النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة النمل، الآيات: ١٥ - ٢٦
يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما إنتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبرّوه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار
العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي
الله .
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض؛ تواضعاً
السليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأُعذّبنك عذاباً شديداً، فقال له
الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد
ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي
جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح
الهدهد لبرّه بوالديه .
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله ﴿فمكث
غير بعيد﴾ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصٍم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان
مشهورتان .
﴿فقال أحطتُ بما لم تحط به﴾ علمتُ ما لم تعلم ﴿وجئتُك مِن سَبَأْ﴾ قرأ الحسن وأبو
عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سَبأ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير
مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عُبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ◌َّ سُئل عن سبأ فقال: كان رجلاً له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم
من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل، وقال الشاعر:
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس(١)
الواردون وتيم في ذرى سبا
﴿بنبأ﴾ بخبر ﴿يقين﴾ لا شك فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكاً لم يبلغه مُلكك.
﴿إِنّي وجَدتُ امرأةً تملكهم﴾ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل .
ابن ذي حدن بن الشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان،
وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكاً عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكاً،
(١) جامع البيان للطبري: ١٤ / ١٥٥.

٢٠٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفواً لي، فأبى أن
يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يُقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس
ولم یکن له ولد غيرها .
ويصدّق هذا ما أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا
محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن
بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أنّه قال: ((كان
أحد أبوَي بلقيس جنّياً .
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولداً غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن
يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلاً فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ
فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتی کان یمّد یده إلى حرم
رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها
الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن ابتديك بالخطبة إلّ
اليأس منك
فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم
وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا
قولها وتشهدوا عليها، فلّما جاؤوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت
أرغب عن هذا فالساعة قد رضيتُ به فزوّجُوها منهُ، فلمّا زُقّت إليه خرجت في ناس كثير من
خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت
رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلاً ورأسه منصوباً على
باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكراً وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنتِ
بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمَّ فساده وأخذتني الحميّة
حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها))(١) [١١٠].
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا
أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت
بلقيس عند رسول الله وَّ فقال رسول الله وَل﴾ ((لا يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة))(٢) [١١١].
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢١١. بتفاوت.
(٢) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢١١.

٢٠٣
سورة النمل، الآيات: ١٥ - ٢٦
﴿وأُوتيت من كلّ شيء﴾ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
﴿ولها عرش عظيم﴾ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر
والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت
أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب،
وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، وطوله في الهواء
ثلاثون ذراعاً .
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في الهواء ثمانون ذراعاً مُكلّل
بالجوهر.
﴿وجدتها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصَدّهم عن
السبيل وهم لا يهتدون ألاّ يسجدوا لله﴾ قرأ أبو عبد الرَّحْمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد
والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس ((ألا اسجدوا)) بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء
اسجدوا، وجعلوه أمراً من الله سبحانه مستأنفاً، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم
سماعاً من العرب: ألا يا أرحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
(١)
وإن كان حيانا عدى آخر الدهر
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر
فعلى هذه القراءة ((اسجدوا)) في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي
اسجدوا .
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها
إلّ بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلاّ تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أُبي
ألا يسجُدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: ألاّ يسجدوا بالتشديد بمعنى
وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلاّ يسجدوا لله فأنْ موضع نصب ويسجدوا نصب بأن، واختار أبو
عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلاّ أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم
يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه، والوقف
على هذه ألا ثمَّ يبتدي يسجِدُوا كما يصل
﴿الذي يخرج الخَبء﴾ الخفيّ المخبوّ ﴿في السموات والأرض﴾ يعني غيب السموات
والأرض.
(١) لسان العرب: ١٥ / ٣٦.

٢٠٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أكثر المفسّرين: خبءَ السماء المطر، وخبة الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرجُ الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد
منكم، قاله الفرّاء.
﴿ويعلم ما يخفون وما يعلنون﴾ قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية
حفص عن عاصم.
﴿الله لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم﴾ الذي كل عرش وإنْ عظم فدونه، لا يشبهه عرش
ملكة سبأ ولا غيره
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله ﴿أحطت بما لم تحط به﴾ الى قوله ﴿لا إله إلا هو
ربّ العرش العظيم﴾ كلّه كلام الهُدهد.
﴿ قُلْ سَنْظَمٍ أَسْتَقَكَ أَمْ كُتُّ مِنَّ أَلْكَذِينَ () أَذْهَبْ يَكِنَّبِ عَذَا ذَلَفِّهَ إِلَهْ لُمَّ تَلْ عَلَهُمْ
فَطَرِ مَاذَا ◌َجِعُونَ (٢٦) ذَك ◌َانَ الْمَلَؤُ إذَا أَلْفِى إِنَّ كَتَ كَمُ ونَ إِلَمُ مِنْ سُكْمَنَّ وَأَمُ بِسْمِ أَنَّهِ
أَلْمِي أَرْبِِِ (٣) الا تعلوا عن وَأئن شيمية ( ذَك ◌َانَ النَتزا أمون ، أخرى، سكنك الجمعة
أثرْ عَلَّ فَتَبَدُون (بَيْ﴾ قَالُواْ عَنْ أَوْلُواْ فُرَّدٍ وَأَوْا بِ خَدِمِ وَالَرِّ يَِّ ◌َشَرِىَ عَلَ قَدْرِفَ لَ قَالَتْ إَِّ
الْمُلْوَةُ إِذَا تَكَتُواْ فَرْيَا أَنَّذُوهَا وَحَعَلُوا أَمَّا أَدْبِهَا أَوْلَّهُ وَكَذَ بَتَعَلُونَ (99) وَإِنَّ مُرْسِلَةُ أَنْهِم بِهَدَفِ
قَائِمً بِمَّ جْع ◌َلَيْسَلُونَ (بينها منً ماً، مُلَمَلُ قالَ النِلُونِي بَالِ ماً ، اتي) أَ خَيرٌ فِئاً ،َ تَكُمْ
فَلَ بَهَا الْمَنْوَا أَنْكُمْ يَأْنِى بِعَرْيِهَا قَبْلَ أَنَّ وَأَزْنِ مُسْلِتَ فَجَ أَلَّ ◌ِفِتُّ مِنَّ أَنَّ أَنَا عَلَيْكَ بِهِ فَلَ أَنْ نَقُوهُ
لَقَامِكَ وَيْ عَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِعٌ (٣٩) قَالَ الَّذِى صِدَرْ بِرٌ مِنْ أَلْكَبِ أَنْ عَلَيْكَ بِهِ قْلَ أََّ رِيَذَ إِلَ طَرْفَكَ
فِتَ رَهُ مُسَرُّ ◌ِدْ قَلَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ زَّقْ بِْوَنِ تَأَفَكَّرُ أَمْ أَكْثُرٌ وَمَنْ خَخَرَ وَنَمَا يَشْكُرُ بِفِيهِ، وَمَن
كَرَ بَّ رَؤْ مِنْ كَم (D) كَذَ تَكْراً لم) عَرَبَهَا نظر أنتبه أر ثقون من الدين لا يَنْذُونَ ()) قَدَّ
مَكْتُ قِلَّ أَمَكَّنَا مَرْجِدَةٍ ذَلَكِ كَمَّ دْ وَأْوِيَا أَلْهِمْ فِنْ فَنْهَا وَنَّ مُسْلِ ﴿كَ وَصَذَهَا مَا كَتَ نَّهُبُّهُ مِنْ دُّون
أنه إذا كانت مِن فَوْرِ كَهْرفُ (ما قبلَ ذَا أَدْخُلِ أَلْقُرْجُ منهَا رَأَتَهُ مْسَهُ لُّخَذَ وَكَتَتْ عَنْ تَفَّهَأَ وَلَ إِنَّهُ
صُرْجُّ مُعْرَّدٌ فِ قَارِيرٌ فَالَتْ رَتْ إِلَّ طَلَّمْتُ مَنِى وَسَلَمْتُ مُعْ شُكْمَانُ أَ رَّبِ الْمَلِفَ ()
﴿قال﴾ سليمان للهُدهد ﴿سننظر أصَدقتَ﴾ فيما أخبرت ﴿أم كنت من الكاذبين﴾ فَدَلّهم
الهُدهد على الماء فاحتفروا الركايا ورَوَى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان
كتاباً من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السلام على مَن اتبّع
الهُدى، أمّا بعد فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين.
وقال ابن جُريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إنّه وإنّه .

٢٠٥
ـورة النمل، الآيات: ٢٧ - ٤٤
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاءً ثم قرأ ﴿إنّه من
ـليمان وإنّه بسم الله الرَّحْمن الرحيم﴾ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب
جملاً لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعهُ بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد
﴿اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثمَّ تولّ عنهم﴾ فكن قريباً منهم ﴿فانظر ماذا يرجعون﴾ يردّون من
لجواب .
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا
يرجعون ثم تولَّ عنهم أي انصرف، كقوله ﴿ثمَّ توَلّى الى الظل﴾ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد
لكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في
قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلقّت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت
رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهُدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على
نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها
القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في
حجرها .
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا
نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهُدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم،
فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها .
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئةً عربيةً من قوم تبع بن شراحيل الحميري،
فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ
الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم مُلْكاً منها؛ لأن مَلِكاً رُسله الطير إنّه لمَلِك عظيم، فقرأت
الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها
وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل رجل منهم
على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: ﴿يا أيّها الملأ إنّي أُلقي إليَّ كتاب
کریم﴾ .
قال قتادة: حسن، نظيره قوله ﴿ومقام كريم﴾(١).
(١) سورة الشعراء: ٥٨.

٢٠٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريماً لأنّه كان مختوماً، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بر
مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ◌َّ قال: ((كرامة الكتاب
ختمهُ)) [١١٢].
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن
هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله وَلّ أن يكتب إلى العجم، قيل
له: أنّ العجم لا يقبلون إلاّ كتاباً عليه خاتم، فاصطنع خاتماً، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: مَن كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم،
وقيل: سمّته كريماً لأنّه كان مصدّراً ببسم الله الرَّحْمن الرحيم ﴿إِنّه مِن سليمان وانّه بسم الله
الرحمن الرحيم أن لا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين﴾ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين
معجمة، وأتوني مسلمين مؤمنين طائعين.
﴿قالت يا أيّها الملأ﴾ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة
ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم ﴿أفتوني في أمري﴾ أشيروا عليَّ فيما عرض لي وأجيبوني
فيما أُشاوركم فيه ﴿ما كنت قاطعة﴾ قاضية وفاصلة ﴿أمراً حتى تشهدون﴾ تحضروني.
قالوا مجيبين لها ﴿نحن أولوا قوة﴾ في القتال ﴿وأُولُوا بأس شديد﴾ عند الحرب ﴿والأمر
إليك﴾ أيتها الملكة ﴿فانظري ماذا تأمرين﴾ تجدينا لأمرك مطيعين.
فقالت بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب ﴿انّ الملوك إذا دخلوا قرية﴾ عنوة وغلبة
﴿أفسدوها﴾ خرَّبوها ﴿وجعلوا أعزّة أهلها أذلة﴾ أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم
الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال ﴿وكذلك يفعلون﴾.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله :
فلا يكن لك في أكنافهم ظل
انَّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا
جاروا عليك وإن أرضيّتهم مَلّوا
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا
واستثقلوك كما يُستثقل الكَلّ
وإن مدحتهمُ خالوك تخدعهم
إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ(١)
فاستغن بالله عن أبوابهم أبداً
(١) وما بعدّها: طبقات المفسّرين - السيوطي - ص: ٣٧.

٢٠٧
سورة النمل، الآيات: ٢٧ - ٤٤
﴿وإنّ مرسلة إليهم بهديّة﴾ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ
من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبرهُ بها أملك هو؟
فإن يكن ملكاً قبل الهديّة وانصرف، وإنْ يكن نبيّاً لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلاّ أن نتبعه على
دينه، فأهدت إليه وصيفاً ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباساً واحداً حتى لا يعرف ذكر من أُنثى.
وقال مجاهد: أُلبس الغلمان لباس الجواري وأُلبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في
عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال
الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ
بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاؤا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد
جئنا نحمل شيئاً نراه ههنا ملقىّ ما يُلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاؤوا به، وقيل: كانت أربع
البنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية
وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس
الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب، وفي آذانهم
قُروطاً وشنوفاً مرصّعات بأنواع الجواهر، وحُملَت الجواري على خمسمائة رَمكة والغلمان على
خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة،
وبعثت إليه أيضاً خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجاً مكلّلاً بالدرّ والياقوت
المرتفع وأرسلت إليه أيضاً المسك والعنبر وعود الالنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها دّرة
يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودَعت رَجُلاً من أشراف قومها يقال له
المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتاباً نسخة الهدية
وقالت: إن كنت نبيّاً فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبرْ بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب
الدرّة ثقباً مستوياً وأدخل خيطاً .
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث
شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمَّ قالت
للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرَ غَضَب فاعلم أنّه ملك ولا يهولّك
منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّاً لطيفاً فاعلم أنّه نبي مُرسَل فتفهّم قوله وَرُدّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه،

٢٠٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعليـ
فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطو
من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول
الميدان حائطاً شُرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البـ
والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دواب في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لهـ
أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليَّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدا(
وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها .
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثـ
قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووُضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلهـ
عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمـ
الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تـ
أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من
الهدايا .
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب
والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى
الرسل موضع اللبنات خالياً وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في
ذلك المكان.
قالوا: ثم جاؤوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم
الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس
والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً
بوجه طَلِقٍ وقال: ما وراءكم؟ فأخبرهُ رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه
فقال: أين الحُقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحُقّة فقال: إنَّ
فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة
وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام): من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم
يكن عندهم علم ذلك، ثمَّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب
الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام): حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك
ذاك، ثمَّ قال: مَن لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله،
فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمَّ ميز بين الجواري والغلمان بأن

٢٠٩
سورة النمل، الآيات: ٢٧ - ٤٤
أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله
على اليد الأُخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذهُ من الآنية يضرب به وجهه،
وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب
الماء صبّاً، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدراً، فميّز بينهنَّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه
السلام) الهديّة.
﴿وقال أتمدونني بمال﴾ اختلف القُرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مُشدَّدة،
غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته .
﴿فما آتاني الله خيرٌ مما آتيكم بل أنتم بهديتكُم تفرحون﴾ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا
والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها
وأعطاني فيها ما لم يعط أحداً ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو
آمر الوفد ﴿ارجع إليهم﴾ بالهدية ﴿فلنأتينّهم بجنود لا قِبَل﴾ لا طاقة ﴿لهم بها ولنخرجنهم منها﴾
أي من أرضها وملكها ﴿أذلّة وهم صاغرون﴾ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيرهُ مِن أهل الكتب: لما رجعت رُسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه
السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بمَلِك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئاً، فبعثت
إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت
بعرشها فجُعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم
أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاساً يحفظونه ثمَّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما
قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت منادياً فنادى في أهل
مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت
يدي كل قيل أُلوف كثيرة.
قال ابن عباس: وکان سلیمان رجلاً مهيباً لا يبتدئ بشيء حتى یکون هو الذي يسأل عنه،
فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه فرأى رهجاً قريباً منه فقال: ما هذه ؟.
قالوا : بلقيس يا رسول الله.
قال: ((وقد نزلت منّا بهذا المكان؟)) [١١٣]
قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده
فقال ﴿أيّكم يأتيني بعَرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال
أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حُرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها
قبل أن يُحرم عليه أخذه بإسلامها .

٢١٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبَّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
﴿قال عفريت من الجنّ﴾ وهو المارد القَوي، وفيه لغتان: عفريت وعفريه، فمَن قال
عفريت جمعه عفاريت، ومَن قال عفرية جمعَه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن
عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفَراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
مالَكمُ مكث ولا تبييت(١)
فقال شيطان لهم عفريت
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفريه.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا
عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرَّحْمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد
العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضيُله أنه كان يقرأ: قال عفريه
من الجنّ والعفريه البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئاً ولم يَلد هُوَ شيئاً.
﴿أنا اتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
﴿وإنّي عليه لقوي﴾ على حمله ﴿أمين﴾ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه
السلام أُريد أسرع من هذا، ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب﴾ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو
جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلاً من بني آدم.
ثمَّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقاً
يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أُعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية
قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن
الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه:
(١) فتح القدير: ٤ / ١٣٩. بتفاوت.

٢١١
سورة النمل، الآيات: ٢٧ - ٤٤
مُدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف،
فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّاً حتى انخرقت الأرض
بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام).
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن
النبي ◌َّر قال: ((إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف ((يا حيّ يا قيّوم)) [١١٤](١).
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب (يا إلهنا وإله كل
شيء إلهاً واحداً لا إله إلّ أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا
الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن
أحمدبن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل
عن ابن زيد قال: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج
ذلك اليوم ينظر مَن ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزَّوجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه
السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حُمل فأتى به سليمان من قبل إنْ يرتدّ إليه
طرفه .
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل
قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الذي عنده علم من الكتاب اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من
حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان إسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس
يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً
وفقهاً فقال: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك، قال سليمان (عليه السلام): هات، فقال: أنت
النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه
كان عندك .
قال: صدقت نفعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله ﴿قبل أن يرتدّ إليك طرفك﴾ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن
يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مَدّ بصرك. قتادة: قبل أن
يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أُمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئاً .
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٠٤.

٢١٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وعنه أيضاً قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولاً الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به .
فلمّا رآه يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش ﴿مستقرّاً عنده﴾ محمولاً إليه من مأرب
الى الشام في قدر ارتداد الطرف ﴿قال هذا من فضل ربّ ليبلوني أأشكر﴾ نعمته ﴿أم أكفر﴾ها
فلا أشكرها ﴿ومَن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام
النعمة ودَوامَها؛ لأنَّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
﴿وَمَن كَفَرَ فإنَّ ربّي غنيّ كريم﴾ بالإفضال على من كفر نعمه.
﴿قال نكِّروا﴾ غيّروا ﴿لها عرشها﴾ فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله
أعلاه ﴿ننظر أتهتدي﴾ الى عرشها فتعرفه ﴿أم تكون من الجاهلين﴾ به الذين لا يهتدون إليه،
وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل
الكتب: إنَّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير
سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهِّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنَّ في عقلها شيئاً
وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى
قدميها ببناء الصرح، فلمّا جاءت بلقيس ﴿قيل﴾ لها ﴿أهكذا عرشك قالت كأنّهُ هو﴾ شبّهتَهُ به
وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر،
فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها .
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشَبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو
قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم
فقال سليمان (عليه السلام) ﴿وأوتينا العلم﴾ بالله وبقدرته على ما شاء مِن قبل هذه المرأة
﴿وَكنّا مسلمين﴾ هذا قول مجاهد
وقال بعضهم: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وكنّا مسلمين
طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وأُوتينا العلم بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة مِن قبل هذه الآية
وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرُسل، وكنّا مسلمين أي منقادين لك مطيعين لأمرك مِن قبل
أن جئناك.
﴿وصدَّها﴾ ومنعها ﴿ما كانت تعبد من دون الله﴾ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا
القول يكون ﴿ما﴾ في محل الرفع.

٢١٣
سورة النمل، الآيات: ٢٧ - ٤٤
وقال بعضهم: معناه وصدَّها سليمان ما كانت تعبد من دون الله أي منعها ذلك وحال بينها
وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجهاً صحيحاً، وعلى هذين التأويلين
يكون محل ﴿ما﴾ نصباً.
﴿إنّها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصَرح﴾ الآية. وذلك أنَّ سليمان (عليه
السلام) لما اقبلت بلقيس تريدهُ أمَرَ الشياطين فبنوا له صرحاً أي قصراً من زجاج كأنّه الماء
بياضاً، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر،
السمك وغيره، ثمَّ وضع له سريرهُ في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس
وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنَّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما
سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك من العبودية أبداً، فأرادوا أن يزهّدوه فيها
فقالوا: إنَّ رِجلها رِجل حمار وإنها شَعْراء الساقين لأنّ أُمّها كانت من الجن فأرادَ أن يعلم حقيقة
ذلك وينظر الى قدميها وساقيها .
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح
ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّز بين
الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس قيل لها: ادخلي الصرح ﴿فلما رأته حَسَبَتْهُ
لجّة﴾ وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحراً.
﴿وكشفت عن ساقيها﴾ لتخوضه إلى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن
الناس ساقاً وقدماً إلاّ أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها
وناداها ﴿إنّهِ صرح ممّرد﴾ مملّس مستو ﴿من قوارير﴾ وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا
سليمان إنّي أُريد أن أسألك عن شيءٍ.
قال: سلي.
1
قالت: أخبرني عن ما ماء رُواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا
يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّ سأل الجن، فإن علموا وإلاّ سأل الشياطين،
فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلْتجرِ ثم املأ الآنية من عَرَقها .
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب
سليمان عليه السلام عن سريره وخرَّ ساجداً وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنودُه وجاءهُ
الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك ؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها
وإلى مَن حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان
(عليه السلام)، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّاذا سألتِني ؟

٢١٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبتَ.
قال: وعن أيّ شيء سألتِني أيضاً ؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلاّ هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى
ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمَّ إن سليمان دَعَاها الى الإسلام وكانت قد رأت
حال العرش والصرح فأجابت وقالت ﴿رَبّ إنّي ظلمتُ نفسي﴾ بالكفر ﴿وأسلمتُ مع سليمان لله
رَبّ العالمين﴾ فحسن إسلامها .
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن
يتزوجها، فلمّا همَّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا ! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا ؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها
تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمَّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك
حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران
ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص
الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ◌َّر قال: ((أول من اتخذ الحمامات
سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّهُ حرّها قال: آوه مِن عذاب الله))
[١١٥](١).
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّاً شديداً وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها
بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً وحسناً وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم
كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرَّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام
يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود
عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من امرها: اختاري رجلاً من قومك أُزّوجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلاّ ذلك ولا ينبغي لكِ أنْ تحرّمي ما أحل الله لكِ.
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢١٠.

٢١٥
سورة النمل، الآيات: ٤٥ - ٥٣
فقالت: زوّجني إنْ كان لابدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزّوجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن
وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك
فيه .
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان
ابن داود (عليه السلام)، فلمّا أنْ حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل
رَجُلٌ منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنَّ
الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها
كتاباً بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفاً]، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون
وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون
إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها
الشياطين لذي تبع](١)، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيسٍ مع
(٢)
ملك سليمان (عليه السلام)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَقَّوْمِ لِّ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالشَّيِّئَةِ فَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَنُونَ ﴿٢) قَالُواْ أَطِّزْنَا بِكَ وَبِمَن ◌َّعَكَّ
قَالَ طَِّرُكُمْ عِندَ الهِّ بَلْ أَنْتُهُ فَوْمُ تُفْتَنُونَ (49) وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَفْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا
يُصْلِحُونَ ﴿﴿ قَالُواْ نَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ وَأَهْلَمُ ثُمَّ لَقُولَنَّ لِوَلَيْهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا
] وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَمِنَةُ
٤٩
لَصََدِفُونَ
مَكْرِهِمْ أَنَّا دَفَرْنَاهُمْ وَقَوْمَّهُمْ أَعْمَعِينَ (٨٦َ فَتِلْكَ يُوتُّهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا طَلَمُوَاْ إِنَ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٦) وَأَنْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ
﴿ولقد أرسلنا الى ثمود أخاهم صالحاً أن﴾ يعني بأن ﴿اعبدوا الله﴾ وحده ﴿فإذا هم
فريقان﴾ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب ﴿يختصمون﴾ في الدين.
قال مقاتل: واختصامهم مُبَّين في سورة الأعراف وهو قوله ﴿قال الملأ الذين استكبروا من
قومه﴾ الى قوله ﴿يا صالح أئتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين﴾.
فقال لهم صالح ﴿يا قوم لم تستعجلون بالسيّئة﴾ بالبلاء والعقوبة ﴿قبل الحسنة﴾ العافية
والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. ﴿لولا﴾ هلّ
﴿تستغفرون الله﴾ بالتوبة من كفركم ﴿لعلكم تُرحمون قالوا اطيّرنا﴾ تشاءمنا، وأصله تطيّرنا ﴿بك
(١) عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.
(٢) تفسير الطبري: ١ / ٣٥١.

٢١٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وبمن معك﴾ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ
والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم
إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشومى وهي اليسرى.
﴿قال طائركم﴾ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب ﴿عند الله﴾ بأمره وهو
مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليَّ ولا علمه عندي.
﴿بل أنتم قوم تُفتنون﴾ قال ابن عباس: تُختبرون بالخير والشر، نظيره ﴿ونبلوكم بالشرّ
والخير فتنة﴾(١).
الكلبي: تُفتنون حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى.
محمد بن كعب: تُعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم
ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي.
﴿وكان في المدينة﴾ يعني مدينة ثمود وهي الحجر ﴿تسعة رهط﴾ من أبناء أشرافهم
﴿يُفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى
وبرهم ودعمی وعيم وقتال وصَداف.
﴿قالوا تقاسموا﴾ تحالفوا ﴿بالله﴾ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله
﴿بعضهم لبعض﴾ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم
تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا
يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا.
﴿النبيتتّه وأهله﴾ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ
يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتتّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب
واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم.
ثم ﴿ثم ليقولن ما شهدنا﴾ ما حضرنا ﴿مهلك أهله﴾ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي
بكر مهلك بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعاً بمعنى
الهلاك ﴿وإنّا لصادقون﴾ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك.
﴿ومكروا مكراً﴾ وغدروا غدراً حين قصدوا تبييت صالح والفتك به ﴿ومكرنا مكراً﴾
وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم ﴿وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّ﴾ قرأ
الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنّا بفتح الالف ولها وجهان:
(١) سورة الأنبياء: ٣٥.

٢١٧
سورة النمل، الآيات: ٥٤ - ٥٩
أحدهما: أن يكون أنّا في محلّ الرفع ردّاً على العاقبة.
والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد
هذه القراءة اعتبار الحرف أي أنْ دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء.
﴿دَمّرناهم﴾ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم.
فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار
شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم.
قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلَّط الله عليهم صخرة فدمغتهم.
مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل
فأهلكهم .
السدّي: خرجوا ليأتوا صالحاً فنزلوا خرقاً من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم.
﴿وقومهم أجمعين﴾ بالصيحة وقد مضت القصة.
﴿فتلك بيوتهم خاوية﴾ خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو
عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه
﴿وله الدين واصباً﴾(١) وقرأ عيسى بن عمر ﴿خاوية﴾ بالرفع على الخبر ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي
بظلمهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ لعبرة ﴿لِقَوْم يَعلَمونَ وأَنْجَيْنا الذين آمَنُوا وَكَانوا يَتَّقُوْن﴾ من صيحة
جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم.
قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودٌ
اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة
المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي
(حضر موت).
قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا)(٢) وقد مضت القصّة
جميعاً(٣).
وَلُوطًا إِذْ فَكَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأَتُونَ الْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ يُصِرُونَ
أَبِّكُمْ لَتَأْتُونَ الْحَالَ شَهْوَةٌ
(١) سورة النحل: ٥٢.
(٢) هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: ١٢ / ٧٥. حضوراء.
(٣) راجع القصّة في تفسير القرطبي: ١٢ / ٧٥.

٢١٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
فِ دُونِ الْسَاءُ مَ أَنْهُ فَيْ لَمْهَلُونَ () ﴿ مَا كَا حَوَات فرمه إلا أن قتلوا الغريوا ،ال أويطٍ
فِى فَرِيكُم فه أنَاش بَطَهُونَ أنَذَ كَعَبْتَهُ وَأَهْلَهُ إلَّا أَمْرَائِمُ قَذَّرْنَهَا مِنَ الْقَرِفَ (بَهِ) وَأَنْطَرْ)
قَتِهِ ذَقدراً فاء معكر الشدين
﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ﴾ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة ﴿وَأَ نْتُمْ تُبْصِرُون﴾ أنّها
فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضاً. كانوا لا يتستّرون عتوّاً منهم وتمرّداً ﴿أئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط
مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاءً منهم بهم ﴿فَأْنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ
إلَّ امْرَأْتَهُ﴾ وأهله ﴿قدَّرناها﴾ قضينا عليها أنها ﴿مِنَ الغَابِرِينَ﴾ أي الباقين في العذاب وقال أهل
المعاني: معنى ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ جعلناها ﴿مِنَ الغَابِرِينَ﴾ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار
جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في
إنزال العذاب بها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي على شذّادها (١) ﴿مَطَرَأْ﴾ وهو الحجارة ﴿فَسَاءَ مَطَرُ
المُنذَرِينَ قُلِ الحَمْدُ للهِ﴾ قال الفرّاء: قيل للوط: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ﴾ على هلاك كفار قومي.
وقال الباقون: الخطاب لرسول الله وَّل، يعني و﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ﴾ على هلاك كفّار الأُمم
الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه.
﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام)، عن مقاتل دليله
قوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِيْن﴾(٢) وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرنا السدي. قال: حدّثنا
أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي
مالك، عن ابن عباس ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: أصحاب محمّد (عليه السلام).
وأخبرني عبدالرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبدالله بن محمّد بن
مسلم، فيما أجازهِ لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان
سُئل عن ﴿عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: هم أصحاب محمّد.
وقال الكلبي: هم أُمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاماً للحجّة:
﴿َأَللهُ﴾ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ إستفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (الذين وآلآن)
جعلت المدّة علماً بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء ﴿خيرٌ أمّا
يشركون﴾ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء)، الباقون (بالتاء)، وكان النبي (عليه
(١) هكذا في المخطوط.
(٢) سورة الصافات: ١٨١.

٢١٩
سورة النمل، الآيات: ٦٠ - ٦٦
السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: ((بل الله خيرٌ وأبقى وأجلّ وأكرم))(١). [١١٦].
أله عن الكارب والأَرْضِ وَأَزَلْ فُسِكُم فَ أَتْلَ مُ بَأنْتَنَا بِهِ. مذابن أَنتَ بَهْجَلٍ مَّا
صَّابَ ﴿ أَ نَلُِّ تَخْوَمَاً أَوَهُ ثَعْ لَنَّهُ بَلْ هُمْ ثَرَمٌ بَعْدِلُونَ فَهَذَا أَشَِّ عُعَلَ الْأَرْضَ فَوَاءً وَجَعَلَّ
سَلَهَا أَنَّهَاً وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ وَعَلَ بَيْنَ اْبَعْرِ حَدِرَاً أَنَّهُ ثَمْ أَلَّهِ بَلْ أَسْتَلَّهُمْ لََّ بِمَنَُّونَ.
(١) أَتَّى يُحِبُ الْتُنْطَرَّ إِذَا ذَهَاهُ وَيَكْتِفُ اَلْتُّوَةَ وَيَجْعَلَّمَةُ سُلَفَ الأَرْسِنُ أَوْنَهُ مَعَ لَّ قَبِلًا مَّا
تَكُرُونَ (٣) أَتَّى يَهْدِيكُ فِي طَلَبِ الْرِّ وَلَّحْرِ وَمَّ ◌ِرْسِلُ أَرِهِمْ بِتْرً بَعْتَ بَدْفُ رَحِيَهُ أَوْلَهُ
ـَ لَهْ لَعَلَ اللَّهُ عَنَّا يُشْرِكُونَ (وَ أَمَّنْ يَمْدَوَ أَخَلَقْ نَُّّ يُّمِهُمُ وَمِنْ بِ وَخَرِ مِنَّ أَنْشَعَاَءِ وَالأَبِيُّ أَوْلَهُ مُعَ
لِلَهُ ثُّلْ مَانُواْ بِرْنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِفِنَ (١٥) قُلِ لَا بَعْدَّ مَنْ فىِ الْشَعَوَّبِ وَالأَرْصِ الَ إِلَّ الْقَهُ وَمَا
مَ أَنَانَ يُتْعَثُونَ (60) بَلَ أَّرَكَ بِلَّهُمْ فِ اَلْآَخِرَأْ مَلْ هُمْ فِ شَكَِّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (َ)
﴿أَمّن﴾ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأْ نْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حُسْن.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه ﴿أَعِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ يعينه
على ذلك، ثمّ قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُوْن﴾ يشركون ﴿أمّن جَعَلَ الأَرضَ قَرَاراً﴾ لا تميد بأهلها
﴿وَجَعَلَ خِلاَلَها﴾ وسطها ﴿أَنْهاراً﴾ تطرد بالمياه ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالا ثوابت ﴿وَجَعَلَ
بَيْنَ البَحْرَيْنِ﴾ العذب والملح ﴿حَاجِزاً﴾ مانعاً لئلاّ يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه،
وقيل: أراد الجزائر ﴿أَعِلَةٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ أي
المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي
قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس.
وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبدالله الأصبهاني
يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبدالله التستري يقول:
﴿المضطرّ﴾ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعياً لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها ﴿وَيَكْشِفُ
السُّوْء﴾ أي الضرّ ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ يهلك قرناً وينشئ آخرين ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا مَا
تَذَكَّرُونَ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إذا سافرتم.
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرِئٍ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قدّام رحمته ﴿أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه﴾ للبعث ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ﴿وَ الأَرْضِ﴾ النبات
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم﴾ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلهاً آخر ﴿إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٢١.

٢٢٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللهُ﴾ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول
الله ◌َ﴾ عن وقت قيام الساعة.
قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد ﴿إِلاّ﴾ لأنّ قبلها جحداً كما يقال: ما ذهب أحد إلاّ أبوك
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أيَّنَ﴾ متى ﴿يُبْعَثُون﴾ قالت عائشة: مَن زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على
الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إلاَّ الله﴾.
أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال:
حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ
الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم،
ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب،
فأخطأ ثمّ حسب أيضاً، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما
الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف
عددها، فصار غيباً، ولا يعلم الغيب إلاّ الله عزّ وجل. ﴿بَلٍ ادّارَكَ﴾ اختلف القرّاء فيه، فقرأ
ابن عباس بلى بإثبات الياء ﴿ادّارَك﴾ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام.
روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي
الآخِرَة﴾ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث،
لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه.
وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي ﴿بل ادّارك﴾
بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع ﴿عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَة﴾ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق
هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك ﴿عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَة﴾ والعرب تضع بل موضع أم، وأم
موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر:
فوالله ما أدري أسلمى تغوّلت أم البوم أم كلِّ إلي حبيب(١)
أي بل كلٌّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع
فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه؛ لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد، وقرأ أبو
جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو ﴿بل ادّارك﴾ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم
في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم
علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم
علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم.
(١) لسان العرب: ١٠ / ٤٢١.