النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
سورة الروم، الآيات: ٢٨ - ٣٥
من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث أهون عليه عندكم من الإنشاء. وقال قوم: وهو أهون عليه،
أي على الخلق، يُصاح بهم صيحة فيقومون، ويقال لهم: كونوا فيكونون أهون عليهم من أن
يكونوا نطفاً ثمّ علقاً ثمّ مضغاً إلى أن يصيروا رجالاً ونساء. وهذا معنى رواية حسان، عن
الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عبّاس واختيار قطرب.
﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ أي الصفة العليا ﴿فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ قال ابن عبّاس: ليس
كمثله شيء. وقال قتادة: مثله أنّه لا إله إلاّ هو ولا ربّ غيره. ﴿وهو العزيزُ الحَكِيم﴾.
سَرْيَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَشْكُمْ مَلِ لَكُمْ مِنْ ذَا مَلَّكَتْ أَيْكُمْ فِ شُرَّكََّ فىِ مَا رَّنَفْلَكُمْ مَنَّمْ فِيهِ
مَوَهُ أَقَائِرَهُمْ كَمِفَيْتُ الْمُسَكَّمْ سِكَذَيْنُ نُفَصِلُ الأَبْنِ إِقَوْمِ بَعْقِلُونَ (١) ◌َلِ أَنَّبَعَ الَّذَِ طَلَمَوَ
أَفْوَهُ بِعَّ عَاءٍ فَتَ بَّهْدِى مَنْ أَثَلَ اللَّهُ وَمَا هُم مِنْ نُّصِرِينَ (َ وَلَمْ رَجْهَكَ إِذِ حَيِنَا
يَظَرَّكَ أَقَّهِ أَّى فَطَرَ النَّسَ عَلَهًا لَا تَدِيلَ لِعَلْنِ أَلَّهِ وَإِنَ أَلْتُ أَلْنَّهُ وَلَكِرَ أَشُعْرَ أَلْنَاصِ
لَا يَعْلَمُونَ (١٥) ﴿ مِفَ إِلَّهِ وَنَعُوهُ وَأَنِبُوا الصَّلْرَأَ وَ تَكْوُاْ مِنَّ الْمُشْرِكِينَ فَ) مِنَّ أَّْتَ
فَّقُواْ بِنَّهُمْ وَمَكَانُواْ بِسَبَعَاً كُلُّ جِرْبٍ بِمَّا قَدْ فَرِعُونَ فَ وَإِذَا مَسَّ أَنَّاسَ شُرِّ دَعَوْ رَهُمْ مُنِهِىَ إِلَيْهِ
أَمَلَمُونَ () أَمْ أُوْنَا عَلَيْهِمْ شُلْطًَ فَهُوْ مَتَخَلَمُ بِمَا كَمْأَ يِ. مُتَرَكُونَ (٠٥
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَا مَلَكَتْ أَيْمنُكُم﴾ مِنْ عبيدكم
وإمائكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المال ﴿فَأَنْتُم﴾ وهم ﴿فيهِ﴾ شرع ﴿سَواء تخافُونَهُمُ
كَخيفَتِكُم أَنْفُسَكُم﴾ قال ابن عبّاس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً، وقيل:
تخافون هؤلاء الشركاء أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضاً، وهذا معنى قول أبي
محلز، فإذ لم تخافوا هذا من مماليككم ولم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون
آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء؟ وأنتم وهم عبيدي وأنا مالككم جميعاً، فكما لا يجوز استواء
المملوك مع سيّده فكذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه.
ثمّ قال: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيتِ لِقَومِ يَعْقِلُونَ* بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْواءُهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ
يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ* فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً نِظْرَةَ اللهِ﴾.
دين الله وهو نصب على المصدر أي فطر فطرة. ومعنى الآية: إنّ الدّين الحنيفية، فطرة
الله ﴿الَّتِي فَظَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وقيل: نصب على الإغراء. ﴿لاَ تَبدِيلَ لِخَلقِ الله﴾ لدين الله، أي
لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء والمفسِّرين.
وقال عكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله من البهائم بالخصاء ونحوه.
أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن
٣٠٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله وَلقى: ((كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة
بهيمة هل تحسون(١) فيها من جدعاء؟)) [١٧٤](٢) قال: ثمّ يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم
﴿فِظْرَةِ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية.
وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر محمد بن جعفر المطيري، عن أحمد بن
عبدالله بن يزيد المؤدّب عن عبد الرزاق، وأخبرنا أبو سعيد التاجر قال: أخبرني أبو حامد
الشرقي، وحدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر والسلمي، قالوا: قال عبد الرزّاق عن
معمر عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه قال: ((ما من مولود إلّ يولد على
هذه(٣) الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه كما تنتجون البهيمة فهل تجدون فيها من جدعاء حتّى
تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما
كانوا عاملين)) [١٧٥](٤).
وقال الأسود بن سريع: غزوت مع رسول الله وَ لو أربع غزوات وأنّ قوماً تناولوا الذرّية
بالقتل، فقال رسول الله ويثير: ((ما بال أقوام قتلوا المقاتلة ثمّ تناولوا الذرّية؟))، فقال رجل: يا
رسول الله إنّما هم أولاد المشركين، فقال (عليه السلام): ((إنّ خياركم أولاد المشركين، والذي
نفسي بيده ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة فما يزال عليها حتّى يبيّن عنه لسانه فأبواه يهوّدانه
وينصّرانه)) [١٧٦](٥).
وروى قتادة عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال
رسول الله صلّى الله عليه: ((إنّ الله (٦) أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا وأنّه
قال: إن (٧) كلّ مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء فأتتهم الشياطين
فاحتالتهم عن دينهم وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأَمَرتُهُم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزّلْ به سلطاناً))
[١٧٧](٨). وذكر الحديث.
(١) في المصدر: ترى.
صحيح البخاري: ٢/ ١٠٤.
(٢)
(٣) غير موجودة في المصدر.
(٤) صحيح البخاري: ٧/ ٢١١.
(٥) مسند أحمد: ٢٤/٤ - والمقطع الآخر من الحديث موجود في مستدرك الحاكم: ١٢٣/٢ وكذلك في السنن
الکبری: ١٣٠/٩، بتفاوت یسیر.
في المصدر: «ربي)).
(٦)
(٧) ((وأنّه قال: إن)) غير موجودة في المصدر.
(٨) مسند أحمد: ١٦٢/٤.
:
٣٠٣
سورة الروم، الآيات: ٣٦ - ٥٣
قال أبو بكر الورّاق: فطرة الله التي فطر النّاس عليها هي الفقر والفاقة. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمِ﴾ المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ(١) وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً﴾ فرقاً كاليهود والنصارى.
أخبرني(٢) الحسين بن محمد بن عبدالله الدينوري، عن محمد بن عمر بن إسحاق بن
حبيش الكلواذي، عن عبدالله بن سليمان بن الأشعث، عن محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد
عن شعبة أو غيره، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول
الله ◌َ﴾ لعائشة: (يا عائشة إنّ الّذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أهل البدع والضلالة من هذه.
الأمّة، يا عائشة إنَّ لكلّ صاحب ذنب توبة إلّ صاحب البدع والأهواء ليست لهم توبة، أنا منهم
بريء وهم منّي براء)) [١٧٨] (٣).
﴿كُلُّ حِزِبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرِّ دَعَوا رَبَّهُم مُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً ... ﴾ خصباً ونعمة ﴿إذا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُوا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وفي مصحف عبدالله وليتمتّعوا ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانَاً﴾. قال ابن عبّاس
والضحّاك: حجّةً وعذراً. قتادة والربيع: كتاباً .
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ينطق ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ يعذرهم على شركهم ويأمرهم به.
وَإِذَا أَهَا أَلْتَسِّ رَبَهُ وَمُواْ بِهَا وَإِ ثُبِْهُمْ سِكَةٌ بِمَا قَدْتُ لِّمْ إِلَ هُمْ لَمَطُونَ فَ أَوَلَمْ
رَوَا أَنَّ أَنَّهُ عَنْدَ أَزَنَ فِنَ بَقَهُ وَقْبِرْ إِنَّ إِ ذَ لَمَنِ أَوْمِ لُوِسُونَ {فَدَّ مَقْنِ وَ الْقَرْلَ حَقَمُ
وَالْبِسْكِينَ وَهَ اَلْسِلُ ذَيْنَ ◌ٌَّ لَِِّ بُرِيدُونَ وَبَمْهَ أَنْهِ وَأُوْلَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (َ) وَمَّا أَنْتُمِ مِينَ
زَيَا أَيْ فَ أَقْوَلِ أَلنَّاسِ ذَلََّّ بِرَبُواْ عِنْدَ أَوْهِ وَمَآ ◌َتْمِ مِنْ زَكَوزِ أُرِيدُوتَ وَجْهَ لُلَه ◌َوْلََّكَ هُمْ الْمُضَِّفُونَ
بِيَ اللهُ الْرِى عَلَقَكُ تَرَّ رَزَّنْكُمْ تُمْ يُسِلُكُمْ لُمْ تُمْبِيَهُمْ هَلْ مِنْ شُرَكِكُم مَّى يَتْعَلُ سِ ذَلِكُم مِّنَ
ـتَهْمُ سُبْحَتَهُ وَبَعَلَ عَمَّا يُشْرَؤُنَ (٣) ظَهَرَ أَلْنَاهُ فىِ أَّ وَلَحْرِ بِمَا كَسَمَتْ أَدِى أَنَّاسِ بِّهِفَهُـ
نَشَ الَّذِى ◌َأُوَ لَمَنَّهُمْ يَحِمُونَ (*) فَلْ مِرُوا فى الأَرْضِ القُدُوا كَيْفَ كَنَّ مَنِسَهُ الَِّنَّ مِن ◌َّلَّ كَ
أَكُمْ مُشْرِكِينَ هَا وَرْ يَتْهُك ◌ِبْنِ الْقَيْرِ مِنْ قَلِ أَ بَأْنىَ بَعْ لاَ مَرَهُ أَمْ مِنْ اللَّهِ يَوْمِيذٍ بَشَذَقُونَ
◌َا مَنْ كَرَ فَعَبَّهُ كَفَرُ وَمِنْ عَمِنَ صَلِكَا ◌َلْأَنفُسِيْ يَعْهَدُونَ (١٤) لِحَرِىِّ أَِّنَ مَعُوا وَعَبِلُواْ أَلَِّحَتِ
(١) في نسخة أصفهان زيادة: راجعين إليه بالتوبة، مقبلين إليه بالطاعة وهو نصب على الحال والقطع أي فأقم
وجهك أنت وآمتك منیبین إليه.
(٢) في نسخة أصفهان: أخبرني ابن فنجويه.
(٣) الدر المنثور: ٦٣/٣ مورد الآية، وكتاب السنة لأبي عاصم: ٨ ح٤.
٣٠٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
مِنْ فَضْاْ إِثْ لَأَ بُتُّ الْخَبِىِّ ◌َ وَمِنْ ءَيَّيْهِ أَنْ زِلُ أَرْيَمْ مَتْرَتٍ وَيُِّفُرُ مِنْ زَجْهِ، وَجْرِىَّ الْقُلْتُ
يأَمْرِهِ، وَلِتَعُواْ مِنْ نَسْلِ. وَلَّكُمْ تَشْكَرُونَ (١٦) وَلَقَدْ أَزْمَنْنَا مِنْ قَبْيَكُ رُسُلَا إِلَّ قْمِنْ هَدُومِ اَلَّمْتَبِّ
بِأَسْتَمَا مِنْ أَبِنَ أَخْرَمُواْ وَتَ بًَّ عَيْنَا نَصْرُ الْتُؤْمِينَ (َّذَ لَنَّهُ أَذِى يَرْمِلُّ أَلْهُمْ عَنْهُ سََ ◌َبَشْظَمُ
فى أَنْتَمَاءَ كَتْفَ بَشَاءُ وَنَجْعَلَمْ كِتَغَا فَفَ أَلْوَدْنَّ ◌َهْرُجُ مِنْ ◌َِِّ. فَإِذَا أَصَّلَبٌَّ بِهِ.ْ مََّ بَّكُ مِنْ صَارِهِ وَ هُمُ
بَيْرُونَ () وَإِن كُوْاً مِنَ فْلِ أَنْ يُعَلَ عَهِم مِ مَاِ لَسَلِفَ (١) وَنظُرْ إلَ هَثَرِ رَحْمَتِ أَنَّو
سَكَّفَ بِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْنَهَا إِنَّ ذَيْنَا لَمُشِْ أَلْمَوْنِىّ وَهُوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَا وَلَبْ أَلْنَاً ◌ِيماً
فَرَأَهُ مُصْفََّا أَظَلُّواْ مِنْ بَعْدِ يَكْفُرُونَ فَ وَنَّكَ لَا تُنِْعُ الْمَوْنَّ وَلَاَ نْبِعُ اللّههُ الذُّعَ إِذَا وَوََّ مُذِقَ.
فَ رَمَا لَكَّ بِهَدِ الْمَّيِ عَنْ سَّخَلَيْهِمَّ إِن نُّسْمَعُ إِلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِنَتَ مَهُمْ تُِْمُونَ فَيَّ
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ*
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لِأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَاءَ ءَاتَيْتُمْ مِن رِّباً﴾. قرأ ابن كثير (ءَاتَيْتُم) مقصور غير ممدود ﴿لِيَرْبُوا فِي
أَمْوالِ النَّاسِ﴾. قرأ الحسن وعكرمة وأهل المدينة ﴿لِتَرْبُوَا﴾ بضمّ التاء وجزم الواو وعلى
الخطاب أي لتربوا أنتم، وهي قراءة ابن عبّاس واختيار يعقوب وأيّوب وأبي حاتم.
وقرأ الآخرون (لِّيَرْبُوًا) بياء مفتوحة ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا. واختاره أبو عبيد
لقوله: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِنْدَ اللهِ﴾ ولم يقل فلا يربى. واختلف المفسِّرون في معنى الآية. فقال سعيد
ابن جبير ومجاهد وطاووس وقتاده والضحاك: هو الرجل يعطي الرجل العطية ويهدي الهدية
ليئاب أكثر منها، فهذا رباً حلال ليس فيه أجر ولا وزر، وهذا للناس عامّة، فأمّا النبيّ وَّل
خاصّة فكان هذا عليه حراماً لقوله عزّ وجلّ ﴿وَلاَ تَمنن تَستَكثر﴾(١). وقال الشعبي: هو الرجل
يلزق بالرجل فيحف له ويخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله ليجزيه وإنّما أعطاه التماس عونه
ولم يرد به وجه الله. وقال النخعي: هذا في الرجل يقول للرجل: لأمولّك فيعطيه مراعاةً، وكان
الرجل في الجاهلية يعطي ذا القرابة له المال ليكثر ماله، وهي رواية أبي حسين(٢) عن ابن
عبّاس. وقال السدي: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا .
﴿فَلاَ يَرْبُوا﴾ يزكو ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لأنّه لم يرد به وجه الله. ﴿وما ءَاتَيْتُم مِنْ زَكُواة تُرِيدُونَ
وَجهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضعِفُونَ﴾ قال قتادة: هذا الذي يقبله الله ويضاعفه له عشر أمثالها وأكثر
من ذلك. ومعنى قوله: (المضعفون). أهل التضعيف. كقول العرب: أصبحتم مسمنين، إذا
(١) سورة المدثر: ٦.
(٢) في نسخة أصفهان: أبي حصن.
٣٠٥
سورة الروم، الآيات: ٣٦ - ٥٣
سمنت إبلهم، ومعطشين إذا عطشت. ورجل مقو إذا كانت إبله قويّة، ومضعف إذا كانت
ضعيفة، ومنه الخبيث المخبِّث أي أصحابه خبّئاً .
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ
مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ أي قحط المطر ونقص الغلّت وذهاب البركة ﴿في البَرِّ
وَالْبَحْرِ﴾ تقول: أجدبت البرّ وانقطعت مادّة البحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيدي النّاسِ﴾ بشؤم ذنوبهم.
قال قتادة: هذا قبل أَنْ يبعث الله نبيّه (عليه السلام) امتلأت الأرض ظلماً وضلالة، فلمّا
بعث الله عزّ وجلّ محمّداً (3َ﴿) رجع راجعون من الناس. فالبرّ أهل العمود والمفاوز والبراري،
والبحر أهل الرّيف والقرى. قال مجاهد: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كلّ قرية على ماء
جار فهو بحر. وقال عكرمة: العرب تسمّي الأمصار بحراً. وقال عطية وغيره: البرّ ظهر
الأرض، الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف. وقال عطية: إذا قلّ المطر قلّ الغوص.
وقال ابن عبّاس: إذا مطرت السماء تفتح الأصداف فمها في البحر فما وقع فيها من ماء السماء
فهو لؤلؤ. وقال الحسن: البحر القرى على شاطئ البحر. قال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد:
﴿ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ﴾ بقتل ابن آدم أخاه ﴿والبَحرِ﴾ بالمِلك الجائر الذي كان يأخذ كلّ سفينة
غصباً واسمه الجلندا، رجل من الأزد.
﴿لِيُذِيقَهُم﴾ قرأ السلمي بالنون وهو اختيار أبي حاتم. الباقون بالياء ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾
ي عقوبة بعض الذي عملوا من ذنوبهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرجِعُونَ﴾ عن كفرهم وأعمالهم الخبيثة. ﴿قُلْ
يِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ* فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ بَأْتِىَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرّقون، فريق في الجنّة
وفريق في السعير ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ ضلِحاً فَلْأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ يفرشون ويسوّون
المضاجع في القبور. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصلحت مِنْ فَضْلِهِ﴾ ثوابه ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ
لْكَافِينَ﴾.
قوله: ﴿وَمِن ءَايْتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِقَكُم مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ نعمته المطر. ﴿وَلِتَجْرِيَ
أَقُلْكَ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ رزقه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ
جَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أشركوا ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في
لعاقبة، فكذلك نحن ناصروك ومظفروك على مَن عاداك وناواك. قال الحسن: يعني أنجاهم مع
الرسل من عذاب الأمم.
أخبرني أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عبدالله الدينوري، قال أبو العباس أحمد بن
ـحمد بن يوسف الصرصري، عن الحسين بن محمد المطبقي، عن الربيع بن سليمان، عن علي
٣٠٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
ابن معبد عن موسى بن أعين، عن بشير بن أبي سليمان، عن عمرو بن مرّة عن شهر بن حوشب
[عن أُمّ الدرداء] عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((ما مِن امرئ يردُّ عن عرضِ
أخيه إلاّ كان حقّاً على الله سبحانه أنْ يردَّ عنهُ نار جهنّم يوم القيامة)) [١٧٩](١)، ثمّ تلا هذه
الآية: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿اللّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيحِ فَتُثِيرُ سَحَابَاً﴾ أخبرني ابن فنجويه عن مخلد الباقر حي، عن
الحسن بن علوية، عن إسماعيل بن عيسى، عن إسحاق بن بشر، أخبرنا إدريس أبو الياس، عن
وهب بن منبه: أنّ الأرض شكت إلى الله عزّ وجلّ أيّام الطوفان لأنّ الله عزّ وجلّ أرسل الماء
بغير وزن ولا كيل فخرج الماء غضباً لله عزّ وجلّ فخدش الأرض وخدّدها فقالت: ياربّ إنّ
الماء خدّدني وخدشني، فقال الله عزّ وجلّ فيما بلغني - والله أعلم - إنّي سأجعل للماء غربالاً لا
يخدّدك ولا يخدشكِ، فجعل السّحاب غربال المطر. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ﴾ ردّ الكناية
إلى لفظ السحاب لذلك ذكرها. والسحاب جمع كما يُقال: هذا تمر جيّد ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ قطعاً
متفرّقة. ﴿فَتَرَى الْوَدَقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وسطه. وقرأ ابن عبّاس مِن خِلَلِهِ. ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾
أي بالودق ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا﴾ وقد كانوا ﴿مِن قَبَلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِـ
مِن قَبلِهِ لَمُبِلِسِينَ﴾ وقيل: وما كانوا إلّ. قال قطرب والفائدة في تكرار قبل هاهنا أنّ الأُولى
للأنزال والثّانية للمطر، وقيل على التأكيد، كقول الله عزّ وجلّ: ﴿لاَ تَحِسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمـ
آتُوا ويُحِبُونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلوا فَلا تَحسَبَنَّهُمْ﴾(٢) كرّر تَحسَبنَّ للتأكيد. وقال الشاعر:
لقاؤك إلّ من وراء وراء(٣
إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن
وفي حرف ابن مسعود ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَـ
يَفْعَلُوا بِمَفَازَة مِنْ الْعَذَابِ﴾ غير مكرّر، وفي حرفه أيضاً: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِـ
لَمُبلِسِينَ﴾ غير مكرّر.
قوله عزّ وجلّ: ﴿فَانظُر إِلَى ءَثْر﴾ بالألف على الجمع - أهل الشام والكوفة. واختلف فيـ
عن أصم، غيرهم: أثر على الواحد ﴿رَحْمَتِ اللهِ﴾ يعني المطر ﴿كَيْفَ يُحْي الأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَـ
إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِيْ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث وغيره.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحَاً﴾ باردةً مضرّةً فأفسدت ما أنبتَ الغيثِ ﴿فَرَأَوْهُ﴾ يعني الزرع والنبات
كناية عن غير مذكور ﴿مُصْفَرّاً﴾ يابساً بعد خضرته ونضرته ﴿لَّظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وقد رأو
هذه الآيات الواضحات، ثمّ ضرب لهم مثلاً فقال: ﴿فإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّـ
(١) كنز العمال: ٤١٨/٣ - بتفاوت يسير.
(٢) آل عمران: ١٨٨.
(٣) الصحاح: ٢٥٢٣/٦.
٣٠٧
سورة الروم، الآيات: ٥٤ - ٦٠
الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُذْبِرِينَ* وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْىِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ
مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿ لَهُ الَّذِى شَفَكُمْ فِي ضَعْفِ لُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ صَعْفِ قُوَ ثُمَّ ◌َجَعَلَ مِنْ تَعْدِ قُرْزِ ضَعْفًا
وَشَّةُ بِعَلَّهُ مَّا بَنَهُ وَهَوَ الْعَلِدُ الْمَدِيرُ ( ◌َ﴾ وَيَوْمْ أَقُومُ أَشَاءَهُ بَغْنِمُ الْمُجْرِبُونَ مَا لِتْوَا غَرَ تَامَةٌ
كَيْفَ كَاوَاً يُؤْفَكُونَ ﴿َْ) وَلَ أَِّنَ أُوتُواْ أَمِلُمْ وَالإِسَنَّ لَقَدٌّ ◌َبَقْتُمْ فِي كِتَِ لَّهِ إِلَهِ يَوْمِ الَّعْنِ فَهَذَا
◌َمُ أَبَعْدِ وَكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَُّونَ (َ) فَوْمَهِدٍ لَّا يُعَمْ الَّذِيَّ ◌َلَمْ مَعْدِرَتُهُمْ وَلَّ هُمْ يُسْتَعْتَمُونَ
﴿﴿ وَقَدْ ◌َكَ لِنََّبِيِ قَ هَذَا أَلْقُرْوَانِ مِنْ أَ مَثَلَّ وَلَيْنَ شْتَهُم بِتَابَّةٍ لُقُوقَىِّ أَلَيْنَّ مَكَذَرُواْ إِنْ أَنَّهُ
إِلَا مِنْدَأُونَ (٥٠) كَذَلِلَكَ تَقْبَعُ للَّهُ عَ لَلَِّبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُوتَ (٢٦) فَشْرْ إِنَّ وَقَدَ أَلْهِ حَلٌَّ وَلَا
سجله البن لا أُقوت شيـ
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن ضَعْف﴾ نطفة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْف قُوَّةٌ﴾ شباباً
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعدَ قُوّة ضُعْفَاً﴾ هرماً ﴿وَشَيبَةٍ﴾. قرأ يحيى وعاصم والأعمش وحمزة [بفتح](١)
الضاد من الضعف، غيرهم بالضمّ فيها كلّها، واختارها أبو عبيد لأنّها لغة النبي وَل.
أخبرنا عبدالله بن حامد الوزان، عن حامد بن محمد، عن علي بن عبد العزيز قال أبو
نعيم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفَاً﴾ يعني بالضم، ثمّ قال: إنّي
قرأتها على رسول الله ﴿ فأخذها عليَّ كما أخذتها عليك، وكان عاصم الحجدري يقرأ ﴿اللهُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْف - بالضم - قُوّةً ثُمَّ مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفَاً - بالفتح ﴾
أراد أن يجمع بين اللغتين. قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش والنصب لغة تميم ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ
الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ .
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُوُمُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يحلف المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في الدنيا
﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾(٢) استقلَّ القوم أجل الدنيا لمّا عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: يعني ما لبثوا
في قبورهم غير ساعة، استقلّوا ذلك لما استقبلوا من هول يوم القيامة، نظيرها قوله عزّ وجلّ:
﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبِثُوا إلاّ ساعَةٌ﴾ من النهار ومن نهار ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ يكذّبون في الدُّنيا.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُتُواْ العِلْمَ والأيَمْنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ أي فيما كتب الله لكم في سابق
علمه. وقيل: في حكم الله، كقول الشاعر:
(١) في نسخة أصفهان: بضم.
(٢) سورة يونس: ٤٥.
۔
٣٠٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
ومال الولاء بالبلاء فملتمُ وما ذاكَ قال الله إذ هو يكتبُ(١)
أي يحكم. وقال قتادة ومقاتل: هذا من مقاديم الكلام تأويلها: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
في كتاب اللهِ والإيمانَ لقد لبثتُم ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في
الدنيا أنّه يكون وأنّكم مبعوثون ومجزیّون فكنتم به تكذِّبون.
﴿فَيَوْمَئِذْ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوْا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يسترجعون.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
أَنْتُمْ إِلَّ مُبْطِلُونَ﴾ ما أنتم إلاّ على باطل ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ* فَاصْبِرْ
إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ في نصرك وتمكينك ﴿حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّك﴾ يستزلنّك ويستخفنَّ رأيك عن حكمك
﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْقِنُونَ﴾.
(١) غريب الحديث: ٧٠/١ - تفسير القرطبي: ١٤٣/٢٠.
٣٠٩
سورة لقمان، الآيات: ١ - ١١
سورة لقمان
مكيّة، وهي ألفان ومائة وعشرة أحرف، وخمسمائة
وثمان وأربعون كلمة، وأربع وثلاثون آية
أخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قال: أخبرني أبو عبدالله محمد بن
يزيد المعدل قال: أخبرني أبو يحيى البزار، عن محمد بن منصور، عن محمد بن عمران بن عبد
الرحمن بن أبي ليلى، حدّثني أبي، عن مخالد بن عبدالواحد، عن الحجّاج بن عبدالله، عن أبي
الخليل، عن علي بن زيد وعطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أَبيّ بن كعب قال: قال
رسول الله وَلجي: ((من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً في يوم القيامة وأعطي من الحسنات
عشراً بقَدَر من عمل المعروف، وعمل بالمنكر))(١).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
د (١) يَلْكَ ذَلَى الْكِتَب الذكر (١) مُتَى وَرَجَةً إِسْخِينَ (٣) أَّذِينَ مُقْبِشُونَ الشَلَوة
وَثُونَ أَزَكِنَ وَهُمْ بِالْأَجْرَةِ هُمْ يُرِقَوْنُ ﴿أَ) أُوْنَ كُنَّ مُتَفٍ فِ زَيْهِ وَأُوْنَكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (١٠) وَمِنَ
أَنَّاسِ مَّنْ يَشْغَى لَهُوَ أَلْحَدِيثِ يُبْلَّ عَنْ سَبِيلٍ لُلَّهِ بِمَعِ عِلْمِ وَتَّخِذَهَا هُرًُّا أَوْتَتَ هَنْ عَذَاتُ لُهِينٌ
أَلْذِنَّ مَهُوَ وَجَمِلُواْ الصَِّحَنِ ذَرْ جَنَّهُ أَلَّهِ {وَ خَذِنَّ ◌َ وَقَدْ أَشَِّ حَذَا وَهُوَ الْوَّرُّ المَكِيمُ
(٣) عَلَقَّ الْتَوَّبُ بَِّ عَدِ زَوْنَاً وَأَنفى فى الأرضِ رَؤْمِيَ أَ نَّمِيدُ بَكُمْ وَمَتْ فَ مِنْ ثَّلْ دَلاَتَزْ وَأَرَفَا
مِنَّ الشَّعَلِ مََّ فَأَبْنَ فِيهَا مِنْ مَكَِّلُ رَفْعَ كَرِيمٍ (٢) هَذَا سَلَقُّ أَوْ تَأْرُوفِ مَاذَاً حَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِيَّ
﴿الم ◌ِتِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمٌ هُدىٍّ وَرَحْمَةٌ﴾ قرأ العامة بالنصب على الحال والقطع،
وقرأ حمزة (ورحمةٌ) بالرفع على الابتداء ﴿لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُّونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ
بِالأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدىٍّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
(١) تفسير نور الثقلين: ١٩٣/٤ ح٢، وتفسير مجمع البيان: ٧٤/٨.
٣١٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بر
قصي، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدِّث بها قريشاً ويقولـ
لهم: إنَّ محمّداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أُحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبا،
الأعاجم والأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، وقال مجاهد: يعني شرا
[القيان] والمغنّين، ووجه الكلام على هذا التأويل يشتري ذات أو ذا لَهْو الْحَدِيثِ.
أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى سنة ثلاث وثمانين، حدّثني
جدّي محمد بن إسحاق بن خزيمة]عن علي بن خزيمة] عن علي بن حجرة، عن مُستمغل بر
ملجان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيدالله بن زجر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عر
أبي أمامة قال: قال رسول الله وَلجه: ((لا يحلّ تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام، وفي
مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ...
[١٨٠](١) إلى آخر الآية.
وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلّ بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكبـ
والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتّى يكون هو الذي يسكت. وقالـ
آخرون: معناه يستبدل ويختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن وقال: سبيل الله
القرآن.
وقال أبو الصهباء البكري: سألت ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي
لا إله إلّ هو يردّدها ثلاث مرّات، ومثله روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. ابن جريج: هـ
الطبل. عبيد عن الضحّاك: هو الشرك. جويبر عنه: الغناء، وقال: الغناء مفسدة للمال، مسخط
للربّ مفسدة للقلب. وقال ثوير بن أبي فاخته عن أبيه عن ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في رجل
اشترى جارية تغنّيه ليلاً ونهاراً. وكلّ ما كان من الحديث مُلهياً عن سبيل الله إلى ما نهى عنه فهو
لهو ومنه الغناء وغيره. وقال قتادة: هو كلّ لهو ولعب. قال عطاء: هو الترّهات والبسابس
وقال مكحول: مَنْ اشترى جارية ضرّابة ليمسكها لغناها وضَرْبِها مقيماً عليه حتى يموت لم أُصل
عليه، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ... إلى آخر الآية.
وروى علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامه قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ الله تعالى
بعثني رحمةً وهدى للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوتار والصّلب وأمر الجاهلية.
وحلفَ ربّ بعزّته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر متعمّداً (٢) إلاّ سقيته من الصديد مثلهـ
(١) سنن الترمذي: ٣٧٥/٢ بتفاوت، والسنن الكبرى: ١٤/٦، وكنز العمال: ٣٩/٤.
(٢) غير موجودة في المصدر.
٣١١
سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ٢١
يوم القيامة مغفوراً له أو معذّباً، ولا يسقيها صبيّاً صغيراً ضعيفاً مسلماً إلاّ سقيته مثلها من
الصديد(١) يوم القيامة مغفوراً له أو معذّباً، ولا يتركها من مخافتي إلاّ سقيته من حياض القدس
يوم القيامة. لا يحلّ بيعهن ولا شرائهن ولا تعليمهن ولا التجارة بهن وثمنهنّ حرام)) [١٨١] (٢).
يعني الضوارب. وروى حمّاد عن إبراهيم قال: الغناء ينبت النفاق في القلب. وكان أصحابنا
يأخذون بأفواه السكك يحرقُون الدفوف.
أخبرنا عبدالله بن حامد، عن ابن شاذان، عن جيغويه، عن صالح بن محمد، عن إبراهيم
ابن محمد، عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أنَّ الله عزّ وجلّ يقول يوم القيامة: أين الذين
كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللّهو ومزامير الشيطان؟ أدخلوهم رياض المسك، ثمّ يقول
للملائكة: أسمعوا عبادي حمدي وثنائي وتمجيدي وأخبروهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون .
قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَخِذَهَا هُزُواً﴾ قرأ الأعمش وحمزة والكسائي
وخلف ويعقوب ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بنصب الذال عطفاً على قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ وهو اختيار أبي عبيد قال:
لقربه من المنصوب، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله: ﴿يَشْتَري﴾ .
﴿أُوَلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُنْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَّهِ
وَقْرَاً فَبَشِّرْهُ﴾ إخبرهُ ﴿بِعَذَابِ أَلِيمَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ *
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * خَلَقَ السَّمْوَاتِ بِغَيْرٍ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي
الأرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج
كَرِيم﴾ أي نوعاً حسناً ﴿هذا﴾ الذي ذكرت ممّا يعاينون ﴿خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ
دُونِهِ﴾ من آلهتكم التي تعبدونها ﴿بَلِ الظُّلِمُونَ فِي ضَلَل مُِّين﴾ .
وقَدْ مَجَ فَقَ الْمَكَمَةَ لَى الشَكَرُّ ◌َ وَمَن يَتَسْكُرْ وَنَّمَا تَشَكْرٌ لَفْسِهُ وَمِنِ كَفَرِّ وَنَّ الَّهُ عَبِىّ
ـحَمِيدٌ يَ رَا هَذ قان لأنه وهو صائم بين لا تك الذات الإله للز مجاناً
وَوَضَيْنَا الإِسْنَّ بَوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أَنَّهُ وَهْتَّاً عَنَ وَهِي وَمِصَلْمُ فِى غَامَّةٍ أَنْ أَشْكُرُ إِ، وَلَيْكُ إِلَىَّ الَصِيرُ
(١) وَ حَّهَذَالَهُ عَلَى أَنَّ قُشْرِهُ بِ مَا فَُّّ لَكَ يِ عِلَمْ فَلَ تْبِعْهُمَا رَسَلِمْهُمَّا وَ أَنْيَا مَعْرُوفَا وَأَنَّعْ
شِيلَ مَنْ أَبَ إِلَّ كُمَّ إِنَّ مَرْجِقَهُمْ فَأَبَّنَّكُمْ بِمَا كَلُهُمْ تَعْمَلُونَ ﴿﴿ مَبْقَ إِذَا إِنَ لَهُ بِثْقَالَ خَّرْ
مِنْ حَرَوْلٍ فَتَكُنِ هِ سَخْرُوَ أَوْ ◌ِ أَلْتَمُوَِّ أَوْ في الأَرْضِ بَأْتِ مَا لَقَهُ إِنَّ اللَّهُ لَطِفُ خَيْرٌ ﴿لَ يَبَِّّ
ولا
(١) في المصدر: هكذا ((من الصديد مثلها)).
(٢) مسند أحمد: ٢٦٨/٥.
٣١٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
◌ُّرْ عَّهُ إِلَّلِى وَلَّ تَغْفِى فِ الأَصِ مَاً إِنَّ اللهَ لَا تُحِبُّ كُلُّ عَالِ مَطُورِ () وَقِيد ومنيك
وَالَتْ مِنْ صَرْيَهُ إِى أَبَكَرَ الْأَمْوَن أَصَوْا لَكَير ( أر زدنا شهر لكُ مَا فِى أَنتَشَوَتِ وَمَا
◌ِ الْأَرْضِ وَأَسْمَعَ مَنْكَّهُ بِعَمَمُ طَِّرَةً وَبَكِنَّهُ وَمِنْ أُنَاسِ مَنْ بَعْدِلُّ فَ أَلَّهِ بِغَيْرِ عَِِّ وَلَ هُنَّهَ وَلَ كِتَبِ
مبهر (٣٥) وإذا قيل ثم أنبطوا من أرض الله هلوا بل بشع ما وعدنا عيم مكانةً أوقو سكان الوطن
ـتَعْرفُمْ إِنْ عَذَابِ أَمِير (10)
قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمنَ الْحِكْمَةَ﴾ يعني العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأُمور.
قال محمّد بن إسحاق بن يسار: وهو لقمان بن باعور بن باحور بن تارخ وهو آزر، وقال
وهب: كان ابن أُخت أيّوب. وقال مقاتل: ذُكر أنَّ لقمان كان ابن خالة أيّوب.
قال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل، واتّفق العلماء على أنّه كان حكيماً ولم يكن نبيّاً
إلاّ عكرمة فإنّه قال: كان لقمان نبيّاً، تفرّد بهذا القول.
حدّثنا أبو منصور الجمشاذي قال: حدّثني أبو عبدالله محمد بن يوسف، عن الحسين بن
محمد، عن عبدالله بن هاشم، عن وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان
نبيّاً. وقال بعضهم: خُيِّر لقمان بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة.
وروى عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه
يقول: ((حقّاً أقول لم يكن لقمان نبيّاً ولكن عبد صمصامة كثير التفكير، حسن اليقين(١)، أحبَّ
الله فأحبّه وضمن عليه بالحكمة)) [١٨٢](٢).
[وروي أنّ لقمان في ابتداء أمره](٣) كان نائماً نصف النهار إذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك
أنْ يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحقّ؟ فأجاب الصوت فقال: إنْ خيّرني ربّي
قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإنْ عزم عليَّ فسمعاً وطاعة. فإنّي أعلم إنْ فعل ذلك بي عصمني
وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها
يغشاه الظلم من كلّ مكان إن [وفى فبالحري] أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في
الدنيا ذليلاً [وفي الآخرة شريفاً] خير من أن يكون]في الدنيا] شريفاً [وفي الآخرة ذليلاً].
ومن تخيّر الدنيا على الآخرة تفتهُ(٤) الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن
منطقه فنام نومة فأُعطي الحكمة. فانتبه يتكلّم بها (٥).
(٢) كنز العمال: ٣٤/١٤.
(١) في المصدر: الظن.
(٣) زيادة عن المصدر.
(٤) في المصدر: تفتنه.
(٥) المهذب البارع لابن فهد: ٤٥٤/٤، وتاريخ دمشق: ١٧ / ٨٥.
٣١٣
سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ٢١
ثمّ نودي داود بعده فقبلها ولم يشرط ما شرط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرّة كلّ ذلك
يعفو الله عزّ وجلّ عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أُعطيت
الحكمة وصُرفتْ عنك البلوى. وأُعطي داود الخلافة وأُبتلي بالبليّة والفتنة.
وحدّثنا الإمام أبو منصور بن الجمشاذي لفظاً قال: حدّثني أبو عبدالله بن يوسف عن
الحسن بن محمد، عن عبدالله بن هاشم، عن وكيع، عن محمّد بن حسّان، عن خالد الربعي
قال: كان لقمان عبداً حبشيّاً نجّاراً. وأخبرنا أبو عبدالله بن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن
مالك القطيعي، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبي عن أسود بن عامر، عن حمّاد، عن
علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أنّ لقمان كان خيّاطاً .
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ يعني وقلنا له: أن اشكر لله.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين، متشقّق القدمين. وروى الأوزاعي عن
عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من
أجل أنّك أسود، فإنّه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن
الخطّاب ولقمان الحكيم كان أسود نوبيّاً من سودان مصر ذا مشافر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ واسمه أنعم ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكُ بِاللهِ إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الأنسَانَ بِوَ الِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْن﴾ قال ابن عبّاس: شدّة
بعد شدّة. الضحاك: ضعف على ضعف. قتادة: جهداً على جهد. مجاهد وابن كيسان: مشقّة
على مشقّة.
﴿وَفِصَالُهُ﴾ فطامه. وروي عن يعقوب: وفصله ﴿فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَ الِدَيْكَ إِلَىَّ
الْمَصِيرُ﴾ أنبأني عبدالله بن حامد الأصفهاني، عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي قال:
أخبرني أبو بكر محمّد بن القاسم البلخي، عن نصير بن يحيى، عن سفيان بن عيينة في قول الله
عزّ وجلّ: ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَ الِدَيْكَ﴾ قال: مَنْ صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا
للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر للوالدين.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌّ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفَاً﴾ عِشْرة جميلة، وتقديره: بالمعروف.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ واسلك طريق محمّد وأصحابه.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقّاص
وأُمّه، وقد مضت القُصّة.
٣١٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿يَبْنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَل﴾ قال بعض النحاة: هذه الكناية راجعة إلى الخطيئة
والمعصية، يعني: إنَّ المعصية إنْ تَكُ. يدلّ عليه قول مقاتل: قال أنعم بن لقمان لأبيه: يا أبة إنْ
عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال له: يا بُني إنّها إنْ تَكُ. وقال
آخرون: هذه الهاء عماد، وإنّما أنّث لإنّه ذهب بها إلى الحبّة، كقول الشاعر:
ويشرق بالقول الذي قداذعته
كما شرقت صدر القناة من الدم(١)
ويرفع المثقال وينصب، فالنّصب على خبر كان والرّفع على اسمها ومجازه: إنْ تقع
وحينئذ لا خبر له: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ قال قتادة: في جبل، وقال ابن عبّاس: هي صخرة تحت
الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجّار، وخضرة السماء منها، وقال السدي: خلق
الله الأرض على حوت وهو النون الذي ذكره الله عزّ وجلّ في القرآن ﴿ن * وَالقَلَمْ﴾ (٢)
والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك، على صخرة،
وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الرّيح.
﴿أَوْ فِي السَّمْوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ عالمـ
بمكانها. ورأيت في بعض الكتب أنّ لقمان (عليه السلام) قال لابنه: يا بُني ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ
حَبَّة .. ﴾ إلى آخر الآية. فانفطر من هيبة هذه الكلمة فمات فكانت آخر حكمته.
قوله: ﴿يُبْنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾
أي الأُمور الواجبة التي أمر الله بها، وقال ابن عبّاس: حزم الأُمور. مقاتل: حقّ الأُمور.
﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قرأ النخعي ونافع وأبو عمرو وابن محيص ويحيى بن وثاب والأعمش
وحمزة والكسائي تصاعر بالألف.
أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه قال: أخبرني أبو حبش قال أبو القاسم بن الفضل قال أبو
زرعة: حدّثني نضر بن علي قال: أخبرني أبي عن معلى الورّاق عن عاصم الجحدري ﴿وَلاَ
تُصْعِرْ خَدَّكَ﴾ بضم التاء وجزم الصاد من أصعر. الباقون ﴿تُصَعِّرْ﴾ من التّصغير. قال ابن عبّاس:
يقول لا تتكبّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك. مجاهد: هو الرجل يكون بينا
وبينك إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. عكرمة: هو الذي إذا سُلّم عليه لوى عنقه تكبّراً. الربيعـ
وقتادة: لا تحقّر الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء.
عطاء: هو الذي يلوي شِدقه. أخبرنا عبدالله بن حامد، عن حامد بن محمد، عن محمد
(١) الصحاح: ٧٠٩/٢.
(٢) سورة القلم: ٢٠١.
٣١٥
سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ٢١
ابن صالح، عن عبد الصمد، عن خارجة بن مصعب، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَلاَ
تُصَعِّرْ خَذَّكَ للنّاسِ﴾ قال: التشديق في الكلام. وقال المؤرّخ: لا تعبس في وجوه الناس.
وأصل هذه الكلمة من المَيل، يقال: رجل أصعَر إذا كان مائل العنق. وجمعُهُ صُعر، ومنه،
الصِّعر: وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها حتى يلفت أعناقها، فشُبّه الرجل المتكبّر الذي
يعرض عن الناس احتقاراً لهم بذلك. قال الشاعر يصف إبلاً:
وردناه في مجرى سهيل يمانياً
بضعر البري من بين جمع وخارج(١)
أي مائلات البري. وقال آخر:
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه أقمنا له من ميله فتقوّما(٢)
﴿وَلاَ تَمْشٍ فِي الأرْضِ مَرَحاً﴾ أي خيلاءَ. ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال﴾ في مشيته
﴿فَخُور﴾ على الناس.
أخبرني عبدالله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن جيغويه، عن صالح
ابن محمد، عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو
قال: قال رسول الله وَله: خرج رجل يتبختر في الجاهلية عليه حُلّة، فأمر الله عزّ وجلّ الأرضَ
فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة(٣).
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْبِكَ﴾ أي تواضع ولا تتبختر وليكن مشيك قصداً لا بخيلاء ولا إسراع.
أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ سنة إحدى وثمانين وثلثمائة
قال: أخبرني أبو العبّاس محمد بن إسحاق السرّاج وأبو الوفا، المؤيّد بن الحسين بن عيسى
قالا: قال عبّاس بن محمد الدوري، عن الوليد بن سلمة قاضي الأردن، عن عمر بن صهبان،
عن نافع عن ابن عمران أنّ النبيّ ◌َّر قال: ((سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن)) [١٨٣](٤).
﴿وَاغْضُضْ﴾ واخفض ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ قال مجاهد وقتادة
والضحاك: أقبح، أوّله زفير وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته. عكرمة والحكم بن عيينة:
أشدّ. ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير.
أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحري قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن عبدون بن
عمارة الأعمش قال: أخبرني أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، عن يحيى بن صالح
(١) غريب الحديث: ١٢٦/١.
(٢) البداية والنهاية: ١٤٩/٢.
(٣) مسند أحمد: ٢٢٢/٢. كنز العمال: ٥٣٧/٣ اختلاف في الحديث.
٤) كنز العمال: ٤١٢/١٥ ح ٤١٦٢٠.
٣١٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
الوحاضي، عن موسى بن أعين قال: سمعت سفيان يقول في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ أَنكَرَ
الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ يقول: صياح كلّ شيء تسبيح لله عزّ وجلّ إلاّ الحمار. وقيل: لأنّه
ينهق بلا فائدة.
أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن محمد بن الحسين بن بشر قال: أخبرني أبو بكر
ابن أبي الخصيب، عن عبدالله بن جابر، عن عبدالله بن الوليد الحراني، عن عثمان بن عبد
الرحمن، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زادان، عن أُمّ سعد قالت: قال رسول
اللهِ وَله: ((إنَّ الله عزّ وجلّ يبغض ثلاثة أصوات: نهقة الحمار، ونباح الكلب، والداعية
بالحرب)) [١٨٤].
فصل في ذِكْر بعض ما رُوي مِنْ حِكَمَ لُقمان
أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان الأصفهاني، عن أحمد بن شاذان، عن جيغويه بن محمد
[عن صالح بن محمد] عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن عجلان قال: قال لقمان: ليس
مال كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس.
وأخبرنا أبو عبدالله الحسين بن محمد الدينوري، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي،
عن محمد بن عبد الغفّار الزرقاني، عن أبو سكين زكريا بن يحيى بن عمر بن [حفص(١)] عن
عمّه أبي زجر بن حصن، عن جدّه حميد بن منهب قال: حدّثني طاووس، عن أبي هريرة قال:
مرَّ رجل بلقمان والناس مجتمعون عليه فقال: ألستَ بالعبد الأسود الذي كُنتَ راعياً بموضع كذا
وكذا؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا
یعنیني .
وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو الحسين بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله
ابن أحمد بن حنبل، عن أُبيّ، عن وكيع قال: أخبرني أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان
لقمان عبداً حبشيّاً نجّاراً، فقال له سيّده: اذبح لنا شاة، فذبح له شاة، فقال له: ائتني بأطيب
المضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: ما كان فيها شيء أطيب من هذا؟ قال: لا، قال:
فسكت عنه ما سكت، ثمّ قال له: اذبح لنا شاة، فذبح شاة، فقال: ألقٍ أخبثها مضغتين، فرمى
باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللّسان والقلب وأمرتك أنّ
تلقي أخبثها مضغتين فألقيتَ اللسان والقلب؟! فقال: لأنّه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا
وأخبث منهما إذا خبثا .
(١) في نسخة أصفهان: حصن.
٣١٧
سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ٢١
وأخبرني الحسين بن محمد، عن أحمد بن جعفر بن حمدان، عن يوسف بن عبدالله عن موسى
ابن إسماعيل، عن حمّاد بن سلمة، عن أنس أنّ لقمان كان عند داود (عليه السلام) وهو يسرد درعاً
فجعل لقمان يتعجّب ممّا يرى، ويريد أن يسأله، ويمنعه حكمه عن السؤال، فلما فرغ منها وجاء بها
وصبها قال: نِعمَ درع الحرب هذهِ! فقال لقمان: إنّ من الحكم الصمت وقليل فاعله.
[وأخبرني الحسين بن محمد بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي(١)] قال: أخبرني أبو
أسامة ووكيع قالا: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان لقمان من أهون مملوكيه على
سيّده. قال: فبعثه مولاه في رقيق له إلى بستان له ليأتوه من ثمره، فجاؤوا وليس معهم شيء،
وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان. فقال لقمان لمولاه: إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله
أميناً، فاسقني وإيّاهم ماءً حميماً ثمّ أرسِلنا فلْنعدُ، ففعل، فجعلوا يقيئون تلك الفاكهة وجعل
لقمان یقيء ماءً، فعرف صدقه وکذبهم.
قال: أوّل ما روي من حكمته، أنّه بينا هو مع مولاه، إذ دخل المخرج فأطال فيه
الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويورث الباسور،
ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوناً، وقم هوناً، قال: فخرج وکتب حكمته على باب
[الحش](٢).
قال: وسكر مولاه يوماً فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه
فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنتُ اجتبيتك، فقال: اخرج كرسيّك وأباريقك ثمّ اجمعهم، فلمّا
اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطر تموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة، قال: فإنّ لها
موادَّ إحبسوا موادّها عنها، قالوا: وكيف نستطيع أن نحبس موادها عنها؟ قال لقمان: وكيف
يستطيع شربها ولها مواد؟!
وأخبرني الحسين بن محمد، عن عبيدالله بن محمد بن شنبه، عن علي بن محمد بن
ماهان، عن علي بن محمد الطنافسي قال: أخبرني أبو الحسين العكلي [عن عبدالله بن أحمد بن
حنبل، عن داود بن عمر، عن إسماعيل بن عياش عن عبدالله بن دينار أنّ لقمان قدم من
سفر،](٣) فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكت
(١) وفي نسخة أصفهان: أخبرني ابن فنجويه عن ابن شنبه قال: حدّثنا علي بن محمد بن ماهان، عن علي بن
محمد الطنافسي.
(٢) تفسير الدر المنثور: ١٦١/٥ مورد الآية.
(٣) ورد في نسخة أصفهان: عن أبي الحسين العكلي، عن بكر بن عبد الله المرني، عن أبيه قال: قال لقمان:
ضرب الوالد ولده كالسّماد للزرع. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الله بن
دينار أنّ لقمان قدم من سفر .. الحديث.
٣١٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
أمري. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدَّدَ فراشي، قال: ما فعلت أُختي؟ قال:
ماتت، قال: ستَرَ عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.
وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبدالله بن أحمد بن
حنبل، عن أبي، عن سفيان قال: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ قال: الذي لا يبالي أنْ يراه
الناس مسيئاً. وقيل للقمان: ما أقبح وجهك! قال: تعيب بهذا على النقش أو على النقّاش؟
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمُوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ﴾ .
قرأ نافع وشيبه وأبو جعفر وأبو رجاء العطاردي وأبو محلز وأبو عمرو والأعرج وأيّوب
وحفص ﴿نِعَمَهُ﴾ بالجمع والإضافة، واختاره أبو عبيد وأبو معاذ النحوي وأبو حاتم، وقرأ
الآخرون منُوّنة على الواحد ومعناها جمع أيضاً، ودليله قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ تَعِدُوا نِعْمَةً
اللهِ لا تَحصوها﴾(١) وقال مجاهد وسفيان: هي لاَ إِلهَ إِلّ الله، وتصديقه أيضاً ما أخبرني أبو
القاسم [الحبيبي](٢) أنّه رأى في مصحف عبدالله ﴿نِعْمَتَهُ﴾ بالأضافة والتوحيد ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾
اختلفوا فيها فأكثروا. فقال ابن عبّاس: أمّا الظاهرة فالدين والرياش، وأمّا الباطنة فما غاب عن
العباد وَعَلِمَهُ الله.
مقاتل: الظاهرة تسوية الخَلق والرّزق والإسلام، والباطنة ما ستر من ذنوب بني آدم فلم
يعلم بها أحد ولم يعاقب عليها. الضحّاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية
الأعضاء، والباطنة المغفرة. القرظي: الظاهرة محمّد (عليه السلام) والباطنة المعرفة. ربيع:
الظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب. عطاء الخراساني: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة
الشفاعة. مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة الإمداد بالملائكة.
أخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم النيستاني، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم
ابن محمش، قال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى بن الحرب، عن محمد بن يوسف بن محمد
ابن سابق الكوفي قال: أخبرني أبو مالك الجبنى، عن جويبر، عن الضحاك قال: سألت ابن
عبّاس عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فقال: هذا من محرزي الذي
سألت رسول الله ◌َ﴾. قلت: يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ قال: أمّا الظاهرة
فالإسلام وما حسن من خلقك وما أفضل عليك من الرزق، وأمّا الباطنة ما ستر من سوء عملك،
يابن عبّاس يقول الله تعالى: إنّي جعلت للمؤمن ثلثا صلاة المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله أُكفّر
(١) سورة إبراهيم: ٣٤.
(٢) هكذا في الأصل.
٣١٩
سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ٢١
به عن خطاياه، وجعلت له ثلث ماله ليكفّر به عنه من خطاياه وسترت عليه سوء عمله الذي لو قد
أبديته للناس لنبذه أهله فما سواهم.
وقال محمّد بن علي الترمذي: النعمة الظاهرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي﴾(١) والباطنة قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الأسْلاَمَ دِيناً﴾(٢).
[الحرث بن أسد المحاسبي](٣): الظاهرة نعيم الدنيا، والباطنة نعيم العقبى. عمرو بن
عثمان الصدفي: الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة تضعيف الصنائع.
وقيل: الظاهرة الجزاء، والباطنة الرضا. سهل بن عبدالله: الظاهرة إتباع الرسول،
والباطنة محبّته. وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة التبيين،
بيانه قوله تعالى: ﴿يُبَيْنُ اللهُ لَكُمْ أن تَضلِوا﴾(٤) ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾(٥) والباطنة التزين قوله:
﴿وَزَيَّهُ فِي قُلوبِكُمْ﴾ (٦) وقيل: الظاهرة الرزق المكتسب، والباطنة الرزق من حيث لا يُحتسب.
وقيل: الظاهرة المدخل للغذاء، والباطنة المخرج للأذى. وقيل: الظاهرة الجوارح،
والباطنة المصالح. وقيل: الظاهرة الخَلق، والباطنة الخُلق. وقيل الظاهرة التنعيم، بيانه قوله:
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾(٧) والباطنة التعليم. قوله: ﴿وَيُعَلِّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾(٨) وقيل: الظاهرة
ما أعطى وحبا من النعماء، وقيل الباطنة: ما طوي وزوي من أنواع البلاء، وقيل: الظاهرة
الدعوة، بيانه قوله: ﴿والله يدعوا إلى دار السَّلاَم﴾(٩) والباطنة الهداية. بيانه قوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ
يَشاء﴾(١٠).
وقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة، والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفّار، وقيل: الظاهرة
تفصيل الطاعات، وهو أنّه ذكَر طاعتك واحدة فواحدة وأثنى عليك بها وأثابك عليها، بيانه قوله:
﴿التائبون﴾(١١) وقوله: ﴿قد أفلَحَّ الْمُؤْمِنونَ﴾(١٢) وقوله: ﴿إِنَّ المُسلِمِينَ والمُسلمات﴾(١٣) إلى
آخر الآية. والباطنة إجمال المعاصي وذلك أنّه دعاك منها إلى التوبة باسم الإيمان من غير عدّها
وتفصيلها، بيانه قوله: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أَيُّها المُؤْمِنون﴾(١٤) وقيل: الظاهرة إنزال الأقطار
والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأمصار.
(١) سورة المائدة: ٣.
(٣) في نسخة أصفهان: الحرب بن أسد المحاربي.
(٤) سورة المائدة: ١٧٦.
(٦) سورة الحجرات: ٧.
(٨) سورة البقرة: ١٥١.
(١٠) سورة يونس: ٢٥.
(١٢) سورة المؤمنون: ١.
(١٤) سورة النور: ٣١.
(٢) سورة المائدة: ٣.
(٥) سورة البقرة: ٢٢١.
(٧) سورة الحمد: ٧.
(٩) سورة يونس: ٢٥.
(١١) سورة التوبة: ١١٢.
(١٣) سورة الأحزاب: ٣٥.
٣٢٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص والعصمة من المراءات، وقيل:
الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان، وقيل: الظاهرة تلاوة القرآن والباطنة معرفته. وقيل:
الظاهرة ضياء النهار للتصرّف والمعاش، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار. وقيل: الظاهرة
النطق، والباطنة العقل، وقيل: الظاهرة نِعَمَهُ عليك بعدما خرجت من بطن أُمّك، والباطنة: نِعَمَهُ
عليك وأنت في بطن أُمّك.
وقيل: الظاهرة الشهادة الناطقة، والباطنة السعادة السابقة. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا،
والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة وضع الوزر ورفع الذّكر، والباطنة شرح الصدر.
وقيل: الظاهرة فتح المسالك والباطنة نزع الممالك ممّن خالفك، وقيل: الظاهرة المال
والأولاد، والباطنة الهدى والارشاد، وقيل: الظاهرة القول السديد والباطنة التأييد والتسديد،
وقيل: الظاهرة ما يكفِّر الله به الخطايا من الرزايا والبلايا، والباطنة ما يعفو عنه ولا يؤاخذ به
في الدنيا والعقبى، وقيل: الظاهرة ما بينك وبين خلقه من الأنساب والأصهار، والباطنة ما بينك
وبينه من القرب والأسرار والمناجاة في الأسحار، وقيل: الظاهرة العلوّ بيانه قوله: ﴿وَأَنْتُمْ
الأَعْلَونَ﴾(١) والباطنة الدنوّ بيانه قوله: ﴿أُولَئِكَ المُقرّبُونَ﴾(٢).
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُحَدِلُ فِي اللهِ بِغَيِرِ عِلْم﴾ نزلت في النضر بن الحرث حين زعم أنّ
الملائكة بنات الله ﴿وَلاَ هُدَىٍّ وَلاَ كِتَبِّ مُنير* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ قال الأخفش: لفظه استفهام ومعناه تقرير، وقال أبو عبيدة:
لو هاهنا متروك الجواب مجازه أَوَلَو كَانَ ﴿الشَّيْطَنُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي موجباته
فیتبعونه .
﴿ وَمَنْ أَنْدْ وَعُهُمُ إِلَّ لَهِ وَهُوَ فَيْرٌ فَقَّهِ أَسْتَمْكَ بِالْمُرْوَةِ الْوُثْىُ وَإِلى ◌َهِ عَنِعَةُ الْأُوْرِ
( وَعَنْ كَرَ بَ يَحْنَكَ كَرَّهُ إِلَّ مَرْجِمُهُمْ فَيَنْهُم بِمَا عَِلُواْ فِىّ اللّهَ عَلِمْ بِذَّاتِ أَسُّدُورِ لَ
تَسْعُهُمْ فَلِلَا أُ نَضْعَرْهُمْ إَِ عَذَّبٍ غَفِظِ (٣) وَلِنْ سَأَلَهُمْ فَنْ خَلَلَ الشَّعَوْنِ وَالأَرْضَ لَغْوِنَّ أَنَّهُ
فِ الْحَبْدُ للَّهِ بَلَ أستاذَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٨) بِ مَا فِ التَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ أَلَّهُ هُوَ الْفِىُّ الحَِدُ إذَ
وَ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِنْ شَجْرَةٍ أَنْلَهٌ وَأَحْرُ يَمْدُّمْ مِنْ بَعْدِهِ، مَنْعَةُ أَعُرِ نَّا نَّهِدَتْ كَلِمَنْتُ أَّ إِنَّ اللَّهُ
مَر ◌ِكِبرُ بَيْنَا نَا عَلْكُ وَ تَسْتَكُمْ إِلاَّ كُنَفِ وَبِدَةٍ إِنَّ اللَّهُ مَِّمْ بَصِرٌ (َ أَرْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ
◌ُوامِ أَبْلَ فِ النَّهَارِ وَيُرِمُ أَنْهَارَ فيِ أَبْلِ وَسَّطَ اُلِلَّمْسِ وَالْعَمْرِ كُلُّ مَجْرِفَ إِلَّهَ أَبْلِ لْسَكُىِ وَ اللَّهُ
(١) سورة آل عمران: ١٣٩.
(٢) سورة الواقعة: ١١.