النص المفهرس
صفحات 1-20
X X X الكَثِّفْ وَالبَيان المَعْروف تفسير التَّقلبي للإمَامِ الَهْتَّام أبو إِسْحَاق أحمد المعَرُوف بالإِمَامِ التَّعَلبي ت ٤٢٧ هـ دراسة وتحقيق الإمَام أبي محمَد ◌ِن عَاشور مُرَاجَعَة وَتدقيق الأستَاذْ نَظِيرِ السَّاعِدي الجزء التاسع XX بيروت - لبنان XX جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م DAR EHIA AL-TOURATH AL ARABI Publishing & Distributing دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان .. شارع دكاش - هاتف: ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣ ص.ب: ١١/٧٩٥٧ Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11 الكَثِفْ وَالبَيَان المعروف تفسير الثعلبي . . ٥ سورة الأحقاف، الآيات: ١ - ٨ سُورَةُ الأَحقَافِ مكّية. وهي خمسة وثلاثون آية وستمائة وأربع وأربعون كلمة. وألفان وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفاً أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المفيد، أخبرنا أبو عمرو محمّد بن جعفر بن محمّد الحبري، حدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي، حدّثنا أحمد بن عبدالله بن يونس، حدّثنا سلام بن سليم، حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة الباهلي، عن أُبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله وسلم: ((من قرأ سورة الأحقاف أُعطي من الأجر بعدد كلّ نمل في الدّنيا عشر حسنات ومحي عنه عشر سيّئَات ويرفع له عشر درجات)) [١]. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَ مَ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّ بِأَقِّ حمّ ﴿أَ نَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَأَلِ مُسَنَّىّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَّهَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ لَّهِ أَرُوِبِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَّ لَهُمْ ثِرْلٌ فِ الشَّمَوَتِّ أَثْنُونِ يِكِتَبِ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِن كُ صَدِفِينَ وَمَنْ أَضَلُ مِنَّنَ بَدْعُواْ مِن دُونِ أَّهِ مَّن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَئِمَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ (رِهَا وَإِذَا حُثِّرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَِرِنَ ﴿٣َ وَإِذَا نُعْلَى عَلَيْهِمْ ،َبَثْنَا بَتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقْ لَنَّا جَ هُ هَذَا سِخْرٌ مُبِينُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنَّهُ قُلْ إِنْ أَفْتَرِيْتُهُ فَلَ نَّمْلِكُونَ لِ مِنَ الَّهِ شَيْئًاً هُوَ أَعَمُ بِمَا يُفِيِضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿حِم تَنْزِيلُ الْكِتَابٍ مِنْ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* مَا خَلَقْنَا السَّمْوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلِ مُسَمّىٍّ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ في مصحف عبدالله (أرأيتكم). ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرٌْ فِي السَّمَاوَاتِ إِثْتُونِي بِكِتَاب﴾ من عند الله جاءكم. ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ القرآن فيه بيان ما تقولون. ﴿أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْمٍ﴾ قرأه العامّة بالألف واختلف العلماء في تأويلها، أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبدالله بن هاشم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عبّاس ٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وأظنّه عن النبي ◌َِّ ﴿أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: [الخط](١)، وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: خاصّة من علم. الحسن: أثارة من علم يستخرجوه فيثير(٢). مجاهد: رواية تأثرونها عمّن كان قبلهم. عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء (عليهم السلام). محمّد بن كعب القرضي: الإسناد وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية. يقال: نموت الحديث(٣) أثره، أثراً وأثارة، كالشجاعة، والجلادة، والصلابة، فما آثروا، ومنه قيل للخبر: أثر. قال الأعشى : إنّ الّذي فيه تماريتما بيّن للسامع والآثر (٤) وقال الكلبي: بقية من علم. قال الأخفش: تقول العرب: لهذه الناقة أثارة من سمن، أي بقيّة. قال الراعي: وذات أثارة أكلت عليها بناتاً في أكمّتها قصارا وقرأ علي بن أبي طالب ظُبه ﴿أو أثارة﴾ بفتح (الألف) وسكون (الثاء) من غير (ألف). وقرأ السلمي ﴿أو أَثارة﴾ بفتح (الهمزة) و(الثاء) من غير (ألف)، أي خاصة من علم أوتيتموه وأوثرتم بها على غيركم. وقول عكرمة: أو ميراث من علم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أجهل. ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ﴾ يعني الأوثان. ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ لا يسمعون ولا يفهمون. فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم إذ كانت قد مثّلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ جاحدين وعنهم متبرّئين. بيانه قوله: ﴿تبرأنا إليك ما كانوا إِيّانا يَعبدُون﴾(٥) . ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيْنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنْ اللهِ شَيْئاً﴾ إن عذّبني على افترائي. (١) في فتح الباري وغيره: الخط، أي بكتاب مكتوب. (٢) فتح الباري: ٤٤٢/٨ وفيه: أثره شيء يستخرجه فيثير؛ وتفسير الطبري: ٥/٢٦ ح ٢٤١٥٣. (٣) روي عن رسول الله وَّر: ((ما من نبي يموت ... الحديث)). تنوير الحوالك للسيوطي: ٢٤٧ ط. دار الكتب العلمية . (٤) الصحاح: ٢/ ٥٧٥. (٥) سورة القصص: ٦٣. ٧ سورة الأحقاف، الآيات: ٩ - ١٢ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ﴾ تخوضون. ﴿فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . قُلْ مَّا كُنْتُ يَدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَّا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِذْ أَنَعُ إِلَّ مَا يُوحَىَّ إِلَىَّ وَمَّا أَنَاْ إِلَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٤َ قُلْ أَرَّهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ إِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىَّ إِسْرَوِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَمَّنَ وَأَسْتَّكٌْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿َ وَقَالَ الَّذِينَ كَغَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوْ كَانَ خَبْرً مَّا سَبَقُونَاً. إِلَيّهَ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنَّكُ قَدِيرٌ (١) وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لَهُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾ بديعاً مثل نصف ونصيف، من الرسل، لست بأوّل مرسل، فَلِمَ تنكرون نبوّتي؟ هل أنا إلاّ كالأنبياء قبلي؟ وجمع البدع: أبداع، قال عدي بن زيد: فلا أنا بدعٌ من حوادث تعتري رجالاً عرت من بعد بؤسي وأسعدي(١) ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها، فقال بعضهم: معناها وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة. فلمّا نزلت هذه الآية فرح المشركون فرحاً شديداً، وقالوا: واللات والعُزّى ما أمرنا وأمر محمّد ◌َّ عند الله إلاّ واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا إنّه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فأنزل الله تعالى ﴿لَيَغْفِرَ لكَ الله ما تقدَّمَ مِن ذَنِكَ وما تأخّر﴾(٢). فبيّن له أمره ونسخت هذه الآية، فقالت الصحابة: هنيئاً لك يا نبيّ الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحْتِها الأنهار﴾(٣) الآية. وأنزل ﴿وَبَشِّر المؤمنين بأنَّ لَهُمْ مِنَ الله فَضْلاً كبيراً﴾ (٤) فبيّن الله تعالى ما يفعل به وبهم. وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة. أخبرني الحسين بن محمّد بن الحسين الدينوري، حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني، حدّثنا إسماعيل بن داود، حدّثنا هارون بن سعيد، حدّثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن أبي شهاب إنّ خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أنّ أُمّ العلاء - امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله ◌َّ﴾ - أخبرته أنّهم اقتسموا والمهاجرين سكناهم قُرعة. (١) تفسير الطبري: ٨/٢٦. (٢) سورة الفتح: ٢. (٣) سورة الفتح: ٥. (٤) سورة الأحزاب: ٤٧ . ٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه أبياتنا موضعه الّذي توفي فيه، فلمّا توفي غسّل وكفّن في أثوابه، فدخل رسول الله وَ له فقلت لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله: ((وما يدريك إنّ الله تعالى(١) أكرمه)). قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي لا أدري. قال: ((أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلاّ خيراً. فوالله إنّي لأرجو له الجنّة، فوالله ما أدري - وأنا رسول الله - ماذا يفعل بي)) [٢](٢). قالت: فوالله لا أزّي بعده أحداً . قالوا: وإنّما قال هذا حين لم يخبر بغفران ذنبه، وإنّما غفر الله له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته بسنتين وشيء، وقال ابن عبّاس: لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله وَ لل رأى رسول الله فيما يرى النائم وهو بمكّة أرضاً ذات سباخ ونخل رُفعت له، يهاجر إليها . فقال له أصحابه وهم بمگّه: إلى متى نكون في هذا البلاء الّذي نحن فيه؟ ومتى نهاجر إلى الأرض التي أُريت. فسكت. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ أُترك في مكاني أو أخرج إلى الأرض التي رفعت لي، وقال بعضهم: معناها: ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدُّنيا؟ أنبأني عقيل بن محمّد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، أخبرنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا أبو بكر الهذل، عن الحسن. في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾، فقال: أمّا في الآخرة فمعاذ الله قد علم إنّه في الجنّه حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ في الدُّنيا، أُخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، أُمّتي المكذِّبة أم المصدّقة، أم أُمّتي المرميّة بالحجارة من السّماء قذفاً أم مخسوف بها خسفاً . ثمّ أنزل الله تعالى: ﴿هو الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ودين الحقّ ليُظْهِره عَلَى الدِّينِ كُلّه وَكَفى باللهِ شَهِيدَاً﴾(٣). يقول: سيظهر دينكم على الأديان. ثمّ قال في أُمّته: ﴿وَمَا كَانَّ الله ليُعذّبهم وأنتَ فيهم وما كانَ الله مُعذّبهم وهم يستغفرون﴾(٤) فأخبره الله تعالى ما يصنع به وبأُمّته. وهذا قول السدي واليماني، وقال الضحّاك: ﴿وَلا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ أي ما تؤمرون وما تنهون عنه. (١) غير موجودة في المصدر. (٢) مسند أحمد: ٤٣٦/٦؛ صحيح البخاري: ٧١/٢، اختلاف في اللفظ. (٣) سورة الفتح: ٢٨. (٤) سورة الأنفال: ٣٣. ٩ سورة الأحقاف، الآيات: ٩ - ١٢ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ . قال قتادة والضحاك وابن زيد: هو عبدالله بن سلام شهد على نبوّة المصطفى وَّ. ﴿فَآمَنَ اليهود، فلم يؤمنوا . وَاسْتَكْبَّرْتمِ أخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، أخبرنا عبدوس بن الحسين بن منصور، حدّثنا محمّد بن إدريس يعني الحنظلي، وأخبرنا عبدالله بن حامد، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن محمّد بن عبدالله البغدادي، حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن إسحاق، حدّثنا عمر بن محمّد بن عبدالله الأنصاري. حدّثني حميد الطويل، عن أنس، قال: جاء عبدالله بن سلام إلى رسول الله وَلخر مقدمه المدينة، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلاّ نبي، ما أوّل أشراط السّاعة؟، وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمِّه؟. قال: ((أخبرني جبريل بهنّ آنفاً)) قال عبدالله: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة. قال: ((أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة مرارة(١) كبد حوت، فأمّا الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولدَ)) [٣](٢). فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال: يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسائلهم عنّي بهتوا عليَّ عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي ◌َّ: ((أي رجل عبد الله فيكم؟)) قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: ((أرأيتم إن أسلم عبدالله)). قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبدالله. فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله. قالوا: شرّنا وابن شرّنا. وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف یا رسول الله وأحذر. ودليل هذا التأويل أنبأني عقيل بن محمّد أنّ المعافى بن زكريا أخبرهم، عن محمّد بن جرير، أخبرنا يونس، أخبرنا عبدالله بن يوسف السبكي قال: سمعت مالك بن أنس يحدّث، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله وَلا يقول لأحد يمشي على الأرض: إنّه من أهل الجنّة، إلّ لعبد الله بن سلام [٤](٣). (١) في المصدر زيادة. (٢) مسند أحمد: ١٨٩/٣. (٣) مجمع البحرين: ٥٥١/٢ . ١٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي قال: وفيه نزلت ﴿وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل على مثله﴾. وقال آخرون: هو موسى بن عمران (عليه السلام). وروى الشعبي، عن مسروق في هذه الآية، قال: والله ما نزلت في عبدالله بن سلام لأنّ لـ ﴿حم﴾ نزلت بمكّة، وإنّما أسلم عبدالله بالمدينة، وإنّما كانت محاجّة من رسول الله لقومه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ومثل القرآن التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمّد على القرآن، وكلاهما مُصدّق أحدهما الآخر، وقيل: هو ابن يامين. وقيل: هو نبي من بني إسرائيل ﴿فآمن واستكبرتم﴾ فلم يؤمنوا. ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الّالِمِينَ﴾ لدينه وحجّته، وقال أهل المعاني: هذه الآية محذوفة الجواب مجازها ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ من المحقّ منّا ومنكم، ومن المبطل؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من اليهود. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ﴾ دين محمّد ﴿خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأصحابه، قاله أكثر المفسِّرين، وقال قتادة: نزلت هذه الآية في ناس من مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمّد خيراً ما سبقنا إليه فلان، وفلان ﴿يختص برحمته من يشاء﴾(١). وقال الكلبي: ﴿وقال الذين كفروا﴾ يعني أسداً وغطفان ﴿للذين آمنوا﴾ يعني جهينة ومزينة. ﴿لو كان﴾ ما جاء به محمّد ﴿خيراً﴾ ما سبقنا إليه رعاء البهم ورذال الناس. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان. ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كما قالوا: أساطير الأوّلين. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي ومن قبل القرآن. ﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً﴾ يؤتم به. ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن وعمل به، ونصبا على الحال، عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار أي أنزلناه أو جعلناه إماماً ورحمةً. الأخفش على القطع لأنّ قوله: ﴿كتاب موسى﴾ معرفة بالإضافة، والنكرة إذا أعيدت وأضيفت أو أدخلت عليها الألف واللام، صارت معرفة . ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً﴾ نصب على الحال، وقيل: أعني لسَاناً. وقيل: بلسان. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ (بالتاء) مدني وشامي ويعقوب وأيوب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على خطاب النبي (عليه السلام)، وقرأ الباقون (بالياء) على الخبر عنه. وقيل: عن الكتاب. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر والمعصية. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وجهان من الإعراب: (١) سورة البقرة: ١٠٥ . ١١ سورة الأحقاف، الآيات: ١٣ - ٢٥ الرفع على العطف على الكتاب مجازه ﴿وهذا كتاب مصدّق﴾ وبشرى، والنصب على معنى ﴿لتنذر الّذين ظلموا﴾ أو تبشّر. فلمّا جعل مكان وتبشر وبشرى أو وبشارة نصب كما يقال: أتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء حقّك يعني لإزورك وأكرمك وأقضي حقّك، فنصبت الكرامة والقضاء بفعل مضمر. إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَّمُواْ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣) أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْخَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (١٩) وَوَضَيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّا حَمَلَتَّهُ أُمُُّ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًاً وَّلُمُ وَفِصَلُ تَلَثُونَ شَهْرًا حَّىَ إِذَا يَلَ أَشُدَّمُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَّ سَنَّهُ قَالَ رَبٍ أَوَرِّعِىَّ أَنْ أَشْكُرَ بِعْمَتَكَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَّىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَِّحًا فَرْضَهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّبِىٌّ إِ نُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُوْلَكَ الَّذّيْنَ نَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَّ مَا عَمِلُواْ وَتَجَاوَزُ عَن سَخَائِهِمْ فِىَ أَعْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَنُواْ وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَبِّهِ أُفٍ لَّكُمَّا أَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَّتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ وَهُمَا يَسْتَغِيِنَانِ (١٢) يُوعَدُونَ ﴿ أُوْلَكَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ الَّهُ وَبَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَّا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ◌ِيَ أُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبَّلِهِم مِّنَّ أَلْنِّ وَالْإِنَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَيْرِنَ (٣) وَلِكُلِّ دَرَحْتُ بَّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَّلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٨٦َ وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبَةُمْ لِبَتِكُمْ فِى حَائِكُمُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا فَلْيَوْمَ تُّجْزَوَّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلِّْ وَبِمَا كُمْ نَفْسُفُونَ (٣) ﴾ وَأَذْكُرُ أَنَا عَادٍ إِذْ أَذَرَ فَوْمَُّ بِالْأَحْفَافِ وََّدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بِنْ بَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَّكُمُ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ (٣) قَالُوَ أَخِثْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالَتْنَا فَأَنْنَا بِمَا نَعِدُّنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِفِينَ (٣) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ ◌ِدَ الَلَّهِ وَأَبْلِغُّكُّمِ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِىَّ أَرْبَكُمْ فَوْمَا تَجْهَلُونَ ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَرِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَّنِهِمْ قَالُواْ تُدَمِّرُ كُلُّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصَحُواْ لَا ٣٤ هَذَا حَرِضُ مُطُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٣٥ يُرَّىَّ إِلَّ مَسَنَكِنّهُمْ كَذَلِكَ نَحْرِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِنَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الأنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ قرأ العامّة: ((حسناً)) بدون ألف، وقرأ أهل الكوفة: (إحساناً) وهي قراءة ابن عبّاس(١). ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ بَكُره ومشقّة. ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ وفِطامه، وقرأ الحسن (١) قيل: في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام ((حُسنا)) وحجّتهم قوله تعالى في العنكبوت: ٨ (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً)، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء: ((حَسَنا)) بفتح الحاء والسين، وأما حجّة العامة فقوله تعالى في سورة الأنعام (وبالوالدين إحساناً) وهي في مصاحف أهل الكوفة، (راجع زاد المسير: ٦ / ١٢١، وتفسير القرطبي: ١٦ / ١٩٢) أقول: في مصاحف المسلمين هذا الزمان (إحساناً) وحجتنا قوله تعالى (ولا تفرقوا). ١٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ويعقوب: ((وفصله)) بغير ألف. ﴿ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ قال المفسِّرون: حَمَلَهُ ستّة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهراً . وقال ابن إسحاق: حمله تسعة أشهر وفصاله من اللبن لأحد وعشرين شهراً. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ نهاية قوّته وقامته وغاية شبابه واستوائه وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قال السدي والضحاك: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقّاص. وقد مضت القصة، وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصدّيق ◌ِظُه وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرة، وأُمّه أُمّ الخير بنت صخر بن عمرو بن عامر، فلمّا بلغ أبو بكر أربعين سنة آمن بالنبي وَّ وقال لربّه: إنّي تبت إليك وإنّي من المسلمين. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيدالله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا إسحاق بن صدقة، حدّثنا عبدالله بن هاشم، عن سيف بن عمر، عن عطية، عن أبي أيّوب، عن علي رَؤُه في قوله: ﴿ووصّينا الإنسان بوالديه حُسْناً﴾ نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من أصحاب رسول الله [من] المهاجرين [أسلم] أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك مَن بعده. ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِغْنِي﴾ ألهمني وأوسعني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أن تجعلهم مؤمنين صالحين. قالوا: فأجاب الله تعالى أبا بكر في أولاده فأسلموا، ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته إلّ أبو بكر نقڅله. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني أعمالهم الصالحة فيئيبهم عليها . ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فلا يعاقبهم بها. ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي مع أصحاب الجنّة، و(في) بمعنى مع ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ وهو قوله: ﴿وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار﴾(١) ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ إذا دعوه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث والجزاء. ﴿أَفّ لَكُمَا﴾ وهي كلمة كراهية. ﴿أَتَعِدَانِي﴾ قراءة العامة (بنونين) حقيقيتين، وروى أهل الشام (بنون) واحدة مشدّدة ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ من قبري حيّاً بعد فنائي وبلائي. ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلم يبعث منهم أحد. وقرأ الحسن والأعمش وأبو معمر أن أَخُرج بفتح وضم (الراء). ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾ يستصرخان الله ويستغيثانه عليه ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ (١) سورة التوبة: ٧٢. ١٣ سورة الأحقاف، الآيات: ١٣ - ٢٥ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا﴾ الذي تعدانني وتدعوانني إليه. ﴿إِلَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ قال ابن عبّاس وأبو العالية والسدي ومجاهد: نزلت هذه الآية في عبدالله. وقيل: في عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدِّيق. قال له أبواه: أسلم وألحّا عليه في دعائه إلى الإيمان. فقال: أحيوا لي عبدالله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتّى أسألهم عمّا يقولون. قال محمّد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان حتّى يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: هذا الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿والذي قال لوالديه أُفِّ لكما أتعدانني﴾ ... الآية. فسمعت عائشة رضيها بذلك فغضبت، وقالت: والله ما هي به، ولو شئت لسمّيته ولكنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت نضض (١) من لعنة الله. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ﴾ وجب عليهم العذاب. قالوا: يعني الّذين أشار عليهم ابن أبي بكر، وقال أحيوهم إليّ، هم الّذين حقّ عليهم القول، وهم الماضون بقوله: ﴿وقد خلت القرون من قبلي﴾، فإمّا ابن أبي بكر فقد أجاب الله تعالى فيه دعاء أبيه بقوله: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ فأسلم وحسن إسلامه. وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر فاجر عاق لوالديه. ﴿فِي أُمَم﴾ مع أُمم. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالأنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلّ﴾ واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين. ﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بإعمالهم فيجازيهم عليها، وقال ابن زيد: في هذه الآية دُرج أهل النار تذهب سفالاً، ودُرج أهل الجنّة تذهب علوّاً. ﴿وَلِيُوَنِّيَهُمْ﴾ أجورهم (بالياء) مكي وبصري وهشام، والباقون (بالنون). ﴿أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ قرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب (أذهبتم طيباتكم) بالاستفهام، واختلف فيه عن أهل الشام، وغيرهم بالخبر، وهما صحيحتان فصيحتان لأنّ العرب تستفهم بالتوبيخ وتترك الاستفهام فيه. فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا؟، وذهبت ففعلت وفعلت؟ ﴿قَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أخبرنا ابن محمّد بن الحسين بن منجويه، حدّثنا عبدالله بن إبراهيم بن علي بن عبدالله، حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي، حدّثنا حميد بن الربيع، حدّثنا أبو معمر، (١) كذا في المخطوط. ١٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا محمّد بن حجارة، عن حميد الشامي، عن سليمان، عن ثوبان مولى رسول الله ﴾، قال: كان رسول الله إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام. فلمّا قدم من غزوة فأتاها فأذا لمحَ وقيل: لمح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضّة، فرجع ولم يدخل عليها، فلمّا رأت ذلك فاطمة ظنّت إنّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصّبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما نصفين، فانطلقا إلى رسول الله وَليل وهما يبكيان، فأخذه رسول الله منهما، وقال: ((يا ثوبان إذهب بهذا إلى بني فلان - أهل بيت بالمدينة - واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج)) قال: ((فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في الحياة الدُّنيا)) [٥](١). أنبأني عقيل بن محمّد، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، حدّثنا كثير، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدّثنا صاحب لنا، عن أبي هريرة، قال: إنّما كان طعامنا مع رسول الله ◌َ* الأسودان: الماء، والتمر، والله ما كنا نرى سمراكم هذه ولا ندري ما هي. وبه عن قتادة، عن أبي بردة بن عبدالله بن قيس الأشعري، عن أبيه، قال: أي بُني لو شهدتنا ونحن مع نبيّنا وَل﴿ إذا أصابتنا السماء حسبت إنّ ريحنا ريح الضأن، إنّما كان لباسنا الصوف . وبه عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب بظلاله كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكنّي أستبقي طيباتي. وذكر لنا أنّه لما قدم الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله. قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟! قال خالد ابن الوليد: لهم الجنّة. فاغرورقت عينا عمر، وقال: لئن كان حظّنا في الحطام وذهبوا فيما أرى أنا بالجنّة لقد باينونا بوناً بعيداً. وذُكر لنا أنّ النبي ◌َّر دخل على أهل الصفة، مكاناً يجتمع فيه فقراء المسلمين - وهم يرفعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً . قال: أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أُخرى، ويغدى عليه بحفئة ويُراح عليه بأُخرى، ويستر بيته كما يستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. أخبرنا الحسين بن منجويه، حدّثنا محمّد بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو العبّاس أحمد ابن موسى الجوهري، حدّثنا علي بن سهل الرملي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثني رزق أبو الهذيل، حدّثني عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب وظُه أنّه حدّثه أنّه دخل على رسول الله وَلل حين هجر نساءه فوافاه على سرير رميل، يعني مرمُولاً مشدوداً، قد أثّر الحصيرُ في جنبه، متوسِّد وسادة من أدم محشوة ليف. (١) مسند أحمد: ٢٧٥/٥؛ الدر المنثور: ٤٣/٦. ١٥ سورة الأحقاف، الآيات: ١٣ - ٢٥ فقال عمر: والتفتِّ في البيت فوالله ما رأيت شيئاً يردّ البصر إلّ أهب - يعني جلداً معطوبة - قد سطع ريحها، فبكيت، فقلت: يا رسول الله أنت رسول الله وخيرته، فيما أرى وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟! فاستوى رسول الله جالساً، وقال: ((أَوَفي شك أنت يابن الخطّاب؟)) ((أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدُّنيا)) [٦](١). أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبيدالله بن محمّد بن عتبة، حدّثنا الفرماني، حدّثنا أبو أمية الواسطي، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدّثنا حفص بن أبي العاص، قال: كنت أتغدى مع رسول الله ◌ّله، فتغدينا الخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقلّ ذلك اللحم العريض، وكان يقول: ((لا تنخلوا الدقيق فإنّه كلّه طعام)) [٧]. فيجىء بخبز منقلع غليظ، فجعل يأكل ويقول لنا: كلوا. فجعلنا نعتذر، فقال: ما لكم لا تأكلون؟! فقلت: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، نرجع إلى طعام ألين من طعامك. قال: بخ يا بن أبي العاص، ألا ترى أنّي عالم بأن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة فيخبز في كذا، وكذا؟ أما ترى أنّي عالم إنّ آمر إلى عناق سمينة فُيلقى عنها شعرها، ثمّ تخرج صلاء كأنّه كذا وكذا؟ أما ترى أنّي عالم أن أعمل إليَّ صاع أو صاعين من زبيب فاجعله في سقاء ثمّ أرش عليه من الماء فيطبخ كإنّه دم غزال؟ قال: قلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأراك عالماً بطيب العيش، فقال عمر: أجل، والله الذي لا إله إلاّ هو لولا إنّي أخاف أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش، ولكنّي سمعت الله يقول لقوم: ﴿أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدُّنيا واستمتعم بها﴾(٢). أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبدالله بن يوسف، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا محمّد بن بكار الريان، حدّثنا أبو معشر، عن محمّد بن قيس، عن جابر بن عبدالله. قال: اشتهى أهلي لحماً، فمررت بعمر بن الخطّاب وظ﴿له، فقال: ما هذا يا جابر؟ فقلت: أشتهى أهلي لحماً، فاشتريت لحماً بدرهم. فقال: أوكلّما اشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنه؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿أذهبتم طيّاتكم في حياتكم الدُّنيا﴾؟ أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا محمّد بن الحسين، حدّثنا بشر، حدّثنا ابن أبي الخصيب، أخبرني أحمد بن محمّد بن أبي موسى، حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، حدّثنا أبي، قال: قال وهب بن الورد: خلق ابن آدم والخبز معه، فما زاد على الخبز ينمو شهوة. قال: فحدّثت به أبا سليمان. فقال: صدق، الملح مع الخبز شهوة. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَاد﴾ يعني هود (عليه السلام). (١) مسند أحمد: ٣٤/١. (٢) كنز العمال: ٦٢٤/١٢ ح ٣٥٩٢٤. ١٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ﴾ قال ابن عبّاس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة. مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة إليها تنسب الجمال، فيقال: إبل مهرية ومهاري، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. وقال الضحّاك: الأحقاف جبل بالشام. مجاهد: هي أرض جساق من جسمي. قتادة: ذكر لنا أنّ عاداً كانوا حيّاً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر. ابن زيد: هي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً(١). الكلبي: الأحقاف ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. الخليل: هي الرمال العظام. الكسائي: هي ما استدار من الرمل، وواحدها حقف وحقاف، مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وقيل: الحقاف جمع الحقف، والأحقاف جمع الجمع. ونظير حقف أحقاف شبر وأشبار. قال الأعشى: فبات إلى أرطاة حقف تلفّه حريق شمال يترك الوجه أقتما (٢) وقال: بنا بطن حرّى ذي حقاف عقنقل. ويقال: حقفٌ أحقف أي رمل متناه في الاستدار. قال العجاج: بات إلى إرطاة حقف أحقفا، والفعل منه أحقف. قال الراجز: سماوة الهلال حتّى احقوقفا . أي انحنى واستدار. ﴿وَقَدْ خَلَتْ النُّذُّرُ﴾ مضت الرسل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي قبل هود. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ وهي في قراءة عبدالله ﴿ومن بعده﴾. ﴿أَلَّ تَعْبُدُوا إِلَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيمٌ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرفنا. ﴿عَنْ آلِهَتِّنَا فَأُتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت مجيء العذاب. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لا عندي وإنّما أنا مبلِّغ. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب. ﴿عَارِضاً﴾ نُصب على الحال، وإن شئت بالتكرير أي رأوهُ عارضا وهو السحاب، سمّي بذلك لأنّه يعرض أي يبدو في عرض السماء. قال مجاهد: استعرض بهم الوادي. قال الأعشى: يا من يرى عارضاً قد بتُّ أرمقه كإنّما البرق في حافاته الشعل(٣) قال المفسِّرون: ساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختار قيل بن عتز رأسه وقد عاد بما (١) راجع تفسير الدر المنثور: ٤٣/٦ مورد الآية. (٢) تفسير الطبري: ٢٩/٢٦. (٣) جامع البيان للطبري: ٣٣/٢٦. ١٧ سورة الأحقاف، الآيات: ١٣ - ٢٥ فيها من النقمة إلى عاد فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث. وكانوا قد حبس عنهم المطر أيّاماً، فلمّا رأوها. [قالوا: هذا عارض ممطرنا حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها مهدر فصاحت وصعقت، فلمّا أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحاً فيها كشهب النار](١). ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ استبشروا بها . ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِبِحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فجعلت تحمل الفسطاط، وتحمل الظعينة، فترفعها حتّى ترى كأنّها جرادة. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيدالله بن أحمد بن منصور الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبدالله، حدّثنا هشيم، عن جويبر، حدّثنا أبو داود الأعمى، عن ابن عبّاس في قول الله تعالى: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم﴾ الآية، قال: لمّا دنا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّها عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم، من رحالهم، ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، مثل الرشا، قالوا: فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فغلّقت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله تعالى الريح فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيّاماً حسوماً لهم أنين، ثمّ أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال ثمّ أمرها فاحتملتهم، فرمت بهم في البحر. فهم الذين يقول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ مرّت به من رجال عاد وأموالها بأذن ربّها. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبدالله بن الفضل، حدّثنا أبو هشام، حدّثنا حفص، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عائشة رضيّا قالت: كان النبيّ وَّ إذا رأى الريح فزع، وقال: ((اللّهم إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشر ما فيها، وشرّ ما أرسلت به)) [٨](٢). فإذا رأى مخيلة قام، وقعد، وجاء، وذهب، وتغيّر لونه، فنقول: يا رسول الله، فيقول: ((إنّي أخاف أن يكون مثل قوم عاد، حيث قالوا هذا عارض ممطرنا)) [٩](٣). ﴿فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ قرأ الحسن (لا تُرى) بتاء مضمومة ﴿إلّ مساكنهم﴾ برفع (النون). ومثله روى شعيب بن أيّوب، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم. قال أبو حاتم: هذا لا يستقيم في اللغة إلاّ إنْ أُوّل فيه إضمار كما تقول في الكلام: لا تُرى (١) تفسير الثعالبي: ٤٦/٣ مورد الآية؛ وتفسير ابن كثير: ٢٣٥/٢؛ وتفسير الطبري: ٢٨٥/٨. (٢) صحيح مسلم: ٢٦/٣؛ السنن الكبرى ٣٦٠/٣. (٣) المصدر السابق. ١٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي النساء إلّ زينب، ولا يجوز لا تُرى إلاّ زينب، وقال سيبويه: معناه (لا ترى) أشخاصهم. ﴿إلاّ مساكنهم﴾ وأجرى الفرّاء هذه الآية على الاستكراه، وذكر أنّ المفضل أنشده: قد علمتْ ذاك معدّ كرما(١) نارنا لم ترناراً مثلها فأَنّث فعل مثل لأنّه للنّار، قال: وأجود الكلام أن يقول: لم تر مثلها نار. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف (بياء) مضمومة ﴿مساكنهم﴾ رفعاً واختاره أبو عبيدة رفعاً وأبو حاتم. قال الكسائي: معناه لا يُرى شيء إلّ مساكنهم. وقال الفرّاء: لا يُرى الناس لأنّهم كانوا تحت الرمل، فإنّما يرى مساكنهم لأنّها قائمة. وقرأ الباقون (تَرى) (بتاء) مفتوحة (مساكنهم) نصباً على معنى (لا ترى) يا محمّد (إلّ مساكنهم). ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وَلَقَدْ مَكَتَّهُمْ فِيمَاً إِن مَّكَتَكُمْ فِيهِ وَحَلْنَا لَهُمْ سَمِعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْتَى عَنْهُمْ سَمَعُهُمْ وَلَّ أَبْصَدُهُمْ وَلَا أَفْئِدَمُهُم مِّن شَّىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَحْحَدُونَ ثَانَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْرِهُ ونَ لَّ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ ﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ فُرْيَانًا ءَإِهَةٌ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (١٨) وَإِذْ صَرَّفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ أَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوَاْ أَنْصِتُواْ فَلَّا قُضِىَ وَلَّوَّا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ (٢٤) قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا حَكِتَبَّا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِفًا لَّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ يُّهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمِ ﴿ْجَ بَقَوْمَاً أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُحِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِ ﴿٣َ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَمُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَهُ أُوْلَكَ فِى سَلَلِ مُبِينٍ ( (٣٢) ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي فيما لا يمكنكم فيه من بسطة الأجسام، وقوّة الأبدان، وطول العمر، وكثرة المال. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿مِنْ الْقُرَى﴾ كحجر ثمود، وأرض سدوم ونحوهما. ﴿وَصَرَّفْنَا الأَيَاتِ﴾ الحجج والبيّنات وأنواع العبر والعظات ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن. كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي قريش. ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ (١) جامع البيان للطبري: ٣٦/٢٦. ١٩ سورة الأحقاف، الآيات: ٢٦ - ٣٢ اللهِ قُرْبَاناً آلِهَةً﴾ يعني الأوثان، قال الكسائي: القربان كلّ ما يُتقرّب به إلى الله تعالى من طاعة، ونسکة، والجمع قرابین، کالرهبان والرهابین. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِنْكُهُمْ﴾ أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنّها تقرّبهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده. وقرأ ابن عبّاس وابن الزبير ﴿ذلك إفكهم) بفتح (الألف) و(الفاء) على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة ﴿إفكهم﴾ بتشديد (الفاء) على التأكيد والتفسير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عمّا كانوا عليه من النعيم. ودليل قراءة العامّة قوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَأَ مِنْ الْجِنِّ﴾ الآية. قال المفسِّرون: لمّا مات أبو طالب خرج رسول الله ◌َّ﴾ وحده إلى الطائف يلتمس ثقيف النصرة، والمنعة له من قومه، فروى محمّد بن أحمد عن يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي، قال: لمّا انتهى رسول الله ◌َّ وحده إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمر بن عمير، عندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله تعالى وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه . فقال أحدهم، هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله تعالى أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحد يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أُكلّمك كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أُكلّمك. فقام رسول الله ◌َّر من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: ((إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموه)) [١٠]. وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، هما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف . ولقد لقي رسول الله ولي تلك المرأة من بني جمح، فقال لها: ((ماذا لقينا من أحمائك؟)). فلمّا اطمئن رسول الله، قال: ((اللَّهم إنّ أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدوٍّ ملّكته أمري. إن لم يكن بك عليَّ غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع، وأعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، ويحلّ عليَّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، لا حول، ولا قوّة إلاّ بك)) [١١](١). (١) البداية والنهاية: ١٦٦/٣. ٢٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي فلمّا رأى أبناء ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له: عداس. فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول الله ◌َّ، فلمّا وضع رسول الله يده، قال: ((بسم الله)). ثمّ أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. قال له رسول الله: ((ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟)). قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى)). قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟! قال له رسول الله: ((ذاك أخي، كان نبيّاً وأنا نبيّ)). فأكبّ عداس على رسول اللهِ وَل﴿ فقبّل رأسه، ويديه، ورجليه [١٢](١). قال: فيقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه، أما غلامك فقد أفسده عليك. فلمّا جاءهم عداس، قالا له: ويلك يا عداس ما لكَ تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، ورجليه؟! قال: يا سيّدي ما في الأرض خيرٌ من هذا، لقد خبّرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبي. فقال: ويحك يا عداس لا يصرفّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه. ثمّ إنّ رسول الله و وانصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حتّى يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن، وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب. قال إبليس: إنّ هذا الذي حدث في السماء لشيء في الأرض، فبعث سراياه لتعرف الخبر، فكان أوّل بعث بُعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي نخلة، فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه يصلّي صلاة الغداة، ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا إليه، وقالوا: أنصتوا. هذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر، ورواية العوفي عن ابن عباس، وقال آخرون: بل أُمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجنّ من نينوى وجمعهم له، فقال رسول الله: ((إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فأيّكم يتبعني؟)) فأطرقوا ثمّ استتبعهم فأطرقوا، ثمّ استتبعهم الثالثة، فاتبعه عبدالله بن مسعود، قال عبدالله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا. بأعلى مكّة دخل نبيّ الله وَّر شعباً يقال له: شعب الحجون وخط إليَّ خطّاً، ثمّ أمرني أن أجلس فيه . قال: ((لا تخرج منه حتّى أعود إليك)). ثمّ انطلق حتّى قام وافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال (١) البداية والنهاية: ١٦٧/٣.