النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة الكهف، الآيات: ٩٩ - ١١٠
تصلى ناراً حامية﴾(١). وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن
الكوّا علياً عن قوله: ﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً﴾، قال: ((أنتم يا أهل حروراء)(٢) [١٠٣].
﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً﴾، أي يظنون أنهم
بفعلهم مطيعون محسنون ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربّهم ولقائه فحبطت﴾: بطلت وذهبت
﴿أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أُناس بأعمال يوم
القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً، فذلك قوله: ﴿فلا نقيم لهم
يوم القيامة وزناً﴾ .
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاءً: أبو بكر أحمد بن إسحاق
ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزيّاد عن](٣) الأعرج عن
أبي هريرة عن رسول الله وسلم أنه قال: ((يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح
بعوضة، اقرؤوا: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾))(٤).
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان
ابن معاوية عن](٥) المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن
عفّان (رَُّه) يقول: الربا سبعون باباً أهونهن مثل نكاح الرجل أُمه. قال: وأربى الربى عرض
أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب
الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿فلا
نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾.
﴿ذلك جزاؤهم جهنّم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هُزُواً﴾، يعني سخرية.
﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنّات الفردوس نُزُلاً﴾ اختلفوا في
الفردوس، فقال رسول الله وَل﴾: ((الجنّة مئة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء
والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس)) (٦)
[١٠٤ ].
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّ بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي
(١) سورة الغاشية: ٣ - ٤.
(٢) كنز العمال: ٢ / ٤٤٤ ح ٤٤٥٤.
(٣) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.
(٤)
صحيح البخاري: ٥ / ٢٣٦.
(٥) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروی.
(٦) جامع البيان للطبري: ١٦ / ٤٧.
٦

٢٠٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان - واللفظ له - قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال](١) عمران
الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبّي وَّر قال: ((جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما ومافيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن
ينظروا إلى ربهم إلّ رداء الكبرياء على وجهه)) [١٠٥](٢).
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي
حسناً وطيباً لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو
أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو
البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة
المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروباً من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
(٣)
فيها الفراديس والفومان والبصل
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة
﴿خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً﴾ أي يطلبون عنها تحولاً إلى غيرها، وهو مصدر مثل
الصعَر والعِوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولاً :
إنما أدخلني الله أولهم؛ لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولاً: إنما أخّرني الله، لأنه
ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي﴾ الآية، قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد
تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ (٤) ثمّ
يقول: ﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً﴾(٥) فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى ﴿قل لو كان
البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر﴾ أي ماؤه ﴿قبل أن تنفد كلمات ربّ﴾ حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء؛ لتقدم الفعل، ﴿ولو جئنا بمثله مدداً﴾: عوناً وزيادة. وفي
مصحف أُبي: (ولو جئنا بمثله مداداً) ونظيرها قوله عزّ وجلّ ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة
أقلام﴾(٦) الآية.
﴿قل إنّما أنا بَشَرٌ مثلكم﴾ قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه
(١) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.
(٢) سنن الدارمي: ٢ / ٣٣٣.
(٣) جامع البيان للطبري: ١٦ / ٤٦، ولسان العرب: ١٢ / ٤٦٠ وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.
(٤) سورة البقرة: ٢٦٩.
(٥) سورة الإسراء: ٨٥.
(٦) سورة لقمان: ٢٧ .

٢٠٣
سورة الكهف، الآيات: ٩٩ - ١١٠
قال للنّي وَلّه إنّ أعمل لله، فإذا اطلع عليه سرنّي. فقال رسول الله وَّه: ((إن الله تعالى طيّب
لا يقبل إلاّ الطيب ولا يقبل ما شورك فيه))(١) [١٠٦]، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يانبي الله، إنّي أُحب الجهاد في سبيل الله، وأُحب أن يُرى
مكاني، فأنزل الله: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾: خلق آدمي مثلكم. قال ابن
عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، ﴿يوحى إليّ أنما إلهكم إلهٌ واحد﴾ لا
شريك له ﴿فمن كان يرجو لقاء ربّه﴾: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن
معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
(٢)
ولا كل ما ترجو من الشر واقع
فلا كل ما ترجو من الخير كائن
فجمع المعنيين في بيت واحد.
﴿فليعمل عملاً صالحاً﴾: خالصاً ﴿ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً﴾، أي ولا يراءِ. قال شهر
ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله عزّ
وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي
وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس
له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: ((أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة
لي منه)) [١٠٧]. [أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب
البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((اتقوا الشرك الأصغر)). قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: ((الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم)) [١٠٨](٣).
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن
عن](٤) سفيان عن سلمة قال: سمعت جندباً قال: قال رسول الله وَلَى: ((من سمّع سمّع الله به،
ومن يراءِ يراءِ الله به))(٥) [١٠٩].
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبّي وَلّ قال: ((اتقوا الشرك
الأصغر)). قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: ((الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم)) [١١٠](٦).
(١) زاد المسير: ٥ / ١٤١، وأسباب نزول الآيات: ٢٠٢ وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.
(٢) مجمع البيان: ٦ / ٣٩٦.
(٣) الدر المنثور: ٤ / ٢٥٧.
(٤) زيادة عن نسخة أصفهان.
(٥) مسند أحمد بن حنبل: ٥ / ٤٥، وفيه: رايا، بدل: يراءِ، في الموضعين.

٢٠٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال رسول الله وسلّه لمّا نزلت هذه الآية: ((إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ،
وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أُمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك)).
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: ((أولا أدلّكم على ما يُذهب عنكم صغير
الشرك وكبيره؟)). قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا
أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)) [١١١](١) .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية،
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وروى سعيد بن المسيب
عن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((أوحي إلّي أن من قرأ: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ - الآية -
رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة))(٢) [١١٢].
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف
عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد(٣) عن](٤) سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله وَليه :
((من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له
نوراً من الأرض إلى السماء)) [١١٣](٥) .
(١) الدر المنثور: ٤ / ٢٥٧.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢ / ٥١٣.
مجمع الزوائد: ١٠ / ١٢٦ .
(٣)
(٤)
كذا في المخطوط .
(٥) زيادة عن نسخة أصفهان.
(٦) تفسير القرطبي: ١١ / ٧٢، وفي مجمع الزوائد: ٧ / ٥٢ بتفاوت يسير.

٢٠٥
سورة مريم، الآيات: ١ - ١٥
سورة مريم
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي،
وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم
وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس
اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي
أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات
بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق
ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولداً، وبعدد من لم يدع له ولداً)) [١١٤].
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ رَبِّ
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِكَ عَبْدَهُ زَكَرِينَ ﴿﴿ إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًّا
بعص
إِنِّ وَهَنَ اَلْعَظِمُ مِنْىِ وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَّبِكَ رَّبٍ شَفِيًّا ﴿ وَإِنِى حِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن
وَآِى وَكَانَتِ أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّذُّنْكَ وَلِنَّا ﴿﴿ يَرِنُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ
رَضِيًّا جَ بَرَكَّرِينَا إِنَّا نُشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحِْى لَمْ نَجْعَلِ لَُّ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ أَنَّ
يَكُونُ لِى عُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَّدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنْبًّا ◌ِثَ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبِّكَ
هُوَ عَلَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿٦) قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَِّ ءَايَةٌ قَالَ ،َبَتِكَ أَلََّ
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴿ لَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِخْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً
وَعَيْشِيًّا ﴿ يَبَحِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَمَتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَيْئًا ﴿ وَحَكَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوَةَ وَكَانَ يَقِيًّا
وَبَبَّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَبَوْمَ يَمُوتُ وَبَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا
قوله عزّ وجلّ ﴿كَهِيعَصَ﴾ قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة
وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال
قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة، وقال عليّ بن أبي طالب وابن
عباس: هو قَسم أقسم الله تعالى به، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.

٢٠٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامدُ بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي،
قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله عزّ وجلّ
﴿كَهِيعَصَ﴾ قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم،
والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضاً: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم
ببريته، صادق في وعده ﴿ذكر﴾ رُفِع بكهيعص وإن شئت قلت: هذا ذكر رَحمة رَبّكَ عَبْدَهُ زَكريا،
وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عبده زكريّا بالرفع على أنّ الفعل له ﴿إِذ نادى﴾ دعا رَبّهُ فى محرابه حيث
يقرب القربان نداءً خفيّاً دعاء سرّاً من قومه فى جوف الليل، مخلصاً فيه لم يطلع عليه أحد إلا
الله عزّ وجلّ قال ﴿رَبِّ إنّي وهن﴾ ضعف ﴿العَظُمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ شمطاً، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت ولم أكن بدعائك ربِّ شقياً يقول: يا رب عوّدتني الإجابة
فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّني.
قوله ﴿وَإِنّي خِفْتُ المَوالِىَ مِن وَرائي﴾ قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خفت) بفتح الخاء
والفاء وكسر التاء مشدّدا الموالي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خفت)
بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصباً، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم
تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أُمّته، فسأل ربّه ولداً
صالحاً يأمنه على أُمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب
واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من
بعد موتي ﴿وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً﴾ لا تلد ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أعطني من عندك ﴿وَلِيّاً﴾ ابناً
﴿يَرِثُنِي وَبَرِثُ﴾ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم
فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّاً وارثاً، وقرأ ابن
عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث مِنْ آلٍ يَعْقُوَب النبوة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال
الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن
ماثان اخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ أي صالحاً براً تقياً مرضيّاً،
وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبياً كما جعلت أباه نبيّاً .
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن
عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول
الله عليه كان إذا قرأ هذه الآية ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ يقول عند ذلك: ((رحم الله زكريا،
ما كان عليه من ورثة))(١) .
(١) تفسير الطبري: ١٦ / ٦١.

٢٠٧
سورة مريم، الآيات: ١ - ١٥
قوله ﴿يا زَكَرَيّا إنّا نُبَشِّرُك﴾ فيه اضمار وإختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: ﴿یا زَكَرِيّا
إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام﴾ ولد ذكر ﴿اسمُهُ يحيى لم نَجْعَل له من قبلُ سَمِيّاً﴾ قال قتادة والكلبي: لم
يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم
نجعل له شبيهاً، ومثله دليله قوله تعالى ﴿هل تعلم له سميّاً﴾(١) أي مِثلاً وعدلاً، وهي رواية
مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل :
لم يكن له مثل فى أمر النساء لأنه كان سيّداً وحصورا وقال علي بن أبي طالب عن ابن
عباس: لم تلد العواقر مثله ولداً، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن
يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول
جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا
قبله وكانا أفضل منه.
﴿قَالَ ربِّ أنّى يكوُنُ لي غُلامٌ وكانَتِ امْرَآَتِي عَاقِراً﴾ أي وامرأتي عاقر كقوله ﴿كيف نكلّم
من كان فى المهد صبيّاً﴾(٢) أي من هو في المهد صبيّ ﴿وَقَد بَلَغتُ من الكِبَرِ عِتِيّاً﴾ أي يبساً،
قال قتادة: نحول العظمْ يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل
مبالغ فى شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أُبيّ وإبن عباس عسيّاً، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة
والكسائي عتياً بكسر العين ومثله جئياً وصليّاً وبُكّاً والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
﴿قَالَ كَذَلِك قالَ ربُّك هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبلُ﴾، من قبْل يحيى، ﴿وَلَم تَكُ
شَيْئاً﴾ ﴿قالَ ربِّ اجْعلْ لِي﴾ آيَةً على حمل امرأتي ﴿قال آَيَتُكَ ألاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيال سَوِيّاً﴾
أي صحيحاً سليماً من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح
لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيراً لونه فأنكروه فقالوا له: مالك يا زكريّا؟
فاوحى أي أومى إليهم، ويقال: كتب في الأرض أن سبّحوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكرةً وعشياً
والسبحة الصلاة .
قوله ﴿يا يحيى خذ الكتابَ بِقُوّة﴾ بجدّ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكمَ﴾ يعني الفهم ﴿صَبيّاً﴾ يعني في
حال صباه، وقال معمّر: جاء صِبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما
للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وآتيناه الحكم صبيّا ﴿وحَناناً من لَدُنّا﴾ رحمة من عندنا، قال
الحطيئة لعمر بن الخطاب :
فإن لكلّ مقام مقالاً(٣)
تحنّنْ علىَّ هداك المليك
(١) سورة مريم: ٦٥.
(٢) سورة مريم: ٢٩.
(٣) لسان العرب: ١١ / ٥٧٣.
.... -

٢٠٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض(١)
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن
عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حناناً
إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده
وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف
بلغني في قوله الله عزّ وجلّ ﴿وحناناً من لدُنّا﴾ قال: الحنان: المحبّة ﴿وزكوة﴾ قال ابن عباس
يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها
على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهراً من الذنوب.
﴿وَكَانَ تَقِياً﴾ مسلماً مخلصاً مطيعاً.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدَّثنا أبو الأزهر،
حدَّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي
نفسي بيده ما من الناس عبد إلّ قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا))(٢).
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ باراً بهما لا يعصيهما ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً﴾ قالا: متكبراً.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
﴿عَصِیاً﴾ شدید العصيان لربّه.
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّاً.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا : أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا
أبو الازهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما
السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير
منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي وسلَّم الله عليك.
وَأَذَّكُرْ فِ اَلْكِتَبِ مَرْجَ إِذْ أُنْتَبِّذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرْفِيًّا (٦) فَأَنَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِمَابَا فَأَرْسَلْنَاً
إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَرَا سَوْبًّا (٧َ قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنَكَ إِن كُنْتَ تَّقِيَّا (٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَّا
(١) الصحاح: ٥ / ٢١٠٤.
(٢) مسند أحمد: ١ / ٢٥٤، وكنز العمال: ١١ / ٥٢١.

٢٠٩
سورة مريم، الآيات: ١٦ - ٤٠
رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَحِكِنَّا ﴿ قَالَتْ أَنَّ يَكُونُ لِى عُلَمُ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلْ يَعِيًّا
قَالَ كَذَِّكٍ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ: ◌َآيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّأْ وَكَانَ أَمْرَا مَّقْضِيًّا (
٢١
فَحَمَلَّهُ فَأَنََّذَتْ بِهِ، مَكَنَا فَصِيًّا ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى حِدْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِى مِثُ قَبْلَ هَذَا
وَكُنْتُ نَّتْيَا مَنْسِيًّا (٣) فَادَنِهَا مِن تَحِهَا أَلَّ تَخْرَّبِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحَكِ سَرِيًّا (٢٦) وَهُزِىَ إِلَيْكِ
مِذِّعِ النَّخْلَةِ تُسَفِطْ عَلَّكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٣٥) فَكْلِى وَأَشْرِ وَفَرِى عَيْنَاً فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدَا فَقُولِ إِنِىِ
تَذَرْتُ لِلَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنِيًّا (٣٨) فَأَنَتْ بِهِ، فَوْمَهَا نَّحْمِلُ قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَغَدْ مِثْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا (١٨) يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوَاءِ أَمْرَأْ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيََّ ﴿٢َ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا
كَيْفَ تُكَلِمُ مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ صَيْئًا ﴿.َ قَالَ إِّ عَبْدُ اللَّهِءَاتَنِ الْكِتَبَ وَجَعَلَّى بِنََّ ﴿٣) وَجَعَلَبِىِ
وَيَزَّا بِوَالِدَنِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَّارًا شَفِيًّا
مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَّاً (َ
ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ
﴿ وَسَّلَّمُ عَلَىَّ بَوْمَ وُلِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبُّعَثُ حَيَّا (
الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَعْ أَمْرًا فَإِنََّا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (َ)
وَإِنَّ اللَّهُ رَبِي وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (٢) فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَبِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمِ ﴿ أَمَعْ بِهِمْ وَأَبَصِرْ بَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ الظَِّمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَلِ مُِّينِ ﴿٢٦) وَأَدِرَهُمْ يَوْمَ
اْسْرَةِ إِذْ فُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٦) إِنَّا تُمْنُ نَرِتُ اَلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ القرآن مَرْيَمَ وهي ابنة عمران بن ماثان ﴿إِذِ انْتَذَتْ﴾ .
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة،
يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية ﴿مَكَاناً شَرْقِيّاً﴾ يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي
المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مكاناً شرقياً ﴿فَاتَّخَذَتْ﴾
فضربت ﴿مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً﴾ قال ابن عباس: ستراً، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين
قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهراً، فإذا حاضت تحولت إلى
بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها
جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم
اضافة إليه على التخصيص والتفضيل ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور لها بشراً آدمياً سويّاً لم ينقص منه شيء
وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على
صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم ﴿قَالَتْ
إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً﴾ مؤمنا مطيعاً.

٢١٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس
في ذلك الزمان فقالت: إنْ كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك، كيف يكون
رجل اجنبي وامرأة أجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لإِهَبَ لَكِ﴾
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولداً ﴿غُلاَماً زَكِيّاً﴾ صالحاً تقياً ﴿قالت﴾ مريم
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ولم يقربني روح ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ فاجرة وإنما حُذفت
الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قال جبرئيل ﴿كذلك﴾ كما قلتِ يا مريم ولكن قال ربّك وقيل هكذا ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ
هَيِّنٌ﴾ خلْق ولد من غير أب ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ علامة هذه ﴿لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه على دينه.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿أَمْراً مِقْضِيّاً﴾ معدوداً مسطوراً في اللوح المحفوظ.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حین لبسته،
وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخاً فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت ﴿فانتبذت﴾ خرجت
وانفردت ﴿مكاناً قصيّاً﴾ بعيداً من أهلها من وراء الجبل، ويقال اقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك
وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها
قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان
معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر
كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أُخرى لأنّه لم يعش مولود وضع
الثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلاّ أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلاً.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين
زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل
بعيسى .
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض
يعني الحمل، وقيل: الطلق.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدةً الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعاً يابساً قد جيء به ليبنى به بيت
يقال له بيت لحم.
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ قرأ يحيى بن وتاب والأعمش وحمزة:

٢١١
سورة مريم، الآيات: ١٦ - ٤٠
نسياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوَتر والوِتَر والحَجر والحِجر والجَسر
والجِسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئاً متروكاً، وقال قتادة: شيئاً لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة
والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة .
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشىّ الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أُخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق
اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نُسي واغفل من شئ حقير. قال الكميت:
اتجعلنا جسراً لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخل(١)
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدَّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا متُ كنت نسياً
منسياً .
﴿فِنَادَاها مِنْ تَحْتِها﴾ قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة
والكسائي: من تحتها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ
الباقون من تحتها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: ﴿أَلَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ
تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبداً سرياً أي رفيعاً، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه ﴿تَحْتك﴾ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن
أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون ﴿وَهْذِهِ
الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾(٢) أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال
عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت
وأرطبت، وقيل لمريم ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ أي حرّكي ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما
يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلقَ زيداً، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد
الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها .
﴿تُسَاقِظْ﴾ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ
حفص تُساقِط بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط
بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنَّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد
على الإدغام
(١) تفسير القرطبي: ١١ / ٩٣.
(٢) سورة الزخرف: ٥١ .

٢١٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
والتخفيف على الحذف.
﴿رُطَبَأَ جَنِيّاً﴾ غصناً رطباً ساعة جُني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسُر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله
سبحانه ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِظْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ .
وقالت عائشة غيّا: إنَّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان
رسول الله ﴿ يُمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
﴿فَكُلِيٍ﴾ يا مريم من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من النهر ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ وطيبي نفساً ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ
مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمُنِ صَوْماً﴾ أي صمتاً ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس
والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ
أَحَداً﴾ فسألك عن ولدكِ أو لامكِ عليه ﴿فقولي إنىّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمْنِ صَوْماً﴾ يقال: إنّ الله أمرها
أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقاً ثم تمسك عن الكلام بعد هذا .
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنِيّاً﴾ يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ قال الكلبي: احتمل يوسف النجّار مريم وابنها عيسى (عليه
السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوماً حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها ﴿فأتت﴾ مريم
﴿به﴾ بعيسى تحمله بعد أربعين يوماً، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد
الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ فظيعاً منكراً عظيماً، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو
عمل فهو فري، قال النبي ◌َّ في عمر ◌َُّه: ((فلم أر عبقرياً يفري فريه)) (١) أي يعمل عمله، قال
الراجز:
مسوسا مدوداً حجرياً (٢)
قد كنت تفرین به الفريا .
قد أطعمتني دقلاً حوليا
أي كنت تكثيرن فيه القول وتعظمينه.
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ قال النبيِ وَّ: ((إنّما عنوا هارون النبي اخا موسى لأنها كانت من
نسله)» .
(١) المعجم الكبير: ١٢ / ٢٣٢، وزاد المسير: ٥ / ١٥٩، ومسند أحمد: ٢ / ٢٨ بتفاوت.
(٢) الصحاح: ٢ / ٤٧١ .

٢١٣
سورة مريم، الآيات: ١٦ - ٤٠
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلاً صالحاً من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي
موسى، ذُكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل، وقال
المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: ﴿يا أخت هارون﴾ وقد كان بين موسى وعيسى من
السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى اللّه عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا
يسمّون بالانبياء والصالحين من قبلهم. وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من
أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم
فساداً فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأُخت ها هنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي
شبه الشيء أُخته وأخاه، قال الله سبحانه ﴿وَمَا نُرِيْهِمْ مِنْ آيَة إلّ هِيَ أكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾(١) أي
شبهها .
﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سُوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنّة ﴿بَغِيّاً﴾ زانية فمن أين لك هذا
الولد؟ ﴿فَأَشَارَتْ﴾ مريم إلى عيسى أن كلّموه فقالوا ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ أي
من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشواً للكلام ولا معنى له كقوله
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةً أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(٢) أي أنتم خير أُمة وكقوله ﴿هَلْ كُنْتُ إلَّ بَشَراً رَسُولاً﴾(٣) أي
هل أنا، وكقول الناس إن كنتَ صديقي فصلني، قال زهير:
(٤)
وقد كان لون الليل مثل الأرندج
أجرت عليه حرّة أرحبيّة
وقال الفرزدق :
(٥)
فكيف إذا رأيت ديار قومي
وجيران لنا كانوا كرام
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق
بحجّتك إن كنت أُمِرْتَ بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوماً. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيباً للنصارى وإلزاماً
للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى اخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا
تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
(١) سورة الزخرف: ٤٨ .
(٢) سورة آل عمران: ١١٠ .
(٣) سورة الإسراء: ٩٣.
(٤) تفسير الطبري: ١٦ / ١٠٠.
(٥) التبيان: ٧ / ١٢٣ .

٢١٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
روي عن النبي ◌ٍّ﴾لأنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة
بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرَّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة، فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا داود بن سليمان قال: حدَّثنا عبد بن حميد قال:
حدَّثنا الحسن بن موسى قال: حدَّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس أنّ رسول الله ولو لمّا أُسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي ورّبك
في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأُحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة
قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعاً فقال: ذلك لك علينا من الحق،
فأمر بأولادها فألقى واحداً واحداً حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعاً فقال: اصبري يا
أُماه فإنّا على الحق، قال: ثم أُلقيت مع ولدها .
وأمّا صاحب جريح فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين
الزعفراني قال: حدَّثنا أحمد بن الخليل قال: حدَّثنا يونس بن محمد المؤدب، قال: حدَّثنا الليث
ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي وَلّ، وأخبرنا عبد
الله [بن حامد](١) قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا راشد بن سليمان قال:
حدَّثنا عبد بن حميد قال: حدَّثنا هاشم بن القاسم قال: حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن
هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ «أنّ رجلاً يقال له جريح كان راهباً يتعبّد في
صومعته فأتته أُمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أُمّي
وصلاتي لرّبي، أُوثر صلاتي لربّي على أُمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني
فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ
لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن)).
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت
فولدت غلاماً فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته
وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرَّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أُمّه،
فقالوا: لم يضحك حين مرَّ على الزواني !؟ فلمّا أُدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي
(١) في نسخة أصفهان: داود.

٢١٥
سورة مريم، الآيات: ١٦ - ٤٠
الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: مَنْ أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه
جريحاً وأعظمه الناس(١)، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما
كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأُخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
﴿ آثَانِيَ الْكِتَابَ﴾ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا
كتب له في اللوح المحفوظ كما سئل النبي ◌َّه: متى كُتبتَ نبياً؟ قال: ((كُتبتُ نبياً وآدم بين الروح
والجسد(٢)).
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أُمّي.
﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ معلماً للخير ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: مباركاً على من اتّبع
ديني وأمري ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرْأ﴾ أي وجعلني براً ﴿بِوَالِدَتِي وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ .
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا
أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبادة قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان
امرأة رأت عيسى ابن مريم يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ
فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أُرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن
تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جباراً شقّاً، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليَّن وإنيّ صغير
في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
﴿وَالسَّلاَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْل الْحَقِّ﴾
يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق،
وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾
يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث
ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ﴿مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد﴾ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد،
وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزّه نفسه ﴿إِذَا قَضَى أَمْراً﴾ كان
في علمه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللهَ﴾ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إنّ الله
(١) الأحاديث الطوال للطبراني: ١١٠.
(٢) مسند أحمد: ٥ / ٥٩.

٢١٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
بالكسر على الاستئناف ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ الذي ذكرت ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ
الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ يعني النصارى، وإنّما سمّوا أحزاباً لأنهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر
عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يعني ما
أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع،
وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى
لعيسى ﴿أَنْتَ قُلْتَ للنّاسِ﴾ الآية.
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلال مُبِين * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأَمْرُ﴾
أي فرغ من الحساب وأُدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَة﴾ من
الدنيا .
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّ بن عبدان قال: حدَّثنا (١) عبد الله بن
هاشم قال: حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم: ((يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ
ينادي المنادي(٢): يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل
الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم))، ثمَّ قرأ رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأشار بيده في الدنيا(٣).
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا
حسرة حين رأوا ذلك.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ فنجزيهم بأعمالهم.
وَأَذَّكُرُ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّيَّا (١) إِذْ قَالَ لِهِ يَأَبَتٍ لِم تَعَبْدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُنْصِرُ
وَلَا يُغْنِ عَتَكَ شَيْئًا (١٢) يَأْبَتِ إِنِّ قَدْ جَآءَفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَأَنَّبِعِ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوْنَاً (شَ
(١) في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.
(٢) في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.
(٣) مسند أحمد: ٣ / ٩ بتفاوت.

٢١٧
سورة مريم، الآيات: ٤١ - ٥٥
يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
يَبَتِ لَا تَعْبُّدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّبْطَنَ كَانَ لِلَّمَنِ عَصِيًّا (3)
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيَّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى بَِّرَهِيمٌ لَبِن لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِى مَلِيَّا
﴿﴿ قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ "إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا (٧) وَأَغْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ
اَللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىَ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَِّ رَبِ شَفِيًّا ﴿َ فَلَمَّا أَعْتَرََّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهِبْنَا لَهُ
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤١) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَيِّنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٥) وَأَذَكُرْ فىِ
اَلْكِتَبِ مُوسَىّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصَا وَكَانَ رَسُولًا نِّيََّ ﴿َّ وَتَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اَلْطُورِ الْأَبْعَنِ وَقَرَّبْنَهُ بِيََّ (9َنَّأَ وَوَهَنَ
لُ مِنْ رَّحْمَنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِّيًَّ ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَُّ كَأَنَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا (
وَكَانَ
٥٥
يَأْمُرُ أَهْلَمُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكُوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّقاً﴾ مؤمناً موقناً صدوقاً ﴿نَبِيّاً﴾ رسولاً رفيعاً ﴿إِذْ
قَالَ لأَبِيهِ﴾ آزر وهو يعبد الأوثان ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾ صوتاً ﴿وَلاَ يُبْصِرُ﴾ شيئاً ﴿وَلاَ يُغْنِي
عَنْكَ﴾ لا ينفعك ولا يكفيك ﴿شَيْئاً﴾ يعني الأصنام ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ﴾ والبيان
بعد الموت وأنّ من غيره عذّبه ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ على ديني ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ مستوياً.
﴿يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ لا تطعه، لم تصل، له ولم تصم وإنّ من أطاع شيئاً فقد عبده
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمُنِ عَصِيّاً﴾ عاصياً عاتياً، وكان بمعنى الحال أي هو، وقيل بمعنى: صار.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ﴾ أعلم ﴿أَنْ يَمَسَّكَ﴾ يصيبك ﴿عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمنِ﴾ لقوله: ﴿إِلّ أنْ
يخافا﴾(١) وقوله ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمًا﴾(٢) وقيل: معناه إنّي أخاف أن ينزل عليك عذاباً في الدنيا
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ قريناً في النار، فقال له أبوه مجيباً له ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا
إِبْراهِيمٌ﴾ تارك عبادتهم وزاهد فيهم ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ لئن لم تسكت وترجع عن مقالتك
﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قال الضحاك ومقاتل والكلبي: لأشتمنّك، وقال ابن عباس: لأضربنّك، وقيل
لأُظهرنّ أمرك ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: سالماً، وقال ابن عباس: واعتزلني
سالم العرض لا يصيبنّك منّي معرّة، وقال الكلبي: اتركني واجتنبني طويلاً فلا تكلّمني، وقال
سعيد بن جبير: دهراً، وقال مجاهد وعكرمة: حيناً، وأصل الحرف المكث، ومنه يقال: تملّيت
حيناً، والملوان الليل والنهار.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ أي سلمت منيّ لا أصيبك بمكروه ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ
كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لطيفاً رحيماً، وقيل: بارّاً، وقال مجاهد: عوّده إلا جابة،
وقال الكلبي: عالماً يستجيب لي إذا دعوته .
(١) سورة البقرة: ٢٢٩.
(٢) سورة البقرة: ٢٢٩.

٢١٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني وأعتزل ما تعبدون من دون الله، قال مقاتل:
كان اعتزاله اياهم أنه فارقهم من كوثى فهاجر منها إلى الأرض المقدسة.
﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ يعني عسى أن يجيبني ولا يخيّبني، وقيل:
معناه عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ ما تَدْعُون: تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني الأصنام فذهب مهاجراً ﴿وَهَبْنَا
لَهُ﴾ بعد الهجرة ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿وَوَهَبْنَا
لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ نعمتنا، قال الكلبي: المال والولد، وقيل: النبوّة والكتاب، بيانه قوله ﴿أهُمْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾(١).
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ يعني ثناءً حسناً رفيعاً في كلّ أهل الأديان، وكلّ أهل دين
يتولّونهم ويثنون عليهم.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً﴾ يعني غير مرائي، قال مقاتل(٢): مسلماً
موحداً، وقرأ أهل الكوفة: مخلصاً بفتح اللام يعني أخلصناه واخترناه ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبِيّاً
وَنَادَيْنَاهُ﴾ دعوناه وكلّمناه ليلة الجمعة ﴿مِنْ جَانِبِ الظُورِ الأَيْمَنِ﴾ يعني يمين موسى، والطور:
جبل بين مصر ومدين ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ يعني رفعناه من سماء إلى سماء ومن حجاب إلى حجاب
حتى لم يكن بينه وبينه إلاّ حجاب واحد.
وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر
قال: حدَّثنا أسباط عن عطاء بن السائب عن ميسرة ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: قرّبه حتى سمع صريف
القلم، والنجيّ: المناجي كالجليس والنديم.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ وذلك حين سأل موسى ربّه عزّ وجلّ فقال:
﴿واجعل ◌ِي وَزِيراً مِنْ أهْلِي هَارُونَ أخِيٍ﴾(٣) وحين قال ﴿فَاَرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ (٤) فأجاب الله
دعاءه .
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ يعني ابن إبراهيم ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ كان إذا وعد
أنجز، وذلك أنّه وعد رجلاً أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد
حتى يرجع إليه الرجل، قاله مقاتل، وقال الكلبي: انتظره حتى حال الحول عليه. ﴿وَكَانَ
رَسُولا﴾ إلى قومه ﴿نَبِيّاً﴾ مخبراً عن الله سبحانه.
(١) سورة الزخرف: ٣٢.
(٢) في نسخة أصفهان: قتادة.
(٣) سورة طه: ٢٩ - ٣٠.
(٤) سورة الشعراء: ١٣.

٢١٩
سورة مريم، الآيات : ٥٦ - ٧٠
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ يعني قومه وكذلك هو في حرف ابن مسعود ﴿بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ
عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ صالحاً زاكياً .
وَرَفَعْنَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا (﴿﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِم
وَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِدَرِسٌَ إِنَّهُ كَنَ صِدِّيقًا نِّيَّاً
مِنَّ النَّبِنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَّلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِيَّةِ إِزَهِيمَ وَإِسْرَهِيِلَ وَمِغَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَئِنَاْ إِذَا نُثْلَ عَهْ
وَأَيْثُ الرَّمَنِ خَرُواْ سُخَّدًا وَيُكِيًّا ﴾ ﴿﴿ ﴿ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلَفُ أَضَاعُواْ أَلْضَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهُوَنِّ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا (٨٦) إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُؤْلَِّكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَّئًا (١٥ جَنَّتِ عَدْنٍ
الَّتِى وَعَدَ الرَّحْنُ عِبَادَهُ بِالْغَيّبِّ إِنَُّ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا ﴿بَ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَّا إِلَّ سَلَمَاً وَهُمْ رِزْفُهُمْ فِيَا بَكْرَةُ
وَعَيْشِيًّا ﴿َ تِلْكَ الْجَنَّةُ أَتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَّنْ كَانَ تَقِيَّا (٣َ وَمَا تَغَزَّلُ إِلَّ يِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينًا
وَمَا خَلْفَنَا وَمَّا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (١٤) رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَّا يَنْنَهُمَّا فَعْبُدُهُ وَأَصْطَبْ لِمِنَّدَيِّهُِ
هُلْ نَعَلَمُ لَهُ سَعِيًّا (٢٣) وَيَقُولُ الْإِنِسَنُ أَوْذَا مَا مِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّ خَلَقْتَهُ
مِنْ قَبْلُ وَلَّ يَّكُ شَيْئًا ﴿ فَوَرَبِّكَ لَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَيُحْصِرِنَّهُمْ حَوْلَ جَهَلَ بِيًّا لَـ
لَتَرِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْنَاَ ﴿٦َ ثُمَّ ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بَ صِلَّا
[ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِذْرِيسَ﴾ وَهُو جدّ أبي نوح، فسمّي إدريس لكثرة درسه الكتب، واسمه
أخنوخ وكان خيّاطاً، وهو أوّل من كتب بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من
تكلّم في علم النجوم والحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِياً﴾ يعني الجنة.
وقال الضّحاك: رفع إلى السماء السادسة، وقيل: الرابعة.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا مكي بن
عبدان
۵
التميمي قال: حدَّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة في
قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكانَاً عَلِيّاً﴾ قال: حدَّثنا أنس بن مالك بن صعصعة أنّ النبي ◌َّ لما عرج به إلى
السماء قال: ((أتيت على إدريس في السماء: الرابعة))(١) ... محمد
وكان سبب رفعه على ما قاله ابن عباس وكعب وغيرهما أنّه سار ذات يوم في حاجة فأصابه
وهج الشمس فقال: يا ربّ أنا مشيت يوماً فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد؟ اللهمّ
خفّف عنه من ثقلها واحمل عنه حرّها، فلمّا أصبح الملك وجد من خفّة الشمس وحرّها ما لا
يعرف، فقال: يا ربّ خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال: أما إنّ عبدي إدريس
سألني أن اخفّف عنك حملها وحرّها فأجبته، فقال: يا ربّ اجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه
(١) مسند أبي يعلى: ٥ / ٢٩٣.

٢٢٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
خلّة، فأذن له حتى أتى إدريس وكان يسأله إدريس فكان ممّا سأله أن قال له: أُخبرت أنّك أكرم
الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فازداد شكراً وعبادة، فقال الملك:
لا يؤخّر الله نفساً إذا جاء أجلها قال: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي، فقال: نعم أنا مكلّمه
لك فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك، ثم حمله ملك الشمس على جناحه
فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثمّ أتى ملك الموت فقال: حاجة لي إليك، فقال:
أفعل كلّ شيء أستطيعه قال: صديق لي من بني آدم تشفّع بي إليك لتؤخّر أجله قال: ليس ذلك إليّ
ولكن إن أحببت أعلمته أجله متى يموت فيقدّم في نفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه وأخبر باسمه
فقال: إنك كلّمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند
مطلع الشمس، قال: إنّي اتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فما أراك تجده إلاّ وقد مات، فوالله ما
بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميّتاً
وقال وهب: كان يرفع لإدريس كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في
زمانه، فعجبت منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربّه في زيارته فأذن له فأتاه في
صورة بني آدم، وكان إدريس صائماً يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن
يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس فقال له الليلة الثالثة: إنىّ أُريد أن أعلم من أنت،
قال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما
هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردّها الله
عليه بعد ساعة.
قال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمّته
فأكون له أشدّ استعداداً، ثم قال إدريس له: لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني
إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجّنة وإلى النار، فأذن الله له في رفعه إلى السماوات، فلمّا قرب
من النار قال: حاجة قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكاً حتى يفتح لي بابها فأردها، ففعل ثمّ
قال: فكما أريتني النار فأرني الجّنة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنّة،
ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك فتعلّق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله
ملكاً حكماً بينهما ينظر في قولهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال:
﴿كُلُّ نَفس ذائِقَةُ المَوْتِ﴾(١) وقد ذقته، وقال ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُها﴾(٢) وقد وردتها، وقال
﴿وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾(٣) فلست أخرج، فأوحى الله سبحانه إلى ملك الموت: دخل الجنة
وبأمري يخرج، فهو حيّ هناك فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ .
(١) سورة آل عمران: ٨٥.
(٢) سورة مريم: ٧١.
(٣) سورة الحجر: ٤٨.