النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة المؤمنون، الآيات: ١٢ - ٢٦
على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ يعني ولائدهم ﴿فإنّهم غير ملومين﴾ لا يُلامون على جماع
أزواجهم وولائدهم ﴿فمن ابتغى وراء ذلك﴾ فمن طلب الفواحش بعد الأزواج والولائد ما لم
يحلّ ﴿فاولئك هم العادون﴾ يعني المعتدين في دينهم ﴿والذين هم لأماناتهم﴾ يعني ما ائتمنوا
عليه فيما بينهم وبين الناس ﴿وعهدهم راعون﴾ يعني حافظين يؤدّون الأمانة ويوفون بالعهود
﴿والذين هم على صلوتهم يحافظون﴾ يعني يحافظون عليها في مواقيتها، ثمَّ أخبر بثوابهم فقال
﴿أولئك هم الوارثون﴾ ثمَّ بین مایرثون فقال ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ يعني الجنة بلسان الرومية
﴿هم فيها خالدون﴾ لا يموتون فيها .
أخبرنا محمد(١) بن عقيل القطان(٢) قال: أخبرنا حاجب بن أحمد بن سفيان قال: حدَّثنا
محمد بن حماد البيوردي قال: حدَّثنا عبد الرزاق قال: أخبرني يونس بن سليم قال أملى(٣) علىّ
صاحب ايلة عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرَّحْمن بن عبد القاري قال: سمعت
عمر بن الخطاب والله يقول: كان إذا نزل على رسول اللـه ◌َ﴾ الوحي يُسمع عند وجهه كدوىّ
النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل ورفع يديه فقال: ((اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا،
وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنّا، ثمَّ قال: لقد أُنزل علينا عشر آيات من
أقامهن دخل الجنّة، ثمَّ قرأ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ عشر آيات(٤)) [١٢].
وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَكَةٍ مِنْ طِبِ (٣) ثُمَّ جَْتَهُ نُطْفَّهُ فِي قَرَرٍ مَّكِيْنِ ﴿يَ ثُرَّ خَقْنَا اُلْتُّعَلَّغَةَ
عَلَقَةُ فَخَلَقْنَا الْعَلَفَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَنَا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَتْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا مَاخَرْ
فَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ اَلْخَلِفِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِّتُونَ (٤٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَثُونَ (®)
وَقَدْ خَلَقْنَا فَوَقَكُمُ سَبْعَ طَرَبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِّ خَمْفِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَهُ بِقَدَرٍ فَأَشْكَنَّهُ فِى
الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ. لَقَدِرُونَ ﴿﴿ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ حَتَّتٍ مِن أَّخِيلِ وَأَعْنَبِ لَّكُمْ فِهَا فَوَّكِهُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُونَ (١٩) وَشَحَرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ طُورٍ سَئِنَآَ تَنْمُتُ بِالذُّهْنِ وَصِيْعُ لِلَّكِينَ (٣٥) وَإِنَّ لَكُ فِ الْأَنْعَمِ
لَعِبْرَةٌ تُشْفِيكُ مِمَا فِ بُونَهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ (٦٨) وَعَلَهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ.
٣٣
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَتَّقُونَ (*َ) فَقَالَ الْمَلَوُّأْ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَنَغَضَّلَ عَلَيْحِكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَّأَنْلَ مَكَةً مَّا سَمِعْنَا
بَدَا فِىّ ◌َآَنَا الْأَوَّلِينَ (٣٤) إِنْ هُوَ إِلَّ رَجُلٌ بِهِ، حِنَّةٌ فَتَرَنَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٣٥) قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِ بِمَا
٢٦
كَذَبُونِ
(١). في النسخة الثانية زيادة: بن أحمد.
(٢) في النسخة الثانية: العطار.
(٣) في النسخة الثانية زيادة: يونس بن.
(٤) منتخب مسند عبد بن حميد: ص ٣٤.

٤٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأنسَانَ﴾ يعني ابن آدم ﴿مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِين﴾(١) أي من صفوة ماء آدم الذي
هو من الطين ومنيّه والعرب تسمّي نطفة الشيء وولده سليله وسلالته لأنّهما مسلولان منه. قال
الشاعر:
حملت به عَضب الأديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين(٢)
وقال آخر:
سليلة أفراس تجلّلها بغل(٣)
وهل كنت إلاّ مهرة عربية
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُظْفَةٌ فِي قَرَار مَكِين﴾ حريز مكين لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها وهو الرحم.
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَّةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾ قرأ ابن عامر عظماً
على الواحد في الحرفين، ومثله روى أبو بكر عن عاصم لقوله لحماً، وقرأ الآخرون بالجمع لأنّ
إلانسان ذو عظام كثيرة.
﴿فَكَسَوْنَا﴾ فألبسنا ﴿الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ اختلف المفسرون فيه. قال ابن
عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة وأبو العالية والضحاك وابن زيد: نفخ الروح فيه .
قتادة: نبات الأسنان والشعر.
ابن عمر: استواء الشباب، وهي رواية ابن أبي نجيح وابن جريج عن مجاهد.
وروى العوفي عن ابن عباس: إنّ ذلك تصريف أُحواله بعد الولادة، يقول: خرج من بطن
أُمّه بعد ما خلق فكان من بدو خلقه الآخر أن استهلّ، ثمَّ كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أُمّة، ثمّ
كان من خلقه أن عُلّم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى
أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلمَ، إلى أن بلغ ان
یتقلّب في البلاد.
وقيل: الذكورة والأنوثية، وقيل: إعطاء العقل والفهم.
﴿فَتَبَارَكَ اللـهُ﴾ أي استحق التعظيم والثناء بأنّه لم يزل ولا يزال وأصله من البروك وهو
الثبوت .
﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي المصوّرين والمقدّرين، مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير
الصانعين .
(١) في النسخة الثانية زيادة: أسيل من الأرض، قال قتادة: وقال ابن عباس ومجاهد: ولقد خلقنا الانسان يعني
آدم من سلالة من طين.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٨ / ١٢.
(٣) جامع البيان للطبري: ١٨ / ١٢.

٤٣
سورة المؤمنون، الآيات: ١٢ - ٢٦
ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأنّ عيسى كان يخلق، فأخبر جلَّ ثناؤه أنّه يخلقُ أحسن
ممّا كان يخلق.
وروى أبو الخليل عن أبي قتادة قال: لمّا نزلت هذه الآية إلى آخرها قال عمر بن
الخطاب رَُّبه ((فتبارك الله أحسن الخالقين)) فنزلت ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾.
قال ابن عباس: كان ابن أبي سرح يكتب لرسول الله وَ لقر، فأملى عليه هذه الآية، فلمّا بلغ
قوله ﴿خلقاً آخر﴾ خطر بباله ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ فلمّا أملاها كذلك لرسول الله قال
عبد الله: إن كان محمد نبيّاً يوحى إليه فانا نبيّ يوحى إليّ، فلحق بمكة كافراً.
﴿ثُمَّ إنكم بعد ذلك لميّتُونَ﴾ قرأ أشهب العقيلي لمايتون بالألف، والميّت والمائت، الذي
لم يفارقه الروح بعد وهو سيموت، والميْت بالتخفيف: الذي فارقه الروح، فلذلك لم تخفف
ههنا كقوله سبحانه وتعالى ﴿إنّك ميّت وإنّهم ميّتون﴾(١) ﴿ثَّ إنّكم يوم القيامة تُبعثُونَ ولقد خلقنا
فوقكم سبع طرائقَ﴾ وإِنما قيل: طرائق لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة،
والعرب تسمّي كلّ شيء فوق شيء طريقة، وقيل: لأنّها طرائق الملائكة.
﴿وما كنّا عن الخلق غافلين﴾ يعني عن خلق السماء، قاله بعض العلماء، وقال أكثر
المفسرين: يعني عمّن خلقنا من الخلق كلّهم ماكنّا غافلين عنهم، بل كنّا لهم حافظين من أن
تسقط علیهم فتهلکھم.
وقال أهل المعاني: معنى الآية: إنّ من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن
الطرائق التي فوقهم فتسقط فالله عزّ وجلّ ﴿يمسك السموات أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه﴾
ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين.
قال الحسن: وما كنّا عن الخلق غافلين أن ينزل عليهم ما يجيئهم من المطر.
﴿وأنزلنا من السماء ماء بَقَدَر فأسكتّاه في الأرض﴾ ثمَّ أخرجنا منها ينابيع فماء الأرض هو
من السماء.
﴿وإنّا على ذهاب به القادرونَ﴾ حتى تهلكوا عطشاً وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم.
﴿فانشأنا لكم به﴾ بالماء ﴿جنّات من نخيل وأعناب لكم فيها﴾ يعني في الجنّات ﴿فواكه
كثيرة ومنها تأكلون﴾ شتاء وصيفاً، وإنّما خصّ النخيل والأعناب بالذكر لأنّهما كانا أعظم ثمار
الحجاز وما والاها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكر القوم ما
يعرفون من نعمه .
(١) سورة الزُمَر: ٣٠.

٤٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وشجرة﴾ يعني وأنشأنا لكم أيضاً شجرة ﴿تخرجُ من طور سيناء﴾ وهي الزيتون، واختلف
القُرّاء في سيناء، فكسر سينه أبو عمرو وأهل الحجاز، وفتحه الباقون، واختلف العلماء في
معناه، فقال مجاهد: معناه البركة، يعني: إنه جبل مبارك، وهي رواية عطية عن ابن عباس،
قتادة والحسن والضحّاك: طور سيناء بالنبطية: الجبل الحسن.
ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى عليه السلام، وهو بين مصر وأيلة، معمر
وغيره: جبل ذو شجر، بعضهم: هو بالسريانية الملتفّة الاشجار، وقيل: هو كلّ جبل ذي أشجار
مثمرة، وقيل: هو متعال من السّنا وهو الارتفاع.
قال مقاتل: خُصّ الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها، ويقال: إنّ الزيتون أول شجرة
نبتت في الدنيا بعد الطوفان.
د
﴿تنبت بالدُّهن﴾ وأكثر القراء على فتح التاء الأَوّل من قوله تنبت وضم بائه، وقرأ ابن كثير
وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء ولها وجهان:
أحدهما: أن الباء فيه زائدة كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، وكقول الراجز:
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج(١)
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج
أي ونرجو الفرج.
والوجه الآخر: أنّهما لغتان بمعنى واحد نبت وأنبت، قال زهير:
(٢)
قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم
أي نبت ﴿وصبغ للآکلین﴾ أي إدام نصطبغ به
﴿وإنّ لكم في الانعام لعبرة﴾ وهي الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدىّ به الى العلم وهي
من العبور كأنه طريق يُعبر إليه ويتوصل به إلى المراد.
﴿نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون
ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ قال ابن عباس: سمّي بذلك لكثرة ماناح على نفسه، واختلف في
سبب نوحه، فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك حيث قال ﴿ربٍّ لا تذر على الأرض من
الكافرين ديّاراً﴾(٣) وقيل: لمراجعته ربّه في شأن أُمته، وقيل: لأنّه مرَّ بكلب مجزوم، فقال:
إخسأ يا قبيح فأوحى الله سبحانه إليه: أعبتني أم عبت الكلب ؟.
(١) لسان العرب: ١٥ / ٤٤٣.
(٢) لسان العرب: ١٣ / ٣٤٣.
(٣) نوح: ٢٦.

٤٥
سورة المؤمنون، الآيات: ٢٧ - ٣٥
﴿فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيرهُ أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما
هذا إلّ بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضل﴾ يتشرف ﴿عليكم﴾ فيكون أفضل منكم فيصير متبوعاً وأنتم له
تبعاً .
﴿ولو شاء الله لأنزل ملائكةً ماسمعنا بهذا﴾ الذي يدعونا إليه نوح ﴿في آبائنا الأولين إنْ
هو﴾ ما هو ﴿إلّ رجل به جِنّةٌ﴾ جنون، نظيرها قوله سبحانه ﴿ما بصاحبهم من جِنّةٍ﴾(١) ويقال
للجن أيضاً: جنّة، قال الله سبحانه ﴿وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً﴾(٢) وقال ﴿من الجنّة
والناس﴾(٣) يتفق الاسم والمصدر.
﴿فتربّصوا﴾ فانتظروا ﴿به حتى حين﴾ يعني إلى وقت ما، وقيل: الى حين الموت، فقال
لمّا تمادوا في غيّهم وأصرّوا على كفرهم ﴿رَبّ انصرني﴾ أعني بإهلاكهم ﴿بما كذّبون﴾ يعني
بتكذيبهم إياي.
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ أَصْنَعِ الْقُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَرَ الشَّنُورُ فَأَسْلَتْ فِيهَا مِنْ
كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَّنِ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمَّ وَلَا تُخَطِيْنِي فِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُمِ
◌ُغْرَّقُونَ (٣) فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ اَلْخَدُ لِلَِّ الَّذِىِ نَا مِنَ الْقَوْمِ الظَِّينَ (٣٨) وَقُّل
رَّبِّ أَزِلْنِ مُدَّلَا مُبَارَكًا وَأنْتَ خَبْرُ الْمُعْلِنَ (٣٩) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَدٍ وَإِن كُنَا لَمُبْتَلِنَ (٢٦) ثُرَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ
فَّنَا مَخَرِنَ (٢١) وَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَِّ غَيْرُهُ، أَفَلَ نَّقُونَ (٢٦) وَقَالَ الْعَلَأُ مِنْ
قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَّآءِ الْآَخِرَةِ وَأَفْنَهُمْ فِ الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّ بَثَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِنَّا تَأْكُونَ
مِنْهُ وَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿٦َ) وَلَيْنْ أَلْمَعْتُم بَرَا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَّا أَخَدِرُونَ (٣٤) أَيَذْكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِنُمْ
٣٥
وَكُمْ قُرَيَا وَعِظَمَا أَنَّكُ مُخْرَجُونَ
﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التَُّّورُ فاسلك فيها﴾
فأدخل فيها، يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه، قال الشاعر:
وقد سلكوك في يوم عصيب(٤)
وكنت لزاز خصمك لم أُعرّد
وقال الهذلي :
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة
شلاً كما تطرد الجمّالة الشردا(٥)
(١) سورة الأعراف: ١٨٤.
(٢) سورة الصافات: ١٥٨.
(٣) سورة الناس: ٦.
جامع البيان للطبري: ١٢ / ١٠٧.
(٤)
(٥) لسان العرب: ٣ / ٢٣٧.

٤٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿من كل زوجين اثنين وأهلك إلاّ من سَبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلمو
إنهم مغرقون﴾ .
قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلّ من يلد ويبيض، فأما ما يتولد من الطين
وحشرات الأرض والبق والبعوض فلم يحمل منها شيئاً .
﴿فإذا استويت﴾ اعتدلت في السفينة راكباً فيها، عالياً فوقها ﴿أنت ومن معك على الفلك
فقل الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين وقل ربّ أنزلني منزلا مباركاً﴾ قرأه العامة بضمـ
الميم على المصدر أي إنزالاً مباركاً، وقرأ عاصم برواية أبي بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي
موضعاً .
﴿وأنت خيرُ المُنْزلين إنَّ في ذلك لآيات وإن كنّا﴾ وقد كنّا، وقيل: وما كنا إلاّ مبتلين
مختبرين إيّاهم بتذكيرنا ووعظنا لننظر ماهم عاملون قبل نزول العذاب بهم.
﴿ثُمَّ أنشانا من بعدهم﴾ أي أهلكناهم وأحدّثنا من بعدهم ﴿قرناً آخرين فأرسلنا فيهم
رسولا منهم﴾ قال المفسّرون يعني هوداً وقومه ﴿أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتّقون
قال الملأ من قومه الذين كفروا وكذّبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم﴾ نعّمناهم ووسّعنا عليهم،
والترفة: النعمة، في الحياة الدنيا ﴿ما هذا﴾ الرسول ﴿إلاَّ بشرٌ مثلكم يأكل مما تأكلون منه
ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون أبعدكم أنّكم إذا مُتّم وكنتم تُراباً
وعظاماً﴾ قد ذهبت اللحوم ﴿إنّكم مخرجون﴾ من قبوركم أحياءً، وأعاد إنّكم لمّا طال الكلام،
ومعنى وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون(١).
إِنْ هِىَ إِلَّ حَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَفَّحْيَا وَمَا نَحْنُ بِعَبْعُوثِينَ
* حَيْهَاتَ فَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (َ)
إِنْ هُوَ إِلَّ رَجُلُّ أَقْرَى عَلَى اللَّهِ صِكَلِيَا وَمَا نَحْنُ لَمُ بِمُؤْمِنَ ﴿٣٠) قَالَ رَبِّ أَنْصُرْلِ بِمَا كَذَّبُونِ
قَالَ
٣٩
عَمَّا قَلِلِ لَّيْبِحُنَّ تَدِمِينَ ﴿٤٢َ فَأَخَذَّتَهُمُ الْضَّْسَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ مُنَلَهُ فَبَعْدًا لِلْقَوْمِ الَِّلِينَ (١١) ثُمَّ
أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِرْ فُوْنَا مَخَرِنَ ﴿٢٤٦) مَا تَسْبِقُ مِنْ أَمَّةٍ أَلَهَا وَمَا يَسْتَنِْرُونَ (٣) ثُمَّ أَزْسَلْنَا رُسُلَنَا نََّ كُلَّ مَا
بَّءَ لْنَّهُ رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْغَنَا بَعْضَهُمْ بَعْضَا وَحَمَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌّ فَبَعْدَاً لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُنَ
١٣٧
﴿هيهات هيهات لما تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: هي كلمة بُعْد يقول: ما توعدون، واختلف
القرّاء فيه، فقرأ أبو جعفر بكسر التاء فيهما، وقرأ نصر بن عاصم بالضم، وقرأ ابن حبوة الشامي
بالضم والتنوين، وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين، وكلّها لغات صحيحة، فمن نصب جعل
(١) في النسخة الثانية (أصفهان): ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متّم وكنتم تراباً وعظاماً فتخرجون، وذكر أن
ذلك من قراءة عبد الله، أيعدكم إذا متّم وكنتم تراباً وعظاماً مخرجون.

٤٧
سورة المؤمنون، الآيات: ٣٦ - ٤٤
مثل أين وكيف، وقيل: لأنهما أداتان فصارتا مثل خمسة عشر وبعلبك ونحوهما .
وقال الفرّاء: نصبهما كنصب قولهم ثمث وربّت، ومن رفعه جعله مثل منذ وقط وحيث،
ومن كسره جعله مثل أمس وهؤلاء. قال الشاعر:
تذكرت أياما مضين من الصبا
وهيهات هيهات إليك رجوعها (١)
وقال آخر:
وهيهات من أُم الحمارس هيهاتا
لقد باعدت أُم الحمارس دارها
واختلفوا في الوقف عليها، فكان الكسائي يقف عليها بالهاء، والفرّاء بالتاء، وإنّما أُدخلت
اللام مع هيهات في الاسم لأنها أداة غير مشتقّة من فعل فأدخلوا معها في الاسم اللام كما
أدخلوها مع هلمّ لك.
﴿إِنْ هي﴾ يعنون الدنيا ﴿إِلاّ حَياتُنا الدنيا نموتُ ونحيا﴾ يموت الآباء ويحيى الأبناء ﴿وما
نحن بمبعوثين إنْ هو﴾ يعنون الرسول ﴿إلاّ رجل افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين قال
رب انصرني بما كذبون قال عمّا قليل﴾ عن قليل، وما صلة ﴿ليصبحنّ نادمين﴾ على كفرهم
﴿فأخذتهم الصيحة﴾ يعني صيحة العذاب ﴿بالحق فجعلناهم غثاءً﴾ وهو ما يحمله السيل ﴿فبعداً
للقوم الظالمين ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين﴾ والقرن أهل العصر، سمّوا بذلك لمقارنة
بعضهم ببعض .
﴿ما تسبق من أُمّة أجلها وما يستأخرون﴾ ومن صلة.
﴿ثمَّ أرسلنا رسلنا تترا﴾ مترادفين يتبع بعضهم بعضاً، وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو
تترى بالتنوين على توهّم أنَّ الياء أصليّة، كما قيل: معزي بالياء ومعزىّ وبهمي وبهما فأُجريت
أحياناً وترك اجراؤها أحياناً، فمَن نوَّن وقف عليها بالألف، ومن لم ينوّن وقف عليها بالياء،
ويقال: إنها ليست بياء ولكن ألف ممالة، وقرأه العامّة بغير تنوين مثل غضبى وسكرى، وهو اسم
جمع مثل شتّى، وأصله: وترى من المواترة والتواتر، فجعلت الواو تاء مثل التقوى والتكلان
ونحوهما .
﴿كلّما جاء أُمّةً رسولها كذّبوه فاتبعنا بعضهم بعضاً﴾ بالهلاك أي أهلكنا بعضهم في أثر
بعض.
﴿وجعلناهم أحاديث﴾ أي مثلا يتحدّث بهم الناس، وهي جمع أُحدوثة، ويجوز أن يكون
جمع حديث، قال الأخفش: إنّما يقال هذا في الشّر، فأمّا في الخير فلايقال: جعلتهم أحاديث
وأُحدوثة وإنما يقال: صار فلان حديثاً .
(١) تفسير القرطبي: ١٢ / ١٢٢.

٤٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فبعداً لقوم لا يؤمنون﴾ نظيرها ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقّناهم كلّ ممزّق﴾(١)؟
مَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِأَتِنَا وَسُلْطَنِ مُبِينٌ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلِهِ، فَأَسْتَكْبِرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا
(١٨) وَلَقَدْ
تَكَذّبُهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَّكِينَ
عَلِينَ (٦) فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَِشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَنِدُونَ (19)
مَتَّنَا مُوسَى الْكِتَبَ لَعَلَّهُمْ يَدُونَ (١) وَحَمَلَنَا أَبْنَ عَنْتَ وَأَّهُ: مَيَّةٌ وَمَاوَبْتَهُمَا إِلَى رَبٍَّ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَّعِينِ
وَأَيُّهَا الرّسُلُ كُوْ مِنَ الَِّْبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَدِحًا إِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أَنَّهُ
وَجِدَةُ وَأَنَّ رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ (٨٢َ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ذُبْرَاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِعُونَ ﴿َ﴾﴾ فَذَرْهُمْ فِي
غَمْرَتِهِمْ خَّ حِينٍ ﴿﴿ أَخْسَبُونَ أَنَّمَا تُعِدُهُرُ بِهِ مِن مَّالِ وَبَيْنُّ ﴿٥َ شَارِعُ لَمْ فِ الخَبْرَّتِّ بَلَ لَّا يَشْعُونَ.
٢٥٦
إِنَّ الَِّنَّ هُم مِّنْ خَشْبَةِ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ ﴿﴿ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَتِ رَيْهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُم بِيَهِمْ لَا
يُشْرِكُونَ (
٥٩
﴿ثمّ أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاستكبروا﴾
تعظّموا عن الإيمان ﴿وكانوا قوماً عالين﴾ متكّبرين، قاهرين غيرهم بالظلم، نظيرها ﴿إنّ فرعون
علا في الأرض﴾(٢).
﴿فقالوا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾ فنتبعهما ﴿وقومهما لنا عابدون﴾
مطيعون متذللون، والعرب تسمّي كلّ من دان لملك عابداً له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة:
العباد لأنّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
﴿فكذّبوهما فكانوا من المهلكين﴾ بالغرق ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ التوراة ﴿لعلّهم
يهتدون﴾ لكي يهتدي بها قومه فيعملوا بما فيها ﴿وجعلنا ابن مريم وأَمّه آية﴾ دلالة على قدرتنا،
وكان حقّه أن يقول آيتين كما قال الله سبحانه ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾(٣) واختلف النحاة
في وجهها، فقال بعضهم: معناه: وجعلنا كل واحد منهما آية كما قال سبحانه ﴿كلتا الجنتين
آنت أُكلها﴾(٤) أي آتت كلّ واحدة أُكلها وقال ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
رجس﴾(٥) ولم يقل أرجاس، وقال بعضهم: معناه: جعلنا شأنهما واحداً لأنّ عيسى ولد من غير
أب، وأُمّه ولدت من غير مسيس ذكر. ﴿وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين﴾.
أخبرنا أبو صالح منصور بن أحمد المشطي قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن
(١) سورة سبأ: ١٩.
(٢) سورة القصص: ٤.
(٣) سورة الإسراء: ١٢.
(٤) سورة الكهف: ٣٣.
(٥) سورة المائدة: ٩٠.

٤٩
سورة المؤمنون، الآيات: ٤٥ - ٥٩
عبد الله الرازي قال: أخبرنا سلمان بن علي قال: أخبرنا هشام بن عمار قال: حدّثنا عبد المجيد
عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام في قول الله سبحانه
﴿وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين﴾ قال: دمشق، وقال أبو هريرة: هي الرملة، قتادة
وكعب: بيت المقدس، قال كعب: وهي أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلاً. ابن زيد:
مصر، الضحّاك: غوطة دمشق، أبو العالية: إيليا وهي الأرض المقدسة، ويعني بالقرار الأرض
المستوية والساحة الواسعة، والمعين: الماء الظاهر لعين الناظر، وهو مفعول من عانه يعينه إذا
أدركه البصر ورآه، ويجوز أن يكون فعيلاً مَعَنّ يمعن فهو مَعين من الماعون.
﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ يعني من الحلالات، يعني: وقلنا لعيسى: كلوا من
الطيبات، وهذا كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيّها القوم كفّوا عنّا أذاكم، ونظائرها في
القرآن كثيرة. قال عمرو بن شريل: كان يأكل من غزل أُمّه، وقال الحسن ومجاهد: المراد به
محمد رسول الله ◌َلته .
﴿واعملوا صالحاً إنّى بما تعملون عليم وإنّ هذه﴾ قرأه أهل الكوفة بكسر الألف على
الابتداء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف وتخفيف النون جعل إنّ صلة مجازه: وهذه أُمتّكم، وقرأ
الباقون بفتح الألف وتشديد النون على معنى هذه، ويجوز أن يكون نصباً بإضمار فعل، أي
واعلموا أنّ هذه ﴿أُمتكم أُمة واحدة﴾ أي ملّتكم ملّة واحدة وهي دين الإسلام.
﴿وأنا ربكم فاتقون فتقطّعوا أمرهم بينهم زُبُراً﴾ قرأه العامة بضم الباء يعنى كتباً، جمع زبور
بمعنى: دان كلّ فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر، قاله مجاهد وقتادة، وقيل:
معناه فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون فيها لمذاهبهم، قاله قتادة وابن زيد، وقرأ أهل
الشام بفتح الباء أي قطعاً وفرقاً كقطع الحديد، قال الله سبحانه ﴿آتوني زُبُر الحديد﴾(١).
﴿كل حزب﴾ جماعة ﴿بما لديهم﴾ عندهم من الدين ﴿فرحون﴾ معجبون مسرورون
﴿فذرهم في غمرتهم﴾ قال ابن عباس: كفرهم وضلالتهم(٢)، ابن زيد: عماهم، ربيع: غفلتهم
﴿حتى حين﴾ إلى وقت مجيء آجالهم.
﴿أيحسبون إنما نمدّهم به﴾ نعطيهم ونزيدهم ﴿من مال وبنين﴾ في الدنيا ﴿نسارع﴾ نسابق
﴿لهم في الخيرات﴾ ومجاز الآية: أيحسبون ذلك مسارعة لهم في الخيرات، وقرأ عبد الرَّحْمن
ابن أبي بكر: يُسارَع على مالم يسم فاعله، والصواب قراءة العامة لقوله سبحانه ﴿نمدّهم﴾.
﴿بل لا يشعرون﴾ أنَّ ذلك استدراج لهم، ثمَّ بيّن المسارعين الى الخيرات فقال عزَّ من
(١) سورة الكهف: ٩٦.
(٢) في النسخة الثانية زيادة: الضحاك: حيرتهم.

٥٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قائل ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربّهم يؤمنون والذين هم بربهم لا
يشركون والذين يؤتون ما آتوا﴾ يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات، هذه قراءة أهل
الامصار وبه رسوم مصاحفهم.
أخبرنا عبد الخالق بن علي قال: أخبرنا إسماعيل بن نجية قال: حدّثنا محمد بن عمار بن
عطية قال: حدَّثنا أحمد بن يزيد الحلواني قال: حدّثنا خلاد عن إبراهيم بن الزبرقان عن محمد
ابن حمّاد عن أبيه عن عائشة ◌َّا أنّ النبي وَ لّ كان يقرأ ﴿والذين يأتون ما آتوا من المجيء﴾.
وأخبرنا الحاكم أبو منصور حمد بن أحمد البورجاني قال: حدَّثنا علي بن أحمد بن موسى
الفارسي قال: حدّثنا محمد بن الفضيل قال: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثني ملك بن مغول قال:
سمعت عبد الرَّحْمن بن سعيد الهمداني ذكر أنّ عائشة ◌ُّا قالت: يا رسول الله:
أُوْلَكَ بُسَرِعُونَ فِ اَلَّْتِ وَهُمْ لَا
وَلَّذِينَ يُؤَثُونَ مَآ ءَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَسِلَّةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَحِعُونَ (٥)
سَبِقُونَ (٣٦) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَبُ يَطِقُ بِأَلَقِّ وَهُزْ لَا يُظَلُونَ (٦٦) بَلَ قُلُوبُهُمْ فِ غَيْرَةِ
مِنْ هَذَا وَهُمْ أَعْمَلُ مِنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ (٣) حَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَمْعَُّونَ (َ
لَا تُجْعَّرُوا أَّوْ إِنَّكُ مِنَّا لَّا نُصَرُونَ ﴿ قَدْ كَانَتْ ءَِّى نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَّ أَعْقَبِكُمْ تَنْكِسُونَ
٦٦
مُسْتَكْبِنَ بِهِ سَِرًاً تَهْجُرُونَ (®
أَمْ يَدَّيَُّواْ الْقَوْلَ أَمْ جَ هُم مَّا لَّ بَأْتِ ءََّ هُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٦) أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ
رَسُولَمْ فَهُمْ لَمُ مُنْكِرُونَ (٦) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْتُمْ لِلْحَقِّ كَرِمُونَ (بَ) وَلَوِ
أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنَ فِيهِنَّْ بَلْ أَنََّهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم
◌ُتْرِضُونَ ﴿ أَمْ تَْلُهُمْ خَيْحًا فَعَرَجُ رَبِكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَّرُ الزَِّفِنَ ﴿َ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَفِعٍ
VE
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ عَنِ الْصِرَطِ لَتْكَبُنَ
﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنّهم الى ربهم راجعون﴾ أهو الذي يزني ويشرب
الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: (( لا يا ابنة الصدّيق ولكن هو الذي يصوم ويصلي
ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله سبحانه))(١) [١٣].
وأخبرنا عبد الله بن يوسف قال: حدَّثنا محمد بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن الجهم
قال: حذَّثنا عبد الله بن عمرو قال: أخبرنا وكيع عن ملك بن مغول عن عبد الرَّحْمن بن سعيد بن
وهب عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ أهو الذي
يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: ((لا يا ابنة أبي بكر أو يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم
ويصلّي ويتصدق ويخاف أن لا تقبل منه))(٣) [١٤].
(١) مسند الحميدي: ١ / ١٣٣. بتفاوت.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٨ / ٤٥.

٥١
سورة المؤمنون، الآيات: ٦٠ - ٧٤
﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها﴾ يعني إليها ﴿سابقون﴾ كقوله (لما نُهوا عنه)
و(لما قالوا) ونحوهما، وكان ابن عباس يقول في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة
ولذلك سارعوا في الخيرات.
﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ يعني إلاّ ما يسعها ويصلح لها من العبادة والشريعة:
﴿ولدينا كتابٌ﴾ يعني اللوح المحفوظ ﴿ينطق بالحق﴾ يبيّن بالصدق ما عملوا وما هم عاملون
من الخير والشر، وقيل: هو كتاب أعمال العباد الذي تكتبه الحفظة وهو أليق بظاهر الآية.
﴿وهم لا يظلمون﴾ يعني يوفّون جزاء أعمالهم ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على
سیئاتهم.
ثمَّ ذكر الكفار فقال عزَّ من قائل ﴿بل قلوبهم في غمرة﴾ عمى وغفلة ﴿من هذا﴾ القرآن
﴿ولهم أعمال﴾ خبيئة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا ﴿من دون ذلك﴾ يعني من دون
أعمال المؤمنين التي ذكرها الله سبحانه، قيل: وهي قوله ﴿إن الذين هم من خشية ربهم
مشفقون﴾ .
﴿هم لها عاملون﴾ لابد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة.
﴿حتى إذا اخذنا مترفيهم﴾ يعني اغنياءهم ورؤساءهم ﴿بالعذاب﴾ قال ابن عباس:
بالسيوف يوم بدر، وقال الضحّاك: يعني الجوع وذلك حين دعا عليهم رسول الله صل فقال:
((اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، فابتلاهم الله بالقحط حتى
أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة والقدّ والأولاد))(١) [١٥].
﴿إذا هم يجأرون﴾ يضجّون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجوار رفع الصوت بالتضرّع
كما يفعل الثور، قال الشاعر:
وكان النكير أن تضيف وتجأرا(٢)
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة
يصف بقره. وقال أيضاً:
فطوراً سجوداً وطوراً جؤارا(٣)
يراوح من صلوات المليك
﴿لاتجأروا اليوم إنّكم منّا لا تنصرون﴾ لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم وتضرّعكم.
﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم﴾ يعني القرآن ﴿فكنتم على أعقابكم﴾ أدباركم ﴿تنكصون﴾
(١) تفسير مجمع البيان: ٧ / ١٩٩.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ١١٥.
(٣) تفسير القرطبي: ١٢ / ١٣٥. والعبارة يراوج.

٥٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
تدبرون وتستأخرون وترجعون القهقرى، مكذّبين بها كارهين لها ﴿مستكبرين به﴾ أي بالحرم
تقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، وهو كناية عن غير مذكور ﴿سامراً﴾ نصب على
الحال يعني أنّهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول االبيت، ووحّد سامراً وهو بمعنى السمّار
لأنّ وضع موضع الوقت، أراد: تهجرون ليلاً، كقول الشاعر:
من دونهم إنْ جئتهم سمراً عزف القيان ومجلس غمر(١)
فقال: سمراً لأن معناه: إنْ جئتهم ليلاً وهم يسمرون، وقيل: واحد ومعناه الجمع كما قال
﴿ثمّ يخرجكم طفلاً﴾(٢) ونحوه.
﴿تهجرون﴾ قرأ نافع بضم التاء وكسر الجيم أي تفحشون وتقولون الخنا، يقال اهجر
الرجل في كلامه أي أفحش، وذكر أنّهم كانوا يسبّون رسول اللـه بَله وأصحابه، وقرأ الآخرون
بفتح التاء وضم الجيم ولها وجهان:
أحدهما: تعرضون عن رسول الله وَله والقرآن والإيمان وترفضونها.
والآخر: يقولون سوءاً وما لا يعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى.
﴿أفلم يدّبروا﴾ يتدبّروا ﴿القول﴾ القرآن ﴿أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ فأنكروه
وأعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون أم بمعنى بل، يعني: بل جاءهم ما لم يأتِ آباءهم الأولين
فكذلك أنكروه ولم يؤمنوا به، وروي هذا القول عن ابن عباس.
﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ محمداً وأنّه من أهل الصدق والأمانة. ﴿فهم له منكرون أم
يقولون به جنّةٌ﴾ جنون، كذبوا في ذلك فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يعقل ولا معنى له،
﴿بل﴾ محمد ﴿جاءهم بالحق﴾ بالقول الذي لا يخفى صحته وحسنه على عاقل ﴿وأكثرهُم للحق
كارهون ولو اتبع الحقُ﴾ يعني الله سبحانه ﴿أهواءهم﴾ مرادهم فيما يفعل ﴿لفسدت السموات
والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم﴾ ببيانهم وشرفهم يعني القرآن.
﴿فهم عن ذكرهم معرضون أم تسئلهم﴾ على ما جئتهم به ﴿خرجاً﴾ أجراً وجعلاً وأصل
الخرج والخراج الغّة والضريبة والأتاوة كخراج العبد والأرض.
وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال:
الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب.
قال الله سبحانه: ﴿فخراج ربّك﴾ رزقه وثوابه ﴿خير وهو خير الرازقين وإنّك لتدعوهم الى
صراط مستقيم﴾ وهو الإسلام.
(١) لسان العرب: ٤ / ٣٧٧.
(٢) سورة غافر: ٦٧.

٥٣
سورة المؤمنون، الآيات: ٧٥ - ٩٨
﴿وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون﴾ عادلون، مائلون، ومنه الريح
النكباء.
﴿ وَلَوْ رَحْنَهُمْ وَكَثَغْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُرِّ لَلَعُواْ فِى مُغَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢٥) وَلَقَدْ أَخَذْتَهُم بِالْعَذَابِ
فَمَا أَسْتَكَانُواْ لِرَيْهِمْ وَمَا يَضَُّونَ (٢٦) حَّىَ إِذَا فَحْنَا عَلَّهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (َ)
وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْشَأْ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَ، قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ (١٨) وَهُوَ اَلَِّى ذَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَّهِ
تُخْشَرُونَ (٤٩) وَهُوَ الَّذِى يُحِي، وَيُمِتُ وَلَهُ لَخْتَلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿﴿ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا
قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨٦) قَالُواْ أَهِذَا مِثْنَا وَكُنَّا نُرَبًا وَعِظَمَا أَوْنَا لَمَنْعُونُونَ ﴿٨َ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَبَاؤُنَا هَذَا
مِن قَبْلُ إِنْ هَذَّا إِلَّ أَسْتَطِيُ اَلْأَوَّلِينَ ﴿٨) قُل لَّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَاَ إِن كُنتُمْ تَعْلُونَ (
سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّتُّ الشَّمَنُوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِ ﴿٨ سَيَقُولُونَ
لِلّهِ قُلْ أَفَلَا نَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ يَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُحِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴿٨٠) سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ فَأَنَّى تُسَحَرُونَ (٨٩َ بَلْ أََّهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٨٥) مَا أَّخَذَ الَهُ مِنْ
وَرِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقِّ وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ أَلَّهِ عَمَّا
يَصِفُونَ (١٦) عَلِمِ الْغَيِّبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُتْرِكُونَ (١٧) قُل رَّبِّ ◌ِمَّا تُيَتَّى مَا يُوعَدُونَ (١٣) رَبْ
فَلاَ تَفْعَلْنِى فِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٢) وَإِنَّا عَلَّ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ (٢٥) أَدْفَعْ بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَرُ
(١٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَنْ
الشَّيِّئَّهُ عَمْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (١٦) وَقُلِ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَعَزَّتِ الشَّيَطِينِ
٩٨
يَخْضُرُونِ
﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضرّ﴾ قحط وجدب ﴿للجُوا﴾ لتمادوا ﴿في طغيانهم
يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب﴾ يعني القتل والجوع ﴿فما استكانوا لربّهم﴾ خضعوا، وأصله
طلب السكون ﴿وما يتضرّعون﴾.
قال ابن عباس: لما أتى ثمامة بن أثال الحنفي النبي وق لم فأسلم وهو أسير فخلّى سبيله
فلحق باليمامة، فحال بين أهل مكة وبين المسيرة من اليمامة وأخذ الله قريشاً (١) بسنيّ الجدب
حتى أكلوا العِلهز، فجاء أبو سفيان النبي وَلّ فقال: أُنشدك بالله والرحم أليس تزعم أنك بُعثت
رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله سبحانه
هذه الآية: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد﴾. قال ابن عباس: يوم بدر، وقال
مجاهد: القحط، وقيل: عذاب النار في الآخرة. ﴿إذا هم فيه مبلسونَ﴾ متحيّرون، آيسون من
کلّ خير.
﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في
(١) في النسخة الثانية: من يشاء (بدل) قريشاً

٥٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحيى ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا
مثل ما قال الأولون قالوا أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنّا لمبعوثون لقد وُعدنا نحن﴾ هذا الوعد
﴿وآباؤنا هذا من قبل﴾ ووعد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنّهم انبياء الله(١) فلم يُرَ له حقيقة.
﴿إنّ هذا إلاّ أساطير الأولين قل﴾ يا محمد مجيباً لهم ﴿لمن الأرض ومن فيها إن كنتم
تعلمون سيقولون لله﴾ ولا بدَّ لهم من ذلك، فقل لهم إذا أقرّوا بذلك ﴿أفلا تذكّرون﴾ فتعلمون
أنّ من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحياءثم بعد موتهم؟.
﴿قل من ربّ السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله﴾.
قرأه العامة: لله، ومثله ما بعده فجعلوا الجواب على المعنى دون اللفظ كقول القائل
للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي وأنشد:
وأعلم أنّني سأكون رمساً
إذا سار النواعج لا يسير (٢)
فقال السائلون لمن حفرتم
فقال المخبرون لهم وزير (٣)
فأجاب المخفوض بمرفوع لأن معنى الكلام: فقال السائلون: مَن الميّت؟ فقال
المخبرون: الميّت وزير، فأجاب عن المعنى. وقال آخر:
إذا قيل من ربّ المزالف والقرى
وربّ الجياد الجرد قيل لخالد (٤)
وقال الأخفش: اللام زائدة يعني الله، وقرأ أهل البصرة كلاهما الله بالألف، وهو ظاهر
لا يحتاج إلى التأويل، وهو في مصاحف أهل الأمصار كلّها لله إلاّ في مصحف أهل البصرة فإنه
الله الله، فجرى كلٌّ على مصحفه، ولم يختلفوا في الأول أنّه لله لأنّه مكتوب في جميع
المصاحف بغير ألف وهو جواب مطابق للسؤال في ﴿لمن الأرض ومن فيها﴾ فجوابه لله.
﴿أفلا تتقون﴾ الله فتطيعونه ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء﴾ ملكه وخزائنه ﴿وهو يجير
ولا يجارُ عليه﴾ يعني يؤمن من يشاء ولا يؤمن من أخافه ﴿إن كنتم تعلمون﴾ قال أهل المعاني:
معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون.
﴿سيقولون لله قل فأنّى تسحرون﴾ أي تُخدعون وتُصرفون عن توحيده وطاعته.
﴿بل أتيناهم بالحق﴾ الصدق ﴿وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً
لذهب كل إله بما خلق﴾ فانفرد به لتغالبوا، فعلا بعضهم على بعض وغلب القوىّ منهم
الضعيف.
في النسخة الثانية: أنّهم لله رسل.
(١)
(٣) جامع البيان للطبري: ١ / ٩٢.
(٤) فتح القدير: ٣ / ٤٩٦.
(٢) جامع البيان للطبري: ١ / ٩٢.

٥٥
سورة المؤمنون، الآيات: ٩٩ - ١١٣
﴿سبحانَ الله عما يصفون﴾ من الكذب ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ بالجر، ابن كثير وابن
عامر وأبو عمرو على نعت الله، غيرهم: بالرفع على الابتداء أو على معنى هو عالم.
وروى رؤيس عن يعقوب أنّه كان إذا ابتدأ رفع وإذا وصل خفض.
﴿فتعالى عمّا يشركون قل رب إما تريّي ما يوعدون﴾ من العذاب ﴿رَبّ فلا تجعلني في
القوم الظالمين﴾ فلا تهلكني بهلاكهم، والفاء في قوله ﴿فلا﴾ جواب لأمّا لأنّه شرط وجزاء.
﴿وإنّا على أن نريك ما نعدهم﴾ من العذاب فجعلناه لهم (لقادرون).
﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ يعني بالخلّة التي هي أحسن ﴿السيئة﴾ أذاهم وجفاهم يقول:
أعرض عن أذاهم واصفح عنهم، نسختها آية القتال.
﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ فنجزيهم به ﴿وقل ربّ أعوذ بك﴾ استجير بك ﴿من همزات
الشياطين﴾ أي نزغاتهم عن ابن عباس، الحسن: وساوسهم، مجاهد: نفخهم ونفتهم، ابن زيد:
خنقهم الناس.
وقال أهل المعاني: يعني دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، والهمز: شدّة الدفع، ومنه قيل
للحرف الذي يخرج من هواء الفم للدفع همزة.
﴿وأعوذ بك ربّ أن يحضرون﴾ في شيء من أُموري.
لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِكَا فِيمَا تَرَكَّةٌ كَأَّ إِنَّهَا كَلَّهُ
٢٩٩
حَّ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ أَلَّمَوْنُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ (
هُوَ قَائِلُهَاً وَمِنْ وَرَآَبِهِمْ بَرْزَعُ إِلَى يَوْمٍ يُبَعَثُونَ (٣٦) فَإِذَا نُفِيحَ فِ الصُّورِ فَلَّ أَنَابَ يَنْنَهُمْ يَزَّمَيِذٍ وَلَا
يَدَُّونَ ﴿َ فَسَنَ نَقْلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٧) وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِيُهُ فَأُوْلَبِكَ الَّذِينَ خَبِرُوَا
أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (٤٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ الثَّارُ وَهُمْ فَِا كَثِعُونَ (٦) أَمْ تَكُنْ ءَيَتِى تُنْلَى عَلَيْكُرْ
مَكْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠) قَالُواْ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِفْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمَا صَالِينَ (١٠) رَنَّا أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنّ
قَالَ أَخَْئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (٦) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبََّآ ءَآَمَنَّا
(١٠٧)
عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ
فَأَغْفِرْ لَنَا وَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ ﴿َ) فَأَّخَذَتُهُوُ سِخْرِيًّا خَّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (َ)
إِّ جَزَّيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنَّهُمْ هُمُ الْغَابِرُونَ (١٦) قَ كَمْ لِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَ سِنَ (بَ) قَالُواْ
١١٣
لَغْنَا يُؤْمَّا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَادِِّنَّ
﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت﴾ يعني هؤلاء المشركين، وذلك حين ينقطع عن الدنيا
ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت.
﴿قال رب ارجعون﴾ ولم يقل ارجعني وهو خطاب الواحد على التعظيم كقوله (إنّا نحن)
فخوطب على نحو هذا كما ابتدأ بلفظ التعظيم.

٥٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال بعضهم: هذه المسألة إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحه، وإنما ابتدأ
الكلام بخطاب الله سبحانه لأنهم استغاثوا أولاً بالله سبحانه ثم رجعوا الى مسألة الملائكة
الرجوع الى الدنيا .
﴿لَعلِّي اعمل صالحاً فيما تركتُ﴾ صنعت ﴿كلّ﴾ أي لا يرجع إليها، وهي كلمة ردع
وزجر ﴿إنّها﴾ يعني سؤاله الرجعة ﴿كلمةٌ هو قائلها﴾ ولا ينالها.
روت عائشة عن النبي وَ لإ قال: ((إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك الى الدنيا؟
فيقول: الى دار الهموم والأحزان ؟! بل قدما إلى الله عزَّ وجلّ، وأمّا الكافر فيقول ﴿ربّ
ارجعون﴾ الآية))(١) .
﴿ومن ورائهم﴾ أمامهم ﴿برزخ إلى يوم يبعثون﴾ أي حاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا
عن مجاهد، ابن عباس: حجاب، السدّي: أجل، قتادة: بقيّة الدنيا، الضحّاك وابن زيد: ما بين
الموت إلى البعث، أبو أمامة: القبر، وقيل: الإمهال(٢) لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما
كانوا يفتخرون(٣).
﴿فإذا تُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾.
قال أبو العالية: هو كقوله ﴿ولا يُسئل حميم حميماً﴾.
وقال ابن جريج: معنى الآية لا يُسأل أحد يومئذ شيئاً بنسب ولا يتساءلون، لا يمتّ إليه
برحم، واختلف المفسّرون في المراد بقوله ﴿فإذا نفخ في الصور﴾ أىّ النفختين عنى؟ فقال ابن
عباس: هي النفخة الأُولى.
أخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه قال: حدَّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب قال: حدَّثنا أبو
عبد الله أحمد بن عبد الرَّحْمن بن أبي عوف قال: حدَّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة
الخّراني قال: حدَّثنا محمد بن سلمة بن أبي عبد الرحيم قال: حدّثني زيد بن أبي أنيسة عن
المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس، قوله سبحانه ﴿فلا أنساب بينهم
يومئذ ولا يتساءلون﴾ فهذه في النفخة الاولى ﴿نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في
الأرض إلا من شاء الله﴾(٤) ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾(٥) ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا
(١) جامع البيان للطبري: ١٨ / ٦٨.
(٢) في النسخة الثانية زيادة: وكل فصل بين شيئين برزخ، قوله عز وجل ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم﴾
قال ابن عباس.
في النسخة الثانية زيادة: في الدنيا .
(٣)
(٤) سورة الزمر: ٦٨.
(٥) سورة المؤمنون: ١٠١.

٥٧
سورة المؤمنون، الآيات: ٩٩ - ١١٣
هم قيام ينظرون﴾(١) ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾(٢).
وقال ابن مسعود: هي النفخة الثانية.
أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدَّثنا
جعفر بن محمد الفريابي قال: حدَّثنا يزيد بن موهب الرملي قال: حدَّثنا عيسى بن يونس عن
هارون بن أبي وكيع قال: سمعت زاذان أبا عمر يقول: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب
الخز واليمنة قد سبقوني إلى المجالس، فناديته، يا عبد الله بن مسعود من أجل أنّ رجل
أعجمي أدنيتَ هؤلاء وأقصيتني؟ فقال: ادنُ، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته
يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين والآخرين ثمَّ ينادي مناد:
هذا فلان ابن فلان فمن كان له قِبَله حقّ فليأتِ إلى حقّه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحقّ على
أبيها أو على زوجها أو على ابنها أو على أُختها، ثم قرأ ابن مسعود ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ
ولا يتساءلون﴾
قال: فيقول الله سبحانه: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: ربّ فنيت الدنيا، فيقول للملائكة:
خذوا من أعماله فأعطوا كلّ إنسان بقدر طلبته، فإن كان ولياً لله عزَّ وجل وفضلت له من
حسناته مثقال حبّة من خردل ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿إنَّ اللّه لا
يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾(٣) (٤). وإن كان شقيّاً قالت الملائكة: ربّ فنيتْ
حسناته وبقي طالبون، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكّوا له صبكاً
الى النار.
﴿فمن ثَقُلت موازينُه فأولئك هم المفلحون ومَن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا
أنفسهم في جهنم خالدون تَلفح﴾ تسفع ﴿وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ عابسون عن ابن
عباس، وقال غيره: الكلوح أن تتقلص الشفتان عن الإنسان حتى تبدو الأسنان.
قال ابن مسعود: ألم تر إلى الرأس المشيّظ بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه.
قال الأعشى :
وله المقْدم لا مثل له ساعة الشدق عن الناب كلح(٥)
أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدَّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله
(١) سورة الزُمَر: ٦٨.
(٢) سورة الصافّات: ٢٧.
(٣) سورة النساء: ٤٠.
في النسخة الثانية زيادة: ﴿ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾.
(٤)
(٥) جامع البيان للطبري: ١٨ / ٧٢.

٥٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق المسوحي قال: حدَّثنا يحيى الحماني قال: حدَّثنا ابن مبارك عن
سعيد بن يزيد أبي شجاع عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَ لّ في
قوله عزَّ وجلّ ﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ قال: ((تشويه النار فتتقلّص شفته العليا
حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» [١٦](١).
﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربّنا غَلبت علينا شِقوتُنا﴾ التي كتبت
علينا، قرأ أهل الكوفة غير عاصم: شقاوتنا بالألف وفتح الشين، غيرهم: شِقوتنا بغير ألف
وكسر الشين وهما لغتان، وهي المضرّة اللاحقة في العاقبة، والسعادة هي المنفعة اللاحقة في
العاقبة .
﴿وكنّا قوماً ضالين﴾ عن الهدى ﴿ربّنا أخرجنا منها﴾ أي من النار ﴿فإن عُدنَا﴾ لما تكره
﴿فإنّا ظالمون﴾ فيجابون بعد ألف سنة ﴿اخسئوا فيها﴾ أي ابعدوا، كما يقال للكلب: اخسأ إذا
طُرد وأُبعد ﴿ولا تكلّمون﴾ في رفع العذاب فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو
دلالة على الغضب اللازم لهم فعند ذلك أيس المساكين من الفرج.
قال الحسن: هو آخر كلام يتكلّم به أهل النار ثم لا يتكلّمون بعدها إلاّ الشهيق والزفير
ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يُفهمون ولا يَفْهَمون.
﴿إنّه﴾ هذه الهاء عماد وتسمّى أيضاً المجهولة ﴿كان فريق من عبادي﴾ وهم المؤمنون
﴿ويقولون ربّنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الراحمين فاتخذتموهم سُخريّاً﴾ قرأ أهل المدينة
والكوفة إلاّ عاصماً بضم السين ههنا وفي سورة ص، الباقون: بكسرها .
قال الخليل وسيبويه: هما لغتان مثل قول العرب: بحر لجيٍّ ولجّي، وکوکب دُرّي وري،
وُرسي وکرسي.
وقال الكسائي والفرّاء: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد
بالفعل، ولم يختلفوا في سورة الزخرف أنّه بالضم لأنّه بمعنى التسخير والاستعباد إلاّ ما روي
عن ابن محيص أنّه كسره قياساً على سائره وهو غير قوىّ.
﴿حتى أنسوكم ذكري﴾ أي أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم ذكري ﴿وكنتم
منهم تضحكون﴾ نظيره قوله سبحانه ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون﴾(٢).
﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على استهزائكم بهم في الدنيا، والجزاء: مقابلة العمل بما
يستحقّ عليه من ثواب أو عقاب.
(١) مسند أحمد: ٣ / ٨٨.
(٢) سورة المطفّفين: ٢٩.

٥٩
سورة المؤمنون، الآيات: ١١٤ - ١١٨
﴿إنّهم هم الفائزون﴾ قرأ حمزة والكسائي: إنهم بكسر الألف على الاستيناف، والباقون:
بفتحه على معنى لأنهم هم الفائزون، ويُحتمل أن يكون نصباً بوقوع الجزاء عليه أنّي جزيتهم
اليوم الفوز بالجنة.
قبل ن لتر إلَّا قِيلًا أو أنكم مشرٍ عَلُونَ (*) أنَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلْفَتَكُمْ عَبْنَا وَأَنْكُمْ إَِا
لَ فُجَعُونَ (١٠) مَعَلَ أَلَهُ الْمَبْدُ أَلْحَّى لَا إِلَهَ إِنَّ هُوَ رَتُّ الْمَوْفِ اَلَِّْ ◌َ وَمَّنَ بَدْعُ مَعَ الَلَّهِ
إِلَّهَا أَتَرَّ لَ وْمَّنَ لَمُ بِهِ، فَإِنْمَا جَانُهُ عِندَ رَّةُ إِنَّهُ لَّاَ يَغْسِمُ الْكَِّرُونَ أَ وَقُلِ زَّتْ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ
وَأَنَ عَرْ أَمِينَ لَوْزِيَةً
﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ نَسُوا لعظيم ما هم فيه
من العذاب مدّة مكثهم في الدنيا، وهذا توبيخ من الله تعالى لمنكري البعث وإلزام للحجّة
علیھم.
قرأ حمزة والكسائي: قل كم، على الأمر، لأنّ في مصاحف أهل الكوفة قل بغير ألف،
ومعنى الآية: قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمراد به الجماعة إذ كان
مفهوماً معناه، ويجوز أن يكون الخطاب لكلّ واحد منهم أي قل أيّها الكافر.
وقرأ الباقون: قال في الحرفين، وكذلك هما في مصاحفهم بالألف على معنى قال الله
تعالى، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال: إن على الخبر وهي قراءة ظاهرة لأنّ الثانية
جواب.
وقوله ﴿فسئل العادّين﴾ أي الحُسّاب عن قتادة، وقال مجاهد: هم الملائكة الذين يحفظون
أعمال بني آدم ويحصونها عليهم.
﴿قال إن لبثتم﴾ في الدنيا ﴿إلاّ قليلاً لو أنّكم كنتم تعلمون﴾ قدر لبثكم فيها ﴿أفحسبتُم
أنما خلقناكم عَبَثاً﴾ أي لعباً وباطلاً لا لحكمة، والعبث: العمل لا لغرض، وهو نصب على
الحال عن سيبويه وقطرب، مجازه: عابئين، أبو عبيد: على المصدر، بعض نحاة الكوفة: على
الظرف أُي بالعبث، بعض نحاة البصرة: للعبث. ﴿وأنكم إلينا لا ترجّعُونَ﴾ .
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رَظُهني (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم فما خُلق امرؤ عبئاً
فيلهو ولا أُهمل سُدىّ فيلغو))(١) [١٧].
وأخبرني محمد بن القاسم بقراءتي عليه قال: حدَّثنا أبو بكر(٢) محمد بن محمد بن نصر
(١) إعجاز القرآن - الباقلاني .: ١٤٦.
(٢) في النسخة الثانية بن القاسم بن أحمد عن.

٦٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا ابن(١) شعيب الحرّاني قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله
ابن الضحاك قال: سمعت الأوزاعي يقول: بلغني أنّ في السماء ملكاً ينادي كل يوم: ألا ليت
الخلق لم يخلقوا، وياليتهم إذا خُلقوا عرفوا ما خُلقوا له وجلسوا فذكروا ما عملُوا .
فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق
قال المحقّقون: خلق الله سبحانه الخلق ليدلّ بذلك على وجوده وكمال علمه وقدرته، إذ
لو لم يخلق لم یکن لوجوده معنی .
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدَّثنا محمد بن يزيد قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال:
حذَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا ابن عُليّة عن منصور بن عبد الرَّحْمن قال: قلت للحسن
البصري في قوله سبحانه ﴿ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك﴾(٢).
قال: الناس مختلفون على أديان شتّى إلاّ من رحم ربك، ومن رحم ربك غير مختلف.
فقيل له: ولذلك خلقهم ؟.
قال: نعم، خلق هؤلاء لجنّته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته وخلق هؤلاء
لعذابه.
وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى الفقيه قال: حدّثنا
أبي قال: حدَّثنا محمد بن خالد(٣) البرقي عن أبيه عن أحمد بن نصر قال: سئل جعفر بن
محمد: لمَ خَلقَ الله الخلق ؟
قال: لأنّ الله سبحانه كان محسناً بما لم يزل فيما لم يزل، إلى ما لم يزل فأراد سبحانه
وتعالى أن يفوّض إحسانه إلى خلقه وكان غنّاً عنهم، لم يخلقهم لجرّ منفعة، ولا لدفع مضّرة،
ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتّى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن
کافأهُ بالجنة، ومن عصی کافأه بالنار.
وقال محمد بن علي الترمذي: إنَّ الله سبحانه خلق الخلق عبيداً ليعبدوه فيئيبهم على
العبودية ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم عبيد أحرار كرام، وغداً أحرار وملوك في دار
السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُبّاق سفلة لئام، وغداً أعداء في السجون بين أطباق
النيران.
(١) في النسخة الثانية: أبو.
(٢) سورة هود: ١١٨ - ١١٩.
(٣) في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه عن أبي محمد بن خالد.