النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة الكهف، الآيات: ١٧ - ٢٢ ﴿ولمُلِتَ مِنْهُم رُعباً﴾: خوفاً، وقرأ أهل المدينة: (لملّئت) بالتشديد. وقيل: إنما ذلك من وحشة المكان الذي هم فيه. وقال الكلبي: لأن أعينهم مفتّحة - كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم - وهم نيام. وقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم! قال ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله من هو خير منك، قال: ﴿لو اطّلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمُلئت منهم رعباً﴾. فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم. فبعث ناساً فقال: اذهبوا فانظروا. ففعلوا، فلمّا دخلوا الكهف بعث الله عز وجل عليهم ريحاً فأخرجتهم فلم يستطيعوا الاطلاع عليهم من الرعب. ﴿وَكَذلِكَ بَعَثناهُم﴾ أي كما أنمناهم في الكهف، ومنعنا من الوصول إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيّام بقدرتنا، كذلك بعثناهم من النّومة التي تشبه الموت ﴿ليتساءلوا بينهم﴾: ليتحدّثوا، ويسأل بعضهم بعضاً. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُم﴾ يعني: رئيسهم مكسلمينا: ﴿كم لبثتم﴾ في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول نومهم. ويقال: إنه راعهم ما فاتهم من الصلاة، فقالوا ذلك. ﴿قالوا لبثنا يوماً﴾؛ لأنهم دخلوا الكهف غدوة، فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿أو بعض يوم﴾ توقّياً من الكذب، وكانت قد بقيت من الشمس بقية. ويقال: كان بعد زوال الشمس. فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم تيقّنوا أن لبثهم أكثر من يوم أو بعض يوم، ﴿فقالوا ربّكم أعلم بما لبثتم﴾. ويقال: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم قال ذلك. ﴿فابعثوا أحدكم﴾ يعني: تمليخا ﴿بوَرِقكم هذِهِ إلى المدِينَة﴾، والورِق: الفضّة؛ مضروبة كانت أو غير مضروبة. والدليل عليه أنّ عرفجة بن أسعد أُصيب أنفه يوم الكلاب فاتّخذ أنفاً من ورٍق فأنتن عليه، فأمره النبي وَلّ أن يتخذ أنفاً من ذهب. وفيه لغات: (بوزْقكم)(١) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وخلف، و(ورقكم) - بسكون الراء وإدغام القاف ـ وهي قراءة أهل مكة، و﴿ورقكم﴾ بفتح الواو وكسر الراء وهي قراءة أكثر القراء. و(ورِق) مثل كبْد وكَبِد وكِلْمة وكَلِمة. (والمدينة): أفسوس، ﴿فَلَيَنظُر أيُّها أزكى طعاماً﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير: أحلّ ذبيحةً، لأن عامّتهم كانوا مجوساً، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم. قال الضحّاك: أطيب. وقال مقاتل بن حيّان: أجود. وقال يمان بن رياب: أرفص. قتادة: خير. قال عكرمة: أكثر. وأصل الزكاة الزيادة والنّماء، قال الشاعر: ولَلسبع أزكى من ثلاث وأطيب (٢) قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة (١) بسكون الراء. انظر حجة القراءات: ١ / ٤١٣. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٢٧٩. ١٦٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فليأتكم برزق منه﴾ أي قوت وطعام، ﴿وَلَيَتَلَظّف﴾: وليترفق في الشراء، وفي طريقه، وفي دخول المدينة، ﴿ولا يُشعِرِنَّ بِكُم أحداً﴾ من الناس، أي ولا يعلمن، أي إن ظُهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه . ﴿إنهم إن يظهروا عليكم﴾ فيعلموا بمكانكم ﴿يرجموكم﴾، قال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول. ويقال: يقتلوكم. ويقال: كان من عادتهم القتل بالرجم وهو من أخبث القتل. وقيل: هو التوبيخ(١). ويضربوكم ﴿أو يُعِيدُوكُم في مِلَّتِهِم﴾: دينهم الكفر ﴿ولن تفلحوا إذاً أبداً﴾ إن عدتم إليهم . ﴿وكذلك أعثرنا﴾، أي أطلعنا ﴿عليهم)، يقال: عثرت على الشيء إذا اطّلعت عليهم، فأعثرت غيري إذا أطلعته، ﴿لَيَعلَمُوا أَنَّ وَعدَ الله حقٌ﴾ يعني قوم تيدوسيس، ﴿وأن الساعة لا ريبَ فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾، قال ابن عباس: تنازعوا في البنيان والمسجد، قال المسلمون: نبني عليهم مسجداً، لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بنياناً؛ لأنهم من أهل سنّتنا. وقال عكرمة: تنازعوا في الأرواح والأجساد، فقال المسلمون: البعث للأرواح والأجساد، وقال بعضهم: البعث للأرواح دون الأجساد، فبعثهم الله من رقادهم وأراهم أن البعث للأرواح والأجساد. وقيل: تنازعوا في قدر لبثهم ومكثهم. وقيل: تنازعوا في عددهم، ﴿فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرِهم﴾ يعني تيدوسيس الملك وأصحابه: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مسجداً﴾، وقيل: الذين تغلبوا على أمرهم، وهم المؤمنون. وهذا يرجع إلى الأوّل. ﴿سيقولون ثلثة﴾ وذلك أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبيّ ◌َّ﴿ فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وكان السيد يعقوبياً، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وكان نسطوريّاً، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين وصدّقهم بعد ما حكى قول النصارى، فقال ﴿سيقولونَ ثلاثةٌ رابِعُهم كلبُهُم وَيَقولونَ خَمسَةٌ سادِسُهُم كَلِبُهُم رَجماً بِالغَيب﴾ أي قذفاً بالظنّ من غير يقين، كقول الشاعر: وأجعلُ منّي الحقّ غيباً مرجّما (٢) ﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ وقال بعضهم: هذه الواو واو الثمانية، إن العرب يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، لأن العِقد كان عندهم سبعة (١) قوله: وهو أخبث القتل و، من نسخة أخرى. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٢٨٢. ١٦٣ سورة الكهف، الآيات: ٢٣ - ٣١ كما هو اليوم عندنا عشرة. ونظيره قوله تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾(١). وقوله في صفة أهل الجنّة ﴿حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾(٢). وقوله لأزواج النبي ◌َّه: ﴿ثيّات وأبكاراً﴾(٣). وقال بعضهم: هذه واو الحكم والتحقيق، فكأنه حكى اختلافهم فتمّ الكلام عند قوله : ﴿ويقولون سبعة﴾، ثمّ حكم أن ثامنهم كلبهم، والثامن لا يكون إلاّ بعد السّبع، فهذا تحقيق قول المسلمين. ﴿ربّي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاّ قليل﴾، قال قتادة: قليل من الناس. وقال عطاء: يعني بالقليل: أهل الكتاب. يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحّاك عن ابن عباس في قوله تعالى. ﴿ما يعلمهم إلاّ قليل﴾ قال: أنا من أُولئك القليل. وهم: مكسلمينا، وتمليخا، ومرطونس (٤)، وسارينوس، وآنوانس، وروانوانس، ومشططيونس، وهو الرّاعي، والكلب واسمه قطمير كلب أنمر فوق القلطي(٥) ودون الكردي(٦). وقال محمد بن المسيب: القلطي: كلب صيني، وقال: ما بقي بنيسابور محّدث إلاّ كتب عنّي هذا الحديث إلاّ من لم يقدر له. قال: وكتبه أبو عمرو، والحيري عني. ﴿وَلا تُمارٍ فِيهِم﴾، أي في عدّتهم وشأنهم ﴿إلّ مِراءً ظاهراً﴾ وهو ما قصّ عليه في كتابه من خبرهم يقول: حسبك ما قصّصت عليك فلا تمارٍ فيهم، ﴿وَ لا تَستَقْتِ فيهِم مِنهُم أحَداً﴾ من أهل الكتاب. وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣٠َ) إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ زَّبَّكَ إِذَا نَسِيْتٌ وَقُلْ عَسَىَّ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَّشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوْ فِ كَهْفِهِمْ تَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ نِعَار ◌ِهِيَّ قُل الَهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْجِعُ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِدُ فيِ حُكْمِهِ، أَحَدًّا ﴿٨َ وَأَثْلُ مَا أُوْجِىَّ إِلَتَكَ مِنْ حَكِتَابِ رَيْكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَنِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ. مُلْتَحَدًّا ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ◌ُرِيدُ زِيْنَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْا وَلَا نُطِعَ مَنْ أَغْفَلْنَا فَلَّهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا (٣٨) وَقُّلِ الْحَقُّ مِنْ زَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَيَكْفُرَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْظَِّنَ نَارًّا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاً وَإِن يَسْتَغِيثُواْ بُغَانُواْ (١) سورة التوبة: ١١٢. (٢) سورة الزمر: ٧٣. (٣) سورة التحريم : ٥. في نسخة أصفهان : كلينونس. (٤) (٥) القلطي: القصير جداً. كتاب العين: ٥ / ١٠٠. (٦) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٣٨٤. ١٦٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي بِعَِّ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَّا ﴿٣َ أُوْلَكَ لَهُمْ حَتََّثُ عَذْنٍ تَخْرِى مِن ◌َِّمُ اَلْأَنْهَرُ بُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَسُونَ فِيَّابً خُضْرًا مِّنَ سُندُسٍ وَإِسْتَرَقٍ مُتَكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَبِكِّ بِعْمَ النَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقَاً ﴿ولا تقولّنّ لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً إلّ أن يشاء اللّهُ﴾، قال ابن عباس: يعني إذا عزمت على أن تفعل شيئاً غداً، أو تحلف على شيء أن تقول: إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله. وإن نسيت الاستثناء ثمّ ذكرته فقله ولو بعد سنة، وهذا تأديب من الله تعالى لنبيّه وَ ل حين سئل عن المسائل الثلاثة: أصحاب الكهف، والروح، وذي القرنين، فوعدهم أن يخبرهم ولم يستثنٍ. عبد الله بن سعيد المقري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((لا يتم إيمان العبد حتى يستثني(١) في كلّ كلامه)) [٦٨]. ﴿واذكر ربّك إذا نسيت﴾، قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء ثمّ ذكرت، فاستثنٍ. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربّك إذا غضبت. حدّثنا عبد الصمّد بن حسان عن وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلِمتَ فلا تنتصر؛ فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. وقال الضحّاك والسدي: هذا في الصلاة؛ لقول النّي وَلّر: ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها)(٢) [٦٩]. وقال أهل الإشارة: معناه واذكر ربك إذا نسيت غيره؛ لأن ذكر الله تعالى إنما يتحقق بعد نسيان غيره. يؤيده قول ذي النون المصري: من ذكر الله ذكراً على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، فإذا نسي في جنب ذكره كل شيء حفظ الله له كلّ شيء، وكان له عوضاً من كل شيء. وقيل: معناه: واذكر ربّك إذا تركت ذكره، والنسيان هو الترك. ﴿وقُل عَسى أن يهديني ربِّي لأقرَبَ مِن هذا رَشَدأ﴾، أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه، فأرشد. وقيل: معنا لعلّ الله أن يهديني ويسدّدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون إن هو شاء. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئاً ويسأله أن يذكره فيتذكّر، أو يهديه لما هو خير له من تذكُّر ما نسيه. ويقال: إن القوم لمّا سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله تعالى أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوّته وما دعاهم إليه من الحق ودلّهم على ما سألوه. ثمّ إن الله عز وجّل فعل ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن (١) أي حتى يقول: إن شاء الله. (٢) سنن الدارمي: ١ / ٢٨٠. ١٦٥ سورة الكهف، الآيات: ٢٣ - ٣١ يقوله مع قوله: ﴿إن شاء الله﴾ إذا ذكر الاستثناء بعد ما نسيه، فإذا نسي الإنسان فيؤتيه(١) من ذلك. وكفارته أن يقول: ﴿عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً﴾. ﴿ولبثوا﴾ يعني: أصحاب الكهف ﴿في كهفهم﴾، قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، وقالوا: لو كان خبراً من الله عز وجّل عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ وجه مفهوم، وقد أعلم خلقه قدر لبثهم فيه، هذا قول قتادة. يدل عليه قراءة ابن مسعود: (وقالوا لبثوا في كهفهم). وقال مطر الورّاق في هذه الآية: هذا شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم، وقال: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾. وقال الآخرون: هذا إخبار الله عن قدر لبثهم في الكهف، وقالوا: معنى قوله: ﴿قل الله أعلم﴾ أن أهل الكتاب قالوا على عهد رسول الله وَلي: إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمئة وتسع سنين فردّ الله عز و جّل ذلك عليهم، وقال: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله وغير من أعلمه الله ذلك. وقال الكلبي: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمئة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت ﴿الله أعلم بما لبثوا﴾. ﴿ثلاثمئة سنين﴾ مضاف غير منّون، قرأها حمزة، والكسائي والباقون بالتنوين يعني: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمئة. وقال الضحّاك ومقاتل: نزلت: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة﴾ فقالوا: أيّاماً أو سنين؟ فنزلت ﴿سنين﴾ فلذلك قال: ﴿سنين﴾ ولم يقل: سنة. ﴿وازدادوا تسعاً * قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع﴾ يعني: ما أبصر الله بكل موجود! وأسمعه بكل مسموع! ﴿ما لهم﴾، أي لأهل السماوات والأرض ﴿من دونه﴾ من دون الله ﴿من ولي﴾: ناصر، ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ من الأصنام وغيرها . ﴿واتلُ﴾ أي واقرأ يا محمد ﴿ما أُوحي إليك من كتاب ربّك﴾، يعني: القرآن، واتّبع ما فيه ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، قال الكلبي: لا مغير للقرآن(٢). وقال محمد بن جرير: يعني: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه(٣). ﴿ولن تجد﴾ أنت ﴿من دونه﴾ إن لم تتبع القرآن وخالفته ﴿ملتحداً﴾، قال ابن عباس: حرزاً. وقال الحسن: مدخلا. وقيل: معدلا. وقيل: موئلا وقال مجاهد ملجأً، وأصله من الميل، ومنه لحد القبر. ﴿واصبر نفسك﴾ - الآية - قال المفسرون: نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، وذلك أنه أتى النّ وَّ قبل نزول هذه الآية، وعنده بلال وصهيب وخباب وعمار وعامر بن فهيرة ومهجع وسلمان، وعلى سلمان شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشتقها ثمّ ينسجها، فقال عيينة للنّي وَل : (١) كذا في مصوّرة المخطوط. (٢) التسهيل في علوم التنزيل: ٢ / ١٨٧. (٣) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٢٣٣. ١٦٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ فوالله لقد آذانا ريحهم. وقال: نحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وإن أبينا أبى الناس، وما يمنعنا من اتّباعك إلاّ هؤلاء، فنحِّ هؤلاء حتّى نتبعك، واجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً. فأنزل الله عز وجل: ﴿واصبر﴾: واحبس ﴿نفسك مع الذين يدعون﴾: يعبدون ربهم ويوقّرون ﴿ربهم بالغَداةِ والعشي﴾، أي طرفي النهار ﴿يُرِيدُونَ وجههُ﴾ ، يعني: يريدون الله عزّ وجلّ لا يريدون عرضاً من الدنيا. والمراد منه: الحسنة وترك الريّاء. قال قتادة: يعني: صلاة الصبح والعصر. وقال كعب الأحبار: والذي نفسي بيده إنّهم لأهل الصّلوات المكتوبة. قال قتادة: نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمئة رجل فقراء لزموا مسجد رسول الله ﴿ لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، يصلّون صلاة وينتظرون أُخرى. قال قتادة: فلما نزلت هذه الآية قال نبي الله وَّ: ((الحمد لله الذي جعل في أُمّتي من أمرت أن أصبر معهم)) (١) [٧٠]. ﴿ولا تعدُ عيناك﴾: لا تصرف ولا تجاوز عيناك ﴿عنهُم﴾ إلى غيرهم ﴿تُريدُ زينة الحياة الدنيا﴾، يعني مجالسة الرؤساء والأغنياء والأشراف. ومعنى الآية: ولا تعدُ عيناك عنهم - مريداً زينة الدنيا - حال خوضهم في الاستغفار لأنه حكم على النّي وَِّ بإرادته الدنيا. ﴿ولا تُطع من أغفلنا قلبهُ عن ذكرنا﴾ أي تركنا قلبه وأنسيناه ذكرنا. قال أبو العالية: يعني: أُميّة بن خلف الجمحي. وقال غيره: يعني عيينة بن حصين، ﴿واتبَعَ هَواهُ وكانَ أمرُهُ فُرُطاً﴾، قال قتادة والضحّاك ومجاهد: ضياعاً. وقال داود: ندماً. وقال حباب: هلاكاً. وقال ابن زيد: مخالفاً للحق. وقال مقاتل بن حيّان: سرفاً. وقال الأخفش: مجاوزاً للحد. وقال الفرّاء: متروكاً. وقيل: باطلاً. وقال أبو زيد البلخي: قُدُماً في الشر. قال أبو عبيد: هو من قول العرب: فرس فرط إذا سبقت الخيل، وفرط القول منّي أي سبق. وقيل: معناه ضيّع أمره وعطّل أيامه، قالوا: ان المؤمن من يستعمل الأوقات، ولا تستعمله الأوقات. ﴿وقل الحق من ربكم﴾، الحقُ: رفع على الحكاية، وقيل: هو رفع على خبر ابتداء مضمر معناه: وقل هو الحقّ من ربكّم، يعني: ما ذكر من القرآن والإيمان وشأن محمد بَله. وقيل: هو رفع على الابتداء وخبره في قوله ﴿من ربكم﴾، ومعنى الآية: وقل يا محمّد لهؤلاء الّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيُّها الناس، مِن ربكم الحقُّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الضلالة والهدى، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر (٢) ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد المؤمنين لكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا؛ فإنكم إن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم على كفركم ناراً أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم وأطعتم فإن لكم ما وصف الله عزّ وجلّ لأهل طاعته. (١) مسند أبي يعلى: ٢ / ٣٨٣. (٢) في نسخة أصفهان: فليكفر. (هامش نسخة أصفعان). ١٦٧ سورة الكهف، الآيات: ٢٣ - ٣١ وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومَن شَاء فليكفُر﴾ ليس بترخيص وتخيير، إنما هو وعيد وتهديد، كقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. قال ابن عباس: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله: ﴿وما تشاؤون إلّ أن يشاء الله﴾. ﴿إنّا اعتدنا): أعددنا وهيّأنا، من العتاد، وهو العدّة ﴿للظالمين﴾: للكافرين ﴿ناراً﴾، وفيه دليل على أن النار مخلوقة؛ لأنها لو لم تكن مخلوقة موجودة معدّة لكان المخبر كذّاباً، وتعالى الله عن ذلك. وقوله: ﴿أحاطَ بِهِم سُرادِقُها﴾، روى سعيد الخدري عن النّ ◌َّر أنه قال: ((سرادق النار أربعة جدر كُثُف، كل واحد مسيرة أربعين سنة))(١) [٧١]. وقال ابن عباس: هو حائط من نار. الكلبي: هو عَنَق يخرج من النار فيحيط بالكفّار كالحظيرة. وقال القتيبي: السّرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. قال رؤبة: يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود(٢) وقال سلامة بن جندل : صدور الفيول بعد بيت مسردق(٣) هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه وهو هاهنا دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله في سورة المرسلات: ﴿انطلقوا إلى ظلِّ ذي ثلاث شعب﴾ (٤). ﴿وإن يستغيثوا﴾ من شدة العطش ﴿يغاثوا بماء كالمهل﴾، روى أبو مسلم عن أبي سعيد عن النبيّ وَّر: ﴿بماء كالمهل﴾ قال: ((كعُكر الزّيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه))(٥) [٧٢]. وقال ابن عباس: ماء غليظ مثل دردي الزيت. وقال الأعمش: هو عصارة الزيت. ومجاهد: القيح والدم. قال الضحّاك: المهل ماء أسود، وإن جهنم سوداء، ماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود. وقال أبو عبيدة: كل ما أُذيب من جواهر الأرض. وروى روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن مسعود أُهديت له سقاية من ذهب وفضّة، فأمر بأُخدود فخُدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل الحطب، ثمّ قذف فيه تلك السقاية، فلما أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادعُ من بحضرتك من أهل الكوفة. فدعا رهطاً، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شبهاً بالمهل أدنى (١) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٢٩٨. (٢) الصحاح: ٤ / ١٤٩٦. (٣) لسان العرب: ١٠ / ١٥٨، وكتاب العين: ٥ / ٢٥١ وفيه: نحور، بدل: صدور. (٤) سورة المرسلات: ٣٠. (٥) مسند أحمد: ٣ / ٧١. ١٦٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي من هذا الذهب والفضّة حين أزبد وانماع. وقال سعيد بن جبير: المهل الذي قد انتهى حرّه. وقال أبو عبيدة: سمعت المنتجع بن نبهان وذكر رجلاً، فقال: هو أبغض إلىّ من الطليا والمهل، فقلت له: ما المهل؟ قال: الملّة التي تحدّد من جوانب الرغيّف من النار، أحمر شديد الحمرة كأنّها الرمانة، وهي جمرة والطليا: الناقة المطليّة بالقطران. ﴿يشوي الوجُوه﴾، قال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزّقوم فيأكلون منها فاختلست (١) جلودهم ووجوههم، فلو ان مارّاً مرّ يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثمّ يصّب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. ﴿بئس الشراب﴾ هذا، ﴿وساءت﴾ النار ﴿مرتفقا﴾، قال ابن عباس: منزلاً. مجاهد: مجتمعاً. عطاء: مقرّاً. وقيل: مهاداً. وقال القتيبي: مجلساً. وأصل: المرتفق المتّكأ، يقال منه: ارتفقت، إذا اتّكأت على المرتفق. قال الشاعر: قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحى (٢) ويقال: ارتفق الرجل، إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذويب الهذلي: نام الخلي وبتّ الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح(٣) أي مقطوع من معتضده، والصاب: شجر اذا استؤصل خرج منه كهيئة اللبن، وربما ترتفع منه تربة أي فطرة، فيقع في العين فكأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر. ويجوز أن يكون قوله: ﴿مرتفقاً﴾ من الرفق والمنفعة. ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾. ليس قوله: ﴿إنّا لا نضيع﴾ خبراً لقوله: ﴿إن الذين آمنوا﴾ بل هو كلام معترض، وخبر ﴿إن﴾ الأولى(٤) قوله: ﴿أُولئك لهم جناتُ عدن﴾. ومثله في الكلام كثير، قال الشاعر: إنّ الخليفة إنّ الله سريله سربال ملك به ترجى الخواتيم (6) ومنهم من قال: فيه إضمار؛ فإن معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجره بل نجازيه . ثمّ ذكر الجزاء فقال: ﴿أولئك لهم جنّاتُ عدن﴾، ووهي الإقامة ﴿تجري من نحتهم (١) كذا في المخطوط. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٠٠. (٣) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٠١، ولسان العرب: ٤ / ٣٩٧ وفيه: مشتجراً، بدل: مرتفقاً. (٤) أي الواقعة في صدر الآية. (٥) لسان العرب: ١٢ / ١٦٤. ١٦٩ سورة الكهف، الآيات: ٣٢ - ٤٤ الأنهار يُحَلُّون﴾: يلبسون ﴿فيها من أساور﴾، وهو جمع الأسوار، قال سعيد بن جبير: يُحلّى كل واحد منهم ثلاثةً من الأساور، واحداً من فضّة، وواحداً من ذهب، ووحداً من لؤلؤ ويواقيت. ﴿من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سُندُس﴾، وهو ما رقّ من الديباج ﴿وإستبرق﴾، وهو ما غلظ منه. وقيل: هو فارسيّ معّرب ﴿متكئين فيها﴾: في الجنان ﴿على الأرائك﴾، وهي السّرر في الحجال، واحدتها: أريكة ﴿نعم الثواب وحسنت﴾ يعني: الجنان ﴿مرتفقاً﴾. (٣٢) وَأَضْرِبْ لَمْ مَثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جََّنٍ مِنْ أَعْنَبِ وَحَفَقْتَهَا تَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِتَ أْخََّيْنِ ءَالَتْ أَكْلَهَا وَلَّمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَخَّرْنَا خِذَلَهُمَا نَهُوَ ﴿َ وَكَانَ لَهُ نَمَرٌ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالَاً وَأَعَزُّ نَفَرًّا (٢٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَّفْسِهِ، فَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تِيَدَ هَذِهِةٍ أَبَدًا (٢٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَبِن زُرِدْتُ إِلَى رَبِِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا (٠َ قَالَ لَهُ صَاِحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ تُطْفٍَّ ثُمَّ سَوََّكَ رَمَّا (َ لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَّبِ وَلَا أُشْرِلُ بِرَبِّ أَحَدًا ﴿٢٣) وَلَوَلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكُ مَا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْثِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَِّكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَّا (٦٥) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَى نَّشْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًّا ﴿ وَأُحِيطَ بِثَعَرِهِ، فَأَصْبَحَ بُعَلَمُ كَفَيٍَّ عَلَى مَّا أَفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ بَلَيْنَبِ لَمْ أُشْرِ بِرَبِّ أَحَدَّا (٤٧) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِتَّةٌ يَصُرُونَهُ مِن دُونِ أَلَّهِ وَمَا كَانَ مُنَصِرًّا هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ نَّوَابًا وَخَبِرُ عُقْبًا ٤٣ ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين) - الآية - ﴿رجلين) منصوب مفعول، على معنى: ﴿واضرب لهم مثلاً﴾ كمثل رجلين. نزلت في أخوين من أهل مكّة من بني مخزوم، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل كان زوج أمّ سلمة قبل النّ وَّر والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل. وقيل نزلت في النبي وّر وفي مشركي مكّة. وهذا مثل لعيينة ابن حصين وأصحابه، وفي سلمان وأصحابه شبّههما برجلين من بني إسرائيل أخوين: أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: تمليخا، والآخر كافر، واسمه فطروس، قال وهب قطفر. وهما اللّذان وصفهما الله في سورة (الصافات)، وكانت قصتهما [ما أخبرنا أبو عمرو الفراتي: حدثنا محمد بن عمران: حدثنا الحسن بن سفيان: حدثنا حيّان بن موسى: حدثنا عبد الله بن البارك عن](١). معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: إنهما ورثاه عن أبيهما، وكانا أخوين فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضاً بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن كان فلان قد اشترى أرضاً بألف دينار، فإني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. (١) من نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: ماروى. ١٧٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ثمّ إن صاحبه بنى داراً بألف دينار، فقال هذا: إن فلانَ بنى داراً بألف دينار، وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ تزوج بامرأة وأنفق عليها ألف دينار فقال: إنّ فلانَ تزوّج امرأة بألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال: إن فلانَ اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني اشتري منك خدماً ومتاعاً في الجنة بألف دينار فتصدّق بألف دينار. ثمّ أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعلّه ينالني منه معروف. فجلس له على طريقه حتى مرّ به في حشمه، فقام إليه، فنظر إليه الآخر فعرفه فقال: فلان؟ قال: نعم. قال ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير. فقال: فما فعل مالك فقد اقتسمنا مالاً واحداً فأخذت شطره وأنا شطره؟ فقصَّ عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا، أي بأنك تبعث وتجازى؟ اذهب فوالله لا أُعطيك شيئاً . فطرده، فقضي لهما أن توفيا، فنزل فيهما: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ إلى قوله: ﴿فاطّلع فرآه في سواء الجحيم﴾(١)، ونزلت ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين﴾: بستانين ﴿من أعناب وحففناهما﴾: أحطناهما ﴿بنخل وجعلنا بينهما زرعاً﴾، يعني: جعلنا حول الأعنابِ النخلَ ووسط الأعنابِ الزرعَ. ﴿كلتا الجنتين آتت﴾: أعطت، يعني: آتت كل واحدة من الجنتين، فلذلك لم يقل: آتتا ﴿أُكُلَها﴾: ثمرها تامّاً ﴿ولم تظلم منه شيئاً﴾، أي لم ينقص، ﴿وفجّرنا خِلالهما نهراً﴾، يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهراً . ﴿وكان له﴾، يعني: لفطروس ﴿ثمرٌ﴾، يعني: المال الكثير المثمر من كل صنف، جمع ثمار. ومن قرأ: (ثُمْر) فهو جمع ثمرة. مجاهد: ذهب وفضة. ابن عباس: أنواع المال. قتادة: من كلّ المال. وقال ابن زيد: الثمر الأصل. ﴿فقال لصاحبه﴾ المؤمن ﴿وهو يحاوره﴾: يجاوبه ﴿أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً﴾، يعني عشيرة ورهطاً. قال قتادة: خدماً وحشماً. وقال مقاتل: ولداً، تصديقه قوله تعالى ﴿إن ترني أنا أقلّ منك مالاً وولداً﴾. ﴿ودخل جنّته﴾، يعني: فطروس، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به ويريه إيّاها ويعجبه منها، ﴿وهو ظالمٌ لنفسه﴾ بكفره، فلما رأى ما فيها من الأنهار والأشجار والأزهار والثمار قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً * وما أظنُ الساعةَ﴾: القيامة ﴿قائمة﴾: آتية كائنة. ثمّ تمّنى على الله أُمنية أُخرى مع شكّه وشركه فقال: ﴿ولئن رُددت﴾: صرفت ﴿إلى ربي﴾، فرجعت إليه في المعاد ﴿لأجدن خيراً منها﴾، أي من الجنة التي دخلها. وقرأ أهل الحجاز والشام (منهما) (١) سورة الصافات: ٥٥ . ١٧١ سورة الكهف، الآيات: ٣٢ - ٤٤ على لفظ التثنية، يعني الجنتين، وكذلك هو في مصاحفهم. ﴿منقلباً﴾، أي منزلاً ومرجعاً. يقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلاّ ولي عنده أفضل في الآخرة. ﴿قال له صاحبه﴾ المسلم ﴿وهو يحاوره أكفرت بالّذي خلقك﴾ يعني خلق أباك وأصلك ﴿من تراب ثمّ﴾ خلقك ﴿من نطفة﴾ يعني ماء الرجل والمرأة ﴿ثمّ سوّاك رجلاً﴾، أي عدلك بشراً سويّاً ذكراً. ﴿لكنا هو الله ربي﴾، يقول: أما أنا فلا أكفر بربي، ولكنا هو الله ربي. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: لكن الله هو ربّي. وقال الآخرون: أصله (لكن أنا) فحذفت الهمزة طلباً للخفة؛ لكثرة استعماله، وأدغمت إحدى النونين في الآخرى، وحذفت ألف (أنا) في الوصل. وقرأ ابن عامر ويعقوب: (لكنا)، بإتيان الألف بالوصل، كقول الشاعر: حميداً قد تذريت السناما (١) أنا سيف العشيرة فاعرفوني ولا خلاف في إثباتها في الوقف. ﴿ولا أُشرك بربّ أحداً * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾، ﴿ما﴾ في موضع رفع، يعني: هي ما شاء الله، ويجوز أن تكون في موضع النصب بوقوع ﴿شاء﴾ عليه. وقيل: جوابه مضمر مجازه: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون. [أخبرنا أبو عمرو الفراتي: القاسم بن كليب: العباس بن محمد الدوزي: حجاج: أبو بكر الهذلي عن يمامة بن عبد الله بن أنس] (٢) عن أنس بن مالك أن النبّي وَر قال: ((من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ﴿ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله﴾ لم يضرّه)) [٧٣](٣). ثمّ قال: ﴿إن ترني أنا أقل منك مالاً وولداً﴾، ﴿أنا﴾ عماد ولذلك نصب. ﴿فعسى﴾: فَلَعّلَ ﴿ربي أن يؤتيني﴾ في الآخرة ﴿خيراً من جنتك ويرسلَ عليها﴾: يبعث على جنتك ﴿حسباناً من السّماء﴾، قال قتادة والضّحاك: عذاباً. وقال ابن عباس: ناراً. وقال ابن زيد: قضاء من الله عزّ وجلّ يقضيه. قال الأخفش والقتيبي: مرام من السماء واحدتها حسبانة، ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾، قال قتادة: يعني صعيداً أملس لا نبات عليه. وقال مجاهد: رملاً هايلاً وتراباً. قال ابن عباس: هو مثل الحَزَن. ﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ أي غائراً منقطعاً ذاهباً في الأرض لا تناله الأيدي ولا الرشا والدلاء. والغور مصدرٌ وُضع موضع الاسم، كما يقال: صوم وزور وعدل، ونساء نوح يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث. قال عمرو بن كلثوم: تظل جياده نوحاً عليه مقلّدة أعنتها صفونا (٤) وقال آخر: (١) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٠٨، ولسان العرب: ١٣ / ٣٧ وفيه: جميعاً، بدل: حميداً. (٢) زيادة عن نسخة أصفهان. (٣) مجمع الزوائد: ٥ / ١٠٩ . (٤) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣١٠. ١٧٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ضباع وجاوبي نوحاً قياما (١) هريقي من دموعهما سجاما ﴿فلن تستطيع له طلبا﴾ بعد ما ذهب ونصب. ﴿وأُحيط بثمره﴾ أي أحاط الهلاك بثمر جنّتيه، وهي جميع صنوف الثمار. وقال مجاهد: هي ذهب وفضة؛ وذلك أن الله أرسل عليها ناراً فأهلكها وغار ماؤها، ﴿فأصبح﴾ صاحبها الكافر ﴿يقلب كفيه﴾: يصفق يده على الأُخرى، وتقليب كفيه ظهراً لبطن؛ تأسفاً وتلهّفاً ﴿على ما أنفق فيها﴾ يعني: عليها كقوله: ﴿ولأُصلبَّئكم في جذوع النخل﴾(٢) أي عليها ﴿وهي خاويةٌ على عروشها﴾ ساقطة على سقوفها، خالية من غرسها وبنائها ﴿ويقول يا ليتني لم أُشرك بربي (٣) أحداً﴾ (٣). قال الله عزّ وجلّ: ﴿ولم تكن له فئة﴾ أي جماعة ﴿ينصرونه من دون الله﴾: يمنعونه من عذاب الله، ﴿وما كان منتصراً﴾: ممتنعاً منتقماً. ﴿هنالك﴾ يعني: في القيامة ﴿الولاية لِلّهِ الحق﴾، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي (الولاية) - بكسر الواو - يعني: السلطان والأمر. وقرأ الباقون بفتح الواو، من الموالاة كقوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾(٤)، وقوله: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا﴾(٥). قال القتيبي: يريد: يتولون الله يومئذ، ويؤمنون به ويتبرّؤون مما كانوا يعبدون. وقوله: ﴿الحق﴾ رفعه أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية، وتصديقه قراءة أبيّ: (هنالك الولاية الحق لله). وقرأ الآخرون بالكسر على صفة الله كقوله: ﴿ثمّ ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾(٦)، وتصديقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) فجعله من نعت الله. ﴿هو خيرٌ ثواباً﴾ لأوليائه وأهل طاعته ﴿وخيرٌ عُقبى﴾ لهم في الآخرة إذا صاروا إليه. والعُقب: العاقبة، يقال: هذا عاقبة أمره كذا، وعقباه وعقبه أي آخرة قوله. وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا كَمَاءِ أَنَزَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَمْتَحَ هَشِيمًا الَّذّرُوهُ الرََّخُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا (٢٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَّةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَعِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرُ أَمَلَّا (٤٦َ وَبَوْمَ نُسَيْرُ اَلْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَّةً وَحَشَّرْنَهُمْ فَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَّاً (َ (١) تفسير القرطبي: ١٠ / ٤٠٩. (٢) سورة طه: ٧١. (٣) فى المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم تظهر في مصوّرة المخطوط. سورة البقرة: ٢٥٧. (٤) (٥) سورة محمد: ١١. (٦) سورة الأنعام: ٦٢. ١٧٣ سورة الكهف، الآيات: ٤٥ - ٥٠ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِكَ صَفَّا لَقَدْ جِئْتُمُوْنَا كَمَا خَلَفْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقْ بَلَّ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َّجْعَلَ لَكُمْ فَّوْعِدًا (49) وَرْضِعَ اُلْكِتَبُ فَى الْمُجْرِمِنَ مُشْفِفِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنِهَاً وَوَجَدُوا مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبِّكَ أَحَدَاَ ﴿٢) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَجَدُوَاْ إِلَّ ◌ِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِدُ أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونٍ وَهُمْ لَكُمْ عَدُؤْ يِْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلَّا ﴿واضرب﴾ يا محمد ﴿لهم): لهؤلاء المتكبرين المترفين الذين سألوا طرد الفقراء المؤمنين ﴿مثلَ الحياةِ الدُنيا كماء أنزلناهُ مِنَ السماء﴾، يعني: المطر. قالت الحكماء: شبّه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع وحال، كذلك الدنيا لا تبقى لأحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، ولأن الماء يفنى كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ، فكذلك الدنيا لا يسلم من آفاتها وفتنتها أحد، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً مبقياً وإذا جاوز الحد المُقدّر كان ضارّاً مهلكاً، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضرّ. ﴿اختلط به﴾: بالماء ﴿نباتُ الأرض فأصبح﴾ عن قريب ﴿هشيماً﴾، قال ابن عباس: يابساً. قال الضحّاك: كسيراً. قال الأخفش: متفتّتاً، وأصله الكسر. ﴿تذروه الرياحُ﴾، قال ابن عباس: تديره. قال ابن كيسان: تجيء به وتذهب. قال الأخفش: ترفعه. وقال أبو عبيدة: تُفرّقه. القتيبي: تنسفه. وقرأ طلحة بن مصرف: الآية فقال: ذرته الريح تذروه ذرواً، وتذريه ذرياً وأذرته إذراءً إذا أطارت به، ﴿وكان الله على كل شيء مقتدراً﴾، قادراً. ﴿المال والبنون﴾ التي يفخر بها عيينة وأصحابه من الأشراف والأغنياء ﴿زينة الحياة الدنيا﴾، وليست من زاد القبر ولا من عُدد الآخرة، ﴿والباقيات الصالحات﴾ التي يعملها سلمان وأصحابه من الموالي والفقراء ﴿خيرٌ عند ربّك ثواباً وخيرٌ أملا﴾ أي خير ما يأمله الإنسان. واختلفوا في ﴿الباقيات الصالحات﴾ ما هي؛ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحّاك: هي قول العبد: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر). يدل عليه ما روى مسلم بن إبراهيم عن أبي هلال عن قتادة أن النبّي ◌َليل أخذ غصناً فحركه حتى سقط ورقه، وقال: ((إن المسلم إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، تحاتّت عنه الذنوب(١). خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن؛ فهنّ من كنوز الجنّة وصفايا الكلام، وهنّ الباقيات الصالحات)) [٧٤](٢) . وقال عثمان (رضُّّه) وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح: هي (سبحان الله (١) في المصدر: تحاتت خطاياه كما تحات هذا. (٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ٤١٥. ١٧٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، ولا حول، ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم). يدل عليه [ما] روى القاسم بن عبد الله العمري، ومحمد بن عجلان عن عبد الجليل بن حميد عن خالد ابن عمران أن النّي رَّ خرح على قومه، فقال: ((خذوا جُنّتكم)). قالوا: يا رسول الله، من عدوّ حضر؟ قال: ((بل من النار)). قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: ((الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات مجنّبات ومعقِّبات، وهنّ الباقيات الصالحات)) [٧٥](١). وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((استكثروا من الباقيات الصالحات)). فقيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: ((الملّة)). قال: وما هي؟ قال: ((التكبير، والتهليل، والتسبيح، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) [٧٦](٢). وقال عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي فقال: قل له: القني عند زاوية القبر؛ فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلّم أحدهما على الآخر، ثمّ قال سالم: ما تعدّ الباقيات؟ فقال: لا إله إلاّ الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. فقال له سالم: متى جعلت: ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؟ قال: ما زلت أجعله فيها. قال فراجعه مرتين وثلاثاً فلم ينزع، فقال سالم: أجّل. فأتيت أبا أيّوب الأنصاري فحدّث أنه سمع رسول اللـه و له يقول: ((عُرج بي إلى السماء فأُريت إبراهيم (عليه السلام) فقال: يا جبرئيل، من هذا معك؟ فقال: محمد. فرحّب بي وسهّل، ثمّ قال: مر أُمّتك فليكثروا من غراس الجنّة، فإن تربتها طيبة، وإن أرضها واسعة. فقلت وما غراس الجنّة؟ قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [٧٧](٣). وقال سعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل ومسروق وإبراهيم: هي الصلوات الخمسة، وهي ﴿الحسنات يذهبن السيئات﴾(٤). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الأعمال الصالحة: لا إله إلاّ الله، وأستغفر الله وصلى الله على محمد، والصلاة والصوم والحج والصدقة والعتق والجهاد والصّلة وجميع الحسنات التي تبقى لأهلها في الجنّة ما دامت السماوات والأرض. وروى عطية عن ابن عباس قال: هي الكلام الطيب. وقال عوف: سألت الحسن عن الباقيات الصالحات، قال: النّات والهمّات؛ لأن بها تُقبل الأعمال وترفع. قال قتادة: هي كل ما أُريد به وجه الله. والله أعلم. (١) المعجم الأوسط: ٣ / ٢٨٩. (٣) مسند أحمد: ٥ / ٤١٨. (٤) سورة هود: ١١٤. (٢) مسند أحمد: ٣ / ٧٥. ١٧٥ سورة الكهف، الآيات: ٤٥ - ٥٠ ﴿ويومَ نُسيّر الجبالَ﴾: نزيلها عن أماكنها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تُسيَّر) - بالتاء وفتح الياء - (الجبال) رفعاً على المجهول، ﴿وترى الأرضَ بارزةً﴾ ظاهرة كرأي العين ليس عليها شجر ولا جبل ولا ثمر ولا شيء يسترها. وقال عطاء: ترى باطن الأرض ظاهراً قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها، ﴿وحشرناهم﴾: جمعناهم إلى الموقف للحساب، ﴿فلم نغادر﴾: نترك ونخلف ﴿منهم أحداً * وعُرضوا على ربّك صفًّا﴾ يعني: صفًّا صفًّا؛ لأنهم صفٍّ واحد. وقيل قياماً، يقال لهم - يعني للكفار، لفظه عام ومعناه خاص -: ﴿لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّة﴾ يعني: أحياء. وقيل: عراة. وقيل: عُزّلاً. وقيل: فرادى. ﴿بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً﴾ يعني: القيامة. قوله تعالى: ﴿ووضع الكتاب﴾ يعني كتب أعمال الخلق، ﴿فترى المجرمين مشفقين﴾: خائفين ﴿ممّا فيه﴾ من الأعمال السيئة، ﴿ويقولون﴾ إذا رأوها: ﴿يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةٌ﴾ من ذنوبنا؟ قال ابن عباس: الصغيرة: التبسّم، والكبيرة: القهقهة. وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللمم والتخميش والقبل والمسيس، والكبيرة: الزنا، والمواقعة، ﴿إلاّ أحصاها﴾، قال ابن عباس: عملها. وقال السّدي: كتبها وأثبتها. وقال مقاتل بن حيان: حفظها. وقيل: عدّها. وقال إبراهيم ابن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية قال: ضجّوا والله من الصغار قبل الكبار. وضرب رسول الله مَ﴾ لصغائر الذنوب مثلاً فقال: ((كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض فانطلق كل رجل منهم يحتطب، فجعل الرجل منهم يأتي بالعود ويجيء الآخر بعودين(١) حتى جمعوا سواداً وأجّجوا. وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه))(٢) [٧٨]. ﴿وَوَجَدوا ما عملوا حاضراً﴾ مكتوباً مثبتاً في كتابهم ﴿ولا يظلم ربّك أحداً﴾ يعني: لا ينقص ثواب أحد عمل خيراً. قال الضحّاك: لا يأخذ أحداً بجرم لم يعمله ولا يورّث ذنب أحد على غيره. ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ يقول جلّ ذكره مذكّراً لهؤلاء المتكبرين ما أورث الكبر إبليس، ويعلّمهم أنه من العداوة والحسد لهم على مثل الذي كان لأبيهم: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ﴿فسجدوا إلّ إبليس كان من الجِنّ﴾؛ اختلفوا فيه فقال ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خُلقوا من نار السّموم، وخلق الملائكة من نور غير هذا الحي. وكان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وكان من خزان الجنّة، وكان رئيس ملائكة الدنيا، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة (١) في المصدر: بالعود. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٢١. ١٧٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي حلماً وأكثرهم علماً، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى بذلك لنفسه شرفاً وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكبر، فعصى فمسخه الله شيطاناً رجيماً ملعوناً. فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجُه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجُه، وكانت خطيئة آدم معصية، وخطيئة إبليس كبراً. وقال ابن عباس في رواية أُخرى: كان من الجن [و] إنما سُمي بالجنان، لأنه كان خازناً عليها فنُسب إليها، كما يقال للرجل: مكي وكوفي ومدني وبصري. [أخبرنا عبد الله بن حامد: أخبرنا محمد ابن يعقوب السّري عن يحيى بن عثمان بن زفر قال](١): روى يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير. في قوله عزّ وجلّ: ﴿كان من الجنّ﴾ - قال: كان من الجنانيين الذين يعملون في الجنّة. وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجنّ كما أن آدم أصل الأنس. وقال شهر ابن حوشب: كان إبليس من الجنّ الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. وقال قتادة: جنّ عن طاعة(٢) الله تعالى، ﴿فَفَسَقَ عن أمرٍ رَبّهِ﴾ يعني: خرج عن طاعة ربه. تقول العرب: فسقت الرطبّة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذلك قيل لها: الفويسقة. وقيل: هي من الفُسوق، وهي الاتّساع، تقول العرب: فسق فلان في النفقة إذا اتسع فيها، وما أصاب مالاً إلاّ فسقه، أي أهلكه وبذّره. والفاسق سمّي فاسقاً؛ لأنه اتّسع في محارم الله عزّ وجلّ، وهوّنها على نفسه. ﴿أفتتخذونه﴾، يعني يا بني آدم ﴿وذريته أولياءَ من دوني وهم لكم عدوٌ﴾: أعداء. وقال الحسن: الإنس من آخرهم من ذريّة آدم، والجن من آخرهم من ذريّة إبليس. قال مجاهد: فمن ذريّة إبليس لافيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة، والهفّان ومرّة وبه يُكنّى إبليس وزيلنون وهو صاحب الأسواق يضع رايته بكل سوق من السّماء والأرض، والدثر وهو صاحب المصائب يأمر بضرب الوجه وشقّ الجيوب والدعاء بالويل والحرب، والأعور وهو صاحب أبواب الزّنا، ومبسوط وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه النّاس فلا يجدون [لها](٣) أصلاً، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله عزّ وجلّ، بصّره من المقابح ما لم يرفع أو لم يحسن موضعه، فإذا أكل ولم يذكر اسم الله عليه أكل معه . وقال الأعمش: ربما دخلت البيت، ولم أذكر اسم الله ولم أُسلّم فرأيت مطهره فقلت: ارفعوا، وخاصمتهم، ثمّ أذكر فأقول: داسم، داسم. وروى مخلد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوماً إذ أقبل حمال ومعه دن حتى وضعه، ثمّ جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم. فقال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس (١) زيادة عن نسخة أصفهان. (٢) في نسخة أصفهات: امر. (٣) في المخطوط: له . ١٧٧ سورة الكهف، الآيات: ٥١ - ٥٩ ما شهدته. قال: ثمّ ذكرت قول الله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾، فعلمت أنه لا يكون ذرية إلاّ من زوجة، قلت: نعم. فأخذ دنّه وانطلق، قال: فرأيت أنه مختاري. قال ابن زيد: إبليس أبو الجن كما إنّ آدم (عليه السلام) أبو الإنس. قال الله تعالى لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلاّ ذرأت لك مثلها، [كلما](١) ولد لآدم. قال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وما ولد لآدم ذريّة إلّ ولد له مثله، فليس من ولد آدم أحد إلاّ له شيطان قد قرن به. ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾، أي بئس البدل لإبليس وذريّته من الله. قال قتادة: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم: طاعةَ إبليس وذريّته. مََّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ الشَّعَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُصِلِينَ عَضْدًا (٥) ويوم يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَاءِىَّ الَّذِيْنَ زَّعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَحِبُواْ لَّمْ وَجَعَلْنَا بَيْهُم مَّوْبِقًا (٢٦) وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَطَنُّوَاْ أَنَهُم مُوَاِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (٨٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلِّ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَّلَا (٢٦) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ فَأْنَهُمْ سُنَّهُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَكَ ﴿٢) وَمَا نُرْبِلُ الْمُرْسَلِنَ إِلَّ مُبَتْبِينَ وَمُنذِرِينَّ وَبُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيْحِصُواْ بِ أَنَّ وَأَخَذُوَاْ مَتِى وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَ ﴿﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِعَنْ ذُكِّرَ ثَانِتِ رَيْهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسْتَ مَا فَدَمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَحِكِنَّهُ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَلِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى اٌلْهُدَى فَلَنْ يِهِتَدُوَاْ إِذَا أَبَدًّا (﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الْرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ يَلِ لَّهُم مَّوْعِدُ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا ﴿٢٥٠) وَبِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكَنَّهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَنَا لِمَهْلِكِم مَّوْعِدًا وَهَـ ﴿ما أشهدتهم﴾: ما أحضرتهم، يعني إبليس وذريته. وقيل: يعني الكافرين أجمع. قال الكلبي: يعني ملائكة السماوات. وقرأ أبو جعفر: (ما أشهدناهم) بالنون والألف على التعظيم، ﴿خلق السّموات والأرض﴾ فأستعين بهم على خلقها، وأُشاورهم وأوامرهم فيها، ﴿ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلّين عضُداً﴾: أنصاراً وأعواناً . ﴿ويوم يقول نادوا﴾ قرأ حمزة بالنون. الباقون بالياء لقوله: ﴿شركائي﴾ ولم يقل: شركاءنا. ﴿شركائي الذين زعمتم﴾ أنهم شركائي، ﴿فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم﴾ يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى والضلالة ﴿موبقاً﴾، قال عبد الله بن عمر: هو واد عميق في جهنم يفرق به يوم القيامة بين أهل لا إله إلاّ الله، وبين من سواهم. وقال ابن عباس: هو واد في النار. وقال مجاهد: واد من حميم. وقال عكرمة: هو نهر في النار يسيل (١) في المخطوط: فلما. ١٧٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ناراً، على حافتيه حيّات مثل البغال الدهم، فإذا بادرت إليهم لتأخذوهم استغاثوا بالاقتحام في النّار منها. وقال الحسن: عداوة. وقال الضحّاك وعطاء: مهلكاً. وقال أبو عبيد: موعداً، وأصله الهلاك، يقال: أوبقه يوبقه إيباقاً، أي أهلكه، ووبق يبق وبقاً، أي هلكة، ويقال: وبق يوبق ويبق ويأبق، وهو وابق ووبق، والمصدر: وبق، ووبُوق. ﴿ورأى المجرمون﴾: المشركون ﴿النار فظنّوا أنهم مواقعوها﴾: داخلوها. وقال مجاهد: مقتحموها وقيل: نازلوها وواقعون فيها. وقرأ الأعمش: (ملاقوها)، يعني مجتمعين فيها، والهاء الجمع(١) ﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾. وروى أبو سعيد الخدري عن النبّي وَ﴿ أنه قال: ((إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنه مواقعها(٢) من مسيرة أربعين سنة) (٣) [٧٩]. ﴿ولقد صرّفنا﴾: بيّنا ﴿في هذا القرآن للناس من كل مثل﴾ ليتذكروا ويتّعظوا ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾: خصومة في الباطل، يعني أُبّي بن خلف الجمحي، وقيل: إنه عام ليس بخاص، واحتجّوا بما روى الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: ((إن رسول الله وَله طرقه هو وفاطمة بنت رسول الله وسلم فقال: ألا تصلّون؟ فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله تعالى، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله وَ﴾ حين قلت ذلك له ولم يرجع شيئاً، فسمعته وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾))(٤). ﴿وما مَنَعَ الناس أن يؤمنوا﴾ يعني من أن يؤمنوا، ﴿إِذ جاءهم الهدى﴾: القرآن والإسلام ومحمد ◌َّ﴿ ﴿ويستغفروا﴾: ومن أن يستغفروا ربهم ﴿إلاّ أن تأتيهم سنة الأولين﴾ يعني سنتنا في إهلاكهم ﴿أو يأتيهم العذابُ قُبُلا﴾، قال ابن عباس: عياناً. قال الكلبي: هو السّيف يوم بدر. قال مجاهد: فجأة. ومن قرأ ﴿قبلا﴾، بضمتين، أراد به: أصناف العذاب. ﴿وما نرسلُ المرسلين إلّ مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا﴾ : يبطلوا ويزيلوا ﴿به الحق﴾، قال السّدي: ليفسدوا، وأصل الدّحض: الزلق، يقال: دحضت رجله أي زلقته. وقال طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهيته (٥) وحدت كما حاد البعير عن الدحض (١) كذا في المخطوط. في المصدر: أنها مواقعته. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٣٠. (٣) (٤) مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٠١١٢. (٥) تاج العروس: ٥ / ٢٨. ١٧٩ سورة الكهف، الآيات: ٦٠ - ٨٢ (واتخذوا آياتي وما أُنذروا﴾، فيه إضمار يعني: وما أُنذروا وهو القرآن ﴿هُزُوا﴾: استهزاءً . ﴿ومن أظلم مّمن ذّكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾: لم يؤمن بها ﴿ونسي ما قدّمت يداه﴾، أي عملت يداه من الذنوب ﴿إنّا جعلنا على قلوبهم أكّنةً أن يفقَهُوهُ﴾، يعني القرآن ﴿وفي آذانهم وقرأ﴾: ثقلاً وصمماً ﴿وإن تدعهم) يا محمد ﴿إلى الهدى﴾ يعني إلى الدين ﴿فلن يهتدوا إذاً أبداً﴾: لن يرشدوا ولن يقبلوه. ﴿وربك الغفورُ ذو الرحّمة لو يؤاخذهم بما كسبوا﴾ من الذنوب ﴿لعجّل لهم العذاب﴾ في الدنيا ﴿بل لهم موعد﴾ وهو يوم الحساب ﴿لن يجدوا من دونه موئلاً﴾: معدلاً ومنجىّ، قال الأعشى : وقد أُخالس ربّ البيت غفلته وقد يحاذر منّي ثمّ ما يئل(١) أي لا ينجو. ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا﴾: كفروا، ﴿وجعلنا لمهلكهم موعداً﴾: أجلاً. وَإِذْ قَالَـ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا (٣٥) فَلَمَّا بَلَغَا يَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَِيَا حُوتَّهُمَا فَأَخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ سَرِّيَا (٦َ فَلَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَّنَهُ ءَانِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينًا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَا ﴿ قَالَ أَغَيْتَ إِذْ أَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ أَلْحُوتَ وَمَا أَنْسَئِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ (١٤) فَوَجَدًا عَبْدًا أَذَّكُرُهُ وَتَخَ سَمِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَمَّا ﴿لَ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَا نَبَعْ فَأَرْتَذَا عَلَىّ ◌َانَارِهِمَا قَصَصًا مِّنْ عِبَادِنَاَ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَنَّهُ مِن لَّهُنَا عِلْمًا (٦٥َ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىّ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا (١٦َ قَالَ إِنَّكَ لَى نَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٢٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَ مَّا لَمْ تُمِطْ بِهِ، خُبْرَ (جَ قَالَ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ الَهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرَ ﴿َ قَالَ فَإِنْ أَنَّمَعْتَّتِى فَلَا تَسْتَأْنِ عَنْ شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٣َ فَانْطَلَقًا حَتَّ إِذَا رَكِنَا فِ السَّفِيَةِ خَرَقَّهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَّهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًّا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنََّ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَّ صَبْرًا (٨٣) قَالَ لَّا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرَاً VI قَالَ فَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا عُلَّمَا فَقَنَلَمُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِنْتَ شَّا نُكْرًا (َِ) (٧٣) أَمْ أَقُلِ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَّعِىَ صُبْرًا (٣٥) قَالَ إِن سَأَلَتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِيْنِىَّ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِىِ عُذْرَا (٨٦) فَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ فَرِيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَحَدًا فِهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَقَامَةٌ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (َ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأَيْنَتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا، ﴿ أَمَّا الْتَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَنِكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَّدِّثُ أَنَّ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكُ (١) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٣٤. ١٨٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي يَأْخُذُ كُلُّ سَفِينَةٍ غَصْبًّا (٧٨) وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَّ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَّيْنٍ فَخَشِيِنَّا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَئًا وَكُغْرًا ( ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكُوَةٌ وَأَقْرَبَ رُحْمَا ﴿٨) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَكِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَّةِ وَكَانَ تَحْتَّهُ كَثْ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشْذَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَثْرَهُمَا رَحْمَةٌ مِنْ ٨٢ زَّبِّكْ وَمَا فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِىّ ذَلِكَ نَأْوِيلُ مَا لَمْ تَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًّا ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ - الآية - قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلّما استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: ﴿أن ذكّرهم بأيّام الله﴾ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة؛ إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: ((وكلّم الله نبيكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة)). فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلاّ ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل: قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: ((لا)). فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: ((يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبداً بمجمع البحرين أعلم منك)). فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: ((ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتاً، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح)) (١) [٨٠]. · وقال ابن عباس في رواية أُخرى: سأل موسى ربّه فقال: ((ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟)). قال: ((الذي يذكرني فلا ينساني)). قال: ((فأي عبادك أقضى؟)). قال: ((الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى)). قال: ((ربّي فأي عبادك أعلم؟)). قال: ((الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدّى أو ترده عن ردّى)). قال: ((إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه)). فقال له: ((نعم، في عبادي من هو أعلم منك)). قال: ((من هو؟)). قال: (الخضر)). قال: ((وأين أطلبه؟)). قال: ((على الساحل عند الصخرة)). وجعل الحوت له آية، وقال: ((إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك))(٢) [٨١]. وكانا قد تزودا سمكاً مالحاً فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وإذ قال موسى﴾ بن عمران ﴿لفتاه﴾: صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل: فتاه عبده ومملوكه: ﴿لا أبرحُ﴾: لا أزال أسير ﴿حتى أبلُغَ مجمع البحرين﴾، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة(٣). وقال أُبّ بن كعب: أفريقية، (١) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٤٩. (٢) جامع البيان للطبري: ١٥ / ٣٤٣ بتفاوت يسير. (٣) المصدر السابق: ٣٣٧ .