النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة طه، الآيات: ٩ - ٢٣. مرزوق قال: حدَّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنَّ رسول الله وَّ قال: ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾(١). وقيل: هو مردود على الوحي يعني فاستمع لما يوحى واستمع لذكري. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ فأكاد(٢) صلة، كقول الشاعر: (٣) فما أن يكاد قرنه يتنفس سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه يعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أكاد أُخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أُخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟. وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنَّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أُذعت سرّي، فيقول مجيباً له معتذراً إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته ؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر: أيام تُعجبني هند وأُخبرها ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري(٤) فكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخفيها بفتح الألف أي أُظهرها وأُبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس : خفاهنّ من إنفاقِهنّ كأنّما خفاهنّ ودق من سحاب مركّب(٥) أي اخرجهن. ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي تعمل من خير وشرّ ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ﴾ يصرفنّك ﴿عَنْهَا﴾ يعني عن الإيمان بالساعة ﴿مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ مراده ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَّ عَصَايَ﴾ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل(٦) ﴿أَتَوَكَّأُ﴾ اعتمد ﴿عَلَيْهَا﴾ إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة (١) سنن الدارمي: ١ / ٢٨٠. في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد. (٢) (٣) لسان العرب: ٣ /٣٨٤. تفسير القرطبي: ١١ / ٨٥، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها. (٤) (٥) كتاب العين: ٤ / ٣١٤. (٦) في نسخة أصفهان: مجاهد. ٢٤٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي والطفرة. ﴿وَأَهُشُّ﴾ وأخبط ﴿بِهَا﴾ الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة ((وأهسُ)) بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم: شمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم. ﴿وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ﴾ حوائج ومنافع، واحدتها مأرَبة ومَأرُبة بفتح الراء وضمّها ﴿أُخْرَى﴾ ولم يقل أُخَر لرؤوس الآي. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد إلا سقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب. قال الله سبحانه ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا﴾ من يده ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ تمشي مسرعة على بطنها . قال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعباناً، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع ﴿كأنَّها جَانٌ﴾ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى. قال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعاً فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الاعجوبة ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا﴾ أي إلى سيرتها وهيئتها ﴿الأولَى﴾ نردّها عصاً كما كانت ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ يعني إبطك. وقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص ولا داء ﴿آَيَّةً أُخْرَى﴾ سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الكبرى وفاقاً لرؤس الآي، وقيل: فيه اضمار معناه ﴿لنريك من آياتنا﴾ الآية الكبرى(١) دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته. (١) في نسخة أصفهان: الآية الكريمة. ٢٤٣ سورة طه، الآيات: ٢٤ - ٥٢ لِسَانِى أَمْرِى ﴿ وَأَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِنْ ٢٦ ﴿ وَبَّرْ ليْ أَمْرِى جَ قَالَ رَبِّ أَشْرَعْ لِى صَدْرِى أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى يَفْقَهُواْ فَوْلِ ﴿٣َ وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيْرًاً مِّنْ أَهْلِ ﴿٣َ هَرُونَ أَخِى (٣) أَشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى (٢٠) وَأَشْرِكَهُ فِىَ كَيْ نُسْعَدَ كَثِيرًا ﴿ وَذَكْرَ كَثِيرًا (٣٠) إِنَّكَ كُتَّ بِنَا بَصِيرًا ﴿ قَالَ قَدْ أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى (٣٢) وَلَقَدْ مَنَنَا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرِ (٢٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمََّكَ مَا يُوحَّقَ (٣٨) أَنِ أَقْدِفِيهِ فِ التَّابُوتِ فَقْذِفِهِ فى أَلْيَمْ فَيُلْفِهِ الْيَّمُّ بِلَّاحِلِ بَأْخُذْهُ عَدُوٌّ ◌ِ وَعَدُوٌّ لَّ وَأَلْغَيْتُ عَلَيْكَ نَّهُ مِنْىِ وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ ﴿٣) إِذْ تَنْشِىّ أَخْتُكَ فَقُولُ هَلْ أَوُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكُمُّلٌُ فَرَجَعْتَّكَ إِلَىْ أُمِّكَ كُمْ نَقَرَّ عَيْهَا وَلَا تَحْزَنُّ وَقَثَلْتَ نَفْسَا فَيْنَكَ وَأَصْطَعْتُكُ لِنَفْسِى ( ٤٠ مِنَ الْغَمِّ وَفَكَ فُوْنَا فَيْتَ سِنِينَ فِّ أَهْلِ مَذَْنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىْ قَدَرٍ يَمُوسَى فَقُولَا لَمُ قَوْلَا لَيْنَا لَعَلَُّ ٤٣ أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِشَيَّتِى وَلَا نَنَا فِى ذِكْرِى ﴿ أَذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (١٠) قَالَا رَبَّنَاَ إِنَّا تَخَافُ أَنْ يَفَرْطَ عَلَيْنَاً أَوْ أَنْ يَطَغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَِّ مَعَكُمَاً أَسْمَعُ وَأَرَىِ ﴿َ فَأَنْيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَرِْلْ مَعَنَا بِّ إِسْرَِّيَلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمِّ قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِنْ ◌َّيِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنْ أَتَّبَعَ اَلْمُدَىَ (٨٧) إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَىّ ◌ِ﴿َ قَالَ فَمَن ) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى رَّيِّكُمَا يَمُوسَى (٣٦) قَالَ رَبَُّا الَّذِىَّ أَعْطَى كُلُّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فى كِتٍَ لَّا يَضِلُ رَبِّ وَلَا يَسَى ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى﴾ عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت(١) على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطتَ على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون ﴿وَاحْلُلْ﴾ وابسُط وافتح ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: أنَّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأُخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرُّ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ كي يفهموا كلامي ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً﴾ معيناً وظهيراً ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ ثمَّ بين من هو فقال ﴿هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قوِّ به ظهري ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ يعني النبوّة وتبليغ الرسالة ﴿كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ نصلّي لك ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشدد به أزري بفتح الألف وأُشركه بضم الألف (١) في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي. ٢٤٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ قد أُعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ قبل هذا وهي ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ وحي إلهام مثل وحي النحل ﴿مَا يُوحَى أَنْ اقْذِفِيهِ﴾ أن اجعليه ﴿فِي التَّابُوتِ﴾. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ يعني نهر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وَخصَاصه - يعني شقوقه - ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجهاً، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مُسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه مَن رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّ عشقه. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي ولتربّى وتغذّى بمرأىّ ومنظر منّ ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واسمها مريم متعرّفة خبره ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أُخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأُمّ فقبل ثديها فذلك قوله ﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾ فرددناك ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾. وفي مصحف أُبي فرددناك إلى أُمّك ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائك وبقائك ﴿وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ قال ابن عباس: قتل قبطياً كافراً. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة ﴿فَتَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ﴾ أي من غم القتل وكربته ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾. قال ابن عباس: اختبرناك اختباراً. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاءً. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصاً ﴿فَلَبِئْتَ سِنِينَ﴾(١) يعني عشر سنين ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهي بلدة شعيب على ثلاث(٢) مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى وُلد لَه. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَر يَا مُوسَى﴾. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. (١) في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت. (٢) في نسخة أصفهان: ثمان. ٢٤٥ سورة طه، الآيات: ٢٤ - ٥٢ قال عبد الرَّحْمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء(١)، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ اخترتك واصطفيتك واختصصتك(٢) بالرسالة أو النبوّة ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِآيَاتِي﴾ اليد والعصا ﴿وَلاَ تَنِيَا﴾ قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السُدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا . ﴿إِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربّك فتخشى. وقال أهل المعاني: معناه الطُفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأُبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم وملكاً لا يُنزع عنه إلاّ بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أُوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي یسلم. فإن قيل: كيف قال: لعله يتذكر أو يخشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا یخشی؟. قال الحسين(٣) بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني . وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ ها هنا من الله واجب، ولقد تذكر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين الجمَهُ الغرقُ في البحر ﴿أَمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾(٤). (١) في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء. (٢) في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي. (٣) في نسخة أصفهان: الحسن. (٤) يونس: ٩٠. ٢٤٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي سمعت أبا القاسم الحسنن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ (١) بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول - وقرأ هذه الآية -: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله ؟ قال أبو القاسم الحسين(٢) فبنيت عليه ألفاظاً اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك نِدّاً فكيف رفقك بمن يقول فرداً؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل(٣) هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرَّ فكيف رفقك بمن أقرَّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ ﴿قَالَا﴾ يعني موسى وهارون ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يتكبرّ ويستعصي علينا . ﴿قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ بالدفع عنكما ﴿أَسْمَعُ﴾ قولكما وقوله ﴿وَأَرَى﴾ فعله وفعلكما ﴿فَأَتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذَّبْهُمْ﴾ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل ابناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَة مِنْ رَبِّكَ﴾ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمَّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يُره العصا إلاّ بعد ذلك يوم الزينة. ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ يعني من أسلم ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ أنبياء الله ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنَّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا یَا مُوسَى﴾ يعني یا موسى وهارون فذکر موسی دون هارون لرؤوس الآي. ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شئ صلاحه وهداه لما يصلحه . (١) في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي. (٢) في نسخة أصفهان: الحسين. (٣) في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ ٢٤٧ سورة طه، الآيات: ٢٤ - ٥٢ وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فقدّره تقديراً. وقال عطيّة: أعطى كلّ شئ خلقه يعني صورته . وقال الضحّاك: أعطى كلّ شيء خلقه، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأُذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرَّحْمن بن محمد الزهري قال: حدَّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أعطى كل شي خلقه ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ قال: هداه لمعیشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثمَّ هدى أي عرَّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأُنثى في النكاح (١). وقرأ نصير خلقه بفتح اللام على الفعل. ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى﴾ وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: ﴿إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم﴾، فقال فرعون حينئذ له: فما بال القرون الأولى التي ذكرت؟ فقال موسى ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَاب﴾ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنَما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه ﴿لاَ يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي لا يخطئ ﴿وَلاَ يَنسَى﴾ فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ مَهْداً﴾ قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشاً، وقرأ الباقون مهاداً أي فراشاً واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: ﴿ألم نجعل الأرض مهاداً﴾ ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا﴾ أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقاً. ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ أصنافاً ﴿مِنْ نَبَات شَتَّى﴾ مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجاً، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمَّ قال ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ أي ارتعوا ﴿أَنْعَامَكُمْ﴾ يقول العرب: رعيتُ الغنم فرَعَتْ لازم ومتعدّ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لاَيَاتِ لأوْلِي النُّهَى﴾ أي لذوي العقول، واحدها نُهية، سُمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات. (١) في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف ..... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل. ٢٤٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي وقال الضحّاك: ﴿لأوْلِي النُّهَى﴾ يعني الذين ينتهون عمّا حُرَّم عليهم. وقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى. الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْ نَبَاتِ ﴿ مِنَ خَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِدُكُمْ وَمِنْهَا ◌َشَّ ﴿٥َّ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنَعَمَّكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَنْتِ لِأُوْلِ النُّعَىّ تُخْرِيُّكُمْ ثَارَةً أُخْرَى ﴿﴿ وَلَقَدْ أَرَّنَهُ وَيَقْنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ (٥٧) قَالَ أَجِئْتَنَاَ لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِخَِ يَمُوسَى ﴿ فَأْيِّنَّكَ بِسِحْرِ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَّوْعِدًا لََّ غُخَلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَّى. ٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوَمُ الزِّنَّةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى (٦٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوَنُ نَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ﴿٦ قَالَ لَّهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا فَيُسْحِنَّكُمْ بِعَذَابٌّ وَقَدْ خَبَ مَّنِ أَفْتَرَى ﴿ فَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسْرُوْ اَلنَّجْوَِّ (١٧) قَالُواْ إِنْ هَذَنِ لَسَحِرَنِ يُرِدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُم بِسِخْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِفَيِّكُمُ الْمُثْلَىِ ﴿١٣ فَجِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُوْ صَفَّا وَقَدْ أَفَلَحَ اَلْيَوْمَ مَنْ أَسْتَعْلَى (١٤) قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّا أَنْ تُلْفِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىِ (9َ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٣) فُنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىِ (٦) وَأَلْقِ مَا فِى يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَّنَغُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٌّ وَلَا يُغْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَ ﴿٢َ فَأَلْفِى السَّحَرَةُ مُجَّدَا قَالُوَاْ ءَمَنَا بِرَبْ هَرُونَ وَمُوسَى: ﴿ فَلَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنَّ مَدَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِرُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّحْرِ فَأَقْطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَزْعُلَكُمْ مِنْ حَفِ وَلَأُمَيَِّّكُمْ فِى حُذُوعِ النَّخْلِ وَلَعْلَمُنَّ أَيُّنَاَ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىِ (﴿بَ قَالُواْ لَنْ نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَّا أَنْتَ فَاضِّ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ اَلْحَةَ الدُّنْيَاَ (٦) إِنَّ ءَمَّا بِرَبْنَا لِيَغْفِرْ لَنَا خَطَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَّهِ مِنَّ الِسْخْرِّ وَهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ (١٣) إِنَّهُ مَّن يَأْتِ رَبَّهُ مُحْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَتَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْنِى (١) وَمَنْ يَأْيِّهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ اَلْعَلَىِ ﴿٤ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنَا الْأَنْهُ خَلِيْنَ فِيهَّ وَذَلِكَ جَزََّهُ مَنْ تَزََّى ﴿مِنْهَا﴾ أي من الأرض ﴿خَلَقْتَاكُمْ﴾ يعني أباكم آدم. وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّهُ على النطفة، فيخلق من التراب، ومن النطفة فذلك قوله سبحانه ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ . ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي عند الموت والدفن، قال عليّ: ((إن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء، وقال: يا ربِّ عبدك فلان قبضنا نفسه فيقول: ارجعوا فإنّي وعدتهُ: منها خلقناكم وفيها نعيدكم فإنّه يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين))(١). ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ مرَّة أُخرى بعد الموت عند البعث. (١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٣ / ٢٥٤. ٢٤٩ سورة طه، الآيات : ٥٣ - ٧٦ ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ يعني فرعون ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يعني اليد والعصا والآيات التسع ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها وزعم أنّها سحر ﴿وَأَبَى﴾ أن يُسلم ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرِ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ فاضرب بيننا وبينك أجلاً وميقاتاً ﴿لاَ نُخْلِفُهُ﴾ لا نجاوزه ﴿نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَاناً سُوىٍ﴾ مستوياً. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سُوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عُدي وعِدَي، وطُوى وطوى. قال قتادة ومقاتل: مكاناً عدلاً بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفاً، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطاً بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي: سوىِ بين قيس قيس عيلان والفزر وإن أبانا كان حلّ ببلدة الفزر: سعد بن زيد مناة . ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء. وقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه. وروی جعفر عن سعيد قال: یوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز. وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يومَ الزينة بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىٍّ﴾ وقت الضحوة، يجتمعون نهاراً جهاراً ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ حِيَّلِه وَسَحَرَتَه ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الميعاد. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة . ﴿قَالَ﴾ موسى للسحرة ﴿لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قرأ أهل: الكوفة فيسُحِتكم بضم الياء(١) وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحتَ وأسحت. قال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق : من المال إلا مسحت أو مجلف (٣) (٤) وعضّ زمان يا ابن(٢) مروان لم يدع (١) في نسخة أصفهان: التاء. (٣) كتاب العين: ٢ / ٢٢٤. (٤) في نسخة أصفهان: إلاّ مسحة أو يحلف. (٢) في نسخة أصفهان: بأيد. ٢٥٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُوا النَّجْوَى﴾ أي المناجاة تكون اسماً ومصدراً. ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران(١) بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إن بكسر الالف وجزم النون هذان بالألف على معنى ما هذان إلّ ساحران، نظيره: قوله ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِين﴾(٢)(٣) قال الشاعر: ثكلتك أُمكّ إن قتلتَ لمُسلماً حلّت عليك عقوبة الرَّحْمن(٤) يعني ما قتلت إلاّ مسلماً، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أُبي بن كعب: إن ذان إلاّ ساحران(٥)، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء(٦): إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: واني لإستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكربن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصم قال: حدَّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدَّثنا الفرّاء قال: حدَّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء ﴿لكن الراسخون﴾(٧) ﴿والمقيمين﴾(٨) وعن قوله في المائدة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِتُونَ﴾(٩) وعن قوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانٍ﴾(١٠) فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال: دَعُوه فإنّه لا يُحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. · قال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه . . مساغاً لناباه الشجاع لصمما (١١) وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى (١) في نسخة أصفهان: لساحران. (٢) الشعراء: ١٨٦. في نسخة أصفهان زيادة أي ما نظنك إلاّ من الكاذبين. (٣) (٤) تفسير القرطبي: ٢ / ٤٢٧. في نسخة أصفهان: إن ذان لساحران . (٥) (٦). في نسخة أصفهان: أبو عمرو العلاء. (٧) النساء: ١٦٢. (٨) النساء: ١٦٢. (٩) البقرة: ٦٢. (١٠) طه: ٦٣ . : (١١) كتاب العين: ٧ / ٩٢٠ والعبارة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لنابيه الشجاع لصمما. ١ ٢٥١ سورة طه، الآيات: ٥٣ - ٧٦ ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر: دعته إلى هابي التراب عقيم(١) تزوّد منّا بين أُذناه ضربة أراد بين أُذنيه. وقال آخر: طاروا علاهنّ فطر علاها(٢) أي قلوص راكب نراها أي عليهن وعليها. وقال آخر: قد بلغا في المجد غايتاها(٣) إنَّ أباها وأبا أباها وروي أنّ أعرابياً سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر: ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه(٤) بكرتْ عليّ عواذلي يلحينني وألو مهنَّه أي نعم، وقال الفراء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمَّ زادوا نوناً يدلّ على الجمع فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللَّذوُنَ. ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر ﴿بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى﴾ حدَّث الشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية. وقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول. وقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم. وقال قتادة: طريقتكم المُثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عدداً يومئذ وأموالاً، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما . وقال الكسائي: بطريقتكم يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والمثلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم. قال الشاعر: حدى بهم إلى زيغ فراغوا فكم متفرقين منوا بجهل وأورطهم مع الوصل الردائغُ وزِيغ بهم عن المثلى فتاهوا (١) تفسير القرطبي: ١١ / ٢١٧. (٢) تاج العروس: ٤ / ٤٢٧. (٣) تفسير القرطبي: ١١ / ٢١٧. (٤) لسان العرب: ١٣ / ٣١. ٢٥٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي إلى نار غلا منها الدماغ فزّت فيه أقدام فصارت والمثلى تأنيث الأمثل. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئاً من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فجمع كيده، وقرأ الباقون: فأجمعوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: فكأنّه بالجزع جزع يتابع (١) وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّعُ والثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر: ياليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدونْ يوماً وأمري مجمع(٢) أي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم. ﴿ثُمَّ اثْتُوا صَفّاً﴾ قال مقاتل: والكلبي: جميعاً، وقيل: صفوفاً، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحُكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ يعني فاز من غلب. ﴿قَالُوا﴾ يعني السحرة ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِى﴾ عصاك من يدك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ عصاه ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وعصيّهم﴾ وهو جمع العصا ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ قرأ ابن عامر بالتاء، ردّه إلى الحبال والعصيّ، وقرأ الباقون: بالياء ردّوه إلى الكيد أو السحر، ومعناه شبّه إليه من سحرهم حتى ظنّ ﴿أنّها تسعى﴾ أي تمشي، وذلك أنّهم كانوا لطّخوا حبالهم وعصيّهم بالزئبق فلمّا أصابه حرّ الشمس ارتهشت واهتزت فظنّ موسى أنها تقصده ﴿فَأَوْجَسَ﴾ أي أحسَّ ووجد، وقيل: أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ قال مقاتل: إنّما خاف موسى إذ صنع القوم مثل صنيعه ان يشكّو فيه فلا يتبعوه ويشك فيه من تابعه . ﴿قُلْنَا﴾ لموسى ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى﴾ الغالب ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ﴾ تلتقم وتلتهم ﴿مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا﴾ يعني إنّ الذي صنعوا ﴿كَيْدُ سَاحِر﴾ قرأ أهل الكوفة بكسر السين من غير ألف، وقرأ الباقون: ساحر بالألف على فاعل، واختاره أبو عبيد، (١) في نسخة أصفهان زيادة: أي مجموع. (٢) لسان العرب: ٨ / ٥٧. ٢٥٣ سورة طه، الآيات: ٥٣ - ٧٦ قال: لأنَّ إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السّحر وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية. ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ من الأرض، وقيل: معناه حيث احتال. ﴿ فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ يعني به كقوله ﴿فآمن له لوط﴾ ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ﴾ لرئيسكم ومعلّمكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّخْرَ فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف﴾ يعني الرجل اليسرى واليد اليمنى ﴿وَلأُصَلِّبْتَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يعني جذوع النخل(١)، قال سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا (٢) ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً﴾ أنا أو ربّ موسى ﴿وَأَبْقَى قَالُوا﴾(٣) يعني السحرة ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّئَاتِ﴾ قال مقاتل: يعني اليد والعصا. وأخبرنا البيهقي والاصفهاني قالا: أخبرنامكي بن عبدان (٤) قال: حدَّثنا أبو الأزهر، قال: حذَّثنا روح قال: حدَّثنا هشام بن أبي عبد الله عن القاسم بن أبي برزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله سبحانه أن ألق عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغرفاه، فابتلع حبالهم وعصيّهم وأُلقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها، عند ذلك قالوا ﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات﴾ يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم(٥) . قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإنْ هي رجعت عن قولها فهي امرأته، وإنْ هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها، والقيت على جسد لا روح فیه . ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يعني وعلى الذي خلقنا، وقيل: هو قسم ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض﴾ فاحكم (١) في نسخة أصفهان: أي عليها . (٢) لسان العرب: ٣ / ٢٧٧. (٣) في نسخة أصفهان ﴿وأبقى﴾ وأدوم ﴿قالوا). في نسخة أصفهان: وأخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد الاصفهاني قالا: أخبرنا أبو علي (٤) ابن عبدان. (٥) في نسخة أصفهان: الثواب والدرجات. ٢٥٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ما أنت حاكم، واصنع ما أنت صانع من القطع والصلب ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقول: إنّما تملكنا في الدنيا ليس لك علينا سلطان إلاّ في الدنيا (١) ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ﴾ قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحراً، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون منهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره أولئك السبعين الذين هم من بني إسرائيل على تعلّم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: إنّ السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون: أنَّ هذا ليس بسحر، إنّ الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلّ أن تعملوا فذلك قوله ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ ﴿وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ منك لأنّك فان هالك ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ في الآخرة ﴿مُجْرِماً﴾ مشركاً يعني بات على الشرك ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلاَ يَحْيَا﴾ حياةً تنفعه. ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤمِناً﴾ مات على الإيمان ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلاَ﴾ الرفيعة في الجنة ﴿جَنَّاتُ عَدْن تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي. وقال الكلبي: يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله . وَلَقَدْ أَوْحَيِّنَا إِلَى مُوسَّىَ أَنَّ أَشْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسَا لَّا تَخَفُ دَرَكَا وَلَا تَخْتَى فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ مُحُدِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَّ أَلْبَحْ مَا غَشِبَهُمْ (١٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ فَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٨٩) يَبَنِىّ إِسْرَوِيِلَ كُواْ مِن طَيِّنَتِ مَا قَدْ أَيَُّكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ وَعَذََّكُ جَنِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَيْكُمُ أَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى جَ وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَّابَ رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطَغَوْ فِيهِ فَعِلَّ عَلَيْكُمْ عَضَِىٌّ وَمَنْ يَمْلِلْ عَلَيْهِ غَضَِّى فَقَدْ هَوَى وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى (٨٣) ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أَوْلَاَءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لَِّضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَّوْمَكَ مِنْ بَعْدَِكَ وَأَضَلَّهُ الْتَّامِىُّ ٨٥َ فَرَجَعَ مُوسَّىَ إِلى فَوْمِهِ، فَضْبَنَّ أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَمَا أَقَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبُ مِن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَهُم مَّوْعِدِى (٨٦) قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنّا حُلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَّةِ اَلْقَوْمِ فَقَدَفْنَهَا فَكَذَِّكَ أَلْقَى النَّارِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِمْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَرٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَّهُكُمْ وَإِلَهُ مُؤْسَى فَسِىَ (َ) أَفَلاَ يَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَعْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعَا (٨٠) وَلَقَّدْ قَالَ لَمْ هَرُونُ مِنْ قَبِّلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِلْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الََّنُ فَأَّعُونِ وَأَطِعُواْ أَمْرِى (٦٦) قَالُواْ لَنْ نَبْرَعَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَّ يَرْجِعَ إِيَا مُوسَى ﴿١) قَالَّ ◌َهَرُونُ مَا مَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوَأْ (٢٦) أَلَّا تَنَّعَرٌِّ أَفَعَصَبْتَ أَمْرِى (٨٣) قَالَ يَبْتَؤُمُ (١) في النسخة الثانية: تملكنا في الدنيا فاحكم ما أنت حاكم واصنع ما أنت من القطع والصلب، ليس عليك سلطان في الآخرة. ٢٥٥ سورة طه، الآيات: ٧٧ - ٩٧ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِ وَلَا بِرَأْسِىِّ إِى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيِّنَ بَعِىّ إِسْرَوِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ فَوْلِ (٩٦) قَالَ فَمَا قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصْرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ قَتَبَذْتُهَا خَطِبُكَ يَسَمِىُّ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى (١٦) قَالَ فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِىِ الْخَيَوَةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَأَنْكُرْ إِلَىَّ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ فَكِّمَاً لَُّحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِ اَلْبَدْ نَسْنَا (جّ ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي سر بهم أول الليل من أرض مصر. ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ يابساً ليس فيه ماء ولا طين ﴿لاَ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من فرعون خلفك ﴿وَلاَ تَخْشَى﴾ غرقاً من البحر أمامك، وقرأ حمزة: لا تخف بالجزم على النهي، الباقون: بالألف على النفي، واختاره أبو عبيد لقوله: ولا تخشى رفعاً ودليل قراءة حمزة قوله: ((يولوكم الأدبار ثمَّ لا تنصرون)) فاستأنف، قال الفرّاء: ولو نوى حمزه بقوله: ولا تخشى الجزم، لكان صواباً. وقال الشاعر: هجوت زماناً ثم ملت معتذراً من سب زمان لم يهجُو ولم يذع(١) وقال آخر: بما لاقت لبوت بني زياد(٢) ألم يأتيك والأنباء تنمي ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فلحقهم ﴿فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ﴾ أصابهم ﴿مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي وما هداهم إلى مراشدهم، وهذا جواب قول فرعون: ما أُريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم ألاّ سبيل الرشاد، فكذّبه الله تعالى فقال: بل أضلهم وما هداهم. قال وهب: استعار بنو إسرائيل حلياً كثيراً من القبط ثم خرج بهم موسى من أول الليل، وكانوا سبعين ألفاً فأخبر فرعون بذلك فركب في ستمائة ألف من القبط يقص أثر موسى(٣)، فلمّا رأى قوم موسى رهج الخيل قالوا﴿إِنّا لمدركون﴾ فقال موسى: ﴿كلّ إنّ معي ربّي سيهدين﴾ فلمّا قربوا قالوا: يا موسى أين نمضي؟ البحر أمامنا وفرعون خلفنا، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فصار فيه اثنتا عشرة طريقاً يابسة، لكل سبط طريق، وصار بين كل طريقين كالطود العظيم من الماء، وكانوا يمرّون فيه وكلّهم بنو أعمام فلا يرى هذا السبط ذاك ولا ذاك هذا، فاستوحشوا وخافوا فأوحى الله سبحانه إلى أطواد الماء أن تشبّكي، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض. (١) تفسير القرطبي: ١١ / ٢٢٨. (٢) لسان العرب: ١٥ / ٤٩٢. (٣) في نسخة أصفهان: يقصّ أثرهم. ٢٥٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي فلمّا اتى فرعون الساحل وجد موسى وبني إسرائيل قد عبروا فقال للقبط: قد سحر البحر فمرّ، فقالوا له: إن كنت ربّاً فادخل البحر كما دخل، فجاء جبرئيل على رمكة وديق(١)، وكان فرعون على حصان، وهو الذكر من الأفراس، فأقحم جبرئيل الرمكة في الماء، فلم يتمالك حصان فرعون واقتحم البحر على أثرها ودخل القبط عن آخرهم، فلمّا تلجّجوا أوحى الله سبحانه إلى البحر أن غرّقهم، فعلاهم الماء وغرّقهم. قال كعب: فعرف السامري فرس جبرئيل، فحمل من أثره تراباً وألقاه في العجل حين اتّخذہ(٢). ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الُورِ الأَيْمَنِ﴾ وقد مرَّ ذكره ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ هذه قراءة العامة بالنون والألف على التعظيم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: أنجيتكم ووعدتكم ورزقتكم من غير ألف على التوحيد والتفريد ﴿كلوا من طيّبات﴾ حلال ﴿ما رزقناكم﴾. ﴿وَلاَ تَظْغَوْا فِيهِ﴾ قال ابن عباس: ولا تظلموا، وقال مقاتل: ولا تعصوا، وقال الكلبي: ولا تكفروا النعمة، وقيل: ولا تحرّموا الحلال، وقيل: ولا تنفقوا في معصيتي، وقيل: ولا تدّخروا، وقيل: ولا تتقووا بنعمي على معاصيّ. ﴿فَيَحِلَّ﴾ يجب ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ يجب ﴿عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: فُيُحل ومن يُحلل بضم الحاء واللام أي ينزل. ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ هلك وتردّى في النار ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من دينه ﴿وَآمَنَ﴾ بربّه ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فيما بينه وبين الله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه. وقال زيد بن أسلم: تعلّم العلم ليهتدي كيف يعمل. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أنّ لذلك ثواباً . وقال فضيل الناجي وسهل التستري: أقام على السنّة والجماعة. وقال الضحاك: يعني استقام. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ يعني وما حملك على العجلة ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ يعني عن السبعين الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه إلى الطور ليأخذ التوراة من ربّه فلمّا سار عجل موسى شوقاً إلى (١) في نسخة أصفهان : -وذق. (٢) في نسخة أصفهان: اتخذوه. ٢٥٧ سورة طه، الآيات: ٧٧ - ٩٧ ربه وخلّف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله سبحانه له: وما أعجلك عن قومك ﴿يَا مُوسَى﴾ فقال مجيباً لربّه ﴿هُمْ أُولَاءٍ﴾ يعني ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ هؤلاء يجيئون ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ لتزداد رضاً ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا﴾ ابتلينا ﴿قَوْمَكَ﴾ الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾ من بعد انطلاقك إلى الجبل ﴿وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾ يعني دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل وحملهم عليها . ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ حزيناً جزعاً ﴿قَالَ يَا قَوْمٍ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَغْداً حَسَناً﴾ صدقاً أنه يعطيكم التوراة ﴿أَفْطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾ مدّة مفارقتي إياكَم ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾ يجب ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وذلك أنَّ الله سبحانه كان قد وقّت لموسى ثلاثين ليلة ثمَّ أتّمها بعشر، فلمّا مضت الثلاثون قال عدو الله السامري ... قال سعيد بن جبير: كان السامري من أهل كرمان فقال لهم: إنما اصابكم هذا عقوبة لكم بالحلي التي معكم، وكانت حلياً استعاروها من القبط، فهلمّوا بها واجمعوها حتى يجيء موسى فيقضي فيه، فجمعت ودفعت إليه فصاغ منها عجلاً في ثلاثة أيام ثمَّ قذف فيه القبضة التي أخذها من أثر فرس جبرئيل، فقال قوم موسى له: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قرأ أهل المدينة وعاصم: بمَلكنا بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الميم، الباقون: بكسرها، ومعناها بسلطاننا وطاقتنا وقدرتنا . قال مقاتل: يعني ونحن نملك أمرنا، وقيل: باختيارنا . ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾ قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: حُمّلنا بضم الحاء وتشديد الميم، الباقون: حملنا بفتح الحاء والميم مخفّفة ﴿أَوْزَاراً﴾ أثقالاً وأحمالاً ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ من حلي قوم فرعون ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ فجمعناها ودفعناها إلى السامري، فألقاها في النار لترجع أنَت فترى فيه رأيك ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ما معه من الحليّ مَعَنا كما ألقينا ﴿فَأَخْرَجَ لَّهُمْ عِجْلا جَسَداً﴾ لا روح فيه، صاغ لهم عجلاً من ذهب مرصّع بالجواهر ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ صوت، وذلك أنه خار خورة واحدة ثمَّ لم يعد. قال ابن عباس: أتى هارون على السامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر، فقال: اللهمَّ أعطه ما سألك على ما في يقينه فلمّا قال: اللهم إنّي أسألك أن يخور؛ فخار فسجد، وإنّما خار لدعوة هارون ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلْهُكُمْ وَإِلْهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي ضلّ وأخطأ الطريق، وقيل: معناه فتركه ها هنا وخرج يطلبه . قال الله سبحانه ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ الَّ يَرْجِعُ﴾ يعني أنّه لا يرجع ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أي لا يكلّمهم العجل ولا يجيبهم، وقيل: يعني لا يعود إلى الخوار والصوت ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من قبل رجوع موسى ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ابتليتم بالعجل ٢٥٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمُنُ فَأَتَّبِعُونِي﴾ على ديني ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فلا تعبدوه ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال على عبادته مقيمين ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل، فلمّا رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال السبعون الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلمّا رأى هارون أخذ شعره بيمينه ولحيته بشماله وقال له ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ أخطأوا وأشركوا ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِي﴾ يعني أن تتبع أمري ووصيتي ولا صلة، وقيل: معناه: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إيّاهم تقريعاً وزجراً لهم عمّا أتوه؟ وقيل: معناه: هلاّ قاتلتهم إذا علمت أنّي لو كنت فيما بينهم لقاتلتهم على كفرهم. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فقال هارون ﴿يا أَبْنَ أُمَّ﴾ قال الكلبي وغيره: كان أخاه لأبيه وأُمّه ولكنّه أراد بقوله: يا بن أُمّ أن يرقّقه ويستعطفه عليه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأُمّه دون أبيه، وقيل: لأن كون الولد من الأُمّ على التحقيق والأب من جهة الحكم ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِيٍ﴾ يعني ذؤابتي وشعر رأسي إذ هما عضوان مصونان يقصدان بالإكرام والإعظام من بين سائر الأعضاء ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وأوقعت الفرقة فيما بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِيٍ﴾ ولم تحفظ وصيّتي حين قلت لك اخلفني في قومي وأصلح. قال قتادة في هذه الآية: فذكر الصالحون الفرقة قبلكم، ثمّ أقبل موسى على السامرىّ فقال له ﴿فَمَا خَطْبُكَ﴾ أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت ﴿يَا سَامِرِيُّ﴾ قال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدوّ الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلمّا مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فاغتنمها السامرىّ، فاتّخذ العجل فقال السامري مجيباً لموسى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوابِهِ﴾ رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا وفطنت ما لم يفطنوا، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تبصروا بالتاء على الخطاب، الباقون بالياء على الخبر ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ يعني فأخذت تراباً من أثر فرس جبرئيل، وقرأ الحسن فقبصت قبصة بالصاد فيهما، والفرق بينهما أن القبض بجمع الكف والقبص بأطراف الأصابع ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ فطرحتها في العجل ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ﴾ زيّنت ﴿لِي نَفْسِي قَالَ﴾ له موسى ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ ما دمت حياً ﴿أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾ لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه. قال قتادة: إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك: لا مساس، ويقال بأنَّ موسى همَّ بقتل السامري فقال الله: لا تقتله فإنه سخىّ، وفي بعض الكتب: إنّه إنْ يمسّ واحد من غيرهم أحداً منهم حُمّ كلاهما في الوقت . ٢٥٩ سورة طه، الآيات: ٩٨ - ١١٤ ﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ يا سامري ﴿مَوْعِداً﴾ لعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قرأ الحسن وقتادة وأبو نهيك وأبو عمرو بكسر اللام بمعنى لن تغيب عنه بل توافيه، وقرأ الباقون بفتح اللام بمعنى لن يخلفكه الله. ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلْهِكَ﴾ بزعمك وإلى معبودك ﴿الَّذِي ظِلْتَ عَلَيْهِ﴾ دمت عليه ﴿عَاكِفاً﴾ مقيماً تعبده. يقول العرب: ظلتُ أفعل كذا بمعنى ظللت، ومسْت بمعنى مسست، وأحسْت بمعنى أحسست. قال الشاعر: أُحَسْنَ به فهنّ إليه شوس (١) أي أحسن . خلا أنّ العتاق من المطايا ﴿لَنْحَرِّقَنَّهُ﴾ قرأه العامة بضم النون وتشديد الراء بمعنى لنحرقنه بالنار. وقرأ الحسن بضم النون وتخفيف الراء من إلا حراق بالنّار، وتصديقه قول ابن عباس: فحرّقه بالنار ثمَّ ذرّاه في اليمّ. وقرأ أبو جعفر وابن محيص وأشهب العقيلي لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة بمعنى ـنبردنّه بالمبارد، يقال: حرقه يحرقه ويحرقه إذا برّده، ومنه قيل للمبرد المحرق، ودليل هذه لقراءة قول السدّي: أخذ موسى العجل فذبحه ثمَّ حرقه بالمبرد ثمَّ ذرّاه في اليّم، وفي حرف ابن مسعود: لنذبحنه ثمَّ لنحرّقنه ﴿ثُمَّ لَتَنْسِفَنَّهُ﴾ لنذرّينه ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ يقال نسف الطعام بالمنسف ذا ذرّاه فطيّر عنه قشوره وترابه. كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاَءِ مَا ٩٨ إِنَّمَا إِلَّهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَ إِلَهَ إِلَّ هُوْ وَبِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَا قَدْ سَبَقٌّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا (١٤) مَّنْ أَعْرَضَ عَنَّهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْرَّ ◌ِ﴿١٣) خَِينَ مِةٍّ وَسَآءَ لَمْ يَوْمَ أْقِيََّمَِّ حِمْلًا ﴿َ يَوْمَ يُفَحُ فِى الْصُورِ وَنَحْشُرُ الْمُحْرِمِينَ بَوْمٍِ زُرْقَاً (٤٦) يَتَخَفَتُونَ يَنْنَهُمْ إِن أَثْتُمْ إِلَّ عَثْرًا ﴿٢ ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمَثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّئْتُمْ إِلَّ يَوْمَا (*) وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اِْمَالِ فَقُلْ يَنِمُهَا رَبِىِ نَسْفًا ﴿١٤) فَيَدَرُهَا فَاءَا صَفْصَفًا (٨٠٦َ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَا (﴿هَ يَوْمَيِدٍ يَتَبِعُونَ الذََِّ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسَا ﴿َ بَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَّ لَهُ فَوْلًا (٢ْ بَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَا ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُِّ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَّ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَ يَخَفُ ظُلْمَاً وَلَا هَضْمًا (٨٠) وَكَذَلِكَ أَنْتَهُ فُرْءَانًا عَبَرَبَا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ ◌َهُمْ ذِكْرَ (١٣) فَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ اَلْحَقِّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّتِّ زِدْنِ عِلَمَا ١) لسان العرب: ٦ / ٤٩. ٢٦٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿إِنَّمَا إِلْهُكُمْ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ لا العجل ﴿وَسِعَ﴾ ملأ ﴿كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ فعلمه ولم يضق عليه، يقال: فلان يسع لهذا الأمر إذا أطاقه وقوي عليه ﴿كَذَلِكَ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من الأُمور ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً﴾ يعني القرآن ﴿مَنْ أَعْرَضَ﴾ أدبر ﴿عَنْهُ﴾ فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ إثماً عظيماً وحملاً ثقيلاً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ لا یکفره شيء. ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قرأهُ العامة بياء مضمومة على غير تسمية الفاعل، وقرأ أبو عمرو بنون مفتوحة لقوله ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين ﴿يَوْمَئِذْ زُرْقاً﴾ والعرب تتشاءم بزرقة العيون. قال الشاعر يهجو رجلاً: كما كل ضبي من اللؤم أزرق(١) لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر وقيل: أراد عُمياً ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارُّون فيما ﴿بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ ما مكثتم في الدنيا، وقيل: في القبور ﴿إِلاَّ عَشْراً﴾ أي عشر ليال. قال الله سبحانه ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي أوفاهم عقلاً وأصوبهم رأياً ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّ يَوْماً﴾ قصر ذلك في أعينهم في جنب ما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة . ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا﴾ يقلعها من أماكنها ويطرحها في البحار حتى تستوي. فإن قيل: ما العلّة الجالبة للفاء التي في قوله فقل خلافاً لأخواتها في القرآن؟ فالجواب أنّ تلك أسئلة تقدّمت سألوا عنها رسول الله فجاء الجواب عقيب السؤال، وهذا سؤال لم يسألوه بعد وقد علم الله سبحانه أنّهم سائلوه عنه فأجاب قبل السؤال، ومجازها: وإن سألوك عن الجبال فقل ينسفها ﴿رَبِّ نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ أرضاً ملساء لا نبات فيها. ﴿لَاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً﴾ . قال ابن عباس: العوج: الأودة، والأمت الروا بي والنشوز. مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع. ابن زيد: الأمت: التفاوت والتعادي. ويقول العرب: ملأت القربة ماءً لا أمت فيه أي لا استرخاء . يمان: الأمت: الشقوق في الأرض (١) لسان العرب: ١٠ / ١٣٩.