النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة طه، الآيات: ٩٨ - ١١٤
﴿يَوْمَئِذْ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي﴾ الذي يدعوهم إلى موقف القيامة وهو إسرافيل ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي
لدعاته، وقال أكثر العلماء: هو من المقلوب أي لا حرج لهم عن دعاته، لا يزيغون عنه، بل
يتّبعونه سراعاً .
﴿وَخَشَعَت﴾ وسكنت ﴿الأصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ﴾ فوصف الأصوات بالخشوع والمعنى لأهلها
﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلَّ هَمْساً﴾ يعني وظء الأقدام ونقلها إلى المحشر، وأصله الصوت الخفي، يقال:
همس فلان بحديثه إذا أسرّه وأخفاه، قال الراجز:
إن تصدق الطير ننك لميسا (١)
وهنّ يمشين بنا هميسـ
يعني بالهمس صوت أخفاف الإبل.
وقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت.
﴿يَوْمَئِذْ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمُنُ﴾ في الشفاعة ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أي
ورضي قوله.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الكناية مردودة إلى الذين يتبعون الداعي.
﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ لا يدركونه ولا يعلمون ما هو صانع بهم.
﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ﴾ أي ذلّت وخضعت واستسلمت، ومنه قيل للأسير عان،
وقال أُميّة بن أبي الصلت:
مليك على عرش السماء مهيمن
لعزّته تعنو الوجوه وتسجد (٢)
وقال طلق بن حبيب: هو السجود.
﴿وَقَدْ خَابَ﴾ خسر ﴿مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ شركاً.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ﴾ قرأ ابن كثير على النهي جواباً لقوله
﴿ومن يعمل من الصالحات﴾ والباقون: فلا يخاف على الخبر. ﴿ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾ .
قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاته ولا ينقص من حسناته.
الحسن وأبو العالية: لا ينقص من ثواب حسناته شيئاً ولا يحمل عليه ذنب مسيء.
الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا يبطل حسنة عملها. وأصل الهضم: النقص والكسر
يقال: هضمت لك من حقك أي خططتُ، وهضم الطعام، وامرأة هضيم الكشح أي ضامرة
البطن .
(١) لسان العرب: ٢ / ١٥٤.
(٢) تفسير القرطبي: ١١ / ٢٤٨.
٢٦٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا﴾ بيّنًا ﴿فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾
القرآن ﴿ذِكْراً﴾ عظة وعبرة. وقال قتادة: جدّاً وورعاً.
﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ قرأ يعقوب
بفتح النون والياءين، وقرأ الآخرون: بضم الياء الأولى والأُخرى وسكون الوسطى.
قال مجاهد وقتادة: لا تقرئه أصحابك ولا تُمله عليهم حتى يتبيّن لك معانيه، نهى عن
تلاوة الآية التي تنزل عليه وإملائه على أصحابه قبل بيان معناها، وهذه رواية العوفي عن ابن
عباس .
وقال في سائر الروايات(١): كان النبيّ ◌َّه إذا نزل جبرائيل بالوحي يقرأه مع جبرائيل، ولا
يفرغ جبرائيل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي وَليّ بأوّله حرصاً منه على ما كان ينزل عليه
وشفقة على القرآن مخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله سبحانه عن ذلك وقال: ﴿ولا تعجل
بالقرآن﴾ أي بقراءة القرآن ﴿من قبل أن يُقضى إليك وحيه﴾ من قبل أن يفرغ جبرئيل من تلاوته
عليك.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ بالقرآن أي فهماً، وقيل: حفظاً ونظيرها قوله ﴿لا تحرّك به لسانك
لتعجل به﴾ الآية (٢)
.
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَدَعَ مِن قَبْلُ فَسِىَّ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَّاً (3) وَإِذْ قُلْنَا الْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَّ
فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ (٨٦) فَقُلَا يَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَ يُخْرِجَنَّكُا مِنَ الْجَنَّةِ فَنَشْقَىَّ
إِنَّ لَكَ أَلَّ تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١٩) وَأَنَّكَ لَا نَظْهَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَرُ
قَالَ يَّعَادَمُ هَلْ أَدْلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلِّدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى (9) فَأَحْكَلَا مِنْهَا فَدَتْ لَمَا سَوْءَانُهُمَا وَطَفِقًا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّهِ وَعَصَّ ءَآَمُ رَُّ فَغَوَى (١٦) ثُمَّ أَحْنَهُ رَبُّهُ فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٠) قَالَ
أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعَاً بَعْضُكُمْ لِعْضِ عَدُوٌ فَإِمَّا بَأَنْيَنَّكُم مِّى هُدَى فَمَنْ أَتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
(٢) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ أَعْمَى (١٤) قَالَ رَبِّ لِمَ
حَتَرْتَِّيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٤) فَلَ كَذَلِكَ أَتَكَ ،َبَِّنَا فَسِنَهَا وَكَذَلِكَ أَلْيَوْمَ نُسَمِى (٢٦) وَكَذَلِكَ يَخْرِى مَنْ
أَشْرِفُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِثَابَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْأَخِرَوَ أَشَّذُ وَأَبْغَ ﴿٦َ أَفَلَمْ يَهْدِ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا ◌َّلَهُم مِّنَ الْفُرُونِ
يَسْئُونَ فِ مَسَلِكِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِأَوْلِ النُّعَىِ ﴿١٣) وَوْلَ كِنَّةٌ سَبَقَدْ مِنْ زَبِّكَ لَكَانَ لِزََّمَا وَأَجَلٌّ مُسَنَّى
فَأَصْيِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبَحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فَبْلَ مُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآِ الَّيْلِ فَحْ
(١) تفسير القرطبي: ١١ /٢٥٠ بتفاوت.
(٢) القيامة: ١٦.
٢٦٣
سورة طه، الآيات: ١١٥ - ١٣٥
وَأَطْرَافَ أَلَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىِ (٢٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا لِغْتِنَهُمْ فِيَةٍّ
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَّرٌ وَغَى ﴿١٤) وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلُومِ وَأَصْطَيْرٌ عَلَيْهَاً لَا تَتَلْكَ رِزْقَاً نَحْنُ نَرْزُقَُّكُ وَالْعَنْعِبَةُ لِلنَّقْوَى
وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِنَا بِشَةٍ مِّنْ زَّبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْنِهِم بِنَهُ مَا فِ الضُّحُفِ اَلْأُوْلَ (٣٦) وَلَوْ أَنَّاً أَهْلَكُنَّهُم
(٣٢)
بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوَّلَا أَرْسَلْتَ إِلَّيْنَا رَسُولًا فَتَبْعَ ءَ أَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلُ وَنَخْرَى (َ) قُلْ
كُلُ مُتَصْهُ فَُّواْ فَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الْصِرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أَهْتَدَك ◌ِنَّ
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية يقول الله سبحانه: وإن يضيّع هؤلاء الذين نصرّف
لهم في القرآن الوعيد عهدي ويخالفوا أمري ويتركوا طاعتي فقد فعل ذلك أبوهم آدم (عليه
السلام) حيث عهدنا إليه أي أمرناه وأوصينا إليه ﴿فَنَسِيَ﴾ فترك الأمر والعهد، نظيره قوله ﴿نسوا
الله فنسيهم﴾(١) أي تركوا أمر الله فتركهم الله في النار. هذا قول أكثر المفسرين.
وقال ابن زيد: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوّه إبليس الذي
حسده وأبى أن يسجد له، وعصى الله الذي كرّمه وشرّفه، وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم
في ذلك القول بالنسيان مأخوذ، وإن كان هو اليوم عنّا مرفوعاً .
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ قال ابن عباس: حفظاً لما أُمر به، قتادة ومقاتل: صبراً، ابن زيد:
محافظة على أمر الله وتمسّكاً به، الضحّاك: صريمة أمر، عطية: رأياً، وقيل: جزماً، ابن
كيسان: إصراراً وإضماراً على العود إلى الذنب ثانياً، وأصل العزم النيّة واعتقاد القلب على
الشيء.
قال أبو أمامة: لو أنّ أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله سبحانه آدم إلى يوم تقوم
الساعة، ووضعت في كفّة ميزان، ووضع حلم آدم في الكفّة الأُخرى لرجح حلمه بأحلامهم،
وقد قال الله تعالى﴿ولم نجد له عزما﴾ .
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أن يسجد له ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ
هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ حوّاء ﴿فَلاَ يُخْرِ جَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ﴾ فتتعب ويكون عيشك من كدّ يمينك،
بعرق جبينك .
قال سعيد بن جبير: أُهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه
فهو شقاؤه الذي قال الله سبحانه، وكان حقّه أن يقول: فيشقيا ولكن غلب المذكّر رجوعاً به إلى
آدم لأنّ تعبه أكثر، وقيل: لأجل رؤوس الآي.
﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا﴾ أي في الجنّة ﴿وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ﴾ قرأ نافع بكسر الألف على
(١) التوبة : ٦٧ .
٢٦٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
الاستئناف، ومثله روى أبو بكر عن عاصم، وقرأ الباقون بالفتح نسقاً على قوله ﴿أن لا تجوع﴾
﴿لا تظمؤا﴾ بعطش فيها ﴿ولا تَضْحَى﴾ تبرز للشمس فيؤذيك حرّها. قال عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى وأما بالعشيّ فيحصر
أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكّى قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدَّثنا عبد
الله بن هاشم قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمن بن مهدي عن سفيان عن خصيف عن عكرمة: ﴿ولا
تضحى﴾ ولا تصيبك الشمس.
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني على شجرة إن أكلت
منها بقيت خالداً مخلداً ﴿وَمُلك لاَ يَبْلَى﴾ لا يبيد ولا يفنى.
﴿فَأَكَلاَ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿مِنْهَا﴾ أي من شجرة المحنة ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْاْتُهُمَا وَطَفِقًا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي تعدّى إلى ما لم يكن له فعله.
وقال أكثر المفسرين: فغوى: أي أخطأ وضلّ ولم ينل مراده ممّا أكل.
﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اختاره واصطفاه ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ هداه إلى التوبة ووفقّه بها .
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ (١) فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىٍّ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾
يعني الكتاب والرسول ﴿فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ .
أخبرنا أبو عمرو أحمد بن حمدون بقراءتي عليه قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدَّثنا
سعيد بن عيسى(٢)، قال: حدَّثنا فارس بن عمر وحدَّثنا صالح بن محمد: قال: حدَّثنا يحيى بن
الضريس عن سفيان عن رجل عن الشعبي عن ابن عباس في قوله سبحانه ﴿فمن اتبع هداي فلا
يضل ولا يشقى﴾ قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا ويشقى في الآخرة.
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدَّثنا محمد بن يزيد قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال:
حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
وأخبرني ابن المقرئ قال: حدَّثنا محمد بن أحمد بن سنان قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان
قال: حدَّثنا ابن شيبة قال: حدَّثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس
(١) في نسخة أصفهان زيادة: فعداوة الحيّة معناه اللدغ وعداوتنا معها القتل، وقال رسول الله ◌َّلو: اقتلوا الحيّة
واخفروا ذمّة إبليس، وعداوة إبليس لنا وعداوتنا له للكفر، فخص بالعداوة آدم وحواء وإبليس، ثم ساواهم
في المعنى وشاركهم في العداوة. وروي في الخبر: إن إبليس قال: إن عبادك يحبونك ويعصونك
ويبغضونني ويطيعونني، فقال الله تعالى: رضيت عنه بحبهم إياي وغفرت لهم ببغضهم إياك.
(٢) في نسخة أصفهان: سعيد بن إسحاق.
٢٦٥
سورة طه، الآيات: ١١٥ - ١٣٥
قال: ضمن الله لمن قرأ القرآن لا يضلّ في الدّنيا ولا يشقى في الآخرة ثمَّ قرأ ﴿فمن اتبع هداي
فلا يضل ولا يشقى﴾ .
وبإسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة
سوء الحساب، وذلك بأنّ الله يقول ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ يعني عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتّبعه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾
ضيقاً يقال: منزل ضنك وعيش ضنك، يستوي فيه الذكر والأنثى والواحد والاثنان والجمع، قال
عنترة :
وإذا هم نزلوا بضنك فانزل(١)
واختلف المفسّرون في المعيشة الضنك، فأخبرني أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد
الحيري(٢) قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال: حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب
قال: حدّثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمرو عن أبي سلمة عن أبي
هريرة أنّ النبي ◌َّ قال: في قوله سبحانه ﴿ومَن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً﴾ قال:
((عذاب القبر)).
وقال ابن عباس: الشقاء، مجاهد: الضيق، الحسن وابن زيد: الزقوم والغسلين والضريع،
قتادة: يعني في النار، عكرمة: الحرام، قيس بن أبي حازم: الرزق في المعصية، الضحاك:
الكسب الخبيث، عطيّة عن ابن عباس يقول: كلّ مال أعطيته عبداً من عبادي قلَّ أو كثر لا يتّقيني
فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وإنّ قوماً ضُلآّلاً أعرضوا عن الحق وكانوا أُولى سعة
من الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنّهم كانوا يرون أنّ الله ليس بمخلف لهم
معائشهم من سوء ظنّهم بالله والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظنّ به اشتدت
عليه معيشته فذلك الضنك أبو سعيد الخدري: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسُلّط عليه
في قبره تسعة وتسعون تنّيناً، لكلّ تنّين سبعة رؤوس تنهشه وتخدش لحمه حتى يُبعث، ولو أنّ
تنّناً منها ينفخ في الأرض لم تنبت زرعاً. مقاتل: معيشة سوء لأنّها في معاصي الله. سعيد بن
جبير: سلبه القناعة حتى لا يشبع.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال ابن عباس: أعمى البصر، مجاهد: أعمى عن الحجّة. °
(١) مطلعه: فأعنهم وأبشر بما بشروا به. راجع تفسير الطبري: ٣ / ٣٤١ ولسان العرب: ١ / ٧١٢ و٤ /
٦٢.
(٢) في نسخة أصفهان: سعيد بن محمد الحبري.
٢٦٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ بعيني، وقال مجاهد: عالماً بحجّتي.
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ يقول كما ﴿أَتَنْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ فتركتها وأعرضت عنها ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
تُنسَى﴾ تُترك في النار وكذلك أي وكما جزينا من أعرض (١) ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أشرك
﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الأخِرَةِ أَشَدُّ﴾ ممّا يعذّبهم به في الدنيا والقبر. ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم
وأثبت.
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ يتبيّن لهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ومنازلهم
إذا سافروا واتّجروا .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ نظم الآية، ولولا كلمة
سبقت من ربّك في تأخير العذاب عنهم وأجل مسمّى وهو القيامة ﴿لكان لزاماً﴾ لكان العذاب
لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ نسختها آية القتال ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وصلِّ بأمر ربّك، وقيل:
بثناء ربكٍ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني صلاة الصبح ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني صلاة العصر ﴿وَمِنْ
ءانآءَى اللَّيْلِ﴾ صلاة العشاء الآخر ﴿فَسَبِّحْ وَأَظْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر والمغرب، وإنّما قال:
أطراف لهاتين الصلاتين؛ لأنّ صلاة الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف
الآخر من النهار فهي في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلّي المغرب،
فلذلك قال: أطراف(٢)، ونصب(٣) عطفاً على قوله: قبل طلوع الشمس.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بالشفاعة والثواب، قرأه العامة: بفتح التاء، ودليله قوله تعالى: ﴿ولسوف
يعطيك ربّك فترضى﴾ وقرأ الكسائي وعاصم برواية أبي بكر بضم التاء.
﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية.
قال أبو رافع: أرسلني رسول الله وَ له إلى يهودي يستسلفه فأبى أن يعطيه إلاّ برهن، فحزن
رسول الله وَّ﴾ فأنزل الله سبحانه ﴿ولا تمدنَّ عينيك﴾ ولا تنظر ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾
أي أعطيناهم أصنافاً من نعيم الدنيا ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ أي زينتها وبهجتها، قرأه العامة بجزم
الهاء، وقرأ يعقوب بفتحها وهما لغتان مثل: جهرة وجهرَة، وإنّما نصبها على القطع والخروج
مِن الهاء في قوله: متّعنا به .
(١) في نسخة أصفهان: زيادة: عن القرآن.
(٢) في نسخة أصفهان: زيادة: النهار.
(٣) في نسخة أصفهان: زيادة: أطراف.
٢٦٧
سورة طه، الآيات: ١١٥ - ١٣٥
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ وإنّما نكلّفك
عملاً ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ﴾ الجملية المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ أي لأهل التقوى.
قال هشام بن عروة: كان عروة إذا رأى ما عند السلاطين دخل داره وقال: ﴿ولا تمدنَّ
عينيك﴾، إلى قوله ﴿والعاقبة للتقوى) ثمَّ ينادي: الصلاة الصلاة يرحمكم الله.
وقال مالك بن دينار: كان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة يقول: قوموا
فصلّوا، ثم يقول: بهذا أمر الله رسوله، ويتلو هذه الآية.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني هؤلاء المشركين ﴿لَوْلاَ يَأْتِيْنَا﴾ محمد ﴿بِآيَة مِنْ رَبِّهِ﴾ كما أتى بها الأنبياء
من قبله .
قال الله سبحانه ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ بالتاء، قرأه أهل المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة لتأنيث
البينّة، وقرأ الآخرون بالياء لتقديم الفعل ولأنّ البيّنة هي البيان فردَّه إلى المعنى ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي
الصُّحُفِ﴾ الكتب ﴿الأولَى﴾ أي بيان ما فيها يعني القرآن أقوى دلالة وأوضح آية.
وقال بعض أهل المعاني: يعني ألم يأتهم بيان ما في الكتب الأُولى التوراة والإنجيل
وغيرهما من أنباء الأُمم التي أهلكناهم لمّا سألوا الآيات، فأتتهم فكفروا بها، كيف عجّلنا لهم
العذاب والهلاك بكفرهم بها فما تؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أُولئك.
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل نزول القرآن ومجيء محمد ◌َّ .
﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ﴾ هلّ ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا﴾ يدعونا ﴿فَتَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ
وَنَخْزَى﴾ بالعذاب ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر دوائر الزمان وما يكون من الحدثان
ولمن يكون الفلح والنصر. ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاء أمر الله تعالى وقامت القيامة ﴿مَنْ
أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ من الضلالة أنحن أم أنتم؟.
٢٦٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
سورة الأنبياء
وهي أربعة آلاف وثمان مائة وتسعون(١) حرفاً،
وألف ومائة وثمان وستّون كلمة، ومائة واثنتا عشرة آية
أخبرنا أبو الحسن(٢) علي بن محمد بن الحسن الجرجاني المقري قال: حدَّثنا أبو علي بن
حبش الدينوري المقري قال: حدَّثنا أبو العباس محمد بن موسى الدقاق الرازي قال: حدَّثنا عبد
الله بن روح المدائني قال: حدَّثنا ظفران قال: حدَّثنا ابن أبي داود قال: حدَّثنا محمد بن عاصم
قال: حدَّثنا شبابة بن سوار الفزاري قال: حدَّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي عن عطاء بن أبي
ميمونة عن زر بن حبيش عن أُبىّ بن كعب قال: قال رسول الله: {َالجر (من قرأ سورة ﴿اقترب
للناس حسابهم﴾ حاسبه الله حساباً يسيراً وصافحه وسلَّم عليه كلّ نبي ذكر اسمه في القرآن))(٣).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَقْرَّبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنِ زَّيِّهِم مُّحْدَتِ
إِلَّا أَسْتَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ لَاهِيَةً قُوبُهُمُّ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَدِذَا إِلَّ يَشَرٌ مِثْلُكُمَّ
أَفْتَأْتُونَ الْسّخْرَ وَنتُمُ نُصِرُونَ ﴿٣َ قَالَ رَبِّ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ
﴿ بَلِّ قَالُواْ أَصْغَنتُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَهُ بَلَّ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْيِنَا بِشَايَتِ كَمَا أُبِلَ الْأَوَلُونَ {وَ مَآ
◌َمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فَبْلَكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِيّ إِلَيْهِمْ فَتَغَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١) وَمَا جَعَلْنَهُمْ حَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الْطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ
ثُمَّ صَدَفْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَنْ نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ جَ لَقَدْ أَلْنَا إِلَيْكُمْ حَكِنَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ قيل: اللام بمعنى من أي اقترب من الناس ﴿حِسَابُهُمْ﴾ محاسبة الله
(١) في نسخة أصفهان: وسبعون.
(٢) في نسخة أصفهان: الحسين.
(٣) تفسير مجمع البيان: ٧ / ٧٠.
٢٦٩
سورة الأنبياء، الآيات: ١ - ١٠
إيّاهم على أعمالهم ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال ﴿فِي غَفْلَة﴾ عنه ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن التفكير فيه والتأهّب
له، نزلت في منكري البعث.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث﴾ يعني ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن
يذكّرهم ويعظهم به ﴿إِلَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لا يعتبرون ولا يتعظون.
قال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر، وقال الحسن(١) بن الفضل: الذكر هاهنا محمد
رسول اللـهِ وَ﴾، يدلّ عليه قوله في سياق الآية ﴿هَلْ هذا إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُم﴾ ولو أراد الذكر بالقرآن
لقال: هل هذا إلاّ أساطير الأوّلين، ودليل هذا التأويل أيضاً قوله: ﴿وَيَقولونَ إِنّهُ لَمَجْنونٌ وَمَا هُوَ
إلّ ذِكْرٌ لِلِعالَمِينَ﴾ يعني محمداً (عليه السلام).
﴿لَاَهِيَةٌ﴾ ساهية ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ معرضة عن ذكر الله، من قول العرب: لهيت عن الشيء إذا
تركته، ولاهية نعت تقدّم الاسم ومن حقّ النعت أن يتبع الاسم في جميع الاعراب، فإذا تقدّم
النعت الاسم فله حالتان: فصل ووصل، فحاله في الفصل النصب كقوله سبحانه ﴿خُشَّعاً
أبصارُهُم﴾ ﴿ودانِيَةً عليهم ظِلالُها﴾ و﴿لاهِيَةً قُلوبُهم﴾. قال الشاعر:
العزّة موحشاً طلال يلوح كأنّه خلل(٢)
أراد: طلل موحش، وحاله في الوصل حال ما قبله من الإعراب كقوله تعالى ﴿ربَّنا
أُخرِجْنا مِن هذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِم أهلُها﴾ قال ذو الرمّة:
(٣)
في ظلّ أخضر يدعو هامه البوم
قد أعسف النازح المجهول معسفة
أراد معسفه مجهول وإنّما نصب لانتصاب النازح.
وقال النابغة :
(٤)
طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
أراد أنّ أكارعه مَوشيّة .
من وحش وجرة موشى أكارعه
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كان حقّه وأسرّ لأنه فعل تقدّم الاسم فاختلف النحاة في
وجهه، فقال الفرّاء: الذين ظلموا في محلّ الخفض على أنّه تابع للناس في قوله ﴿اقَتْرَب للنّاسِ
حِسابُهم﴾ .
وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير أراد والذين ظلموا أسرّوا النجوى.
(١) في نسخة أصفهان: الحسين.
(٢) تفسير القرطبي: ١١ / ٢٦٨، ولسان العرب: ٦ / ٣٦٨ وفيه لسلمى موحشاً.
(٣) كتاب العين: ١ / ٣٣٩.
(٤) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٣٥.
٢٧٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال قطرب: وهذا سائغ في كلام العرب وحُكي عن بعضهم أنه قال: سمعت بعض
العرب يقول: أكلوني البراغيث قال الله سبحانه ﴿ثم عموا وصموا كثير منهم﴾. وقال الشاعر:
(١)
بك نال النصال دون الـمساعي
فاهتدين النبال للأغراض
ويحتمل أن يكون محل الذين رفعاً على الابتداء، ويكون معناه وأسَروّا النّجوى، ثمّ قال
هم الذين ظلموا
﴿هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّخْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنّه سِحر ﴿قَالَ رَبِّي﴾ قرأ أكثر
أهل الكوفة (قال) على الخبر عن محمد بَله، وقرأ الباقون ((قل)) على الأمر له ﴿يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي
السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم﴾ أي
أباطليها وأهاويلها ﴿بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ يعني أنّ المشركين اقتسموا القول فيه: فقال
بعضهم: أضغاث أحلام، وقال بعضهم: بل افتراه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وهذا الذي
جاءكم به شعر، لأنَّ بل تأتي لتدارك شيء ونفي آخر.
﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَّةٍ﴾ إن كان صادقاً ﴿كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ من الرسل بالآيات.
قال الله سبحانه مجيباً لهم ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية أتتها الآيات فأهلكناهم
﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ إن جاءتهم آية ...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّ رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ وهذا جواب لقولهم ﴿هل هذا إلّ بشر مثلكم)
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي التوراة والإنجيل يعني علماء أهل الكتاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وقال
ابن زيد: أراد بالذكر القرآن يعني فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، قال جابر الجعفي:
لما نزلت هذه الآية قال عليّ: نحن أهل الذكر.
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ يعني الرسل الأولين ﴿جَسَداً﴾ قال الفرّاء: لم يقل أجساداً لأنّه اسم
الجنس ﴿لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يقول: لم نجعلهم ملائكة، بل جعلناهم بشراً محتاجين إلى الطعام،
وهذا جواب لقولهم ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام﴾ ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ
صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْدَ﴾ الذي وعدناهم هلاك أعدائهم ومخالفيهم وإنجائهم ومتابعيهم ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ
نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين.
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال مجاهد: حديثكم، وقيل: شرفكم.
﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ طَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ ﴿أَ فَلَمََّ أَحَسُواْ بَأْسَنَّاً إِذَا هُم
(١) تفسير القرطبي: ١١ / ٢٦٩.
٢٧١
سورة الأنبياء، الآيات: ١١ - ٢٩
مِنْهَا بَرْكُونَ ﴿﴿ لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُخَلُونَ (٣) قَالُواْ يَوَتِلَا إِنَّ كُنَّ
طَلِمِينَ (١٤) فَمَا زَلَتْ تِلْكَ دَعْوَدِهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴿١٥) وَمَا خَلَقْنَا الشَّمَآَ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَهُمَا لَعِبِينَ ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَتَّخِذَ لَوَّ لَأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَا إِن كُنَا فَعِينَ (٣) بَلْ نَقْذِفُ بِالخَّ عَلَى
اَلْبَطِلِ فَيَدْمَغُمُ فَإِذَا هُوَ زَامِقٌ وَلَكُمُ الْوَيِلُ مِمَّا نَصِفُونَ ﴿َ وَلَمُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحِرُونَ ﴿ يُسَبِحُونَ أَلَيْلَ وَالتَّهَرَ لَا يَفْتُونَ (َ أَمِ أَّخَذُوَاْ ،َلِهَةُ مِّنَ
الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿٨َ لَوْ كَنَّ فِهِمَآءَ الِهَهُ إِلَّ اَللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَّ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٦) لَا
يُسْشَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴿٦َ أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: مَالِهَذَّ قُلْ هَاتُواْ بُهَشَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ نِىَ وَذِكْرُ
مَنْ قَبْلِيُّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (١٦) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّ نُوحِيَ إِلَيْهِ
أَّرْ لَا إِلَّهَ إِلَّ أَنَّأْ فَعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُواْ أَتَحَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَّهُ بَلْ عِبَادٌ مُكَرَّمُونَ (بَ
يَسْبِقُونَهُ بِالْفَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيِّنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمِنْ
(٢) ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَّهُ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَخْزِيِهِ جَهَنَّمُ
أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ
٣٩
كَذََِّ نَحْرِى الظَّالِمِينَ
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي أهلكنا، والقصم: الكسر يقال: قصمت ظهر
فلان، وانقصمت سنة إذا انكسرت.
﴿وَأَنشَأْنَا﴾ وأحدثنا ﴿بَعْدَهَا﴾ بعد إهلاك أهلها ﴿قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُوا﴾ رأوا ﴿بَأْسَنَا﴾
عذابنا ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يسرعون هاربين، يقال منه: ركض فلان فرسه إذا كدّه بالرجل،
وأصله التحريك.
﴿لَاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ نُعْمتم فيه ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ عن
نبيّكم، مجاهد: لعلكم تفقهون بالمسألة، قتادة: لعلّكم تسألون من دنياكم شيئاً استهزاءً بهم،
نزلت هذه الآيات في أهل حصورا وهي قرية باليمن، وكان أهلها العرب فبعث الله إليهم نبياً
يدعوهم إلى الله سبحانه فكذّبوه وقتلوه، فسلّط الله عليهم بخت نصّر حتى قتلهم وسباهم ونكّل
بهم، فلمّا استحرّ فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم على طريق الاستهزاء
﴿لا تركضوا وارجعوا إلى ما أُترفتم فيه﴾ إلى مساكنكم وأموالكم، فأتبعهم بخت نصّر وأخذتهم
السيوف، ونادى مناد من جوّ السّماء: يالثارات الأنبياء، فلمّا رأوا ذلك أقرّوا بالذنوب حين لم
ينفعهم فقالوا ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ قولهم وهجّيراهم ﴿حَتَّى
جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً﴾ بالسيوف كما يحصد الزرع ﴿خَامِدِينَ﴾ ميّتين.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾ عبئاً وباطلاً ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً﴾
قال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن المرأة.
٢٧٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال عقبة بن أبي جسرة: شهدت الحسن بمكة وجاءه طاووس وعطاء ومجاهد فسألوه عن
هذه الآية، فقال الحسن: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: الولد.
﴿لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَهُنَّ﴾ من عندنا وما اتّخذنا نساءً وولداً من أهل الأرض، نزلت في الذين
قالوا اتخذ الله ولداً.
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١) بَلْ نَقْذِفُ﴾ نأتي ونرمي وننزل ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالإيمان ﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الكفر
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيهلكه، وأصل الدمغ شجّ الرأس حتى يبلغ الدماغ ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ذاهب وهالك.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ يا معشر الكفّار ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ لله بما لا تليق به من الصاحبة والولد.
وقال مجاهد: ممّا تكذبون، ونظيره قوله ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي تكذيبهم.
﴿وَلَّهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ عبداً وملكاً ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة ﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ .
قال ابن عباس: لا يستنكفون، مجاهد: لا يجسرون، قتادة ومقاتل والسدّي: لا يعيون،
الوالبي عن ابن عباس: لا يرجعون، ابن زيد: لا يملّون.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ لا يضعفون ولا يسأمون، قد أُلهموا التسبيح كما
تلهمون النَّفَس.
﴿أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأرْضِ﴾ يعني الأصنام ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ يحيون الإموات ويخلقون
الخلق .
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي في السماء والأرض ﴿آلِهَةٌ إِلَّ اللهُ﴾ غير الله ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهلك من
فيهما .
﴿فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لأنه الرب ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
عما لا يعلمون(٢) لأنهم عبيده.
﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على ذلك، ثمَّ قال مستأنفاً ﴿هَذَا﴾ يعني
القرآن ﴿ذِكْرُ﴾ خبر ﴿مَنْ مَعِي﴾ بيان الحدود والأحكام والثواب والعقاب ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من
الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القرآن.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ﴾ قرأ أكثر أهل الكوفة بالنون وكسر الحاء
(١) في نسخة أصفهان زيادة: ولكنا لا نفعل ذلك، وقال قتادة ومقاتل وابن جريج: يعني ما كنا ذلك فاعلين.
(٢) في نسخة أصفهان: عمّا يفعلون.
٢٧٣
سورة الأنبياء، الآيات: ٣٠ - ٥٠
على التعظيم لقوله: أرسلنا، وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول.
﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونٍ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ نزلت في خزاعة حيث قالوا:
الملائكة بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ يعني الملائكة ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ﴾ لا يتقدّمونه
﴿بِالْقَوْلِ﴾ ولا يتكلّمون إلاّ بما يأمرهم به.
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْقَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾.
قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقال مجاهد: لمن رَُّه، ﴿وَهُمْ مِنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ قال قتادة: عنى بهذه الآية إبليس
لعنه الله حيث ادّعى الشركة، ودعا إلى عباده نفسه وأمر بطاعته، قال: لأنه لم يقل أحد من
الملائکة إنّي إله من دون الله.
﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها .
أَلَمْ يَرَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّ السَّمَوَّنِ وَالأَرْضَ كَانَنَا رَبْقَا فَفَنَقْتَهُمَّاً وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَىْءٍ حَيَّ
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَعِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٢٦)
وَجَعَلْنَا اُلَّمَاءَ سَقْفًا تَخْفُوظَاً وَهُمْ عَنْ ءَبِهَا مُعْرِضُونَ ﴿٧َ) وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَتْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
كُلُّ
وَالْقَمِّرَّ كُلُّ فِ فَكِ يَسْبَحُونَ ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدُ أَفَإِيْن ◌ِتَّ فَهُمُ الْخَِدُونَ [َ
نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِّ وَتَلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَبَّرِ فِتْنَهُ وَإِلَيْنَا فُتِحَعُونَ (٢٥) وَإِذَا رَءَكَ الَّذِينَّ ◌ِكَمَرُواْ إِنْ
يَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الَّعَنَّ هُمْ كَفِرُونَ (٣٦) خُلِقٌ
اُلْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍّ سَأُؤْرِكُمْ مَيَنِى فَلَا نَسْتَعْبِلُونِ (٢٦) وَيَقُولُونَ مَتَّى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كُغَرُواْ حِينَ لَّا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ
مُصَرُونَ (٢٩) بَلْ تَأْتِيِهِم بَغْتَهُ فَتَبْهَُّهُمْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُطَرُونَ ﴿﴿ وَلَقَدٍ أَسْتُهْزِئَ
يُسُلٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَحَقَ بِالَّذِيْنَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُوا بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (١) قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِأَتْلِ وَالنَّهَارِ
مِنَ الْرَّمَيِّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرٍ رَّبِّهِمِ نُّعْرِضُونَ ﴿٤٦) أَمْ لَهُمْ ◌َلِهَةٌ تَمْنَهُهُم مِّن دُونِنَأْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَيُونَ ﴿ بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ أَفَلَا
يَرَوْنَ أَّا فَأَنِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَلُونَ ﴿١٦ قُلْ إِنَّمَا أُذِرُكُم بِالْرَحِيَّ وَلَ
يَسْمَعُ الصُُّّ الدُّعَ إِذَا مَا يُذَرُونَ (19) وَلَيْنِ مَّسَّتَهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُونَ يَوَبَِّاً إِنَّا
كُنّ ظَلِمِينَ (١٦) وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِنْقَالَ
حٍَّ مِّنْ خَرَدَلٍ أَنْنَا بِهَا وَكَفَى ◌ِنَا خَسِينَ (42) وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَّةُ وَذِكْرًا
لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ بَخْتَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْنِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿١٨) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَزْنَهُ
أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
٥٠
٢٧٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ قرأه العامّة بالواو، وقر ابن كثير ألم(١) وكذلك هو في مصاحفهم. (ير)) يعلم
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ .
قال ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة: يعني كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله سبحانه
بينهما بالهواء.
قال كعب: خلق الله سبحانه السموات والأرضين بعضها على بعض ثمّ خلق ريحاً
توسّطتها ففتحها بها .
وقال مجاهد وأبو صالح والسدُّي: كانت السموات مرتقة طبقة واحدة، ففتقها فجعلها سبع
سموات، وكذلك الأرضون كانت مرتقة طبقاً واحداً ففتقها فجعلها سبع أرضين .
عكرمة وعطية وابن زيد: كانت السماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت ففتق السماء
بالمطر والأرض بالنبات، نظيره قوله سبحانه ﴿والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع﴾(٢)
وأصل الرتق السدّ ومنه قيل للمرأة التي فرجها ملتحم رتقاً، وأصل الفتق الفتح، وإنّما وحّد الرتق
وهو من نعت السموات والأرض لأنّه مصدر، وضع موضع الاسم مثل الزور والصوم والفطر
والعدل ونحوها .
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني أنّ كلّ شيء حىّ فإنّه خُلق من الماء، نظيره قوله
سبحانه ﴿والله خَلَق كلَّ دابَّة من ماء﴾ .
﴿أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي في الرواسي
﴿فِجَاجاً﴾ طرقاً ومسالك واحدها فج ثمَّ، فسّر فقال ﴿سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ
سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ من أن تسقط، دليله قوله سبحانه ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أن تَقَع على الأرْضِ إلّ
بِإِذْنِهِ﴾(٣) وقيل: محفوظاً من الشياطين، دليله قوله سبحانه ﴿وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانِ
رَجيم﴾ (٤).
﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ فلا يتفكّرون فيها ولا يعتبرون بها يعني الكفار.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ﴾ يجرون ويسيرون،
والفلك مدار النجوم الذي يضمّها، ومنه فلكة المغزل.
قال مجاهد: كهيئة حديدة الرّحا، الضحّاك: فلكها: مجراها وسرعة سيرها.
في نسخة أصفهان زيادة: يعتبروا.
(١)
(٢)
الطارق: ١٢.
الحجّ: ٦٥.
(٣)
(٤) الحجر: ١٧.
٢٧٥
سورة الأنبياء، الآيات: ٣٠ - ٥٠
وقال آخرون: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه.
وقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكلّ كوكب يجري في السّماء الذي
قدّر فيه وهو بمعنى قول قتادة.
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ دوام البقاء في الدنيا ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ أي
أفهم الخالدون؟ كقول الشاعر:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع
فقلت وأنكرت الوجوه هُمُ هُمُ(١)
أي أهمُ؟ نزلت هذه الآية حين قالوا: نتربّص بمحمد ريب المنون.
﴿كُلُّ نَفْس﴾ منفوسة ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ﴾ نختبركم ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ابتلاء لننظر
کیف شکرکم فيما تحبّون، وكيف صبركم فيما تكرهون.
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَإِذَا رَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتّخذونك ﴿إِلاَّ هُزُواً﴾ سخرّياً
ويقول بعضهم لبعض ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، قال عنترة:
فيكون جلدك مثل جلد الأجرب(٢)
لا تذكري فرسي وما أطعمته
أي لا تعمي مهري.
﴿خُلِقَ الأنسَانُ﴾ يعني آدم، قرأ العامّة: بضم الخاء وكسر اللام على غير تسمية الفاعل،
وقرأ حميد والأعرج بفتح الخاء واللام يعني خلق الله الانسان ﴿مِنْ عَجَل﴾ اختلفوا فيه فقال
بعضهم: يعني أنّ بنيته وخلقته من العجلة وعليها طُبع، نظيره قوله ﴿وَكانَ الإنسانُ عَجُولاً﴾(٣).
قال سعيد بن جبير والسدي: لمّا دخل الروح في عيني آدم نظر إلى ثمار الجنّة، فلمّا دخل
في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول
﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ .
وقال آخرون: معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إيّاه، وقالوا: خلقه في آخر
النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس فأسرع في خلقه قبل مغيبها .
قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق، فلمّا أحيا الروح
رأسه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.
وقال بعضهم: هذا من المقلوب مجازه: خُلق العجل من الإنسان كقول العرب: ((عرضت
(١) كتاب العين: ٨ / ٢٨١.
(٢) لسان العرب: ٤ /٣١٠.
(٣) الإسراء: ١١ .
٢٧٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
الناقة على الحوض)) يريدون: عرضت الحوض على الناقة وكقولهم: إذا طعلت الشمس
الشعرى، واستوى العود على الحربا أي استوى الحربا على العود. وقال ابن مقبل:
فرداً يجرّ على أيدي المفدينا (١)
حسرتُ كفّي عن السريالِ آخذه
يريد حسرت السربال عن كفّي، ونحوها كثير.
وقال أبو عبيد: وكثير من أهل المعاني يقولون: العجل الطين بلغة حمير، وانشدوا :
(٢)
والنخل ينبت بين الماء والعجل
النبع تنبت بين الصخر ضاحية
أي الطين.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُون﴾ بالعذاب وسؤال الآيات ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي
تعدنا من العذاب، وقيل: القيامة، وتقديره الموعود ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال الله سبحانه ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُونَ﴾ يمنعون ﴿عَنْ وُجُوهْهِمِ النَّارَ وَلاَ
عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ السياط ﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وفي الآية اختصار يعني لمّا أقاموا على كفرهم ولم
يتوبوا .
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ يعني الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأةً ﴿فَتَبْهَتُّهُمْ﴾ قال ابن عباس: تفجأهم، وقال
الفرّاء: تحيّرهم. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ
بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحفظكم ويحرسكم ﴿ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
مِنْ الرَّحْمُنِ﴾ إذا انزل بكم عذابه، ومعنى الآية: من أمر الرَّحْمن وعذابه.
ثم قال سبحانه ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ كتاب ربّهم ﴿مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ﴾ الميم صلة فيه
وفي أمثاله ﴿آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾ فكيف ينصرون عابديهم.
﴿وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يمنعون، عطية عنه: يُجارون، يقول العرب: أنا
لك جار وصاحب من فلان أي مجیر عنه.
مجاهد: ينصرون ويحفظون، قتادة: لا يصحبون من الله بخير.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ﴾ الكفّار ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا
نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَظْرَافِهَا﴾ يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف
المؤمنين .
﴿أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ أم نحن ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ بالقرآن ﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصُُّّ الدُّعَاءَ﴾
(١) جامع البيان للطبري: ١٧ / ٣٧.
(٢) لسان العرب: ١١ /٤٢٨٠ والعبارة: والنبع في الصخرة الصمّاء منبتة. والنخل يُنبت بين الماء والعجل.
٢٧٧
سورة الأنبياء، الآيات: ٣٠ - ٥٠
قرأ أبو عبد الرَّحْمن السلمي بضم الياء وفتح الميم، الضم رفع بمعنى أنّه لا يفعل بهم ذلك على
مذهب ما لم یبین فاعله.
وقرأ ابن عامر («تُسمع)) بتاء مضمومة وكسر الميم والصُمَّ نصباً، جعل الخطاب للنبي (عليه
السلام)، وقرأ الآخرون: (يسمع)) بياء مفتوحة وفتح الميم الصمُّ رفع على أنّ الفعل لهم ﴿إِذَا مَا
يُنْذَرُونَ﴾ يخوّفون ويحذّرون.
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ﴾ أصابتهم ﴿نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: طرف، مقاتل وقتادة:
عقوبة، ابن كيسان: قليل، ابن جريج: نصيب، من قولهم: نفح فلان لفلان إذا أعطاه قسماً (١)
وحظاً منه، بعضهم: ضربة، من قول العرب: نفحت الدابة برجلها إذا ضربت بها. قال الشاعر:
تنفح بالمسك أردانها (٢)
وعمرة من سروات النساء
﴿لَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ العذاب وإنّما وحدّ القسط وهو
جمع الموازين لأنّه في مذهب عدل ورضىّ.
قال مجاهد: هذا مَثَل، وإنّما أراد بالميزان العدل.
﴿فَلاَ تُْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ لا ينقص من حسناته ولا یزاد على سيئاته.
يروى أنّ داود (عليه السلام) سأل ربّه أن يريه الميزان فأراه، فلمّا رآه غشي عليه ثم أفاق،
فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات؟ فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي
ملأتها بتمرة.
فان قيل: كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه ﴿فَلا نُقِيمُ لهم يَوْمَ القِيامَةِ
وَزْناً﴾(٣)؟ فالجواب: إن المعنى فيه: لا نقوّمها ولا تستقيم على الحقّ، [من ناقصه سائله](٤)
لأنها باطلة .
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل﴾ رفع أهل المدينة المثقال بمعنى: وان وقع، وحينئذ لا
خبر له ونصبها الباقون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال، ومثله في سورة لقمان ﴿أَتَيْنَا
بِهَا﴾ أحضرناها، وقرأ مجاهد: آتينا بالمدّ أي جازينا بها .
﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني الكتاب الذي يفرق بين
الحق والباطل وهو التوراة.
في نسخة أصفهان زيادة: من ماله.
(١)
(٢) تفسير القرطبي: ١١ / ٢٩٣.
(٣) الكهف: ١٠٥ .
(٤) كذا في المخطوط.
٢٧٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن زيد: النصر على الأعداء، دليله قوله ﴿وَما أنْزَلْا على عَبدِنا يُّوَ الفُرْقَانِ﴾(١)
يعني يوم بدر، وهذا القول أشبه بظاهر الآية لدخول الواو في الضياء(٢) والذكر للمتّقين، وعلى
هذا التأويل تكون الواو مقحمة زائدة كقوله سبحانه وتعالى ﴿بزِينَةِ الكَواكِب وَحفْظً﴾(٣).
ويروى أنّ عكرمة كان يقول في هذه الآية: معناها: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان
ضياء، ويقول: انقلوا هذه الواو إلى قوله سبحانه وتعالى ﴿الذينَ يَحْمِلونَ العَرْشَ وَمَنْ
حَوْلَهُ﴾(٤) .
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي يخافونه ولم يروه ﴿وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا
ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ يعني القرآن ﴿أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ جاحدون﴾.
وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَّكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴿٨َ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ
التَّعَائِلُ أَلَّيِّ أَنْتُمْ لَهَاَ عَكِّفُونَ ﴿يَهَ قَالُواْ وَجَدْنَاَ ءَآءَنَا لَمَا عَِدِينَ ﴿ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَبَاؤُكُمْ فِى
ضَكَلِ مُّبِينٍ ﴿﴿ فَلُواْ أَحِثْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِبِينَ ﴿ فَلَ بَلَ رَّبُّكُمْ رَبُّ الََّوَّتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى
فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿﴿ وَلَّهِ لَّأَسْكِيدَنَّ أَسْتَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ نُوَلُّواْ مُدِِّينَ ﴿٨َ فَجَعَلَهُمْ
◌ُذَدًّا إِلَّ كَبِرًا لَّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿٥٨) قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَّا بَالِهِنَّاً إِنَّهُ لَمِنَ الْظَِّينَ
(1) قَالُوا
قَالُوْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِرَهِيمُ (٣) قَالُواْ فَأَنُواْ بِهِ، عَلَىَّ أَعْنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
◌َأَنْتَ فَعَلَّتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا فَإِرَهِيمُ (٢) قَالَ بَلْ فَعَلَمُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ بَطِفُونَ
فَرَجَعُوْاْ إِلَّ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْمُ الَِّمُونَ (9َ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
هَكُلَاءِ يَنْطِفُونَ ﴿يَا قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ لَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦َ) أُقِ لَّكُمْ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٧) قَالُواْ حَرِّفُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَنَّكُمْ إِن كُنُ فَعِينَ (3)
قُلْنَا يَشَارُ كُونِ بَدَّاً وَسَلَّا عَلَىَ إِنَّهِيمَ (١٩) وَأَرَدُوْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴿﴿ وَغَيْنَهُ وَلُوطًا
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى يَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴿١٣) وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا صَكَلِحِينَ
٧٢
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ توفيقه. القرظي: صلاحه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى
وهارون.
قال المفسّرون: يعني هديناه صغيراً كما قال ليحيى ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيّاً﴾(٥) .
(١) الأنفال: ٤١ .
(٢) في نسخة أصفهان زيادة: فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهارون النصر والتوراة الذي هو الضياء.
(٣) الصافّات: ٦ - ٧.
(٤) الغافر: ٧.
(٥) مريم: ١٢.
٢٧٩
سورة الأنبياء، الآيات: ٥١ - ٧٢
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ بأنّه أهل الهداية والنبوة.
﴿إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ والصور يعني الأصنام ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾
على عبادتها مقيمون .
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ فاقتدينا بهم.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَا ؤُكُمْ فِي ضَلَاَل مُبِين﴾ بعبادتكم إيّاها .
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ الّلاعِينَ﴾ يعنون أجادّ أنت فيما تقول أم لاعب؟
﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمْوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ خلقهْن ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ
الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لأُكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ لأمكرنّ بها ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ .
قال مجاهد وقتادة: إنّما قال إبراهيم هذا في سّر من قومه ولا يسمع ذلك إلاّ رجل واحد
منهم، وهو الذي أفشاه عليه وقال: ﴿سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُم يُقَالُ له إبراهيم﴾ .
قال السدّي: كان لهم في كلّ سنة مجمع وعيد، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على
الأصنام فسجدوا لها، ثمّ عادوا إلى منازلهم، فلمّا كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم
لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم فلمّا كان ببعض الطريق ألقى نفسه
وقال: إنّي سقيم يقول: أشتكي رجلي، فتواطؤوا رجله وهو صريع، فلمّا مضوا نادى في آخرهم
وقد بقي ضعف الناس ﴿تاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُمْ بَعْدَ أن تُوَلّوا مُذْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه، ثم رجع
إبراهيم إلى الآلهة فإذا هنَّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها
إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين
يدي الأصنام، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا فأكلنا، فلمّا نظر
إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء: ألا تأكلون؟ فلمّا لم
يجبه أحد قال: ما لكم لا تنطقون؟ ﴿فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾، وجعل يكسرهنّ بفأس في يده
حتى إذا لم يبق إلاّ الصنم الأكبر(١) علّق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله سبحانه ﴿فَجَعَلَهُمْ
جُذَاذاً﴾ .
قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بكسر الجيم أي كسراً وقطعاً جمع جذيذ وهو
الهشيم، مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون: بضمّه أي الحطام والدقاق ﴿إِلَّ كَبِيراً
لَهُمْ﴾ أي عظيماً للآلهة فإنّه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فيتذكّرون
ويعلمون ضعفها وعجزها، وقيل: لعلّهم إليه يرجعون فيسألونه، فلمّا جاء القوم من عيدهم إلى
(١) في نسخة أصفهان: الأعظم بدل الأكبر.
٢٨٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الَّالِمِينَ قَالُوا﴾ يعني الذين
سمعوا إبراهيم يقول: تالله لأكيدنّ أصنامكم ﴿سَمِعْنَا فَتَىَّ يَذْكُرُهُمْ﴾ يعيبهم ويسبّهم ويستهزئ بهم
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ هو الذي صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبّار وأشراف قومه فقالوا ﴿فَأْتُوا بِهِ
عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ يراد بأعين الناس(١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه أنّه هو الذي فعل ذلك، وكرهوا
أن يأخذوه بغير بيّنة، قاله قتادة والسدّي.
وقال الضحّاك والسُدّي: لعلّهم يشهدون ما يصنع به ويعاقبه، أي، يحضرون، فلمّا أتوا به
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ﴾ إبراهيم ﴿بَلْ فَعَلَّهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ غضب من أن
تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنّ، قاله ابن إسحاق، وإنّما أراد إبراهيم بذلك إقامة
الحجّة عليهم، فذلك قوله سبحانه ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ حتى يخبروكم بمن فعل هذا
بهم.
وروي عن الكسائي أنّه كان يقف عند قوله: بل فعله ويقول: معناه فعله من فعله، ثم يبتدي
کبیرهم هذا .
وقال القتيبي: جعل إبراهيم النطق شرطاً للفعل فقال ﴿فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا
ينطقون﴾ والمعنى إن قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل، وفي ضمنه أنا فعلت
ذلك، والذي تظاهرت به الأخبار في هذه الآية، قول ابن إسحاق يدلّ عليه قول النبي ◌َّ: لم
يكذب إلاّ ثلاث كذبات كلّها في الله عزّ وجلّ قوله ﴿إني سقيم﴾(٢) وقوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾
وقوله لسارة: هي أختي، وغير مستحيل أن يكون الله سبحانه أذن لرسوله وخليله في ذلك ليقرع
قومه ويوبّخهم ويحتجّ عليهم ويعرّفهم موضع خطئهم كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال
لأخوته: ﴿أَيَّتُّها العِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾(٣) ولم يكونوا سرقوا شيئاً.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يقول: فتفكّروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم ﴿فَقَالُوا﴾ ما نراه إلاّ
كما قال ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ﴾ هذا الرجل في سؤالكم إيّاه، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل
حاضرة فسلوها، وقيل: إنّكم أنتّم الظالمون بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير.
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ متحيّرين مثبورين وعلموا أنّها لا تنطق ولا تبطش، فقالوا ﴿لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ فلمّا اتّجهت الحجّة لإبراهيم عليهم ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
(١) في نسخة أصفهان: قيل: معناه على رؤوس الناس، وقيل معناه بمرأى منهم، وإنما أرادوا بذلك أظهر
والذي فعل للناس، كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وسهر: كان ذلك على أعين الناس.
(٢) الصافات: ٨٩.
(٣) يوسف: ٧٠.