النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة المؤمن، الآيات: ٥٨ - ٧٤
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُظْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ أي أطفالاً،
نظيره: ﴿أو الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء﴾(١). ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا
شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يصير شيخاً ﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾ جميعاً ﴿أجَلا مُسَمّىٍ﴾ وقتاً
محدوداً لا تجاوزونه ولا تسبقونه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ذلك فتعرفوا أن لا إله غيره فعل ذلك ﴿هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتٍ
اللهِ أنَّى يُصْرَفُونَ﴾ .
قال ابن زيد: هم المشركون.
وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدريّة.
أخبرني عقيل بن محمّد إجازة أخبرنا المعافا بن زكريا أخبرنا محمّد بن جريرٍ أخبرنا محمّد
ابن بشار ومحمّد بن المثنى حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن داود بن أبي هند عن محمّد بن سيرين
قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدريّة فأنا لا أدري فيمن نزلت. ﴿ألم تر إلى الذين
يجادلون في آيات الله أنى يصرفون﴾ إلى قوله ﴿بل لن نكن ندعوا من قبل شيئاً﴾ إلى آخر الآية.
وبه عن ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي عن
أبي قبيل عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله وسلم قال: ((سيهلك من أمتي أهل الكتاب
وأهل اللين)).
فقال عقبة: يارسول الله وما أهل الكتاب؟
قال: ((قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون الذين آمنوا)).
فقال: وما أهل اللين؟ فقال: ((قوم يتبعون الشهوات ويضيّعون الصلوات)) [١٦٠](٢).
قال أبو قتيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلاّ الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين
فلا أحسبهم إلاّ أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة ولا يعرفون شهر رمضان(٣).
قال محمّد بن جرير: أهل العمود الحي العظيم (٤).
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتَابِ وَبِمَا أرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأغْلالُ فِي أعْنَاقِهِمْ﴾.
(١) سورة النور: ٣١.
(٢) المستدرك: ٢ / ٣٧٤، والمعجم الكبير للطبراني: ١٧ / ٢٩٦، وجامع البيان للطبري: ٢٤ / ١٠٤. وفي
المصدرين الأولين: أهل اللبن.
(٣) تفسير ابن جرير الطبري: ٢٤ / ١٠٤.
(٤) قال قتادة: البر: أهل العمود، راجع تفسير القرطبي: ١٤ / ٤١.
٢٨٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا ابن حبش المقريء حدثنا ابن فنجویه حدثنا سلمة حدثنا
عبد الرزاق أخبرنا ابن التيمي عن أبيه قال: لو أن غلاً من أغلال جهنّم وضع على جبل لو هصه
حتّى يبلغ الماء الأسود.
﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾.
قرأه العامة: بالرفع، عطفاً على الأغلال.
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا أبو علي بن حبش المقريء حدثنا أبو القاسم بن الفضل
حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء
عن ابن عبّاس أنه قرأ: ﴿والسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الحَمِيمِ﴾ بنصب اللام والياء. يقول: إذا
كانوا يسحبونها كان أشد عليهم.
أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا عبد الله
ابن محمّد بن عبد العزيز البغوي حدثني جدي حدثني منصور بن عمار حدثنا بشر بن طلحة عن
خالد بن الدريك عن يعلى بن منبه رفعه قال: ينشيء الله تعالى لأهل النار سحابة سوداء مظلمة
فيقال يا أهل النار ماتشتهون؟
فيسألون بارد الشراب. فتمطرهم أغلالاً تزيد في أغلالهم وسلاسلا تزيد في سلاسلهم
وجمراً يلتهب النار عليهم.
﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أي توقد بهم النار.
قال مجاهد: يصيرون وقوداً للنار.
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ فلا
نراهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا. وقيل: جهلوا.
وقال بعضهم: فيه إضمار، أي لم نكن ندعو من قبل شيئاً ببصر وبسمع وبضر وبنفع.
وقال الحسين بن الفضل: يعني لم نكن نصنع من قبل شيئاً، أي ضاعت عبادتنا لها فلم
نکن نصنع شيئاً .
قال الله سبحانه وتعالى ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الكَافِينَ﴾.
ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ لَلْقِّ وَبِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ (٢٣) أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيهَا فَلْسَ مَنْوَى الْمُتَكَِّنَ ﴿٢ فَأَضْيِرٌ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ وَعْدَ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى يَعِدُهُمْ
أَوْ نَتَّوَفِيَنَّكَ فَإِتْنَا يُرْتَعُونَ ﴿٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَّا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنَ لَّمْ
نَقْصُصْ عَلَتَكْ وَمَا كَانَّ ◌ِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّ بِدَّنِ اَلَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ فُضِىَ بِأَلْنَّ وَخَيَِ
٢٨٣
سورة المؤمن، الآيات: ٧٥ - ٨٥
هُنَاْلِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِّرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (َ) وَلَكُمْ فِيهَا
مَنَفِعُ وَلِنَّيَّلُغُواْ عَيْهَا خَلَهُ فِ صُدُورِكُمْ وَعَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ مُحْمَلُونَ (شَهَا وَيُرِيِكُمْ ءَبَتِهِ، فَأَنَّ ءَايَتِ
اللَّهِ تُكِّرُونَ ﴿٨َ أَفَلَمْ يَبِيِرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَبِفَ كَانَ عَقِيَةُ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ
مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَمَثَارًا فِ اَلْأَرْضِ فَمَا أَغَْى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١٦) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ
فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِيءُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ
وَحَدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ (٨٨) فَلَمْ يَكُ يَفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَّ سُنَّتَ اللَّهِ أَلَّتِى قَدْ
خَلَتْ فِى عِبَادِةٍ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَتْفِرُونَ
﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تبطرون وتأمرون ﴿فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾
تفخرون وتختالون وتنشطون ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ * فَاصْبِرْ
إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك ﴿أُوْ نَتَوَفَّيَّنَّكَ﴾ قبل أن
يحل بهم ذلك ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ خبرهم
في القرآن ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُول أنْ يَأْتِيَ بِآيَة إلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أمْرُ
اللهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ * اللهُ الَّذِي﴾ تحق له العبادة هو الذي ﴿جَعَلَ﴾ خلق
﴿لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في أصوافها وأوبارها وأشعارها
وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ تحمل أثقالكم في أسفاركم من بلد إلى بلد
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ نظيره ﴿وحملناهم في البر والبحر﴾(١).
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنكِرُونَ * أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآ ثَاراً فِي الأرْضِ﴾ يعني مصانعهم وقصورهم ﴿فَمَا
أُغْنَى عَنْهُمْ﴾ أيّ لم ينفعهم ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وقيل: هو بمعنى الإستفهام، ومجازه: أي شيء
أغنى عنهم كسبهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ يعني الأُمم ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ﴾.
قال مجاهد: قولهم نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، وقيل: أشروا بما عندهم من
العلم، بما کان عندهم أنه علم وهو جهل.
وقال الضحاك: رضوا بالشرك الذي كانوا عليه.
وقال بعضهم: هو الفرح راجع إلى الرسل يعني فرح الرسل بما عندهم من العلم بنجاتهم
وهلاك أعدائهم.
(١) سورة الإسراء: ٧٠.
٢٨٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون * فَلَمَّا رَأوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا
بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أيّ تبرأنا ممّا كنا نعدل بالله ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بَأْسَنَا﴾ عذابناً ﴿سُنَّةَ
اللهِ الَّتِي﴾ في نصبها ثلاثة أوجه أحدها: بنزع الخافض أيّ كسنّة الله.
والثاني: على المصدر، لأن العرب تقول سنَّ يسنّ سّناً وسنّة.
والثالث: على التحذير والأغراء، أي احذروا سنّة الله كقوله: (ناقة الله وسنّة الله).
﴿قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ وهي أنهم إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم أيمانهم ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الكَافِرُونَ﴾ بذهاب الدارين.
٢٨٥
سورة فصلت، الآيات: ١ - ١١
سُورَةُ فُصِلَت
سورة حم السجدة: مكّية، وهي أربع وخمسون آية،
وسبعمائة وست وتسعون كلمة، وثلاث آلاف وثلاثمائة وخمسون حرفاً
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرّحِيمِ
كِتَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ فُرَءَانًا عَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
◌َ ﴿٦َ تَزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَشِيرًا وَنَذِيرً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿﴿ وَقَالُواْ تُلُوبُّنَا فِّ أَكِنَّةٍ مِمَّا نَّدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيَّ عَاذَاِنَا
وَقُرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ جَجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّا عَمِلُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَىَّ أَنَمَا إِلَّهُكُمْ
إِلَهٌ وَبِدٌ فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ إِلَيْهِ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ
كَفِرُونَ ﴿٣٠) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَعْنُونٍ ﴿٨َ) ﴿ قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِاَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَّيْنِ وَّمْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًَّ ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزََّ
فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىَّ أَرْبِعَةِ أَيَّامٍ سَوَ لْسَِّنَ (٤) ثُمَّ أَسْتَوَىَّ إِلَى النَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنَا
طَوْعًاً أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ أَنْنَا طَبِعِينَ.
﴿حم * تَنزِيلٌ مِّن الرَّحمُنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَت﴾ بينت ﴿ آيَاتُهُ قُرآناً عَرَبِيًّا لِّقَوم
يَعلَمُونَ﴾ ولو كان غير عربي لما علموه.
وفي نصب القرآن وجوه:
أحدها: إنّه شغل الفعل علامات حتّى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب القرآن وقوع البيان
عليه .
الثاني: على المدح.
والثالث: على إعادة الفعل، أي فصَّلنا قرآناً .
والرابع: على إضمار فعل، أي ذكرنا قرآناً .
والخامس: على الحال.
والسادس: على القطع.
٢٨٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ نعتان للقرآن ﴿فَأَعرَضَ أَكْثَرَهُمُ فَهُم لاَ يَسمَعُونَ﴾ أي لا يسمعونه ولا
يصغون إليه ﴿وَقَالُوا﴾ يعني مشركي مكّة ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة﴾ أغطية ﴿مِّمَّا تَدعُونَا إِلَيْهِ﴾ فلا نفقه
ما يقول، قال مجاهد: كالجعبة للنبل ﴿ وَفِي آذَانِنَا وَقَرٌ﴾ فلا نسمع ما يقول، وإنّما قالوا ذلك
ليؤَيّسئوه من قبولهم لدينه وهو على التمثيل. ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾ خلاف في الدين،
فجعل خلافهم ذلك ساتراً وحاجزاً لا يجتمعون ولا يوافقون من أجله ولا يرى بعضهم بعضاً. ﴿
فَاعمَل﴾ بما يقتضيه دينك. ﴿إِنََّا عَامِلُونَ﴾ بما يقتضيه ديننا. قال مقاتل: فأعبد أنت إلهِك، وإنّا
عابدون آلهتنا .
﴿ قُلِ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُم يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال الحسن: عَلَمَهُ الله
التواضع ﴿فَاستَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ وجهوا وجوهكم إليه بالطاعة والإخلاص ﴿ وَاستَغْفِرُوهُ﴾ من ذنوبكم
الّتي سلفت. ﴿وَوَيلٌ لِّلْمُشرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال ابن عباس: لا يشهدون لا إله إِلاَّ
الله وهي زكاة الأنفس، وقال الحسن وقتادة: لا يقرّون بالزكاة ولا يؤمنون بها، ولا يرون إيتاءها
واجباً، وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة.
وكان يقال: الزّكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل
الردة بعد النبي ◌َّر، قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزّكاة فوالله لا تغصب أموالنا.
وقال أبو بكر (رُّه)): والله لا أفرق بين شيء جمع الله تعالى بينه والله لو منعوني عقالاً
ممّا فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه .
١
وقال مجاهد والربيع: يعني لا يزكّون أعمالهم، وقال الفراء: هو أنّ قريشاً كانت تطعم
الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمّد نَّهِ. ﴿وَهُم بِالآخِرَةِ هُم كَافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجرٌ غَيرُ مَمِنُون﴾ قال ابن عباس: غير مقطوع. مقاتل: غير منقوص،
ومنه المنون لأنّه ينقص منه الإنسان أي قوته. مجاهد: غير محسوب، وقيل: غير ممنون به. قال
السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر
كأصح ما كانوا يعلمون فيه(١).
﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي يَومَينٍ﴾ الأحد والأثنين. ﴿ وَتَجعَلُونَ لَهُ
أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي في الأرض بما خلق فيها
من المنافع، قال السدي: أنبت شجرها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال الحسن والسدي: يعني أرزاق
أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقال مجاهد وقتادة: وخلق فيها بحارها، وأنهارها، وأشجارها،
ودوابها في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، روى ابن نجيح عن مجاهد، قال: هو المطر.
(١) فتح القدير: ٤ / ٥٠٦.
٢٨٧
سورة فصلت، الآيات: ١٢ - ٢٠
قال عكرمة والضحاك: يعنيوقدر في كل بلدة منها، ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش
بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، فالسابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر
واليمانية من اليمن، وهي رواية حصين، عن مجاهد.
وروى حيان، عن الكلبي، قال: الخبز لأهل قِطر، والتمر لأهل قِطر، والذرة لأهل قِطر،
والسمك لأهل قِطر، وكذلك أخواتها .
﴿فِي أَربَعَةِ أَيَّامٍ﴾ يعني إنّ هذا مع الأول أربعة أيّام، كما يقول: تزوجت أمس امرأة
واليوم اثنتين وأحدهما الّتي تزوجتها أمس، ويقال: أتيت واسط في خمسة والبصرة في عشرةٍ،
فالخمسة من جملة العشرة. فرد الله سبحانه الآخر على الأوّل، وأجمله في الذكر.
{ سَوَاءً﴾ رفعه أبو جعفر على الإبتداء، أي هي سواءٌ، وخفضه الحسن ويعقوب على نعت
قوله: في أربعة أيّام، ونصبه الباقون على المصدر، أي استوت إستواءً، وقيل: على الحال
والقطع، ومعنى الآية: سواءً. ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عن ذلك، قال قتادة والسدي: من سأله عنه، فهكذا
الأمر، وقيل: للسائلين الله حوائجهم.
قال إبن زيد: قدر ذلك على قدر مسائلهم، لأنّه لا يكون من مسائلهم شيء إلاّ قد علمه
قبل أن يكون.
قال أهل المعاني: معناه سواءً للسائلين وغير السائلين، يعني إنّه بيّن أمر خلق الأرض وما
فيها لمن سأل ومن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لم يسأل.
﴿ ثُمَّ استَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي عمد إلى خلق السماء وقصد، تسويتها، والإستواء من صفة
الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله سبحانه وتعالى: ثمّ استوى إلى السّماء. ﴿وَهِيَ
دُخَانٌ﴾ بخار الماء. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرضِ ائِتيًا طوعاً أَو كَرهاً﴾ أي جيئا بما خلقت فيكما من
المنافع، وإخرجاها، وإظهراها بمصالح خلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسّموات:
إطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شقي أنهارك واخرجي ثمارك.
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِمِينَ﴾ ولم يقل طائعتين، لأنّه ذهب به إلى السّماوات والأرض ومن فيهنّ،
مجازه: أَتينا بمن فينا طائعين، فلمّا وصفهما بالقول أخرجهما في الجمع مجرى ما يعقل، وبلغنا
أنّ بعض الأنبياء، قال: ياربّ لو إنّ السّماوات والأرض حين قلت لهما ائتيا طوعاً أو كرهاً
عصيناك، ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت أأمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: وأين تلك
الدابة؟. قال: في مرج من مروجي. قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علمي.
وقرأ ابن عباس: أئتيا وآتينا بالمد، أي اعطينا الطاعة من أنفسكما. قالتا: أعطينا .
فَقَضَبُهُنَّ سَبْعَ سَعَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنٍ وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَاٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَنِحَ وَحِفْظَأَ ذَلِكَ
٢٨٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٣َ فَإِنْ أَغْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُكُمْ صَعِفَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (٣) إِذْ جَآءَنَّهُمْ إِذْ مِنْ
بَيِّنِّ أَبْدِيهِمْ وَمِنْ حَفِهِمْ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ اللَّهُ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَيْنَا لَأَنْزَلَ مَلَكَهُ فَإِنَّا بِمَا أُرْ سِلَتُم بِهِ. كَبِرُونَ
﴿ فَمَّا عَادٌ فَأْسَكْبَرُواْ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوَّلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ اُلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَّ
أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِفَايَتِنَا يَمْحَدُونَ (١٥) فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبْحَا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَّهُمْ عَذَابَ
١) وَمَّا نَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأُسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى
اَلْرِيِ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّاً وَلَعَذَابُ اْأَخِرَةِ أَخْرِىَّ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ (اللَّهـ
عَلَى الْخُدَى فَأَخَذَّنَّهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٣) وَنَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
حُقَّ إِذَا حَتَّ جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَصَرُهُمْ
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَ النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ
وَعُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبِعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَومَينٍ﴾ أي أتمهنَّ وفرغ من خلقهنّ ﴿وَأَوحَى فِي كُلّ سَمَاء
أَمرَهَا﴾ قال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وخلق في كلّ سماء خلقها
من الملائكة والخلق الّذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يُعلم، وقيل: معناه وأوحى إلى
أهل كلّ سماء من الأمر والنهي ما أراد.
﴿ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ كواكب. ﴿وَحِفظاً﴾ لها من الشياطين الّذين يسترقون
السمع، ونصب حفظها على المعنى، كأنّه قال: جعلها زينة وحفظاً، وقيل: معناه وحفظاً زيّنّاها
- على توهم سقوط الواو - أي وزّيّنا السّماء الدّنيا بمصابيح حفظاً لها، وقيل: معناه وحفظها
حفظاً .
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ فَإِن أَعرَضُوا﴾ يعني هؤلاء المشركين، ﴿ فَقُل أَنذرتُكُمْ﴾
خَوفتكم. ﴿صَاعِقَةٌ﴾ وقيعة وعقوبة ﴿مِّثلَ صَاعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتُهُم﴾ يعني عاداً وثموداً ﴿
الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم﴾ يعني قبلهم وبعدهم.
وأراد بقوله: ﴿من بين أيديهم﴾ الرّسل الّذين أرسلوا إلى آباءهم من قبلهم ومن خلفهم،
يعني من بعد الرّسل الّذين أرسلوا إلى آباءهم، وهو الرسول الّذي أرسل إليهم، هود
وصالح (عليهما السلام)، والكناية في قوله: ﴿ من بين أيديهم﴾ راجعة إلى عاد وثمود، وفي قوله
تعالى: ﴿ومن خلفهم﴾، راجعة إلى الرسل.
﴿أَلَّ تَعْبُدُوا إِلَّ اللهَ قَالُوا لَو شَاءَ رَبُّنَا لِأَنزَلَ مَلاَئِكَةٌ﴾ بدل هؤلاء الرّسل ملائكة. ﴿فَإِنَّا
بِمَا أُرسِلتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد الأصبهاني، قرأه عليه في شوال سنة ثمان.
وثمانين وثلاثمائة، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، حدثنا أحمد بن نجدة بن العُزْيان،
حدثنا الجماني حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح من الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله،
٢٨٩
سورة فصلت، الآيات: ١٢ - ٢٠
قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس علينا أمر محمّد، فلو إلتمستم رجلاً عالماً
بالشعر والكهانة والسحر، فأتاه فكلمه ثمّ أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيع: والله لقد
سمعت بالشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علماً، وما يخفى عليَّ إن كان ذلك. فأتاه،
فلما خرج إليه، قال: يامحمّد، أنت خير أم هاشم؟، أنت خير أم عبد المطلب؟، أنت خير أم
عبد الله؟، فبم تشتم آلهتنا، ونضلك إيانا، فإن تتمنى الرئاسة عقدنا لك ألويتنا، فكنت رئيسنا ما
بقيت، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش، وإن كان بك المال
جمعنا لك ما تستغني أنت وعقبك من بعدك، ورسول الله ﴿ ساكت لا يتكلم، فلما فرغ، قرأ
رسول الله (عليه السلام): ﴿بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم. تنزيل من الرّحمن الرّحيم. كتاب
فصّلت آياته قرآناً عربيًّا﴾ ... إلى قوله: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عاد
وثمود﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فاحتبس
عنهم عتبة، فقال أبو جهل: يامعشر قريش، والله ما نرى عتبة إلاّ قد [صَبَأ] إلى محمّد وأعجبه
طعامه، وما ذاك إلاّ من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلَقوا إليه.
فأتاه أبو جهل فقال: والله ياعتبة، ما حبسك عنّا إلاّ إنّك صبوت إلى محمّد، وأعجبك
طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمّد. فغضب عتبة
وأقسم ألاّ يكلم محمّداً أبداً، وقال: والله لقد علمتم إنّي مّن أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته
وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر. ﴿بسم الله
الرّحمن الرّحيم. حم. تنزيلٌ من الرّحمن الرّحيم. كتاب فصّلت آياته قرآناً عربياً﴾ ... إلى قوله:
﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن
يكف وقد علمتم إنّ محمّداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ يعني قوم هود. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ﴾
وذلك إنّهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. ﴿أَوَ لَّم يَروا أَنَّ اللهَ الّذي خَلَقَهُم هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُم قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يجحَدُونَ فَأَرسَلنَا عَلَيهِم رِيحاً صَرصَراً﴾ أي باردة شديدة الصوت والهبوب
وأصله من الصرير، فضوعف كما يقال: نهنهت وكفكفت، وقد قيل: إنّ النهر الّذي يسمّى
صرصراً إنّما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه.
﴿فِي أَيَّامِ نَّحِسَات﴾ متتابعات شديدات نكدات مشؤومات عليهم ليس فيها من الخير
شيء، وقرأ أبو جعفر وإبن عامر وأهل الكوفة ﴿نحسات﴾ بكسر الحاء، غيرهم بجزمه.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا
إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، حدثنا مقاتل عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا
عليهم ريحاً صرصراً﴾، قال: أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من
٢٩٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
غير مطر، وبه عن مقاتل، عن إبراهيم التيمي وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: إذا
أراد الله بقوم خيراً، أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرّاً حبس
عنهم المطر وأرسل عليهم كثرة الرياح.
﴿لَّنُذِيقَهُم عَذَابَ الخِزىِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيًا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخزَى﴾ لهم وأَشد إذلالاً
وإهانه. ﴿وَهُم لا يُنصَرُون وَأَمَّا ثُمُودُ﴾ قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب، ﴿ثمود﴾ بالرفع والتنوين،
وكانا يجران ثموداً في القرآن كله إلّ قوله: ﴿وآتينا ثمود الناقة﴾(١)، فإنّهما كانا لا يجرانه هاهنا
من أجل إنّه مكتوب في المصحف هاهنا بغير ألف، وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿وأمّا ثمود﴾ منصوباً
غير منون، وقرأ الباقون مرفوعاً غير منون.
﴿فَهَدَيْنَاهُم﴾ دعوناهم وبيّنا لهم. ﴿فَاستَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى﴾ فاختاروا الكفر على
الإيمان. ﴿فَأَخَذَتْهُم صَاعِقَةُ﴾ مهلكة. ﴿العَذَابِ الهُونِ﴾ أي الهوان، ومجازه: ذي هون. ﴿بِمَا
كَانُوا يَكسِبُونَ وَنَجُّينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون * وَيَومَ يُحِشَرُ﴾ يبعث ويجمع، وقرأ نافع ويعقوب
﴿نحشر﴾ بنون مفتوحة وضم الشين. ﴿أَعدَاءُ اللهِ﴾ نصباً. ﴿إِلى النَّارِ فَهُم يُوزَعُونَ﴾ يساقون
ويدفعون إلى النّار، وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم. ﴿حَتّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ
عَلَيهِم سَمِعُهُم وَأَبِصَارُهُم وَجُلُودُهُم﴾ أي بشراتهم. ﴿بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ وقال السدي وعبيد الله
إبن أبي جعفر: أراد بالجلود الفروج.
وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جوين:
المرء يسعى للسلامة والسلامة حسبه
أوسالم من قد تثنى جلده وأبيض رأسه(٢)
وقال: جلده كناية عن فرجه.
وَقَالُواْ لِجُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَّنَا اللَّهُ الَّذِىَ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَفَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ
وَإِلَّهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا حُلُودُكُمْ وَلَكِنْ طَنْتُمْ أَنَّ
اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَفْعَلُونَ (٢٦) وَذَلِكُمْ طَتَّكُمُ الَّذِى ظَنْتُم بَِيَّكُمْ أَزْدَنَكُمْ فَصْبَحْتُمْ مِنَّ الْخَدِينَ
فَإِنِ يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم ◌ِنَ الْمُعْنَبِينَ (٣٤) ﴾ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرِيَةَ فَزَيَّنُوا
لَهُم مَّا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَجَنَّ عَلَيْهِمُ أَلْقَوَّلُ فِىَّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
خَسِرِينَ (١٤) وَقَالَ خَسِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِذَّا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَعْلِبُونَ (٣) فَلَتُذِيقَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَاَ الّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارٌّ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلَّ
(١) سورة الإسراء: ٥٩.
(٢) تفسير القرطبي: ١٥ / ٣٥٠.
٢٩١
سورة فصلت، الآيات: ٢١ - ٣٢
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أُرِنَا الَّذَّيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ أَلِنَّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلَّهُ مَا تَحْتَ
جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بَِّنَا يَحْمَدُونَ لَّ
إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقْدِمُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ
أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
) نَحْنُ أَوْلِيَاَّكُمْ فِى الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَفِى
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَبُواْ وَأَبْشِرُواْ بِلْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ
الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىَّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَعُونَ (٣٦) ◌ُلًا مِنْ غَفُورٍ ذَّحِيم
٣٢
﴿وَقَالُوا﴾ يعني الكفّار الّذين يحشرون إلى النّار. ﴿لِجُلُودِهِم لِمَ شَهِدتُم عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا
اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ حدثنا عقيل بن محمّد: إنّ أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن
محمّد بن جرير، حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، أخبرنا علي بن قادم الفزاري، أخبرنا شريك،
عن عبيد المكيت، عن الشعبي، عن أنس، قال: ضحك رسول اللـه ◌َ﴾ ذات يوم حتّى بدت
نواجذه، ثمّ قال: ((ألاّ تسألوني مِمَّ ضحكت)).
قالوا : مم ضحكت يارسول الله؟
قال: ((عجبت من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، قال: يقول يا ربّ أليس وعدتني أن لا
تظلمني؟ قال: فإنّ لك ذاك. قال: فإنّي لا أقبل عليّ شاهداً، إلاّ من نفسي. قال: أوَ ليس كفى
بيّ شهيداً، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل)).
قال: ((فيقول لهنّ بُعداً لَكُنّ وسحقاً عنكنّ كنت أجادل)) [١٦١](١).
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَستَتِرُونَ﴾ أي تستخفون في
قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: تتقون. قتادة: تظنون. ﴿أَن يَشْهَدَ عَلَيكُم سَمعُكُم وَلاَ
أَبْصَارُكُم وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعلَمْ كَثِيراً مِّمَّا تَعمَلُونَ﴾ أخبرنا الحسين بن محمّد
ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون وعبد الله بن عبد الرّحمن الوراق، قالا : حدثنا
محمد بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن كثير وأبو حذيفة، قالا: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن
عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: إنّ لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء
ثلاثة نفر، ثقفي وختناه قريشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فحدّثوا الحديث بينهم، فقال
أحدهم: أترى يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا يسمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال
الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا فإنّه يسمع إذا خفضنا. فأتيت النبيّ وََّ، فذكرت له ذلك، فأنزل
الله تعالى ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ... إلى قوله:
فأصبحتم من الخاسرين﴾ والثقفي عبد ياليل وختناه القريشيان ربيعة وصفوان بن أمية. ﴿وَذَلِكُم
ظَنُّكُم الَّذِي ظَنَهُم بِرَبِّكُمْ أَرَدَاكُمْ﴾ أهلككم. ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ﴾ قال قتادة: الظنّ هاهنا
بمعنى العلم، وقال النبي ◌َّ: ((لا يموتنّ أحدكم، إلاّ وهو يحسن الظنّ بالله، وإنّ قوماً أساءوا
(١) مسند أبي يعلى: ٧ / ٥٥.
.
٢٩٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
الظنّ بربّهم فأهلكهم)) [١٦٢](١) فذلك قوله: ﴿وذلك ظنكم الّذي ظننتم﴾(٢) ... الآية.
أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الدينوري، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم
النهاوندي، حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، حدثنا أحمد بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا
إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزياد عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَّلقول: يقول الله تعالى: ((أنا عند ظنّ عبدي بيّ، وأنا معه حين يذكرني)) [١٦٣](٣).
وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظنّ بربّه فليفعل، فإنّ الظنّ إثنان:
ظنّ ينجي، وظنّ يردي، وقال محمّد بن حازم الباهلي:
يهتم من ظنّه قبيح
الحسن الظنّ مستريح
هبّت من كلّ وجه ريح
من روح الله عـ
سخاء وإنّما يهلك الشحيح
لم يخب المرء عن منح
﴿فَإِن يَصِرُوا فَالنَّارُ مَثوىٍ لَّهُم وَإِن يَستَعتِبُوا﴾ يسترضوا ويطلبوا العتبى. ﴿فَمَا هُم مِّنَ
المُعتَبِينَ﴾ المرضيين، والمعتّب الّذي قَبل عتابة وأجيب إلى ما يسأل، وقرأ عبيد بن عمير ﴿وإن
تُستعتبوا﴾ على لفظ المجهول ﴿فما هم من المعتبين﴾ بكسر التاء، يعني إن سألوا أن يعملوا ما
يرضون به ربّهم ﴿فما هم من المعتبين﴾ أي ما هم بقادرين على إرضاء ربّهم لأنهم فارقوا دار
العمل .
﴿وَقَيَّضِنَا﴾ سلّطنا وبعثنا ووكلنا. ﴿لَهُم قُرَنَاءَ﴾ نظراء من الشياطين. ﴿فَزَيِّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ
أَيدِيهِم﴾ من أمر الدّنيا حتّى آثروه على الآخرة. ﴿وَمَا خَلفَهُم﴾ من أمر الآخرة، فدعوهم إلى
التكذيب به وإنکار البعث.
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَولُ فِي أُمَم﴾ مع أمم. ﴿قَد خَلَت مِن قَبِلِهِم مِن الجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُم كَانُوا
خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مشركي قريش. ﴿لاَ تَسمَعُوا لِهَذا القُرآنَ وَالغَوا فِيهِ﴾ قال ابن
عباس: يعني والغطوا فيه، كان بعضهم يوصي إلى بعض، إذا رأيتم محمداً يقرأ، فعارضوه
بالزجر والإبتعاد.
مجاهد ﴿والغوا فيه﴾ بالمكاء والصفير وتخليط في المنطق على رسول الله ولايقول إذا قرأ.
قال الضحاك: إكثروا الكلام فيختلط عليه القول.
السدي: صيحوا في وجهه .
(١) تفسير القرطبي: ١٥ / ٣٥٣.
(٢) السنن الكبرى: ٤ / ٤١٢.
٢٩٣
سورة فصلت، الآيات: ٢١ - ٣٢
مقاتل: إرفعوا أصواتكم بالأشعار والكلام في وجوههم حتّى تلبسوا عليهم قولهم،
فیسکتوا .
أبو العالية: قعوا فيه وعيبوه.
وقرأ عيسى بن عمرو ﴿الغُوا فيه﴾ بضم الغين. قال الأخفش: فتح الغين، كان من لغا يلغا
مثل طغا يطغا، ومن ضم الغين كان من لغا يلغوا مثل دعا يدعوا .
﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ محمداً على قراءته .
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجِزِيَنَّهُمْ أَسوَأَ﴾ أقبح. ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١) في
الدّنيا. ﴿ذَلِكَ﴾ الّذي ذكرت. ﴿جَزَاءُ أَعدَاءِ اللهِ﴾ ثمّ بيّن ذلك الجزاء ما هو، فقال: ﴿النَّارُ﴾
أي هو النّار. ﴿لَهُم فِيهَا دَارُ الخُلدِ جَزَاءً بما كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجِحَدُونَ﴾ فقد ذكر إنّها في قراءة ابن
عباس ذلك جزاء أعداء الله النّار دار الخلد، ترجم بالدار عن النّارِ، وهو مجاز الآية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذِينَ أَضَلَّنَا مِنَ الجِنِّ﴾ وهو إبليس الأبالسة. ﴿وَالإِنسِ﴾
وهو ابن آدم الّذي قتل أخاه. ﴿نَجْعَلَهُمَا تَحتَ أَقدَامِنَا﴾ في النّار. ﴿لِيَكُونَا مِنَ الأَسفَلِينَ﴾ في
الدرك الأسفل لأنهما سنا المعصية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا﴾ أخبرنا الحسين بن محمد الثقفي بقراءتي عليه،
حدثنا الفضل الكندي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الزيدي العسكري، حدثنا عمرو بن علي،
حدثنا أبو قتيبة سلمة بن قتيبة، حدثنا سهل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس عن النبي ◌ُّر في قوله
تعالى: ﴿إنّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا﴾ قال: من مات عليها، فهو ممّن استقام(٢).
أخبرنا الحسين بن محمد الثقفي بقراءتي عليه، حدثنا عبيد بن محمد بن شنبه، حدثنا جعفر
ابن الفربابي، حدثنا محمد بن الحسن البلخي، أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا سفيان، عن
أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن عمران، عن أبي بكر الصديق تظلُه، ﴿ثمّ
استقاموا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئاً. أخبرنا ابن فنجويه الثقفي، حدثنا أبو بكر بن مالك
القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس،
عن الزهري إنّ عمر بن الخطاب وظُبه، قال وهو يخطب النّاس على المنبر: ﴿الّذين قالوا ربّنا
الله ثمّ استقاموا﴾ فقال: استقاموا على طريقة الله بطاعته، ثمّ لم يروغوا روّغان الثعالب، وقال
عثمان بن عفان رظُه: يعني أخلصوا العمل لله، وقال علي بن أبي طالب رَظُه: أدُّوا الفرائض.
ابن عباس استقاموا على أداء فرائضه.
أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا
(١) سنن الترمذي: ٥ /٥٤.
٢٩٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
محمد بن موسى الحلواني، حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا مسكين أبو فاطمة عن
شهر بن حوشب، قال: قال الحسن: وتلا هذه الآية ﴿إنّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا﴾
فقال: استقاموا على أمر الله تعالى، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته. مجاهد وعكرمة:
استقاموا على شهادة أن لا إله إلاّ الله، حتّى لحقوا به. قتادة وابن زيد: استقاموا على عبادة الله
وطاعته، ابن سيرين: لم يعوجّوا، سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. مقاتل بن حيان:
استقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. مقاتل بن سليمان: استقاموا على إنّ الله ربّهم. ربيع:
أعرضوا عما سوى الله تعالى. فضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. بعضهم:
استقاموا إسراراً كما استقاموا إقرار، وقيل: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً. روى ثابت عن
أنس إنّ النبي ◌َّهِ، قال لما نزلت هذه الآية: ((أمتي وربّ الكعبة)) [١٦٤](١).
أخبرنا الحسن بن محمد الثقفي، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي وأحمد بن محمد بن
إسحاق بن إبراهيم السني، قالا: حدثنا أبو خليفة الفضل بن حيان الجمحي، حدثنا أبو الوليد
الطيالسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، عن
سفيان بن عبد الله الثقفي. قال: قلت: يارسول الله أخبرني بأمر أعتصم به، فقال: ((قل ربّ اللّه
ثمّ استقم)) قال: قلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟
فأخذ رسول اللـه ◌َ﴿ بلسان نفسه، وقال: ((هذا)) [١٦٥](٢).
وروي إنّ وفداً أقدموا على النبي ◌ََّ، فقرأ عليهم القرآن، ثمّ بكى، فقالوا: أمن خوف
الّذي بعثك تبكي؟ قال: ((نعم، إنّي قد بعثت على طريق مثل حد السيف، إن استقمت نجوت،
وإن زغت عنه هلكت)) [١٦٦](٣).
وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية، قال: اللَّهم أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة.
﴿تَتَنَزَّلْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ عند الموت ﴿أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ قال قتادة: إذا قاموا من
قبورهم. قال وكيع بن الجراح البسري: تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وفي
البعث، ألاّ يخافوا ولا يحزنوا. قال أبو العالية: لا تخافوا على صنيعكم ولا تحزنوا على
مخلفكم. مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم في
دنيّاكم من أهل وولد ونشيء، فإنّا نخلفكم في ذلك كله. السدي: لا تخافوا ما أمامكم، ولا
تحزنوا على ما بعدكم. عطاء بن رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم، فإنّي أغفرها لكم.
وقال أهل اللسان في هذه الآية: ﴿إنّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا﴾ بالوفاء على ترك
(١) تفسير القرطبي: ١٥ / ٣٥٨.
(٢) مسند أحمد: ٣ / ٤١٣.
(٣) الدر المنثور: ٤ / ٢٠١ بتفاوت.
1
٢٩٥
سورة فصلت، الآيات: ٢١ - ٣٢
الجفاء ﴿تتنزّل عليهم الملائكة﴾ بالرضا أن لا تخافوا من العناء ولا تحزنوا على الفناء، وأبشروا
بالبقاء مع الّذين كنتم توعدون من اللقاء، لا تخافوا فلا خوف على أهل الإستقامة، ولا تحزنوا
فإن لكم أنواع الكرامة، وابشروا بالجنّة الّتي هي دار السلامة. لا تخافوا فعلى دين الله
استقمتم، ولا تحزنوا فبحبل الله اعتصمتم، وأبشروا بالجنّة وإن ارتبتم وأُحزنتم، لا تحزنوا
فطالما رهبتم، ولا تحزنوا فقد نلتم ما طلبتم، وأبشروا بالجنّة الّتي فيها رغبتم، لا تخافوا فأنتم
أهل الإيمان، ولا تحزنوا فأنتم أهل الغفران، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار الرضوان، لا تخافوا
فأنتم أهل الشهادة، ولا تحزنوا فأنتم أهل السعادة، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار الزيادة، لا
تخافوا فأنتم أهل النوال، ولا تحزنوا فأنتم أهل الوصال، وأبشروا بالجنّة الّتي هي دار الجلال،
لا تخافوا فقد أمنتم الثبور ولا تحزنوا فقد آن لكم الحبور وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار السرور،
لا تخافوا فسعيكم مشكور ولا تحزنوا فذنبكم مغفور، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار النون، لا
تخافوا فطالما كنتم من الخائفين، ولا تحزنوا فقد كنتم من العارفين، وإبشروا بالجنّة الّتي عجز
عنها وصف الواصفين، لا تخافوا فلا خوف على أهل الإيمان، ولا تحزنوا فلستم من أهل
الحرمان، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار الإيمان، لا تخافوا فلستم من أهل الجحيم، ولا تحزنوا
فقد وصلتم إلى الربّ الرحيم، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار النعيم، لا تخافوا فقد زالت عنكم
المخافة، ولا تحزنوا فقد سلمتم من كلّ آفة، وإبشروا بالجنّة الّتي هي دار الضيافة، لا تحزنوا
العزل عن الولاية، ولا تحزنوا على ما قدمتم من الخيانة، وابشروا بالجنّة الّتي هي دار الهداية،
لا تخافوا حلول العذاب، ولا تحزنوا من هول الحساب وابشروا بالجنّة الّتي دار الثواب. لا
تخافوا فأنتم سالمون من العقاب، ولا تحزنوا فأنتم واصلون إلى الثواب، وابشروا بالجنّة فإنها
نعم المآب. لا تخافوا فأنتم أهل الوفاء ولا تحزنوا على ما كسبتم من الجفاء وإبشروا بالجنّة
فإنها دار الصفاء لا تخافوا فقد سلمتم من العطب، ولا تحزنوا فقد نجوتم من النصب، وإبشروا
بالجنّة فإنّها دار الطرب.
﴿نَحنُ أَوْلِيَاؤُكُم﴾ تقول لهم الملائكة الّذين تتنزل عليهم بالبشارة: نحن أولياؤكم
وأنصاركم وأحبّاءكم، ﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قال السدي: نحن أولياؤكم يعني نحن
الحفظة الّذين كنا معكم في الدّنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة.
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا ابن خالد، أخبرنا داود بن عمرو الضبّ أخبرنا إبراهيم
ابن الأشعث عن الفضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد ﴿نحن أولياؤكم﴾ في الحياة الدّنيا
وفي الآخرة. قال: قرناؤهم الّذين كانوا معهم في الدّنيا، فإذا كان يوم القيامة، قالوا: لن
نفارقكم حتّى ندخلكم الجنّة .
﴿وَلَكُم فِيهَا مَا تَشتَهِي أَنفُسُكُم وَلَكُم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ تريدون وتسألون وتتمنون، وأصل
الكلمة إنّ ما تدّعون إنّه لكم، فهو لكم بحكم ربّكم.
٢٩٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿نُزُلاً﴾ أي جعل ذلك رزقاً. ﴿مِّن غَفُور رَّحِيم).
وَلَا تَسْتَوِى
١٣٣
وَمِّنْ أَحْسَنُ فُوْلًا مِّمَّن دَعَاً مِّمَّن ◌َلَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
اْحَسَنَةُ وَلَا السَّيْتَهُ أَدَفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيرٌ (َ وَمَا
بِلَقَّنِهَا إِلَّ الَّذِينَ صَبِرُواْ وَمَا يُكَفَِّهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (٢٥) وَإِنَّا يَزَّغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (®َ وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّتْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُوا لِشَّمْسِ
وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِنَّهُ تَعْبُدُونَ ﴿ فَإِنِ أَسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ
رَيْكَ يُسَبِّعُونَ لَهُ بِلَبْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْعَمُونَ ﴾ ﴿٢٨) وَمِنْ مَئِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَرْنَا
عَلَّهَا الْمَآءَ أَهْتَرَّتْ وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىَّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ أَحْيَاهَا إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ
◌َِّنَا لَا يَحْفَوْنَ عَلَيْنَاُ أَنَ بِلْقَى فِى النَّارِ خَيْرُ أَمَ مَّن بَأْنِيَ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرُ ﴿﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَّمَّا جَاءَهُمَّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ (٤١) لَّ يَأْيِهِ الْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
مِنْ خَلْفِةٍ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مُغْفِرَةِ
وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٦) وَلَوَّ جَعَلْتَهُ فُرْءَنَا أَنْجِيًّا لَقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَنْتُهُ, وَأَعَمِىٌّ وَعَرَبِهُ قُلْ هُوَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَّ يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَذَانِهِمْ وَفْرٌ وَهُوَ وَفْرٌ عَمَّى أُوْلَكَ يَادَوْنَ مِنْ
مَّكَانٍ بَعِيدٍ (٤) وَلَقَدْ ءَانْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأُخْتُلِفَ فِيَهُ وَلَوَّلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ
وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسََّةَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ
﴿ إَِِّ يُرَدُّ عِلَمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن نَعَرَتٍ مِّنْ أَكْعَامِهَا وَمَا نَحْمِلُ مِنْ أَنَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ.
وَيَوْمَ يُنَاِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُوَاْ ءَذَتَكَ مَّ مِنَّا مِن شَهِيدٍ (19) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ
وَظَُّّوْ مَا لَهُمْ مِّنْ تَّحِصِ ﴿ لَّا يَنْثَمُ الْإِنسَنُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَُّ فَيُوسُ فَنُوطٌ (29) وَلَيْنْ
أَدَقْنَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ بَعْدٍ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَبِمَةً وَلَيْن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ
عِندَهُ لَلْحُسْنَّ فَتََّنَّ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَتْدِقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظِ (٢٥) وَإِذَا أَعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ
أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّّ فَذُوْ دُعَاءِ عَرِضٍ (٦٦) قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ
كَفَرَُّ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِ يشِفَاقٍ بَعِيدٍ ﴿٨ سَُِيهِمْ ءَيْنَا فِ اَلْأَفَانِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْخَقُ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَُّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ (٨٣) أَلَّ إِنَّهُمْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِغَاءِ
رَيِّهِمُ أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ (هَا
﴿وَمَن أَحسَنُ قَولاً مِّمَّن دَعَا إِلى اللهِ﴾ إلى طاعة الله. ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِن
المُسلِمِينَ﴾ قال ابن سيرين والسدي وابن زيد: هو رسول الله وَّطر، وقال مقاتل: هو جميع
الأئمّة والدعاة إلى الله تعالى، وقال عكرمة: هو المؤذن. قال أبو أمامة الباهلي: ﴿وَعَمِلَ
صَالِحاً﴾ يعني صلّى ركعتين بين الآذان والإقامة.
٢٩٧
سورة فصلت، الآيات: ٣٣ - ٥٤
أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا حاجب بن أحمد بن يرحم بن سفيان، حدثنا عبد الله بن
هاشم، حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصاني عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن
عائشة رضيها قالت: إنّي لأرى هذه الآية نزلت ﴿ومن أحسن قولاً مّمّن دعا إلى الله﴾ .. الآية في
المؤذنين .
وروى جرير بن عبد الحميد عن فضيل بن رفيدة، قال: كنت مؤذناً في زمن أصحاب عبد
الله، فقال ليّ عاصم بن هبيرة: إذا أذّنت وفرغت من آذانك، فقل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ
الله، وأنا من المسلمين، ثمّ أقرأ هذه الآية: ﴿وَلاَ تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ قال الفراء:
﴿ولا﴾ هاهنا صلة معناه ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، وأنشده:
والطيبان أبو بكر وعمر (١)
ما كان يرضى رسول الله فعلهما
أي أبو بكر وعمر څًا ۔۔
﴿ادفَعِ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قريبٌ صديق، قال
مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذياً لرسول الله ود ليل، فصار له وليًّا، بعد أن كان
عدواً. نظيره قوله تعالى: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الّذين عاديتم منهم مودة﴾(٢)، قال
ابن عباس: أمر الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند
الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنّه وليّ حميم.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني هذه الخصلة والفعلة. ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظ
عَظِيمٍ﴾ في الخير والثواب، وقيل: ذو حظ. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشَّيطَانِ نَزِعٌ فَاسْتَعِدْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ﴾ لإستعاذتك وأقوالك. ﴿العَلِيمُ﴾ بأفعالك وأحوالك.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَّرُ لاَ تَسجُدُوا لِلشَّمسِ وَلاَ لِلقَمَرِ وَاسجُدُوا لِلهِ الَّذِي
خَلَقَهُنَّ﴾ إنما قال خلقهنّ بالتأنيث لإّه أجرى على طريق جمع التكسير، ولم يجر على طريق
التغليب للمذكر على المؤنث؛ لأنّه فيما لا يعقل. ﴿إِن كُنتُم ◌ِنَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ استَكبَرُوا﴾ عن
السجود. ﴿قَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ يعني الملائكة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُم لاَ يَستَمُونَ﴾.
لقوله تعالى: ﴿لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه، وله يسجدون﴾(٣).
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرضَ خَاشِعةٌ﴾ يابسة دارسة لا نبات فيها. ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ
اهتَزَّتِ وَرَبَت إِنَّ الَّذِي أَحَاهَا لَمُحيِ المَوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ يُلحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾
أي يميلون عن الحقّ في أدلتنا.
(١) جامع البيان للطبري: ٢ / ٧١.
(٣) سورة الأعراف: ٢٠٦.
(٢) سورة الممتحنة: ٧.
٢٩٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه، وقال مجاهد: ﴿يلحدون في
آياتنا﴾ بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قتادة: يعني يكذبون في آياتنا. السدي: يعاندون
ويشاققون. ابن زيد: يشركون ويكذبون. قال مقاتل: نزلت في أبي جهل لعنه الله.
﴿لَا يَخْفَونَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلقَى فِي النَّارِ﴾ أبو جهل. ﴿خَيرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَومَ القِيَامِةِ﴾
عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر ﴿اعمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ أمر وعيد وتهديد ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ عالم فیجاز بکم به.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكرِ﴾ بالقرآن. ﴿لَمَّا جَاءَهُم﴾ حين جاءهم. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾
كريم على الله عن ابن عباس، وقال مقاتل: منيع من الشّيطان والباطل. السدي: غير مخلوق.
﴿لَّ يَأْتِيهِ البَاطِلُ﴾ قال قتادة والسدي: يعني الشيطان. ﴿مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلِفِهِ﴾. فلا
يستطيع أن يُغيّر أو يُزيد أو يُنقص، وقال سعيد بن جبير: يعني لا يأتيه النكير من بين يديه ولا من
خلفه، وقيل: لا يأتيه ما يبطله أو يكذّبه من الكتب المتقدّمة، بل هو موافق لها مصدّق ولا يجي
بعده كتاب يبطله وينسخه، بل هو موافق لها مصدق. عن الكلبي. ﴿تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيد مَّا
يُقَالُ لَكَ﴾ من الأذى. ﴿إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبِكَ﴾ يعزّي نبيهَّله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة﴾
لمن تاب. ﴿وَذُو عِقَابِ أَلِيم﴾ لمن أصر.
﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرآناً أَعَجَمِيًّا﴾ بغير لغة العرب. ﴿لَّقَالُوا لَولاَ فُصِّلَتْ﴾ بَيّنت. ﴿آَيَاتُهُ﴾ بلغتنا
حتّى نفقهها، فإِنّا قومٌ عربٌ، ما لنا وللأعجمية. ﴿أَأعجَمِيٍّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني أكتاب أعجميّ ونبي
عربي. قال مقاتل: وذلك إنّ رسول الله وَ ◌ّل، كان يدخل على يسار غلام ابن الحضرمي وكان
يهودياً أعجميّاً ويكنى (أبا فكيهة)، فقال المشركون: إنّما يعلّمه يسار، فأخذه سيده عامر بن
الحضرمي، وضربه، وقال: إنّك تعلم محمداً. فقال يسار: هو يعلمني. فأنزل الله تعالى هذه
الآية.
وقرأ الحسن: أعجمي بهمزة واحدة على الخبر، وكذلك رواه هشام عن أهل الشام.
ووجهه ما روى جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا
القرآن أعجميًّا وعربيًّا حتّى تكون بعض آياته أعجميًّا وبعضها عربيًّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
وأنزل في القرآن بكلّ لسان، فمنه السجيل، وهي فارسية عربت سنك وكل، والقراءة الصحيحة
قراءة العامة بالإستفهام على التأويل الأول.
﴿قُل هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىٍّ وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِم وَقَرٌ وَهُوَ عَلَيْهِم عَمىٍّ﴾
أخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا
القاسم بن سلام، حدثنا حجاج بن أيوب، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سلمان بن
قتيبة، عن ابن عباس ومعاوية وعمرو ابن العاص، إنّهم كانوا يقرأون هذه الحروف بكسر الميم
٢٩٩
سورة فصلت، الآيات: ٣٣ - ٥٤
﴿وهو عليهم عِمىٍ﴾، وقرأه الباقين بفتح الميم على المصدر، وإختاره أبو عبيد، قال: لقوله:
﴿هدىَّ وشفاءٌ﴾ فكذلك ﴿عمىٍّ﴾ مصدر مثلها، ولو إنّها هاد وشاف لكان الكسر في عمىّ أجود
ليكون نعتاً مثلهما .
﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَونَ مِن مَّكَان بَعِيد﴾ قال بعض أهل المعاني: قوله: ﴿أولئك ينادون من مّكان
بعيد﴾ خبر لقوله: ﴿إنَّ الَّذين كفروا بالذّكر لما جاءهم﴾، وحديث عن محمد بن جرير، قال:
حدثني شيخ من أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد ﴿إنّ الّذين كفروا
بالذّكر لما جاءهم﴾، أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير ﴿إنّ الّذين كفروا بالذّكر لما
جاءهم كفروا به وإنّه لكتاب عزيز﴾ فقال عيسى بن عمر: أجدت يا أبا عثمان.
وقوله تعالى: ﴿ينادون من مكان بعيد﴾ مثل لقلت إستماعهم وإنتفاعهم بما یوعظون به،
كأنهم ينادون إلى الإيمان وبالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمؤمن به وكافر، ومصدّق ومكذّب. كما أختلف
قومك في كتابك. ﴿وَلَولاَ كَلِمَةٌ سَبَقَت مِن رَّبِّكَ﴾ في تأخير العذاب. ﴿لَقُضِيَ بَينَهُم﴾ من
عذابهم وعجل إهلاكهم.
﴿وَإِنَّهُم لَفِي شَكّ مِّنهُ مُريب مَّن عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَم
لٌّلَعَبِيدِ إِلَيهِ يُرَدُّ عِلمُ السَّاعَةِ﴾ فإنّه لا يعلمه غيره، وذلك إنّ المشركين، قالوا للنبي وَّ: لئن كنت
نبياً، فأخبرنا عن الساعة متى قيامها؟، ولئن كنت لا تعلم ذلك فإنّك لست بنبيّ. فانزل الله
تعالى هذه الآية.
﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَات﴾ من صلة ثمرات، بالجمع أهل المدينة والشام، غيرهم ثمرة على
واحدة. ﴿مِن أَكَمَافِهَا﴾ أوعيتها، واحدتها كمة، وهي كلّ ظرف لمال أو وغيره، وكذلك سمّي
قشرة الكفري، أي الذي ينشق عن الثمرة كمه. قال ابن عباس: يعني الكفري قبل أن ينشق، فإذا
أنشقت فليست بأكمام. ﴿وَمَا تَحمِلُ مِن أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلمِهِ﴾ يقول إليه يردّ علم السّاعة كما
يردّ إليه علم الثمار والنتاج.
﴿وَيَومَ يُنَادِيهِم﴾ يعني ينادي الله تعالى المشركين. ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِي﴾ الّذين تزعمون في
الدّنيا إنّها آلهة. ﴿قالوا﴾ يعني المشركين، وقيل: الأصنام، يحتمل أن يكون القول راجعاً إلى
العابدين وإلى المعبودين أيضاً ﴿آذَنَّكَ﴾ أعلمناك وقيل: أسمعناك. ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيد﴾ شاهد إنّ
لك شريك لما عاينوا القيامة تبرؤا من الأصنام، وتبرأ الأصنام منهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا
يَدْعُونَ مِن قَبلُ﴾ في الدنيا .
١
﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿مَا لَهُم مِّن مَّحِيص﴾ مهرب، و ﴿مَا﴾ هاهنا حرف وليس باسم،
فلذلك لم يعمل فيه الظنّ، وجعل الفعل ملقى.
٣٠٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿لاَ يَسأَمُ﴾ يمل. ﴿الإنسَانُ﴾ يعني الكافر. ﴿مِن دُعَاءِ الخَيرِ﴾ أي من دعائه بالخير
ومسألته ربّه، ودليل هذا التأويل، قراءة عبد الله ﴿لا يسأم الإنسان﴾ من دعائه بالخير، أي
بالصحّة والمال. ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ﴾ من روح الله. ﴿قَنُوٌ﴾ من رحمته. ﴿وَلَئِن أَذَقِنَاهُ
رَحَمَةٌ﴾ عافية ونعمة. ﴿مِنَّا مِن بَعدٍ ضَرَّاء مَسَّتَهُ﴾ شدة وبلاء أصابته. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي
بعملي، وأنا محقوق بهذا .
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ وَلَئِن رُّجِعتُ إِلَى رَبِيّ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلحُسنَى﴾ أخبرنا الحسين بن
محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا عبد الله بن ثابت، حدثنا أبو سعيد
الكندي، حدثنا أحمد بن بشر، عن أبي شرمة، عن الحسن بن محمد بن علي أبي طالب، قال:
الكافر في أمنيتين، أما في الدّنيا، فيقول: لئن رجعت إلى ربّي إنّ لي عنده للحسنى، وأما في
الآخرة، فيقول ياليتني كنت تراباً .
﴿فَلََّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّن عَذَابِ غَلِيظ﴾ شديد.
﴿وَإِذَا أَنْعَمَنا عَلَى الإِنسَانِ أَعرَضَ وَنَنَا بِجَانِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض﴾ كثير،
والعرب تستعمل الطول والعرض كلاهما في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام والدعاء، وأعرض
إذا أكثر.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ﴾ القرآن. ﴿مِن عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَن أَضَلُّ مِمّن هُوَ فِي شِقَاقِ بَعِيد
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الآفَاقِ﴾ قال ابن عباس: يعني منازل الأمم الخالية. ﴿وَفِي أَنفُسِهِم﴾ بالبلاء
والأمراض، وقال المنهال والسدي: في الآفاق يعني ما يفتح لمحمد وَ ﴾ من الآفاق، وفي
أنفسهم: مكّة، وقال قتادة: في الآفاق يعني وقائع الله تعالى في الأمم، وفي أنفسهم، يوم بدر.
عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار الأرض والسّماء من الشمس والقمر والنجوم والنبات
والأشجار والأنهار والبحار والأمطار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وسبيل
الغائط والبول، حتّى إنّ الرجل ليأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج ما يأكل ويشرب من
مکانین .
﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم الحَقُّ﴾ يعني إنّ ما نريهم ونفعل من ذلك هو الحقّ، وقيل: إنّه يعني
الإسلام، وقيل: محمد وَّه، وقيل: القرآن ﴿أَوَ لَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُم
فِي مِريّة مّن لِقَاءِ رَبِّهِم أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُّحِيطٌ﴾.
٠