النص المفهرس

صفحات 361-368

٣٦١
سورة الجاثية، الآيات: ٢٢ - ٣٧
الدّنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدّنيا والآخرة كافر. نزلت هذه الآية في نفر من مشركي مكّة
قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقاً لَنفضلنَّ عليكم في الآخرة، كما فَضلنا عليكم في الدّنيا.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا جعفر بن محمّد الفرماني،
حدثنا محمّد بن الحسين البلخي، حدثنا عبد الله بن المبرك، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة،
عن أبي الضحي، عن مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكّةً: هذا مقام أخيك تميم الداري،
لقد رأيته ذات ليلة، حتّى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، ويركع، ويسجد،
ويبكي ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيّئات أن نجعلهم﴾ ... الآية.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل، حدثني أبو هشام زياد بن أيوب، حدثنا علي بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن
عجلان، عن بشير بن أبي طعمة، قال: بتّ عند الربيع بن خيثم ذات ليلة، فقام يصلي فمر بهذه
الآية ﴿أم حسب الّذِين﴾ فمكث ليله حتّى اصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد،
وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيراً ما رأيت الفضيل بن عياض، يردد من أول الليلة إلى آخرها هذه
الآية ونظائرها ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ ثمّ يقول: يافضيل ليت شعري من أي
الفريقين أنت.
(٢٢) أفرءَيْتَ
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَنُوَتِ وَالْأَرْضَ بِلمَنِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
مِّن أَخْدَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ أَلَهُ عَلَى عِلْمٍ وَحَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةَ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
وَقَالُواْ مَا هِىَّ إِلَّ حَثَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَخْيَا وَمَا يُهْلِكَا إِلَّ الذَّهْرُّ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلَّ إِنْ هُمْ
٢٣
أَفَلاَ تَذَّكِرُونَ
إِلَّ يَظُنُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا نُتَّى عَلَهِمْ ءَتْنَا يَمِنَتٍ مَّا كَانَّ مَّا إِلََّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِثَبَيَّاً إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ (١٥) قُلِ اللَّهُ
يُحِّكُمْ ثُمَّ يُمِيتُّكُمْ ثُمَّ يَحْمَعْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ لَا رَغْتَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦َ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِِّ وَيَوْمَ تَّقُوُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿١٨) وَتَرَى كُلّ أُمَّهِ جَائِيَةً كُلُّ أُمَّدٍ تُدْعَىَّ إِلَى كِتَبِهَا أَوْمَ تُرَوَّنَ
مَا كُنتُمُ تَعَمَلُونَ ﴿ هَذَا كِتَبْنَا يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ إِنَّا كُنََّ نَسْتَنِحُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٦) فَمَّا الّذِينَ
ءَمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْنِهَ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْمُبِينُ (٢) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ
مَنِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَأُسْتَكْبَّمُ وَكُمْ فَوْمَا تُخْرِمِينَ ﴿١٣٦) وَإِذَا فِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقُ وَالسَّاعَةُ حَقٌ رَيْبَ فِيهَا فُلَمُ مَا
نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَفِينَ (٢٦) وَبَدَا لَمْ سَيَِّاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ.
يَسْهَرُونَ ﴿ وَفِيلَ أَوْمَ نَسَنَكُمْ كَّا نِتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَّأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِنْ نَّصِرِنَّ (٦َ ذَلِكُم بِأَنَّكُرُ
اَتَّخَذَّثُ مَيَتِ الَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُ اَلْمَةُ الدُّنْيَاْ فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَعُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَوُنَ (٢٥) فَلَّمِ اٌلْحَمْدُ رَبْ
السَّمَوَتِ وَرَّبِّ الْأَرْضِ رَبِ اَلْعَلَمِينَ (٢٦) وَلَهُ الْكِيَاءُ فِى السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ وَلِتُجزَى كُلُّ نَفس بِمَا كَسَبَتَ وَهُم لاَ يُظلَّمُونَ *
أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ .

٣٦٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عباس والحسين وقتادة: ذلك الكافر إتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلاّ ركبه،
إِنّه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله ولا يحل ما أحل الله، إنّما دينه ما هويت نفسه
یعمل به ولا يحجزه عن ذلك تقوى.
وقال آخرون: معناه أفرأيت من إتخذ معبوده هواه، فیعبد ما یھوی.
قال سعيد بن جبير: كانت قريش تعبد العُزي - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، وكانت
العرب تعبد الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رموه أو كسروه أو ألقوه
في بثر، وعبدوا الآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس التميمي أحد المستهترين، وذلك إنّه كان يعبد ما
تهواه نفسه.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة وعبيد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن أبي
مهران، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: قال سفيان بن عيينة: إنّما عبدوا الحجارة لإنّ
البيت حجارة.
وقال الحسين بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير مجازها: أَفرأيت من أتخذ هواه إلهه.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن عمران بن هارون،
حدثنا أبو عبيد الله المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شبرمه، عن الشعبي، قال: إنّما
سمي الهوى لإنّه يهوي بصاحبه في النّار.
وبه عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: ما ذكر الله عز
وجل هوى في القرآن إلاَّ ذمه.
فروى أبو أمامة، عن النبي ◌َّ إنّه، قال: ((ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من
هوى)) [٢٢١](١) .
وقال ◌َله: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه(٢))) [٢٢٢].
وروى ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس إنّ النبي وَلِّ قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل
لما بعد الموت، والفاجر من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله)) [٢٢٣] (٣).
وقال مضر القاضي: لنحت الجبال بالأظافير حتّى تتقطع الأوصال، أهون من مخالفة الهوى
إذا تمكن في النفوس.
وسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوانٌ سرقت نونه، فنظمه الشاعر:
فاذا هويت فقد لقيت هوانا
نون الهوان من الهوى مسروقة
وقال آخر:
(١) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٧ .
(٣) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٧.
(٢) المعجم الأوسط: ٥ / ٣٢٨، تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٧ ..

٣٦٣
سورة الجاثية، الآيات: ٢٢ - ٣٧
فإذا هويت فقد كسبت هوانا (١)
إن الهوى لهو الهوان بعينه
فإخضع لحبّك كائناً من كانا
وإذا هويت فقد تعبدك الهوى
أنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو حاتم محمّد بن حيان المسني، قال: ولم ار أكمل
منه. قال: وأنشدنا محمد بن علي الحلاري لعبد الله المبرك:
أن لا يرى لك عن هواك نزوع (٢)
ومن البلاء للبلاء علامة
والحر يشبع تارة ويجوع
العبد عبد النفس في شهواتها
وأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي،
أنشدنا أبو المثنى معاذ بن المثنى العنبري، عن أبيه لأبي العتاهية:
إنك إن أسخطتها زانكا
فإعص هوى النفس ولا ترضها
وإنّها تطلب عدوانكا
حتّى متى تطلب مرضاتها
وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو عبيد الطوسي:
فاغرة نحو هواها فاها (٣)
والنفس إن أعطيتها مناها
وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا نصر بن منصور بن عبد الله الأصبهاني بهراة يقول:
سمعت أبا الحسن عمرو بن واصل البحتري يقول: سئل سهل بن عبد الله التستري عن الهوى؛
فقال للسائل: هواك يأمرك فإن خالفته فرّط بك، وقال: إذا عرض لك أمران شككت خيرها
فإنظر أبعدهما من هواك فإنه.
وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال
المشاشي بمرو وأنشدني أبو بكر الزيدي :
وكان إليها للخلاف طريق (٤)
إذا طالبتك النفس يوماً بشهوة
هواك عدوٌّ والخلاف صديق(٥)
فدعها وخالف ما هويت فإنما
قوله سبحانه وتعالى :
﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلم﴾ منه بعاقبة أمره. ﴿وَخَتَمَ﴾ طبع. ﴿عَلَى سَمعِهِ وَقَلِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهٍ غِشَاوَةً﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿غشاوة﴾ بفتح (الغين) من غير (ألف) والباقون
﴿غشاوة﴾ (بالألف) وكسر (الغين).
﴿فَمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا﴾ يعني المشركين. ﴿مَا هِيَ إِلَّ حَيَاتُنَا
(١) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٨
(٢) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٨
(٣) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٨.
(٤) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٨.
(٥) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٦٨.

٣٦٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحيًا﴾ يموت الآباء ويحيا الأبناء. ﴿وَمَا يُهلِكُنَا إِلَّ الدَّهرُ﴾ وما يفنينا إِلاَّ الزمان
وطول العمر وفي حرف عبد الله وما يهلكنا الدهر يمر.
﴿وَمَا لَهُم بذلك مِن عِلم إِن هُم إِلَّ يَظُنُّونَ﴾ أخبرنا الحسين بن فنجويه بقراءتي حدثنا أبو
حذيفة أحمد بن محمّد بن علي الدينوري، حدثنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي،
حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا سفيان بن عيينة بن أبي عمران، عن الزهري، عن سعيد
ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((كان أهل الجاهلية يقولون: إنّما الليل
والنهار هو الّذي يهلكنا يميتنا ويحيينا)) فقال الله تعالى في كتابه: ﴿ما هي إلاَّ حياتنا الدّنيا نموت
ونحيا وما يهلكنا إلّ الدّهر﴾ فيسبون الدّهر.
فقال الله تعالى: يؤذيني إبن آدم يسب الدّهر وأنا الدّهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار))
[٢٢٤](١).
أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وثمانين
وثلاثمائة فاقرّبه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن يحيى وعبد
الرحمن بن بشر وأحمد بن يوسف، قالوا: حدثنا عبد الرزاق بن همام، أخبرنا معمر بن راشد،
عن همام بن منبه بن كامل بن سيج، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد بنَّر، قال: ((قال
الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإنّي أنا الدهر، أُرسل الليل والنهار، فإذا شئت
قبضتهما)) [٢٢٥](٢) .
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة، حدثنا عبد
الملك بن أحمد البغدادي، حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سفيان بن محمد الثوري، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (عليه السلام): ((لا تسبوا الدهر
فإنّ الله تعالى هو الدهر)) [٢٢٦](٣).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث: إنّ هذا مما لا ينبغي لأحد من أهل
الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن من شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب
[ ....... ](٤) إجتاحهم الدهر وتخوفتهم الأيام وأتى عليهم الزمان وما أشبه ذلك حتّى ذكروها
في أشعارهم، [ونسبوا الأحداث إليه](٥).
قال عمرو بن قميئة :
(١) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٩٨.
(٢) فتح الباري: ١٠ / ٤٦٦، تفسير القرطبي: ١٤ / ١.
(٤) كلمة غير مقروءة.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ٣٩٥.
(٥) زيادة عن تفسير القرطبي.

٣٦٥
سورة الجاثية، الآيات: ٢٢ - ٣٧
فكيف بمن يرمي وليس برام(١)
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى
ولكنّني أرمي بغير سهام
فلو أنَّها نَبلٌ إذاً لاتقيتها
أنوء ثلاثاً بعدهنْ من قيامي
على الراحتين مرة وعلى العصا
وروي إنّ الشعببي دخل على عبد الملك بن مروان وقد ضعف. فسأله عن حاله، فأنشده
هذه الأبيات:
!
والدهر يرميني ولا أرمي
فاستأثر الدهر الغداة بهم
بسراتنا ووقرت في العظم
يا دهر قد أكثرت فجعتبنا
لو كنت تستبقي من اللحم(٢)
وتركتنا لحم على وضم
يا دهر ما أنصفت في الحكم
وسلبتنا ما لست تعقبنا
وأنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا عبد السميع بن محمد الهاشمي، أخبرنا أبو الحسن
العبسي لإبن لنكك في هذا المعنى :
يا قبيح الفعال جهم المحيا
قل لدهر عن المكارم عطل
ولقيم الحقته بالثريا
كم كريم خططته من بقاع
قال أبو عبيده: وناظرت بعض الملاحدة. فقال: إلاّ تراه يقول: فإنّ الله هو الدهر. فقلت
له: وهل كان أحد يسب الله في أياد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:
وولى الملامة الرجلا(٣)
استأثر الله بالوفاء وبالعدل
قال: فتأويل قوله {وَل﴾: ((إنّ الله هو الدهر)) [٢٢٧]، إن الله جل ذكره هو الّذي يأتي بالدهر
والشدائد والمصائب فإذا سببت الدهر وقع السب على الله تعالى لأنّه فاعل هذه الأشياء وقاضيها
ومدبرها .
وقال الحسين بن الفضل: مجازه: فإنّ الله هو مدهّر الدهور.
وروي عن علي رضيه في خطبة له: مُدهّر الدهور، ومن عنده الميسور، ومن لدنه المعسور.
ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدثنا أبو
الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم الجمحي،
حدثنا عسر بن أحمد، قال: بلغني إنّ سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يذكر الدهر، فزجرهُ
أبوه عبد الله بن عمر، وقال له: يا بني إياك وذكر الدهر، وأنشد:
ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا
فما الدهر بالجاني لشيء لحينه
(١) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٧٢، غريب الحديث: ٢ / ١٤٦.
(٢) غريب الحديث: ٢ / ١٤٦.
(٣) لسان العرب: ٤ / ٨.

٣٦٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
على معشر يجعل مياسيرهم عُسْرَا
ولكن متى ما يبعث الله باعثاً
وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الشيخ أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنشدنا
معاذ بن نجدة بن العريان:
[إن لحدا أزراك] بالآلام
دار الزمان على الأمور فإنّه
يحكي الزمان مجاري الأقلام
وذو الزمان على الملام فإنما
بيد المليك ساند الأحكام
يُشكى الزمان ويستزاد وإنّما
وأنشدنا الأستاذ أبو القاسم، أنشدني أبي، أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهاب
الثقفى :
لا تلم الدهر على عذره
يا عاتبَ الدهر إذا نـابَهُ
وينتهي الدهر إلى أمره
الدهر مأمور له آمرٌ
تزداد أضعافاً على كفره (١)
كم كافر أمواله جمة
يزدادا إيماناً على فقره
ومؤمن ليس له درهم
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائتوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمِ صَادِقِينَ *
قُلِ اللهُ يُحْيِيُّكم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُجمَعَكُمْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ﴾ يعني ليوم القيامة. ﴿لاَ رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعلَمُونَ * وَللهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَومَئِذْ يَخِسَرُ المُبطِلُونَ
* وَتَرَى كُلُّ أُمَّ جَائِيَةً﴾ مجتمعة مستوفرة على ركبها من هول ذلك اليوم، وأصل الجثوة الجماعة
من كلّ شيء.
قال طرفة يصف قبرين :
صفائح صم من صفيح مصمد(٢)
ترى جثوتين من تراب عليهما
أخبرنا ابن فنجویه، حدثنا عبد الله بن یوسف، حدثنا موسى بن محمد الحلواني، حدثنا
يعقوب بن إسحاق العلوي. حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي، حدثنا أبو عران، عن عاصم
الأحول، عن ابن عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: في القيامة ساعة هي عشر سنين
يكون الناس فيها جثاة على ركبهم حتّى إبراهيم (عليه السلام) لينادي ((لا أسألك اليوم إلأنفسي)).
﴿كُلُّ أُمَّة تُدعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ الّذي فيه أعمالها. ﴿اليَومَ تُجْزَونَ مَا كُنتُمْ تَعمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا
يَنِطِقُ عَلَيكُم بِالحَقِّ﴾ فيه ديوان الحفظة وقيل اللوح المحفوظ.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عمر بن نوح البجلي، حدثنا أبو خليفة، حدثنا عثمان بن عبد
(١) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٧١.
(٢) لسان العرب: ١٤ / ١٣٢.

٣٦٧
سورة الجاثية، الآيات: ٢٢ - ٣٧
الله الشامي، حدثنا عقبة بن الوليد، عن أرطأة بن المنذر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله قال: ((أول شيء خلق الله القلم من نور مسيره خمسمائة عام، واللوح من نور مسيره
خمسمائة عام، فقال للقلم: إجر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، بردها وحرها، ورطبها
ويابسها، ثمّ قرأ هذه الآية ﴿هذا كتابنا ينطق بالحق﴾)) [٢٢٨](١).
﴿إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ قال: وهل يكون النسخ إلاّ من كتاب قد فرغ منه،
ومعنى نستنسخ يأمر بالنسخ، وقال الضحاك: نثبث. السدي نكتب. الحسن: نحفظ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدخِلُهُم رَبُّهُم في رَحمَتِهِ﴾ جنّته ﴿ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ
المُبِينُ﴾ الظفر الطاهر. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُلَى عَلَيكُم فَاستكبَرْتُم
وَكُنتُمٍ قَوماً مُجرِمِينَ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيبَ فيها﴾ قرأه العامة بالرفع على
الابتداء وخبره فيما بعده ودليلهم قوله: ﴿إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة
للمتقين﴾(٢).
قرأ أبو رجاء وحمزة ﴿والسّاعة﴾ نصباً عطفاً بها على الوعد لا ريب فيها.
﴿قُلْتُم مَّا نَدرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَُّنُّ إِلَّ ظَنَّاً وَمَا نَحنُ بِمُستَيَقِنِينَ﴾ إنّها كائنة. ﴿وَبَدَا لَهُم
سَبِئَّاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي جزاؤها. ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَستَهِزِءُونَ * وَقِيلَ اليَومَ نَنسَاكُم﴾
نترککم في النّار.
﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَومِكُم هَذَا﴾ كما تركتم الإيمان بيومكم هذا. ﴿وَمَأْوَاكُمِ النَّارُ وَمَا لَكُم
مِّن نَّاصِرِينَ. ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتَكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا فَاليَومَ لاَ يُخرَجُونَ﴾. قرأه
العامة بضم الياء، وقرأ أهل الكوفة إِلاَّ عاصم بفتحة.
﴿مِنْهَا وَلاَ هُم يُستَعتَبُون﴾ يسترضون. ﴿فَلِلْهِ الحَمدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأرضِ رَبِّ
العَالَمِينَ﴾ قرأه العامة بكسر (الباء) في ثلاثتها، وقرأ ابن محيصن رفعاً على معنى هو ربُّ.
﴿وَلَّهُ الكِبرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.
(١) المستدرك: ٢ / ٤٩٨، فتح الباري: ٦ / ٢٠٦، وجامع البيان للطبري: ٢٩ / ٢٢، وتفسير ابن كثير: ٣ /
٢٤٥.
(٢) سورة الأعراف: ١٢٨.

٣٦٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
محتوى الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
سورة الأحزاب
٥٠
سورة سبأ
٦٩
سورة الملائكة (فاطر)
٩٧
سورة یس
١٣٨
سورة الصافات
١٧٥
سورة ص
سورة الزمر
٢٢٠
سورة المؤمن
٢٦١
سُورَةُ فُصّلَت
٢٨٥
٣٠١
سُورَةُ الشُّورَىَ
سورة الزخرف
٣٢٧
٣٤٨
سُورَةُ الدُّخَانِ
٣٥٨
سُورَةُ الجَاثَِةِ
طِبٌعَ عَلَى مُطِابْعَ
دَارُ احياء التراث العَربيّ
---
١١٨