النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٤ - ٨
وتخريب بخت نصر بيت المقدس إلى عهد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك
أنهم يعدون من لدن تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى حين [عمارته في عهد كوسك] (١)
سبعين سنة، ثمّ من بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس وحيازة ملكها إلى مملكة
الإسكندر ثمانية وثمانين سنة، ثمّ من بعد مملكة الاسكندر إلى موت يحيى بن زكريا (عليه
السلام) بثلثمائة وثلاث وستون، ويروى بثلاثمائة سنة وثلاث سنين.
وإنما الصحيح من ذلك ماذكر محمّد بن إسحاق بن يسار قال: كثر عن بني إسرائيل بعدما
عمرت الشام وعادوا إليها بعد اخراب بخت نصر إياها وسبيهم منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون
الأحداث بعد مهلك عزير (عليه السلام) ويتوب الله عليهم وبعث الله فيهم الأنبياء وفريقاً
يكذبون وفريقاً يقتلون حتّى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى وكانوا
من بيت آل داود، فمات زكريا وقتل يحيى بسبب رغبة الملك عن نكاح ابنته، في قول عبد الله
ابن الزبير وابنت أخته في قول السدي وابنت أخيه في قول ابن عبّاس.
وهو الأصح إن شاء الله، لِما روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: بعث
عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا في إثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، وكان مما نهوهم
نكاح بنت الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها في كل يوم
حاجة يقضيها، وذكر الحديث بطوله في مقتل يحيى(٢).
رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، فلما رفع الله موسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن
زكريا، وبعض الناس يقول: قتلوا زكريا انبعث عليهم ملك من ملوك بابل يقال له: خردوس
فسار إليهم بأهل بابل حتّى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى
[نبور زاذان] صاحب القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت
المقدس لأقتلنهم حتّى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلاّ أني لا أجد أحداً أقتله، فأمره ان
يقتلهم حتّى يبلغ ذلك منهم نبور زاذان، فدخل بيت المقدس وكان في البقعة التي كانوا يقربون
فيها قربانهم [فوجد فيها دماً يغلي]فسألهم عنه، قالوا: هذا دم قربان قربناه فلم يقبل منا فلذلك
هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبل منا إلّ هذا القربان، قال: ما
صدقتموني الخبر قالوا له: لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة
والوحي فلذلك لم يتقبل منا فذبح منهم (نبور زاذان] على ذلك الدم سبعمائة وسبعون رأساً من
رؤسائهم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم فذبحهم (٣) على الدم فلم يبرد ولم يهدأ
(١) كذا في تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٢٠ وعند الطبري: كيرش.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢١٩.
(٣) هكذا في الاصل.

٨٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
فلما رأى نبور زاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم يابني إسرائيل أصدقوني واصبروا على أمر
ربكم [فقد طال] ما ملكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك نافخ نار لا أنثى
ولا ذكر إلا قتلته فلما [رأوا الجهد] وشدة القتل صدقوهُ القول فقالوا له: إن هذا دم نبي منا كان
ينهاها عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بالملك فلم
نصدقه فقتلناه فقال لهم نبور زاذان: ماكان اسمه؟ قال: يحيى بن زكريا، قال: وهل صدقتموني،
بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى نبور زاذان أنهم قد صدقوه خرَّ ساجداً وقال لمن حوله:
اغلقوا أبواب المدينة واجمعوا من كان هاهنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل.
قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم
من أجلك فاهدأ بأذن الله قبل أن لا يبقي من قومك أحد، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله،
ورفع نبور زاذان عنهم القتل [وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا
رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح ولو كان له شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو
كان له ولد لم يصلح، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي له ملك السموات
السبع والأرض وما فيهن وما بينهن، وهو على كل شيء قدير فله الحكم والعلم والعزة
والجبروت وهو الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لئلا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون
ويكون ملكه](١) فأوحى الله تعالى إلى رؤس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبور زاذان حبور (٢)
صدوق .
وأن نبور زاذان قال لبني إسرائيل: يابني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم
حتّى تسيل دماءكم وسط عسكره وإني لست أستطيع أن أعصيه قالوا له: إفعل ما أُمرت به فأمرهم
فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتّى سال
الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتّى
كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره
أرسل إلى نبور زاذان أن أرفع عنهم القتل فقد بلغني دماؤهم [وقد انتقمت منهم لما فعلوا](٣) ثمّ
إنصرف عنهم إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاده، وهو الوقعة الاخيرة التي أنزل الله ببني
إسرائيل في قوله ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ الآيات.
وكانت الوقعة الأولى: بخت نصر وجنوده ثمّ ردَّ الله لهم الكرة عليهم وكانت الوقعة
.]. فانتقل الملك بالشام
٠٠٠٠] همام بعد ذلك [ ..
الاخيرة خردوس وجنوده فلم [ ..
(١) راجع تفسير الطبري: ١٥ / ٥٥.
(٢) الحبور بالعبرانية: حديث الإيمان.
(٣) راجع تفسير الطبري: ١٥ / ٥٥.

٨٣
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٤ - ٨
ونواحيها إلى الروم واليونان، ثم إن بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك وكانت لهم ببيت
المقدس [بزواجها] على غير وجه الملك وكانوا في أُهبة ومِنْعَة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث
وانتهكوا المحارم وضربوا الحدود فسلط الله عليهم ططوس بن سيبانو الرومي، فأخرب بلادهم
وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرئاسة وضرب عليهم الذلة، فليسوا في أمة من الأمم إلاّ
وعليهم [الصغار]والملك في غيرهم وبقي بيت المقدس خراباً إلى أيام عمر بن الخطاب (رضي ◌ُه)
عمّره المسلمين بأمره.
وروى أبو عوانة عن أبي بشير قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى ﴿وقضينا إلى بني
إسرائيل في الكتاب﴾ الآيات، فقال: أما الذين ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ فكان مرحا بن الجزري
.. ](١) .
فإذا جاء إلى قوله ﴿تتبيرا﴾ فكان جالوت الجزري شعبة من [.
ثمّ قال: ﴿ثم رددنا لكم الكرة﴾ إلى قوله ﴿تتبيرا﴾ قال: هذا بخت نصر الذي خرب بيت
المقدس .
..
ثمّ قال لهم بعد ذلك ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [على هذا ثمّ](٢) ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال
فعادوا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك الروم ثمّ عادوا أيضا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك
.... ](٣) ثمّ عادوا أيضاً فعيد عليهم سابور ذو الاكتاف.
.]
قتادة في هذه الآية (وقضينا) قضى على القوم كما تسمعون فبعث عليهم في الأولى
جالوت، فسبى وقتل وخرب ﴿وجاسوا خلال الديار﴾، ثمّ رددنا لكم يعني يا بني إسرائيل الكرة
عليهم والملك في زمان داود (عليه السلام) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخر الكرتين بعث الله علیم
بخت نصر أبغض خلق الله، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم سوم العذاب، ثمّ قال
﴿عسى ربكم أن يرحمكم﴾(٤) فعاد الله إليهم برحمته ثمّ عاد [الله إليهم بشر](٥) بما عذبهم،
فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من آفته وعقوبة، ثمّ بعث الله عليهم هذا الحي من العرب كما
قال: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾(٦) [ ..... ] (٧).
(١) كلام غير مقروء.
(٢) هكذا في الاصل.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٤) هكذا في الاصل.
(٥) هكذا في الاصل.
(٦) سورة الأعراف: ١٦٧ .
(٧) كلام غير مقروء.

٨٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ أي أخبرناهم وعلمناهم في ما آتيناهم من الكتب.
وقال ابن عبّاس وقتادة: يعني وقضينا عليكم، وعلى هذا التأويل يكون (إلى) بمعنى (على)
وبمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ، ﴿لتفسدن﴾ قيل: لام القاسم مجازة: والله لتفسدن في
الأرض مرتين بالعاصي ﴿لتعلونّ﴾ ولتستكبرن ولتظلمن الناس ﴿علواً كبيراً فإذا جاء وعد
أولئهما﴾ يعني أولي المرتين واختلفوا فيها فعلى قول قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا
من أحكام التوراة [وحكموا] ربهم ولم يحفظوا أمر نبيهم موسى (عليه السلام) وركبوا المحارم
وتعدوا على الناس.
وقال السدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي جهل عن ابن عبّاس وعن أمية الهمذاني
عن ابن مسعود: إن أول الفسادين قتل زكريا .
وقال ابن إسحاق: إن إفسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء بن أمصيا في عهد أرمياء في
الشجرة .
وقال ابن إسحاق: إن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتاً ولم يقتل وأن المقتول
هو شعياء (عليه السلام) .
﴿بعثنا عليكم عباداً لنا﴾ يعني [جالوت الجزري] وجنوده وهو الذي قتله داود.
قال قتادة: وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو المعلى ويعلى (١) عن سعيد بن
جبير: هم صحاريب من أهل نينوى، وهي الموصل.
أبو بشير عنه: صرخان الخزري، وقال: ابن إسحاق: بخت نصر البابلي وأصحابه.
﴿أولي بأس﴾ يعني بطش، وفي الحرب ﴿شديد فجاسوا﴾ أي خافوا وداروا.
قال ابن عبّاس: مشوا، الفراء: قتلوكم بين بيوتكم.
وأنشد لحسان :
ومنا الذي لاقي بسيف محمّد
فجاس به الأعداء عرض العساكر
أبو عبيدة: طلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها(٢).
القتيبي: [عاشوا وقتلوا] وأفسدوا"
(١) هكذا في الاصل.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢١٦.
(٣) راجع زاد المسير لإبن الجوزي: ٥ / ٨ ونسبه لأبي عبد الرحمن.

٨٥
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٤ - ٨
ابن جرير: طافوا من الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين فجمع التأويلات.
وقرأ ابن عبّاس: فجاسوا بالهاء ومعناها واحد.
﴿خلال الديار وكان وعداً مفعولاً﴾ قضاء كائناً لا خلف فيه ﴿ثمّ رددنا لكم الكرّة﴾
الرجعة والدولة ﴿عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ عدداً.
قال القتيبي: والنفير من نفر (١) مع الرجل من عشيرته وأهل بيته، يقال: النفير والنافر،
وأصله القدير والقادر.
﴿إن أحسنتم﴾ يابني إسرائيل ﴿أحسنتم لأنفسكم﴾ لها ثواباً ونفعها ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي
فعليها کقوله ﴿سلام لك﴾ أي عليك.
وقال محمّد بن جرير: قالها كما قال ﴿إن ربك أوحى لها﴾ أي إليها، وقيل: فلها الجزاء
والعقاب.
وقال الحسين بن الفضل: يعني فلها رب يغفر الإساءة(٢).
﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ أي المرة الآخرة من إفسادكم وذلك على قصدهم قتل عيسى
(عليه السلام) يحيى حين رُفع، وقتلهم يحيى بن زكريا (عليه السلام) فسلط الله عليهم الفُرس
.](٣) قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن بلادهم وأخذوا بلادهم وأموالهم
والروم [.
فذلك قوله ﴿ليسؤا وجوهكم﴾ أي ليحزن، واختلف القراء فيه، فقرأ الكسائي: لنسؤ بالنون وفتح
الهمزة على التعظيم اعتباراً، وقضينا وبعثنا ورددنا وأمددنا وجعلنا .
وروى ذلك عن علي (ظُه): وتصديق هذه القراءة قرأ أُبي بن كعب: لنسؤنّ وجوهكم
بالنون وحرف التأکید.
وقرأ أهل الكوفة: بالياء على التوحيد، ولها وجهان: أحدهما ليسؤ الله وجوهكم، والثاني
ليسؤ [العدو] وجوهكم.
وقرأ الباقون: ليسؤ وجوهكم بالياء وضم الهمزة على الجمع، بمعنى ليسؤ العباد أولي
بأس شديد وجوهكم ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ يعني بيت المقدس ونواحيه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّة
وَلِيُتَبِّرُوا﴾ وليهلكوا أو ليدمروا ﴿مَا عَلَوْا﴾ غلبوا عليه [تدميرا] ﴿تَشْبِيراً عَسَى﴾ لعلّ ربكم يابني
إسرائيل ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد انتقامهم منكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ .
(١) هكذا في الاصل.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ٢١٧.
(٣) كلام غير مقروء.

٨٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عبّاس: وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة، فعادوا فبعث الله عليهم محمداً
رسول الله ◌َي* يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ معيناً
سجناً ومحبساً من الحصر وهو الحبس، والعرب تسمى [النخيل] حصوراً والملك حصيراً [لأنه
محجوب محبوس](١) عن الناس.
قال لبيد :
جن لدى باب الحصير قيام
وقماقم غلب الرقاب كأنهم
أي باب الملك ومنه: انحصر في الكلام إذا [احتبس عليه] وأعياه، والرجل الحصور عن
النساء وحصر الغائط .
قال الحسن ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ أي فراشاً ومهاداً، ذهب إلى الحصير الذي
يفرش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً، وهو وجه حسن وتأويل صحيح.
إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقَوَمُ وَيَشِّرُ أَلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَمْ أَجْرًا كَبِيرًا.
وَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِمَا (٣٥) وَيَدْعُ اَلْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَمُ بِأَخَيْرِّ وَكَانَ
الْإِسَنُ عُولً (١) وَحَعَلْنَا الَّلَ وَالتَّهَارَ،َبَيْنٌّ فَحَوْنَاً ◌َيَةَ أَلَتِلِ وَجَعَلْنَآ ءَآَيَّةُ التَّهَارِ مُبْصِرَةً لِيَبْتَغُواْ فَضْلًا
مِن رَّيْكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلّ شَىْءٍ فَضَّلْنَهُ نَفْصِيلًا ﴿لَ وَكُلَّ إِنَنِ أَلْزَمَنَّهُ طَهِرَهُ فِىِ
◌ُنْفِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَةِ حِكِتَبَّا بَلْقَنُهُ مَنْشُورًا (٨) أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَيْكَ حَرِيبًا (١٤) مَّنِ
اُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
◌َتْعَثَ رَسُولَ ﴿١٥) وَإِذَا أَرَدْنَاً أَنْ نُهْلِكَ فَرْيَةٌ أَمْرِنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَذْمِيرًا
﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أقْوَمُ﴾ أي الطريقة التي [هي أسد وأعدل وأصوب](٢)
﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ أجْراً كَبِيراً﴾ وهو الجنة ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾ وهي النار ﴿وَيَدْعُ الإنسَانُ﴾ حذفت الواو هنا في اللفظ
والخط ولم يحذف في المعنى لأنها في موضع رفع وكان حذفها باستقالتها اللام الساكنة كقوله
﴿سندع الزبانية﴾(٣) ﴿يمُ الله الباطل﴾(٤)، ﴿ويؤت الله المؤمنين﴾ ﴿وينادي المنادي﴾ ﴿فما
تغني النذر﴾ ومعنى الآية ويدع الانسان على [ماله وولده ونفسه بالسوء] وقوله عند الضجر
(١) هكذا في الاصل.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٢٥.
(٣) سورة العلق: ١٨.
(٤) سورة الشورى: ٢٤.

٨٧
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٠ - ١٦
والغضب: اللهم العنه اللهم أهلكه ﴿دعاءه بالخير﴾ أي كدعائه ربه أن يهب له العافية والنعمة
ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده [بالشر لهلك]ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك،
نظيره قوله تعالى ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم﴾ ﴿وَ كَانَ
الإنسَانُ عَجُولا﴾ عجلاً بالدعاء على مايكره أن يستجاب له فيه.
قال مجاهد وجماعة من المفسرين، وقال ابن عبّاس: [يريد] ضجراً لا صبراً له على سراء
ولا ضرّاء.
وقال قوم من المفسرين: أراد الانسان آدم.
قال سلمان الفارسي: أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق جسده فلما
كان عند العصر بقيت رجلاه لو يبث فيها الروح، فقال: يارب عجّل قبل الليل فذلك قوله ﴿وَ
كَانَ الإنسَانُ عَجُولا﴾ .
وروى الضحاك عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله رأس آدم نظر إلى جسده فأعجبه،
فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله ﴿وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولا﴾ [وقيل: المراد آدم فإنه لما
اهتدى للصح إلى سترته ذهب لينهض فسقط، يروى أنه علم وقع أسيراً إلى سودة بنت زمعة
فرحمته لأنينه فأرخت من كتافه فهرب فدعا النبي عليها بقطع اليد ثم ندم فقال: اللهم إنما أنا
بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت هذه الآية](١)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنٍ﴾ دلالتين وعلامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا
وقدرتنا وعدد السنين والحساب ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال أبو الطفيل: سأل ابن الكواء علياً
(رَُّهُ) فقال: ما هذا السواد في القمر؟ فقال علي: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾
(٢)
وهو المحو (٢).
وقال ابن عباس: الله نور الشمس سبعين جزءاً ونور القمر سبعين جزءاً فمحا من نور القمر
تسعة وستين جزءاً فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءاً والقمر على
جزء واحد(٣).
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ﴾ وهي الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾ [منيرة مضيئة](٤).
(١) عن هامش المخطوط.
(٢) تفسير الطبري: ١٥ / ٦٤.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٢٧.
(٤) هكذا في الاصل.

٨٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أبو عمرو بن العلا: يعني بصرها .
قال الكسائي: هو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة ببصرها .
وقال بعضهم: هو كقولهم: [رجل خبيث مخيث إذا كان أصحابه خبثاء ورجل مضعف إذا
كانت دوابه ضعافاً فكذلك النهار مبصراً إذا كان أهله بصراء](١).
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بينّاه تبييناً.
مقاتل بن علي عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الله تعالى
لما أبرم خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمساً من نور عرشه وقمراً فكانا جميعاً شمسان فأما
ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمساً فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما
كان في سابق علمه أن يطمسها فيحولها قمراً فخلقها دون الشمس من العظيم ولكن إنما يرى
صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم
يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا كان يدرك الأجير إلى متى يعمل ومتى يأخذ أجره
ولا يدري الصائم إلى متى يصوم ومتى يفطر، ولا تدري المرأة كيف تعتد ولا يدري المسلمون متّى
وقت صلاتهم ومتى وقت حجهم، ولا يدري الديان متّى يحل دينهم ولا تدري الناس متى يبذرون
ويزرعون لمعاشهم ومتى يسكنون لراحة أبدانهم فكان الرب سبحانه أنظر لعباده وأرحم بهم فأرسل
جبرائيل [فأمّر] جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك
قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [والسواد](٢)
الذي ترونه في جوف القمر يشبه الخطوط، فهو أثر المحو (٣).
﴿وَكُلَّ إنسَان الْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال ابن عباس: وما قدر عليه [من خير وشر] فهو
ملازمه أينما كان(٤).
الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتّى يحاسب به [وتلا الحسن: ﴿عن اليمين وعن
الشمال قعيد﴾] ثمّ قال يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك
والآخر [عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذين عن شمالك فيحفظ
سيئاتك فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في
قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً](٥).
(١) مقوّمة من تفسير القرطبي والمخطوط لا يقرأ.
(٢) هكذا في الاصل.
ذكره ابن الجوزي مختصراً في الموضوعات: ١ / ١٣٩ .
(٣)
(٤)
راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٢٩.
(٥) تفسير الطبري: ١٥ / ٦٩.

٨٩
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٠ - ١٦
مجاهد: عمله ورزقه، وعنه: ما من مولود يولد إلاّ وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو
سعید .
وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه [أنه] عامله في ماهو صائر إليه من سعادة أو
شقاوة، وإنّما عبر عنه بالطائر على عادة العرب كما كانت تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير
وبوارحها(١).
أبو عبيد والعيني: أراد بالطائر حظه من الخير والشر عن قولهم طار منهم فلان بكذا أيّ
جرى له الطائر بكذا.
وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء: طائره في عنقه بغير ألف وإنّما خص عنقه دون سائر
أعضائه، لأن العنق موضع السمات وموضع القلائد والأطراف وغير ذلك مما يشين أو يزين،
فجرى كلام العرب [بنسبة الأشياء اللازمة](٢) إلى الأعناق فيقولون هذا في عنقي حتّى أخرج منه
وهذا الشيء [لازم صليت] عنقه.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً﴾ قرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن ويعقوب: ويخرج بفتح
الياء وضم الراء على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً نصب كتاباً على الحال، ويحتمل
أن يكون معناه ويخرج له الطائر فيصير كتاباً .
وقرأ أبو جعفر: ويخرج بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل ومجازه ويخرج له
الطائر كتاباً .
وقرأ يحيى بن وثاب: ويخرج أيّ ويخرج الله .
وقرأ الباقون: بنون مضمومة وكسر الراء على معنى ونحن نخرج له يوم القيامة كتاباً ونصب
كتاباً بإيقاع الاخراج عليه واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله الزمناه.
﴿يَلْقَاهُ﴾ قرأ أبو عامر وأبو جعفر: تلقاه بضم التاء وتشديد القاف يعني تلقى الانسان ذلك
الكتاب أي [يؤتا]. وقرأ الباقون: بفتح الياء أي يراه.
﴿مَنشُوراً﴾ نصب على الحال.
عن بسطام بن مسلم قال: سمعت أبا النباج يقول سمعت أبا السوار العدوي يقرأ هذه الآية
ثمّ قال: نشرتان وعليه ماحييت يابن آدم فصحيفتك منشورة فاعمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت
ثمّ إذا بعثت نشرت.
(١) تفسير الطبري: ١٥ / ٦٦.
(٢) هكذا في الاصل.

٩٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ يعني فيقال له إقرأ كتابك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ محاسباً
مجازياً .
قتادة: سيقرأ يومئذ كل من لم يكن في الدنيا [مُجَازياً](١).
وقال الحسن: [قد عدل والله عليك] من جعلك حسيب نفسك.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لها نوليه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لأن عليها عقابه
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ ولا يحمل حامله عمل أخر من الأثام ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولا﴾ إقامة للحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا ﴾ .
قرأ عثمان النهدي وأبو رجاء العطاردي وأبو العالية [وأبو جعفر] ومجاهد: أمّرنا بتشديد
الميم أيّ خلطنا [شرارها](٢) فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم.
وقرأ الحسن وقتادة وأبو حياة الشامي ويعقوب: أمرنا ممدودة أي أكثرنا.
وقرأ الباقون: بكسر الميم، أي أمرناهم بالطاعة فعصوا، ويحتمل أن يكون بمعنى
جعلناهم أمراً لأن العرب تقول أمر غير مأمور أي غير مؤمر، ويجوز أن يكون بمعنى أكثر مايدل
عليه قول النبي وَلجر: ((خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة))(٣) [٢١](٤) أراد بالمأمورة كثرة
النسل ويقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه أمر يأمرون أمراً إذا كثروا .
وقال لبيد:
قل وإن أكثرت من العدد
كل بني حرة مصيرهم
يوماً يصيروا للهلك والنقذ
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا،
وإختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقرأه العامّة.
وقال أبو عبيد: إنما إخترنا هذه القراءة، لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر
.... ](٥) وهم أغنياؤها ورؤساءها ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ
والأمارة والكثرة، ﴿مترفيها﴾[
عَلَيْهَا القَوْلُ﴾ يوجب عليها العذاب ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ فجزيناهم [وأهلكناهم إهلاكاً بأمر فيه
أُعجوبة].
(١) هكذا في الاصل.
(٢) هكذا في الاصل.
(٣) السكة: الطريقة المصطفة من النخل والمأبورة الملقحة، والمعنى: خير المال نتاج وزرع.
(٤) الأحاد والمثاني للضحاك: ٢ / ٤٢٤، والمعجم الكبير: ٧ / ٩١.
(٥) كلمة غير مقروءة ولعلها: خلق.

٩١
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٧ - ٢٥
روى معمر عن الزهري قال: دخل رسول الله ◌ّه يوما على [زينب] وهو يقول: ((لا إله إلاّ
الله للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) قالت: يارسول الله
أنهلك وفينا الصالحون، قال: ((نعم إذا كثر الخبث))(١) [٢٢].
مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
وَكُمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدٍ نُوحٌ وَكَفَى ◌ِبِّكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خِيرًّاً بَصِيرًا
عَّلْنَا لَمُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَنْهَا مَذْهُوَمَا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ
وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ مَعْيُهُم ◌َشْكُورًا (﴿َ كُلَّا نُمِدُّ هَتَؤُلَاءِ وَهَتَؤُلَاءٍ مِنْ عَطَاءِ
رَيِكَّ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿٣َ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ
تَّفْضِيلًا (٦َ لَا تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقَّعُدَ مَذْهُوَمَا تَخْذُوْلًا ﴿٣) ﴾ وَفَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِنَّهُ
وَبِالْوَدَِّ إِحْسَنَّاً إِمَّا يَلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَمَّدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلِ لََّمَا أُفٍ وَلَ نَهُرْهُمَا وَقُل
لَّهُمَا فَوْلاً كَرِيمًا ﴿٨َ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلِ زَّيِّ أَرْحَمْهُمَا كَما رََّنِ صَغِيرًا (َ
زَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا (٣٥)
﴿وَكَمْ أهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ تخوف كفار مكة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ خَبِيراً
بَصِيراً﴾ وقد اختلفوا في مبلغ مدة القرن:
قال عبد الله بن أبي: وفي القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ◌َّل في أول قرن
کان وآخرهم يزيد بن معاوية.
وروى محمّد بن القاسم عن عبد الله بن بشير المازني أن النبي وَلّ وضع يده على رأسه
وقال: ((سيعيش هذا الغلام قرناً)) فقلت: كم القرن؟ قال: ((مائة سنة)).
قال محمّد بن القاسم: مازلنا نعدّ له حتّى [تمت] مائة سنة ثمّ مات.
وقال الكلبي: القرن ثمانون سنة.
وروى عمر بن شاكر عن ابن سيرين قال: قال رسول الله وَله: ((القرن أربعون سنة)) [٢٣].
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ﴾ يعني الدنيا فعبرنا بحرف عن الاسم، أراد بالدار العاجلة ﴿عَجَّلْنَا
لَّهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ من البسط والتقدير ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أن يفعل به ذلك [أوّل] إهلاكه، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ
جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿يَصْلاهَا﴾ يدخلها ﴿مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ مطروداً مبعداً ﴿وَمَنْ أرَادَ الآخِرَةَ
وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ وعمل لها عملها ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ مقبولاً غير
مكفور ﴿كُلّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ﴾ أيّ نمد كل الفريقين، من يريد العاجلة ومن يريد الآخرة
(١) تفسير الطبري: ١٥ / ٧٣.

٩٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
فيرزقهما جميعاً ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ ثمّ يختلف بهما الحال في المال ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
مَحْظُوراً﴾ ممنوعاً [محبوساً] (١) عن عباده ﴿انظُرْ﴾ يا محمّد ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾
في الرزق والعمل، يعني طالب العاجلة وطالب الآخرة ﴿وَلَلَآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجَاتِ وَأكْبَرُ تَفْضِيلا لا
تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ﴾ الخطاب إلى النبيِ نَِّ والمراد به غيره ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فتبقى ﴿مَذْمُوماً
مَخْذُولا وَقَضَى﴾ أمر ﴿رَبُّكَ﴾.
قال ابن عبّاس وقتادة والحسن قال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن وقال إنه طلق
امرأته ثلاثاً، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك. فقال الرجل: قضى الله ذلك عليَّ.
قال الحسن وكان فصيحاً: ما قضى الله، أي ما أمر الله وقرأ هذه الآية ﴿وقضى ربك ألاّ
تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ فقال الناس: تكلم الحسن في [القدر].
وقال مجاهد وابن زيد: وأوصى ربك، ودليل هذا التأويل قراءة علي وعبد الله وأُبيّ:
ووصی ربك.
وروى أبو إسحاق [الكوفي] عن شريك بن مزاحم أنه قرأ: ووصى ربك وقال: إنهم
[أدغوا] الواو بالصاد فصارت قافاً.
وقال الربيع بن أنس: [وأوجب](٢) ربك إلّ تعبدو إلّ إياه.
﴿وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي وأمر بالأبوين إحساناً بّراً بهما وعطفاً عليهما ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ
الكِبَرَ﴾ الكسائي بالالف، وقرأ الباقون: يبلغن بغير الألف على الواحدة وعلى هذه القراءة قوله
﴿أَحَدُهُمَا أوْ كِلاهُمَا﴾ كلام [مستأنف] كقوله ﴿فعموا وصموا كثير منهم﴾(٣) وقوله ﴿واسرّوا
النجوى﴾(٤) ثّ ابتدأ فقال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أَفِّ﴾ فيه ثلاث لغات بفتح الفاء [حيث قد رفع](٥)
وهي قراءة أهل مكة والشام واختيار يعقوب وسهيل.
و(أُفّ) بالكسر والتنوين وهي قراءة أهل المدينة وأيوب وحفص.
و(أُفّ) مكسور غير منون وهي قراءة الباقين من القراء، وكلها لغات معروفة معناها واحد.
قال ابن عبّاس: هي كلمة كراهة. مقاتل: الكلام الرديء الغليظ.
أبو عبيد: أصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وفرق الآخرون بينهما فقيل
(١) هكذا في الاصل.
(٢) هكذا في الاصل.
(٣) سورة المائدة: ٧١.
(٤) سورة طه: ٦٢ .
(٥) هكذا في الاصل.

٩٣
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٧ - ٢٥
الأف ما يكون في المغابن من العرق والوسخ، والتف ما يكون في الأصابع، وقيل: الأف وسخ
الأذن والتف وسخ [الأظفار] وقيل: الأف وسخ الظفر والتف ما رفعت يدك من الأرض من
شيء حقير.
﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ لا تزجرهما ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيماً﴾ حسناً جميلاً.
وقال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ(١).
وقال عطاء: لا تسمهما ولا تكنّهما وقل لهما: يا أبتاه ويا أماه.
مجاهد في هذه الآية: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويُحدثان فلا تتعذرهما(٢).
ولا تقل لهما أف حين ترى الأذى وتميط عنهما الخراء والبول كما كانا يميطانه عنك
صغيراً [ولا توذهما](٣) [وروى سعيد بن المسيب: أن [العاق] يموت ميتة سوء، وقال رجل
لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أبوي بلغا من الكبر أني أُوليهما ما وليا مني في الصغر
فهل قضيتهما؟ قال (صلى الله عليه وآله): ((لا فإنهما كانا يفعلان لك وهما يحبان بقاءك وأنت
تفعل وأنت تريد موتهما))](٤) [٢٤].
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
قال عروة بن الزبير: إن لهما حتّى لا يمتنع من شيء أحياه.
مقاتل: أَلِنْ لهما جانبك فاخضع لهما .
وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعاصم الحجدي: جناح الذل بكسر الذال أي [لا تستصعب
معهما].
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرَاً﴾ .
قال ابن عبّاس: هو منسوخ بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ الآية.
روى شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَليقول:
((رضى الله تعالى مع رضا الوالدين وسخط الله مع سخط الوالدين)) [٢٥](٥).
(١) راجع تفسير الطبري: ١٥ / ٨٤.
(٢) هكذا في الاصل.
(٣) هكذا في الاصل.
(٤) عن هامش المخطوط .
(٥) سبل السلام العسقلاني: ٤ / ١٦٤، والدر المنثور: ٤ / ١٧٢.

٩٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
عطاء عن عائشة قال: قال رسول الله وَله: ((يقال للعاق إعمل ماشئت إني لا أغفر لك
ويقال للبار إعمل ماشئت وإني أغفر لك)) [٢٦](١).
روى عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَّ﴾ ((من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمس
وأصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن أمسى وأصبح مسخطاً لوالديه أصبح وله بابان إلى النار
وان واحداً فواحد)) [٢٧](٢).
فقال رجل: يارسول الله وإن ظلماه؟ قال: ((وإن ظلماه))، ثلاث مرات.
وروى رشيد بن سعد عن أبي هاني الخولاني عن أبي عمر [القصبي](٣) قال: جاء رجل
إلى رسول الله صل* فقال: يارسول الله دلني على عمل أعمله يقربني إلى الله؟ قال: ((هل لك
والدة ووالد؟)) قال: نعم. قال: ((فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل [اليسير])) [٢٨].
﴿رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من بر الوالدين وعقوقهما ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أبراراً
مطيعين فيما أمركم الله به بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين، وغير
ذلك من فرائض الله ◌َإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ﴾ بعد المعصية والهفوة (غَفُوراً﴾ .
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه المبادرة إلى أبويه لا يريد بذلك
إلّ الخير، فإنه لا يؤخذ به.
وإختلف المفسرون في معنى الأوابين:
فقال سعيد بن جبير: الراجعين إلى الخير، سعيد بن المسيب: الذي يذنب ثمّ يتوب ثمّ
يذنب ثمّ يتوب.
مجاهد عن عبيد بن عمر: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر الله تعالى عنها .
عمرو بن دينار: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في [مجلسي] هذا.
ابن عبّاس: الراجع إلى الله فيما [لحق به وينويه](٤) والأواب فعال من أوب إذا رجع.
قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب وغايب الموت لا يؤوب.
وقال عمرو بن شرحبيل: وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس دليله قوله ﴿وياجبال
أوبي معه﴾(٥).
(١) كنز العمال: ١٦ / ٤٧٦.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٤٥.
(٣) هكذا في الاصل.
(٤) هكذا في الاصل.
(٥) سورة سبأ: ١٠.

٩٥
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٢٦ - ٤٣
الوالبي: عنه المطيعين المخبتين.
قتادة: المصلين. عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى.
ابن المنكدر: بين المغرب والعشاء.
روى ابن إدريس عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: الأوابين الرغابين.
وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ نَبْدِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَدِِّنَ كَانُواْ إِخْوَنَ
الشَّبَطِيْنِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا (٣٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْعَةُ رَحْمَةٍ مِنْ زَّيْكَ تَرْجُوهَا فَقُلِ لَّهُمْ قَوْلًا
مَّيْسُورًا ﴿٢٣) وَلَا يَجْعَلْ بَدَلَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا نَبَسُطَهَا كُلُّ الْبَطِ فَنَفْعُدَ مَلُومَا نَّحْسُورًا (٣٦) إِنَّ رَبَّكَ
يَبْطِ اَلْرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَنَّ بِعِبَادِهِ، خَيْرَا بَصِيرًا (٢٣) وَلَ نَقْلُواْ أَوَلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقِّ فَحْنُ نَرْزُقُهُمْ
وَإِنَّاكُمْ إِنَّ قَلَهُمْ حَكَانَ خِطْنَا كَبِرًا (٣) وَلَا نَقْرَبُوْ اَلْزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةُ وَسَآءُ سَبِيلًا (
نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَِّ حَرَّمَ الَهُ إِلَّ يِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُومَا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَئًا فَلَا يُشْرِفِ فِىِ اَلْفَتَلِّ
إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٢٣) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَيِ إِلَّ يَأَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشْدَهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولاً (٣٦) وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزَنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَفِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢٥) وَلَا نَقْفُ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمَعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٦َ) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحَاً
ذَلِكَ مِنَّاً
١٣٨
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِجَالَ طُولًا (٢٧) كُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدُ رَيْكَ مَكْرُوهَا
أَفَضْفَكُم
(٣٩
أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا يَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَلْقَى فِى جَهََّ مَلُومَّا مَّدْحُورًا
رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَبِكَةِ إِنَّأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ فَلَا عَظِمًا ﴿ وَلَقَدْ صَرَّقَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِنْذَّكَرُواْ وَمَا
يَزِيدُ هُمْ إِلَّ ◌ُهُورًا ﴿﴿ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ مَالِمَهُ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَبْنَعَوْ إِلَى ذِى أَلْعَرْشِ سَبِيلًا (٢٦) سُحَتَهُ وَتَعَلَى
عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّ كَبِيرًا.
﴿وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ﴾ يعني صلة الرحم. وقال بعضهم: عني بذلك قرابة رسول الله وَل ـ
روى السدي عن ابن الديلمي قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام أقرأت
القرآن؟ قال نعم؟ قال: أفما قرأت في بني إسرائيل ﴿وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ﴾ قال: انكم القرابة
الذين أمر الله أن يوتى حقه؟ قال: نعم.
﴿وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني مار الطريق، وقيل: الضيف ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ ولا تنفق
مالك في المعصية.
وروى سلمة بن كهيل عن أبي [عبيدة] عن ابن الضرير أنه سأل ابن مسعود ما التبذير؟
فقال: إنفاق المال في غير حقه(١).
(١) تفسير مجاهد: ١ / ٣٦١.

٩٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في [الحق ما كان] تبذيراً، فلو أنفق يدا في باطل
کان تبذيراً به.
وقال شعيب: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجص
وآجر فقال: هذا التبذير في قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه (١).
﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أولياؤهم وأعوانهم، والعرب تقول: لكل [من يلزم]
سنّة قوم وتابع أمرهم هو أخوهم ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ جحود النعمة.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآية نزلت في منجع وبلال وصهيب وسالم وخباب، كانوا يسألون
النبي ◌َّ في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد لهم متسعاً، فيعرض عنهم حياءً منهم فأنزل الله
عزّ وجلّ ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ يعني وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم عند
مسألتهم إياك مالا يجد إليه سبيلاً حياءً منهم.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ﴾ ابتغاء رزق من الله ﴿تَرْجُوهَا﴾ أن يأتيك ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً
مَيْسُوراً﴾ ليّناً وعدهم وعداً جميلاً ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآية.
قال جابر بن عبد الله: بينما رسول الله وَ الر قاعد فيما بين الصحابة أتاه صبي فقال: يا
رسول الله إن أمي تستكسيك درعاً، ولم يكن عند رسول الله وَله إلاّ قميصه، فقال الصبي: من
ساعة إلى ساعة يظهر يعد وقتاً آخر، فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي
عليك، فدخل رسول الله وسقر داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً، فأذن بلال للصلاة فأنتظروا
فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه [بعضهم فرآه] عارياً فأنزل الله تعالى ﴿ولا تجعل
يدك مغلولة إلَى عُنُقِكَ﴾(٢) يعني ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق، كالمشدودة يده على عنقه
فلا يقدر على مدها والإعطاء.
﴿وَلا تَبْسُطْهَا﴾ بالعطاء ﴿كُلَّ البَسْطِ﴾ فتعطي جميع ما تملك ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك
سائلوك إذا لم تعطيهم ﴿مَحْسُوراً﴾ منقطعاً بك لا شيء عندك تنفقه، فقال: حسرته بالمسألة إذا
[أكلته](٣) ودابة حسيرة إذا كانت كالة [رازحة] (٤) وحسير البصر إذا كل، قال الله ﴿ينقلب إليك
البصر خاسئاً وهو حسير﴾(٥) وقال قتادة: نادماً على ما سلف منك(٦).
(١) تفسير الطبري: ١٥ / ٩٤.
(٢) أسباب النزول للواحدي: ١٩٤.
(٣) كذا في المخطوط.
(٤) هكذا في الاصل.
(٥) سورة الملك: ٤ .
(٦) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٥١.

٩٧
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٢٦ - ٤٣
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ﴾ يوسع ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يقتر ويضيق ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً
بَصِيراً﴾ نظيرها قوله: ﴿[ولو وسع](١) الله الرزق لبغوا في الأرض﴾ الآية ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْ لادَكُمْ
خَشْيَةَ إمْلاق﴾ ضيق وإقتار ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يأدون بناتهم
خشية الفاقة فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأخبرهم أن رزقهم ورزق بناتهم على الله تعالى ﴿إنّ
قَتْلَهُمْ كَانَ خِظْئاً كَبِيراً﴾ إختلف القراء فيه:
فقرأ أبو جعفر وابن عامر: بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة.
وقرأ ابن كثير: بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة.
وقرأ الآخرون: بكسر الخاء وجزم الطاء، وكلها لغات بمعنى واحد، ويكون اسماً
ومصدراً .
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزَّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ قتلها إلاَّ
بِالحَقِّ﴾ وبحقها بما روى حميد عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتّى
يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها [عصموا] في دمائهم وأموالهم إلّ بحقها وحسابهم على الله))
[٢٩] قيل: وما حقها؟ قال: زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها(٢).
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ قوة وولاية على قاتل وليه فإن لما استفاد منه
فقتله وأن الله أخل الدية وإن شاء عفا عنه
﴿فَلا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف: تسرف بالتاء أي فلا تسرف أيها
القاتل، ويجوز أن يكون الخطاب لرسول اللـه وسلم والمراد منه الأيمة والأمة من بعده، ومن قرأ
بالياء رجع إلى المولى.
واختلفوا في الاسراف ماهو: فقال ابن عبّاس: لا يقتل غير قاتله.
قال الحسن وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا
قاتل صاحبهم حتّى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فيعمد ولي المقتول إلى الشريف من قبيلة القاتل
فيقتله بوليه ويترك القاتل، فنهى الله عن ذلك، وقال رسول الله وَ في ((إن من أعتى الناس على الله
جل ثناؤه قتل غير قاتله أو قتل بدخن الجاهلية أو قتل في حرم الله)) [٣٠](٣).
وقال الضحاك: كان هذا بمكة ونبي الله وسلم بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن
القتل وكان المشركون من أهل مكة يقتلون أصحاب النبي وت له فقال الله: من قتلكم من المشركين
(١) هكذا في الاصل.
(٢) تفسير الطبري: ١٥ / ١٠٣.
(٣) المصدر السابق: ١٥ / ١٠٦.

٩٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
فلا يحملنكم قتله إياكم على أن لا تقتلوا إلا قاتلكم، فلا يقتلوا له أباً أو أخاً أو أحداً فإن كانوا
.](١) على فلا تقتلوا إلا قاتلكم(٢).
من المشرکین فلا يحملنكم ذلك [.
وهذا قبل أن تنزل سورة براءة وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين.
وقال سعيد بن جبير: لا يقبل [.
. .] على العدة.
قتادة وطارق بن حبيب وابن كيسان: [لا يمثل به].
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً﴾ اختلفوا في هذه الكناية [إلى من ترجع فقيل: ترجع] على ولي
المقتول، هو المنصور على القاتل [فيدفع الامام] إليه القاتل، فإن شاء قتل وإن شاء عفا عنه وإن
شاء أخذ الدية، وهذا قول قتادة.
وقال الآخرون: (من) راجعة إلى المقتول في قوله ﴿ومن قتل مظلوماً﴾ يعنى أن المقتول
[منصور] في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة [بالتوبة] وهو قول مجاهد.
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ﴾ إلى قوله ﴿مَسْؤُولا﴾ عنه، وقيل معناه: كان مظلوماً ﴿وَأوْفُوا
الكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسَِ المُسْتَقِيمِ﴾ .
قرأ أهل الكوفة: القسطاس بكسر القاف.
الباقون: بفتحه وهو الميزان مثل القرطاس، والقسطاس معناه الميزان صغيراً كان أو
(٣)
كبيراً (٣) .
مجاهد: هو العدل بالرومية. وقال الحسن: هو القبان.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي عاقبة.
[قال الحسن]: ذكر لنا أن نبي الله وَل﴾ قال: ((لا يقدر رجل على حرام ثمّ يدعه ليس
لديه(٤) إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ماهو خير له من ذلك)) [٣١](٥).
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾
قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه وهذه رواية علي
عن ابن عبّاس.
(١) كلام غير مقروء.
(٢) هكذا في الاصل.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٥٧.
(٤) في المصدر: به.
(٥) كنز العمال: ١٥ / ٧٨٧، وتفسير الطبري: ١٥ / ١٠٩.
٠

٩٩
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٢٦ - ٤٣
قال مجاهد: ولا ترم أحداً بما ليس لك به علم، وهي رواية عطية عن ابن عبّاس (١).
وقال ابن الحنفية: هو شهادة الزور.
قال [القتيبي]: لا تتبع الحدس والظنون، وكلها متقاربة، وأصل القفو البهت والقذف
بالباطل. ومنه قول النبي ◌ّل: ((نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا))(٢).
وقال النابغة:
ومثل الدمى شم العرانين ساكن
بهن الحياء لا يشعن الثقافيا(٣)
وقال الكميت:
ولا أقفوا الحواصين أن [قفينا](٤)
فلا أرمي البرىء بغير ذنب
وقال [القتيبي]: فهو مأخوذ من القفاء كأنه يقفوا الأمور ويكون في أقفائها يعقبها [ويتتبعها]
ويتعرفها. يقال: قفوت أثره على وزن دعوت والنهي منه لا يقف، كقولك: لا تدع.
وحكى الفراء عن بعضهم: أن أصله من القيافة، وهو اتباع الأثر وإذا كان كذلك وجب أن
يكون (ولا تقف) بضم القاف وسكون الفاء مثل: ولا تقل، قال: والعرب تقول: قفوت أثرها
وقفت مثل قولهم: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعا، وعاث وعاثا واعتام واعتمى واحتاج ماله
واحتجا ..
قال الشاعر :
لعاقك(٥) من دعاء الذئب عاق
ولو إني رميتك من قريب
٠٠
أي عانق.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ أي كل هذه الجوارح والأعضاء ما يقل تلك.
كقول الشاعر، وهو جرير:
والعيش بعد أولئك الأيام (٦)
ذم المنازل بعد منزلة اللوى
(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٥ / ٢٧.
(٢) المعجم الكبير للطبراني: ١ / ٢٣٦، والطبقات الكبرى: ١ / ٢٢ بلفظ: ولا ندعي لغير أبينا.
(٣) التقافيا: التقاذف، والبيت في تفسير الطبري نسبه لبعض البصريين: ١٥ / ١١٠.
(٤) هكذا في الاصل.
(٥) هكذا في الاصل.
(٦) راجع تفسير الطبري: ١٥ / ١١١.
:
:

١٠٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
ويجوز(١) أن يكون راجع(٢) إلى أصحابها وأربابها .
﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مرحاً﴾ بطراً وفخراً وخيلاء، وهو تفسير المشي لا نعته فإن ذلك
أخرجه على المصدر ﴿قل لن تخرق الأرض﴾ أي لن تقطعها بكعبيك حتّى تبلغ آخرها، يقال
فلان أخرق الأرض من فلان إذا كان أكثر سفراً وعزة.
وقال روبة :
وقائم [الأعماق](٣) خاوي المخترق
أي المقطع ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الچِبَالَ طُولا﴾ أي [لن تساويها بطولك ولا تطاولك] وأخبر أن
صاحبه لا ينال به شيئاً [ ...... ] (٤). عنه غيره ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّتُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ .
قرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن عمر وأهل الكوفة: سيئة على الاضافة، بمعنى كل هذا
الذي ذكرنا من قوله ﴿وقضى ربك ألاّ تبعدوا إلّ إياه﴾.
(كان سيئة) أي سيء بما ذكرنا ووعدنا عليك عند ربك مكروها، قالوا: لأن فيما ذكره الله
من قوله ﴿وقضى ربك﴾ إلى هذا الموضع أموراً مأمورات بها ومنهيات عنها، واختار أبو عبيد
هذه القراءة لما ذكرنا من المعنى، ولأن في قراءة أبي حجة لها، وهي ماروى أبو عبيد عن
حجاج عن هارون في قراءة [أبي بن كعب] (كان سيئاته) قال: فهذه تكون باضافة سيئة منونّة
منصوبة، بمعنى كل ذلك الذي ذكرنا ووعدنا من قوله ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ إلى
هذا الموضع كان سيئة لا حسنة في فجعلوا ((كلا)) محيطاً بالمنهي عنه دون غيره (٥).
فإن قيل: هلا جعلت مكروهاً خبر ثان، قلنا: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: كل ذلك
كان مكروهاً سيئة، وقيل هو فعل [ ...... ] كالبدل لا على الصفة، مجازة: كل ذلك كان سيئة
وكان مكروهاً .
وقال أهل الكوفة: رجع إلى المعنى، لأن السيئة الذنب وهو [غير حقيقي] ﴿ذَلِكَ﴾ الذي
ذكرنا [ووعدنا](٦) ﴿مِّمَّا أوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ إلى قوله ﴿مَدْحُوراً﴾ مطروداً مبعداً من
كل نصير والمراد به غيره.
(١) هكذا في الاصل.
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٣) هكذا في الاصل.
(٤) كلمة غير مقروءة.
(٥) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٢٦٢.
(٦) هكذا في الاصل.