء. ﴿تنزع الناس﴾ تقلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ رقابهم، قال ابن إسحاق: لمّا هاجت الريح قام نفر من عاد سبعة يسمى لنا منهم ستّة من أشدّ عاد وأجسمها منهم: عمرو بن ١٦٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي الحلي، والحرث بن شداد والهلقام وابناتيقن، وخلجان بن سعد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردّوا الريح عمن في الشعب من العيال، فجعلت الريح تخفقهم رجلا رجلا، فقالت امرأة من عاد: ثم بالحرث والهلقام طلاع الثنيات ذهب الدهر بعمر بن حلي والهنيات والذي سدّ مهب الريح أيام البليات(١) وبإسناد أبي حمزة الثمالي قال: حدّثني محمد بن سفيان عن محمد بن قرظة بن كعب عن أبيه عن رسول الله وَّل قال: ((انتزعت الريح الناس من قبورهم)) [١٥٥](٢). ﴿كأنهم أعجاز﴾ قال ابن عباس: أُصول، وقال الضحّاك: أوراك. ﴿نخل منقعر﴾ منقلع من مكانه، ساقط على الأرض، وواحد الأعجاز عجز مثل عضد وأعضاد، وإنّما قال: أعجاز نخل وهي أُصولها التي تقطعت فروعها، لأن الريح كانت ترمي رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسام بلا رؤوس. سمعت أبا القاسم الجنيني يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد القاضي البيهقي. يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن القاسم بن سياب الأنباري يقول: سئل المبرّد بحضرة إسماعيل بن إسحاق القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، وهو أن السائل قال: ما الفرق بين قوله: ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ و ﴿لسليمان الريح عاصفة﴾ وقوله: ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ و ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾؟ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردّه إلى اللفظ تذكيراً، ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثاً . ﴿فکیف کان عذابي ونذر﴾ .. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ (٨٧) كَذِّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ (٦) إِنَّ أَوْسَلْنَا عَلَهْ رِبْحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمٍ نَخْسِ مُسْتَعِرٍ (١٤) تَرِعُ النَّاسَ كَأَنَهُمْ أَعَْارُ فَمْلِ مُنْفَعِرِ (٣) فَكَفَ كَانَّ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿ذَ وَلَقَدْ يِّرْنَا الْقُزْمَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلَّ مِن مُذَّكِ ﴿٣) كَذَّبَتْ نَعُودُ بِأَنَّدُرِ ﴿٣) فَقَالُواْ أَخَرَاً مِنَا وَحِدًا نَبَّعُهُ، إِنَّا إِذَا لَّفِي ضَلَلِ وَسُعُرٍ ﴿٣) أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ يَبْنَا بَلْ هُوَ كَتَّابٌ أَشِرٌ ﴿٤) سَيَعْلَمُونَ غَدَا مَّنِ اَلْكَذَّابُ اَلْأَثْرُ (٣٦) إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَرَّقْهُمْ وَأَصْطَيْ ﴿١٨) وَيَنْهُمْ أَنَّ أَلَآءَ فِسْمَةٌ يَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ فَمَضَرُ ﴿ فَادَّوَاْ صَاحِغْ فَعَطَى فَقَّرَ ﴿٨َ فَكَفَ كَنَّ عَذَابِ وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَجِدَةً فَكَانُوا كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِأَنُّذُرِ (+َ) إِنَّ أَرْسَلْنَاً (٢١) وَلَقَدْ يَتَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَكِرِ ـِيمِ المُحْتَظِر كهـ (١) تفسير الطبري: ٢٧ / ١٣٠ وفيه: سد علينا الريح. (٢) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٣٦. ١٦٧ سورة القمر، الآيات: ١٧ - ٤٩ وَلَقَدْ أَنَذَرَهُمْ (٣٥ عَلَّهِمْ حَاصِبًّا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ غَيْتُهُم بِسَحَرِ (٢٠) نِعْمَةُ مِنْ عِندِنْ كَذَلِكَ بَحْزِى مَنْ شَكَرَ . بَطَشَتَنَا فَتََارَوْاْ بِالنُّذُرِ ﴿٣َ وَلَقَدْ رَوَدُوَهُ عَنْ ضَيْفِهِ. فَطْمَسْنَا أَعْيَُّهُمْ فَذُوقُواْ عَذَاِ وَنْذُرِ (٢٦) وَلَقَدْ صَنَّحَهُم بُكْرَةُ عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ ﴿٣َّ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَبُّذُرِ (٢٩) وَلَقَدْ يَتَرْنَا الْقُرْءَانَ لِذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِ ﴿ وَلَقَدْ جَ ءَالَ ◌ِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿ كَذَّبُوْ ثَابَتِنَا كُلِهَا فَأَخَذْفَهُ أَخْذَ عَزِرٍ مُقْنَدِرٍ (١٦) أَكُفَّارُكُمْ خَّرٌ مِّنْ أُوْلَبِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فيِ اَلْزُِّ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ثَمْنُ حَمِيعٌ مُنَصِرُ (١٤) سَُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الذُّبْرَ (٢٥) بَلِ الشَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَاَلِسَاعَةُ ◌َدْهَى وَأَمُ (٢٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ صَلَلِ وَسُعُرٍ (١٧) يَوْمَ يُسْحَُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُودِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَّرَ ٤٨ ٤٩ إِنَّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ( ﴿لقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مذكر * كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشراً﴾ آدميّاً واحداً منّا ﴿نتبعه﴾ ونحن جماعة كثيرة وهو واحد، وقرأ أبو السماك العدوي بالرفع، وكلا الوجهين سابغ في عايد الذكر ﴿إِنّا إذاً﴾ إن فعلنا ذلك وتركنا دين آبائنا وتابعناه على دينه، وهو واحد منا آدمي مثلنا ﴿لفي ضلال﴾ ذهاب عن الصواب ﴿وسعر﴾ قال ابن عباس: يعني وعذاب، قال الحسن: شدة العذاب. قتادة: عناء. سفيان بن عيينة: هو جمع سعيرة. الفرّاء: جنون، يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هايمة على وجهها. قال الشاعر يصف ناقة: ذميل وإيقاع من السير متعب(١) تخال بها سعراً إذا السفرهزها وقال وهب: وسعر: أي بعدٌ من الحق. ﴿أألقيَ الذكر﴾ أأُنزل الوحي ﴿عليه من بيننا بل هو كذاب أشر﴾ ترح مرح بطر متكبر يريد أن يتعظّم علينا بادّعائه النبوّة. وقال عبدالرَّحْمن بن أبي حماد: الأشِر الذي لا يبالي ما قال، وقرأ مجاهد ﴿أَشُر﴾ بفتح الألف وضم الشين وهما لغتان مثل حَذِر وحَذُر ويَقِظ ويَقُظ وعَجِل وعَجُل ومَجِدٍ ومَجُد الشجاع. ﴿سيعلمون﴾ غداً بالتاء شامي، والأعمش ويحيى وابن ثوبان وحمزة وغيره بالياء، فمن قرأ بالتاء فهو من قول صالح لهم، ومن قرأ بالياء فهو من قول الله سبحانه، ومعنى الكلام: في الغد القريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إنّ مع اليوم غداً، وإنّ مع اليوم أخاه غداً، وأراد به وقت نزول العذاب بهم ﴿مَن الكذاب الأشِر﴾ قرأ أبو قلامة: مَن الكذاب الأشر بفتح الشين وتشديد الراء على وزن أفعل من الشر، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة. قال أبو حاتم: لا يكاد العربي يتكلم بالأشَرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر كقول رؤبة: (١) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٣٨. ١٦٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي بلال خير الناس وابن الأخير(١) إنّما يقولون: خير وشر. قال الله عز وجل ﴿كنتم خير أمة﴾ وقال سبحانه ﴿بل أنتم شر مكاناً﴾ . ﴿إنّا مرسلوا الناقة﴾ باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا ﴿فتنة﴾ محنة ﴿لهم فارتقبهم﴾ وانتظرهم وننظر ما هم صانعون ﴿واصطبر﴾ واصبر على ظلمهم وأذاهم، ولا تعجل حتى يأتيهم أمري، واصطبر: افتعل من الصبر، وأصل (الطاء) فيه (تاء) فحوّلت (طاء) لأجل (الصاد). ﴿ونبّئهم أنّ الماء قسمة بينهم﴾ وبين الناقة بالسويّة لها يوم ولهم يوم، وإنّما قال: بينهم؛ لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلّبوا بني آدم على البهائم. ﴿كل شرب﴾ نصيب من الماء ﴿محتضر﴾ يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وقال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، وإذا جاءت حضروا اللبن. ﴿فنادوا صاحبهم﴾ قدار بن سالف وكان أشقر؛ ولذلك قيل له: أشقر ثمود ﴿فعقر﴾ فتناول الناقة بسيفه فعقرها، ولذلك سمّيت العرب الجزار قداراً تشبيها به، وقال الشاعر: إنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدام(٢) ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ ثم بيّن عذابهم فقال عز من قائل:" ﴿إِنّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾ قرأ الحسن وقتادة بفتح (الظاء) أراد الحظيرة، وفرأ الباقون بكسر (الظاء) أرادوا صاحب الحظيرة. قال ابن عباس: هو أن الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم، وقال قتادة: يعني كالعظام النخرة المحترقة وهي رواية العوفي عن ابن عباس ورواية أبي ظبيان عنه أيضاً، كحشيش يأكله الغنم، وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط. ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشّم حتى ذرّته الريح، والعرب تسمّي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً. ﴿ولقد يسّرنا﴾ هوّنا عليهم ﴿القرآن للذكر فهل من مذكر * كذبت قوم لوط بالنذر * إنا أرسلنا عليهم حاصباً﴾ ريحاً ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، وقال بعضهم: هو الحجر نفسه. قال الضحّاك: يعني صغار الحصى، والحاصب والحصب والحصباء هي الحجر الذي (١) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٣٩. ١٦٩ سورة القمر، الآيات: ١٧ - ٤٩ دون ملء الكف، والمحصب الموضع الذي يرمى فيه الجمار، وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب وبه يقول لأهل المدينة: حصّبوا المسجد، أي صبّوا فيه الحجارة. ثم استنثى فقال: ﴿إلّ آل لوط﴾ أي أتباعه على دينه من أهله وأُمته ﴿نجّيناهم﴾ من العذاب ﴿بسحر﴾ قال الأخفش: إنّما أجراه، لأنه نكرة، ومجازه: بسحر من الأسحار، ولو أراد بسحر يوم بعينه لقال: سحر غير مجرى، ونظيره قوله: ﴿اهبطوا مصراً﴾. ﴿نعمة﴾ يعني كان ذلك أو جعلناه نعمة ﴿من عندنا﴾ عليهم حيث أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم ﴿كذلك﴾ كما جزيناهم، لوطاً وآله ﴿نجزي مَن شكر﴾ فآمن بالله وأطاعه. ﴿ولقد أنذرهم﴾ لوط ﴿بطشتنا﴾ أخذنا لهم بالعقوبة قبل حلولها بهم ﴿فتماروا بالنذر﴾ فكذبوا بإنذاره شكاً منهم فيه وهو تفاعل من المرية . ﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾ طالبوه وسألوه أن يخلّي بينهم وبينهم. يقول العرب: راده تروده وارتاده وراوده يراوده نظيرها ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾. ﴿فطمسنا أعينهم﴾ أي أعميناهم، وصيّرناها كساير الوجه لا يُرى لها شق، وذلك أنّهم لما قصدوا دار لوط ◌ُلِّ* وعالجوا بابه ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خلِّ بينهم وبين الدخول فإنّا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار فاستأذن جبريل ربّه عزّ وجل في عقوبتهم فأذن له فصفقهم بجناحه، فتركهم عمياً يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، وأخرجهم لوط عمياً لا يبصرون. هذا قول عامة المفسّرين، وقال الضحّاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟، فلم يروهم ورجعوا ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾. ﴿ولقد صبّحهم﴾ جاءهم العذاب وقت الصبح ﴿بكرة عذاب مستقر﴾ دائم عام استقر فيهم حتى يُقضى بهم الى عذاب الآخرة. ﴿فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مذكر * ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ يعني موسى وهارونعلَّارُ. ﴿كذّبوا بآياتنا﴾ التسع ﴿كلّها فأخذناهم﴾ بالعذاب ﴿أخذ عزيز مقتدر﴾ قادر لا يعجزه ما أراد، ثم خوّف أهل مكة فقال عز من قائل: ﴿أكفاركم خير من أُولئكم﴾ الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون ﴿أم لكم براءة﴾ من العذاب ﴿في الزبر﴾ الكتب تأمنون. ﴿أم يقولون﴾ يعني كفار مكة ﴿نحن جميع منتصر﴾ أي جماعة لا ترام ولا تضام، ولا يقصدنا أحد بسوء، ولا يريد حربنا وتفريق جمعنا إلا انتقمنا منهم، وكان حقّه: منتصرون فتبع رؤوس الآي. ١٧٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿سيُهزم الجمع﴾ قراءة العامة على غير تسمية الفاعل، وقرأ يعقوب بالنون والنصب وكسر الزاي، وفتح العين على التعظيم ﴿ويولّون الدبر﴾ أي الأدبار، فوحّد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس، وضربنا منهم الرأس، إذا كان الواحد يؤدي عن معنی جمیعه، فصدق الله سبحانه وتعالی وعده وهزمهم يوم بدر. قال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه فتقدم يوم بدر في الصف وقال: نحن منتصر اليوم من محمد وأصحابه. قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب لمّا نزلت ﴿سيُهزم الجمع ويولون الدبر﴾: كنت لا أدري أي جمع نهزم، فلمّا كان يوم بدر رأيت النبي ◌َّ ثبت في درعه ويقول: ﴿سيهزم الجمع ويولّون الدبر﴾. ﴿بل الساعة موعدهم﴾ جميعاً ﴿والساعة أدهى وأمرّ﴾ أعظم بليّة وأشدّ مرارة من عذاب یوم بدر. أخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبدالله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن زياد، قالد حدّثنا أبو مصعب قال: حدّثنا مجرد بن هارون عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ◌َل﴾ قال: ((بادروا بالأعمال - سبعاً - ما ينتظرون هل هو إلاّ فقر منسي أو غنى مطع(١) أو مرض مفسد أو كبر معند أو موت مجهز، والدجال شر مستطر، والساعة والساعة أدهى وأمرّ)) [١٥٦]. ﴿إنّ المجرمين﴾ المشركين ﴿في ضلال وسعر﴾ قال الضحاك: يعني ناراً ستعرض عليهم. قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة، وقال ابن كيسان: بُعْدٌ من الحق، وقيل: جنون، وقال قتادة في عناء وعذاب، ثم بيّن عذابهم، فقال: ﴿يوم يسحبون﴾ يُجرّون ﴿في النار على وجوههم) ويقال لهم: ﴿ذوقوا مسّ سقر﴾ وإنّما هو كقولك: ذق المر السياط . ﴿إنّا كل شيءٍ﴾ بالنصب قراءة العامة، وقرأ أبو السماك العدوي(٢) بالرفع ﴿خلقناه بقدر﴾ قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له، وقال الربيع: هو كقوله: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾ أي أجلا لا يتقدم ولا يتأخر، وقال ابن عباس: إنّا كل شيء جعلنا له شكلا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكه للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء لا تصلح للرجال وكذلك ما شاكلها على هذا. (١) الصحاح: ٣ / ١٢٩٣. (٢) سنن الترمذي: ٣ / ٣٧٨ بتفاوت. ١٧١ سورة القمر، الآيات: ٥٠ _ ٥٥ وروى علي بن أبي طلحة عنه قال: خلق الله سبحانه الخلق كلّهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة. وَكُلُّ ٥١ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْبَاعَكُمْ فَهَلَ مِن مُذَكِرٍ ٥٠ وَمَّ أَمْرُنَا إِلَّ وَحِدَّهُ كَمْجِ بِالْبَصَرِ ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ (٥٣) إِنَّ لْنَّقِينَ فِ حَنَّتِ وَنَهَرٍ (3َا فِ مَفْعَدٍ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبْرِ جَا صِدْقٍ عِنْدَ مَلِكٍ مُقَدِرٍ ﴿وما أمرنا إلاّ واحدة﴾ وحقّه واحد، قال أبو عبيدة هو نعت للمعنى دون اللفظ مجازها: وما أمرنا إلا مرة واحدة، يعني الساعة وقيل: معناه وما أمرنا الشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة (كن فيكون) لا مراجعة فيها. ﴿كلمح البصر﴾ وذُكر أن هذه الآيات نزلت في القدرية. أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا الفضل ابن الفضل الكندي، قال: حدّثنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن النعمان قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن حفص قال: حدّثنا الحسن بن حفص قال: حدّثنا سفيان عن زياد ابن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﴿ يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية ﴿إنّ المجرمين في ضلال وسعر﴾ الى آخر السورة . وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا القرماني قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان قال حدّثني أبو مخزوم عن سيار أبي الحكم قال: بلغنا أنّ وفد نجران قالوا: أمّا الارزاق والأقدار فبقدر الله، وأما الاعمال فليس بقدر، فأنزل الله سبحانه فيهم ﴿إنّ المجرمين في ضلال وسعر﴾ الى آخر الآية. وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا ابن أبي العوام قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الصباح بن سهل البصري أبو سهل قال: حدّثنا جعفر بن سليمان عن خالد بن سلمة عن سعيد بن عمر عن عمر بن زرارة عن أبيه قال: كنت جالساً عند رسول اللـه وَّ﴿ فقرأ: ﴿إنّ المجرمين في ضلال وسعر﴾ الى آخر السورة فقال رسول الله ﴾: ((نزلت هذه الآيات في ناس يكونون في آخر أُمتي يكذبون بقدر الله)) [١٥٧](١). وأخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب بن محمويه الفقيه بالقصر قال: حدّثنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسين بن عرفه العبدي قال: حدّثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبدالملك بن جريج عن عطاء بن أبي رياح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع (١) مجمع الزوائد: ٧ / ١١٧. ١٧٢ ٥ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي في زمزم قد ابتلّت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلّم في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟، قلت: ° نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلاّ فيهم ﴿ذوقوا مسّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، أُولئك شرار هذه الأُمة، لا تعودوا مرضاهم ولا تصلّوا على موتاهم. إنْ أريتني أحداً منهم فقأت عينيه بإصبعيَّ هاتين. وأخبرني عقيل بن محمد الفقيه أن أبا الفرج البغدادي أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن سعيد بن عبيده عن أبي عبدالرَّحْمن السلمي قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل في شيء يستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله وَير: ((اعملوا فكل ميسّر، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى)) [١٥٨](١). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن صقلاب قال: حدّثنا أبو الحسن احمد بن محمد بن عبيد الطوابيقي قال: حدّثنا علي بن حرب الطائي قال: حدّثنا أبو مسعود يعني الزجاج. قال: حدّثنا أبو سعد عن طلق بن حبيب عن كعب قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبدالله بن محمد ابن سنان قال: حدّثنا عمرو بن منصور أبو عثمان العيسي قال: حدّثني أبو أسيد الثقفي، قال: حدّثني ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: تمارينا عند رسول اللـه وَّلله في القدر فقال رسول اللـه ◌َ# ((كل شيء بقدر حتى هذه)) وأشار بأصبعه السبابة حتى ضرب على ذراعه الأيسر)) [١٥٩](٢) وأخبرني ابن السري النحوي في (درب حاجب) قال: أخبرنا محمد بن عبدالله بن محمد العماني قال: أخبرنا عبدالله بن احمد بن عامر قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَّر: ((إنّ الله عزّ وجل قدّر المقادير ودبر التدبر قبل أن يخلق ادم بألفي عام)) [١٦٠](٣). وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن احمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثني أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدّثنا السري بن عاصم الهمداني قال: حدّثنا محمد بن مصعب القرقساني (١) جامع البيان للطبري: ٣٠ / ٢٨٢. (٢) في المصادر: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، مسند أحمد: ٢ / ١١٠، وصحيح مسلم: ٨ / ٥٢. (٣) مسند زيد: ٤٩٦. ١٧٣ سورة القمر، الآيات: ٥٠ _ ٥٥ عن الاوزاعي عن عبده بن أبي لبابة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((إن الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن)) [١٦١](١). وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدّثنا محمد بن المثنى قال: حدّثني إبراهيم بن أبي الوزير قال: حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن سيف(٢) الكوفي عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، وإذا كثرت السبائية بالكوفة(٣) ائتفكت بأهلها (٤). وبه عن الساجي قال: حدّثنا الحسن بن حميد قال: حدّثني عبدالله بن الحسن بن عبدالملك بن حسان الكلبي قال: حدّثني سعيد بن محمد الغساني قال: لما أخذ أبو شاكر الديصاني بالبصرة فأقرّ أنه ديصاني، وكان يجهر القول بالرفض والقدر، فقيل له: لِمَ اخترت القول بالقدر والرفض؟، قال: اخترت القول بالقدر لأُخرج أفعال العباد من قدرة الله، وأنه ليس بخالقها، فإذا جاز أن يخرج من قدرته شيء جاز أن تخرج الأشياء من قدرته كلها، واخترت القول بالرفض لا تصول بالطعن الى نقلة هذا الدين، فإذا بطل النقلة بطل المنقول. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبدالله بن عبدالرَّحْمن الدقاق قال: حدّثنا محمد ابن عبدالعزيز قال: حدّثنا عبدالله بن عبدالوهاب قال: حدّثنا الدراوردي قال: قال لي أبو سهيل: إذا سلم عليك القدرية فردّ عليهم كما ترد على اليهود قل: وعليك. ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم﴾ أشباهكم في الكفر من الأمم السالفة ﴿فهل من مذكر * وكل شيء فعلوه﴾ من خير أو شرع يعني الأشياع ﴿في الزبر﴾ في كتب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ . ﴿وكل صغير وكبير﴾ منهم ومن أعمالهم ﴿مستطر﴾ مكتوب محفوظ عليهم. يقال: كتبت واكتتبت وسطرت واستطرت، وقرأ واقترأت. ﴿إن المتقين في جنات﴾ بساتين ﴿ونهر﴾ أنهار، ووحّده لأجل رؤوس الآي. كقوله سبحانه: ﴿ويولون الدبر﴾(٥)، وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة، ومنه النهار قال الشاعر: يرى قائم من دونها ما وراءها (٦) ملكت بها كفي وانهرت فتقها (١) كنز العمال: ١ / ١٠٦ ح ٤٨١. (٢) هو سيف بن عمر الأسلمي الكوفي. (٣) في المصدر: السبئية بكار. الكامل لابن عدي: ٦ / ١١٦ يرويه عن مجاهد عن ابن عباس. (٤) سورة القمر : ٤٥ . (٥) (٦) تاج العروس: ٧ / ١٨٤. ١٧٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي أي وسعت خرقها . وقرأ الأعرج وطلحة (ونُهُر) بضمتين كأنها جمع نُهار يعني لا ليل لهم. قال الفراء: أنشدني بعض العرب: متى أتى الصبح فلا أنتظر (١) إن تك ليلياً فإني نهر أي صاحب نهار، وقال الآخر: تريد ليل وثريد بالنُّهُر (٢) لولا الثريدان ملكنا بالضمر ﴿في مقعد صدق﴾ في مجلس حق لا لغو فيه ولا مأثم وهو الجنة ﴿عند مليك مقتدر) ملك قادر و (عند) إشارة إلى القربة والرتبة. قال الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلاّ أهل الصدق. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب بن إبراهيم البكري عن صالح بن حيان عن عبدالله بن بريده أنّه قال في قوله سبحانه وتعالى: ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾: إنّ أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى فيقرأون عليه القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو يجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة باعمالهم، فلم تقرّ أعينهم بشيء قط كما تقرّ أعينهم بذلك، ولم يسمعوا شيئاً أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون الى رحالهم ناعمين، قريرة أعينهم الى مثلها من الغد. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا سعد بن محمد بن أبي إسحاق الصيرفي قال: حدّثنا محمد ابن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا زكريا بن يحيى قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن عاصم بن ضمرة عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: أتينا رسول الله وَلقر يوماً في مسجد المدينة، فذكر بعض أصحابه الجنة فقال رسول الله وَ له: ((إن لله لواءً من نور وعموداً من زبرجد خلقهما قبل أن يخلق السماوات بألفي عام، مكتوب على رداء ذلك اللواء: لا إله إلّ الله، محمد رسول الله، محمد خير البرية، صاحب اللواء أمام القوم)) فقال علي: الحمد لله الذي هدانا بك وكرّمنا وشرفنا، فقال له النبي وَّلفي: ((يا علي أما علمت أن من أحبنا وانتحل محبتنا أسكنه الله تعالى معنا)) [١٦٢] (٣) وتلا هذه الآية ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب. قال: حدّثنا 2 (١) لسان العرب: ٥ / ٢٣٨. (٢) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٥٠، لسان العرب: ٥ / ٢٣٨ وفيه: لمتنا، بدل: هلكنا. (٣) شواهد التنزيل: ٢ / ٤٦٩ - ٤٧٠ عن المصنف. ١٧٥ سورة القمر، الآيات: ٥٠ _ ٥٥ عبدالله بن أبي زياد. قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا رياح القيسي عن ثور قال: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتذهبون بنا الى غير بغيتنا، فيقال لهم: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد مع الحبيب. وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبدالرَّحْمن يقول: كان ذو النون المصري يحضّ أصحابه على التهجّد وقيام الليل. فإذا أحسّ منهم فتره قال: كدّوا يا أولياء الله، فإن للأولياء [في الجنة] مقعد صدق يكشف حجب يوم يرون الجليل حقّاً . ١٧٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي سورة الرحمن مكية، وهي ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفاً، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة، وثمان وسبعون آية أخبرنا الاستاذ أبو الحسين الجباري قال: حدّثت عن أحمد بن الحسن المقري قال: حدّثنا محمد بن يحيى الكيساني قال: حدّثنا هشام البربري قال: حدّثنا علي بن حمزة الكسائي قال: حدّثنا موسى بن جعفر عن أبيه جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي قال: سمعت رسول الله ◌َّه يقول: ((لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرَّحْمن جلّ ذكره)) [١٦٣](١) . وأخبرني أبو الحسين أحمد بن إبراهيم العبدي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد الحبري قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل الكوفي قال: حدّثنا أحمد بن عبدالله قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة الرَّحْمن رحم الله ضعفه، وأدّى شكر ما أنعم اللّه عليه)) [١٦٤](٢). روى هشام بن عروة عن أبيه قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صل* عبدالله ابن مسعود، وذلك أن أصحاب رسول الله اجتمعوا فقالوا: ما سمعت قريش القرآن يجهر به، فمن رجل يسمعهم؟ . 0 فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشى عليك منهم، وإنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فقال: دعوني فإنّ الله سيمنعني، ثم قام عند المقام فقال: بسم الله الرَّحْمن الرحيم، الرَّحْمن علم القرآن، رافعاً بها صوته، وقريش في أنديتها فتأمّلوا وقالوا: ما يقول ابن أُم عبد؟ ثم قاموا إليه فجعلوا يضربونه وهو يقرأ حتى يبلغ منها ما شاء، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. (١) كنز العمال: ١ / ٥٨٢ ج ٢٦٣٨. - (٢) تفسير مجمع البيان: ٩ / ٣٢٦. ١٧٧ سورة الرحمن، الآيات: ١ - ١٣ دع بسم الله الرحمن الرحيم ٢ خَلَقَ الْإِنسَانَ (٣) ◌َلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٨َ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ بُْبَانٍ ﴿﴿ وَالنَّحْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦َ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ () أَلَّ نَظْغَواْ فِى الْمِيْزَّانِ فَكِهَةٌ ﴿ وَقِيعُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُوا الْمِيْزَانَ (١) وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ هَذَا فِيَا وَالنَّخْلُ ذَاتُ اَلْأَكْمَاءِ (١) وَأَلَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَاَلرَّبْحَانُ (١٧) فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿الرَّحْمُن علم القرآن﴾ نزلت حين قالوا: وما الرَّحْمن؟، وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنّما يعلّمه بشر. .※ وخلق الانسان﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني ادم ﴿علمه البيان﴾ أسماء كل شيء، وقيل: علّمه اللغات كلّها، وكان آدم تغلَّلا يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وقال آخرون: أراد جميع الناس؛ لأن الانسان اسم الجنس ثم اختلفوا في معنى البيان، فروي عن قتادة أنّه قال: علّمه بيان الحلال والحرام، وبيّن له الخير والشر، وما يأتي وما يذر؛ ليحتج بذلك عليه. وقال أبو العالية ومرّة الهمذاني وابن زيد: يعني الكلام. الحسن: النطق والتمييز. محمد ابن كعب: ما يقول وما يقال له. السدي: علّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره ﴿علم بالقلم﴾. ابن كيسان: خلق الانسان يعني محمداً بَّر، علمه البيان يعني بيان ما كان وما يكون؛ لأنه كان يبيّن عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين. ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ أي بحساب ومنازل لا تعدّونها، قاله ابن عباس وقتادة وأبو ملك . قال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما بحسب الأوقات والأعمار والآجال، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف نحسب شيئاً، لو كان الدهر كلّه ليلاً كيف نحسب؟ أو كلّه نهاراً كيف نحسب؟ وقال الضحاك: يجريان بعدد. مجاهد: كحسبان الرحى يدوران في مثل قطب الرحا. السدي: بأجل كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا. نظيره ﴿كل يجري لأجل مسمى﴾. يمان: يجريان بأهل الدنيا وقضائها وفنائها . والحسبان قد يكون مصدر حسبت حساباً وحسباناً مثل الغفران والكفران والرجحان والنقصان، وقد تكون جمع الحساب كالشهبان والرهبان والقضبان والركبان. وارتفاع الشمس والقمر باضمار فعل مجازه الشمس والقمر يجريان بحسبان، وقيل: مبتدأ وخبره فيما بعده. ١٧٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ونظم الآية الرَّحْمن علم القرآن وقدر الشمس والقمر، وقيل: هو مردود على البيان، أي علّمه البيان، إن الشمس والقمر بحسبان. ويقال: سعة الشمس ستة آلاف فرسخ وأربعمائة فرسخ في مثلها، وسعة القمر ألف فرسخ في ألف فرسخ. مكتوب في وجه الشمس: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، خلق الشمس بقدرته، وأجراها بأمره، وفي بطنها مكتوب: لا إله إلاّ الله، رضاه كلام، وغضبه كلام، ورحمته كلام، وعذابه كلام، وفي وجه القمر مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، خلق الله القمر، وخلق الظلمات والنور، وفي بطنه مكتوب: لا إله إلاّ الله خلق الخير والشر بقدرته، يبتلي بهما من يشاء من خلقه، فطوبى لمن أجرى الله الخير على يديه، والويل لمن أجرى الله الشر على یدیه . ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾. قيل: هو ما ليس له ساق من الأشجار، وينبسط على وجه الأرض، وقال السدّي: هو جمع النبات سمّي نجماً لطلوعه من الأرض، وسجودها سجود ظلها، وقال مجاهد وقتادة: هو الكوكب، وسجوده طلوعه. ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ قال مجاهد: العدل، وقال الحسن والضحاك وقتادة: هو الذي يوزن به ليوصل به الإنصاف والانتصاف، وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن، وأصل الوزن التقدير. ﴿أَنْ لا تطغوا﴾ يعني لئلاّ تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق ﴿في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط بالعدل، وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط، وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب ﴿ولا تخسروا﴾ ولا تنقصوا ﴿الميزان) ولا تطففوا في الكيل والوزن. قال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أنْ يعدل عليك، وأوفٍ كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس. وقراءة العامة ﴿تُخسِروا﴾ بضم التاء وكسر السين، وقرأ بلال بن أبي بردة بفتح التاء وكسر السين وهما لغتان. ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ للخلق، وقال الحسن: للجن والإنس، وقال ابن عباس والشعبي: لکلّ ذي روح. ﴿فيها فاكهة﴾ يعني [ألوان] الفواكه، وقال ابن كيسان: يعني ما يفكههم به من النعم التي لا تحصى، وكل النعم يُتفكه بها ﴿والنخل ذات الأكمام﴾ أوعية التمر، واحدها: كم، وكل ما يسترنا فهو كم وكمة، ومنه كمّ القميص، ويقال: للقلنسوة: كمّة، قال الشاعر: ١٧٩ سورة الرحمن، الآيات: ١ - ١٣ دراهمكم إني كذاك أكيل(١) فقلت لهم كيلوا بكمّة بعضكم قال الضحاك: ذات الأكمام أي ذات الغلف. الحسن: أكمامها: ليفها. قتادة: رقابها. ابن زيد: الطلع قبل أن يتفتق. ﴿والحب ذو العصف﴾ قال مجاهد: هو ورق الزرع، قال ابن السكّيت: يقول العرب لورق الزرع: العصف والعصيفة والجِل بكسر الجيم، قال علمقة بن عبدة: حدورها من أتيّ الماء مطموم(٢) تسقي مذانب قد مالت عصيفتها العصف: ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس. نظيره ﴿كعصف مأكول﴾. ﴿والريحان﴾ قال مجاهد: هو الرزق، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو رزق. قال مقاتل بن حيان: الريحان: الرزق بلغة حمْيَر. قال الشاعر: سلام الإله وريجانه ورحمته وسماء درر (٣) · سعيد بن جبير عن ابن عباس: الريحان: الريع. الضحّاك: هو الطعام. قال: فالعصف هو التين والريحان ثمرته. الحسن وابن زيد: هو ريحانكم هذا الذي يشم. الوالبي عن ابن عباس: هو خضرة الزرع. سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقراءة العامة (والحبُ ذو العصف والريحان) كلّها مرفوعاً بالرد على الفاكهة، ونَصبها كلّها ابن عامر على معنى خلق هذا الانسان وخلق هذه الاشياء، وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصم (والريحان) بالجر عطفاً على العصف. ﴿فبأي آلاء﴾ نِعَم ﴿ربكما تكذبان﴾ أيها الثقلان. يدل عليه ما أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن مسلم الحنبلي قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبدالخالق قال: حدّثنا عبدالوهاب الوراق قال: حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدّثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا وهب ابن محمد عن ابن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: قرأ علينا رسول الله وَ ◌ّل سورة الرَّحْمن حتى ختمها. ثم قال: ((ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن أحسن منكم ردّاً، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب)) [١٦٥](٤). . (١) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٥٦. (٢) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٥٧، لسان العرب: ٤ / ١٢١ وفيه: تسقي مذانب قد طالت عصيفتها (٣) الصحاح ١ / ٣٧١ . (٤) كنز العمال: ٢ / ٣٢٥ ج ٤١٤٦. جدورها من أتى الماء مطموم. ١٨٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب، وقد مضت هذه المسألة في قوله سبحانه: ﴿أُلقيا في جهنم﴾ . وأما الحكمة من تكرارها فقال القتيبي: إن الله سبحانه وتعالى عدّد في هذه السورة نعماه، وذكّر خلقه آلاءه. ثم أتبع ذكر كلّ كلمة وضعها، ونعمة ذكرها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقرّرهم بها، وهو كقولك لرجل(١): أحسنت إليه وتابعت بالأيادي، وهو في كل ذلك ينكرك ويكفرك: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راحل؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم تكن صرورة فحججت بك ؟ أفتنكر هذا؟ والتكرار سابغ في كلام العرب، حسن في مثل هذا الموضع. قال الشاعر: المم سلومه المم(٢) المم وقال الآخر : (٣) كم كم وكم كم نعـمـة كـانـت لكم كـ وقال آخر: فاولى فرارة أولى فراراً فكادت فرارة تصلى بنـا وقال آخر: عيناك من قول كاشح أشر (٤) لا تقطعن الصديق ماطرفت ولا تملّنّ من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة. ﴿ وَخَلَقَ الْحَانَّ مِن مَّارِجِ مِن نَّارِ (١٥) فَأَقِّ ءَالَآءِ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَلْفَخَّارِ ( رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١) رَبُّ الْشَرِفِينِ وَرَبُّ الْغَرِيقِ (١٧) فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكْمَا تُكَذِّبَنِ (٨) مَرَجَ اَلْبَحْرِيْنِ يَغِيَانِ (١٩) فَبَأْتِى ءَالَاءِ رَيْكُمَا يَتَهُمَا بَرْزٌَّ لَا يَغِيَانِ ﴿٣) فَأَتِّءَالَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣) بَرُجُ مِنْهُمَا الْنُؤْلُ وَالْمَرْعَاتُ (عَ). تُكَذِّبَنِ ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْنَآتُ فِ الْبَعْرِ كَلْأَعْلِ (٢٠) فَأَِ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذَِّانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَقَى وَجْهُ رَيْكَ ذُوَ الْجَلِ وَالْأِكْرَامِ (صَ فَأَِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَتْثَلُّمُ مَّنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ يَوْمٍ هُوَ فِيِ شَأْنِ ﴿َ فَأَيْ ءَالَِّ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ (١) في المخطوط: كقول الرجل. (٢) كذا في المخطوط. (٣) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٦٠. (٤) تفسير القرطبي: ١٧ / ١٦٠.