النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة النحل، الآيات: ٩٠ - ١٠٠
الحديث أنه كان يفتتح القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين، يدل عليه أن الصلاة تفتتح
بالتكبير بلا خلاف على أن الخبر متروك الظاهر.
ويدل على صحة ما قلنا حديث جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله ولم يصلّي فقال:
((الله أكبر كبيراً والحمد لله وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة
ونفثة وهمزة)) .
وقال ابن مسعود: نفخة الكبر ونفئة الشعر وهمزة المرض يعني الجنون، فإذا تقرر هذا ثبت
أن الخبر المتقدم متروك بالظاهر مأخوذ المعنى.
واختلف الفقهاء فى وقت الاستعاذة:
فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهو قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور.
وقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة وإليه ذهب داود بن علي.
وقال مالك في الصلاة التي يتعوذ فيها وهي قيام رمضان: يتعوذ بعد القراءة واحتج بظاهر
الآية، وقد بينّا وجهها، والدليل على أنها قبل القراءة، ماروى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد
الخدري قال: كان رسول الله * يقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ثمّ يقرأ، وأما الكلام
في محل الاستعاذة في الصلاة، فقد قال الشافعي: يقولها في أول الركعة، وقيل: إن قال حيث
يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن ما يقرأ به في شيء من الصلاة كما أمره به في أول ركعة. هذا
قول عامة الفقهاء.
وقال ابن سيرين: يتعوذ في كل ركعة قبل القراءة. والصحيح المذهب الأوّل، لأن المروي
في الأخبار أن النبي ◌َّر ما كان يتعوّذ إلاّ في الأولى، وأما صفتها وفي الصلاة فهي أن ينظر فإن
كانت صلاة يسرّ فيها بالقراءة أسرّ فيها بالاستعاذة، وإن كانت يجهر فيها بالقراءة:
فقال الشافعي في (الأم): روي أن أبا هريرة أمّ الناس رافعاً صوته: ربنا إنا نعوذ بك من
الشيطان الرجيم(١)، وكان ابن عمر يعوذ في نفسه.
قال الشافعي: فإن شاء جهر بها وإن شاء أسرّ بها .
قال الثعلبي: والاختيار الاخفاء ليفرّق بين ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن.
فأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لنص
القرآن والخبر المتصل المتسلسل، وهو أني قرآت على الشيخ أبي الفضل محمّد بن أبي جعفر
(١) كتاب الام: ١ / ١٢٩.

٤٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
الخزاعي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في
المواضع كلّها فأني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمّد بالبصرة فقلت: أعوذ بالسميع
العليم، فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على عبد الله أبي حامد الزنجاني
فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
فأني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي فقلت: أعوذ بالسميع العليم من
الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على محمّد بن عبد
الله بن بسطام فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني
قرأت على روح بن عبد المؤمن فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم، فأني قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على سلام بن المنذر، فقلت: أعوذ بالسميع العليم،
فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم فقلت: أعوذ بالسميع
العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت:
أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن
مسعود فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت
على رسول الله وَلّر فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: ((يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ)).
قال ابن عجلان: وهكذا علمني أخي أحمد، وقال: هكذا علمني أخي، وقال: هكذا
علمني وكيع بن الجراح، وقال: هكذا علمني سفيان الثوري.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ حجة وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
قال سفيان: ليس له سلطان أن يحملهم على ذنب لا يغفر.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَّلَّوْنَهُ﴾ يطيعونه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ أي بالله ﴿مُشْرِكُونَ﴾.
وقال بعضهم: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجاز الكلام: الذين يسمعون قوله مشركون
بالله، وهذا كما يقال: صار فلان بك عالماً، أي من أجلك وبسببك عالماً.
وَإِذَا بَذَّلْنَاَ ءَايَةً مَّكَكَانَ ءَآيَةٍ وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوَاْ إِنَّمَا أَنْتَ مُغْتَّرٍ بَلَ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ
قُلْ نَزْلَمُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ زَيِّكَ بِالْحَقِّ ◌ِيُنَبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَيُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ ﴿َ وَلَقَدْ نَعْلَمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ
وَهَذَا لِسَانُ عَرَفٌ مُبِينٌ ﴿٤َ إِنَّ الَّذِينَ لَّا يُؤْمِنُونَ ◌ِثَابَتِ اَللَّهِ لَا يَهْدِهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلَيْهُ
﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَابَتِ اللّهِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ (١٤) مَن حِكَفَّرَ بِاللَّهِ

٤٣
سورة النحل، الآيات: ١٠١ - ١٠٦
مِنْ بَعْدِ إِعَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهِ وَقَلْبُهُمِ مُظْعَبِنٌّ بِاَلْإِيمَانِ وَلَكِن مَّنَ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ
١٠٦
◌ِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكماً آخر، ﴿وَاللهُ
أعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فيما يغيّر ويبدل أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما عدّل من أحكامه ﴿قَالُوا إِنَّمَا
أنْتَ﴾ يا محمّد ﴿مُفْتَر﴾ وذلك أن المشركين قالوا: إن محمداً يسجد بأصحابه يأمرهم اليوم
ويأمّرهم غداً ويأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه.
قال الله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة القرآن وبيان الناسخ والمنسوخ من الأحكام
﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ يعني القرآن ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ جبرئيل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تثبيتاً
للمؤمنين وتقوية لإيمانهم [ ...... ] (١) تصديقاً ويقيناً ﴿وَهُدىٍّ وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ
يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ آدمي وما هو من عند الله، واختلف العلماء في هذا البشر من هو:
قال ابن عبّاس: كان قيناً بمكة اسمه بلعام وكان نصرانياً يسمى اللسان وكان المشركون
يرون رسول الله ﴾ يدخل عليه ويخرج منه فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله تعالى هذه
الآية.
وقال عكرمة وقتادة: كان النبي ولم يقرّي غلاماً لبني المغيرة يقال له يعيش وكان يقرأ
الكتب، [فقالوا]: إنما يعلمه يعيش فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلّم محمّد عن مملوك كان لحويطب بن عبد العزى
وكان قد أسلم فحسن إسلامه وكان أعجمي فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
وقال ابن إسحاق: كان رسول الله ◌َ﴾ فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى غلام
رومي نصراني، يقال له: خير، عبد لبعض بني الحضرمي وكان يقرأ الكتب.
وقال المشركون: والله ما يعلم محمداً كثيراً ما يأتي به إلاّ خير النصراني، فأنزل الله
تعالى هذه الآية.
ـا كانت تختلف إلى خير فكانت قريش تقول: إن
وقال طلحة بن عمر: بلغنى أن خديجة
عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة وخديجة، تعلّم محمّداً فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال عبيد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من أهل [عين التمر] يقال لأحدهما
(١) غير مقروءة في المخطوط.
(٢) زاد المسير: ٤ / ٣٦٠.

٤٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
يسار وللآخر خير، وكانا يصنعان السيوف بمكة وكانا يقرآن بالتوراة والإنجيل، فربما مرَّ بهما
النبي ◌َّر وهما يقرآن فيقف فيسمع(١).
وقال الضحاك: وكان النبي ◌َ ﴿ إذا آذاه الكفار يقصد إليهما فيستروح بكلامهما، فقال
المشركون: إنما يتعلم محمّد منهما، فنزلت هذه الآية.
وقال السدي: كان بمكة رجل نصراني يقال له ابن ميسرة يتكلّم بالرومي، فربما يقعد إليه
رسول الله وثيقة فقال الكفار: إنما يتعلم محمّد منه، فنزلت هذه الآية.
وروى علي بن الحكم وعبيد بن سليمان عن الضحاك: ﴿إنما يعلمه بشر﴾ قال: كانوا
يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وهذا قول غير مرضي؛ لأن سلمان إنما أتى رسول الله وَ الته
بالمدينة وهذه الآية مكية.
قال الله تكذيباً لهم [وإلزاماً] للحجة عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يميلون إليه
ويشيرون إليه. وخص الكسائي هذا الحرف من بين سائره فقرأ بفتح الياء والحاء؛ لأنه كان
يحدّثه عن سفيان عن أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله كذلك.
﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ والفرق بين الأعجمي والعجمي، والعربي والإعرابي: أن الأعجمي لا يفصح
وأنه كان نازلاً بالبادية والعجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً. والإعرابي: البدوي،
والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحاً.
﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فصيح، وأراد باللسان القرآن؛ لأن العرب تقول للقصيدة
واللغة: لسان، كقول الشاعر:
لسان السوء تهديها إلينا وحـ
وحنت ما حسبتك أن تحينا (٢)
يعني باللسان القصيدة والكلمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثمّ إن الله تعالى بعدما
أخبر عن إغراء المشركين على رسول الله وسير فيما نسبوه إليه من الافتراء على الله وتبين أنهم
المفترون دونه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الکّاذِبُونَ﴾ لا محمدا.
روى يعلي بن الأشدق عن عبد الله بن حماد قال: قلت يارسول الله المؤمن يزني؟ قال:
((يكون ذلك)). قال: قلت: يارسول الله المؤمن يسرق؟ قال: ((قد يكون ذلك)). قال: قلت:
يارسول الله المؤمن يكذب؟
(١) زاد المسير: ٤ / ٣٦٠.
(٢) مغني اللبيب: ١ / ١٨١.

٤٥
سورة النحل، الآيات: ١٠١ - ١٠٦
قال: ((لا، قال الله ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بالله)))(١).
وروى [سهيل] بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول: إيّاكم
والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إختلف النحاة في العامل
في (من) في قوله (من كفر) ومن يؤله ولكن من شرح بالكفر صدراً .
فقال نحاة الكوفة: جوابهما جميعاً في قوله: ﴿فعليهم غضب﴾ إنمّا هذان جزءان إن
إجتمعا أحدهما منعقد بالآخر فجوابهما واحد، كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى
من يحسن ممن يأتينا نكرمه (٢).
وقال أهل البصرة: بل قوله (من كفر) مرفوع بالرد على الذي في قوله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾ ومعنى الكلام: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، ثمّ
استثنى فقال ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾.
قال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عمار وذلك، أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأُمه
سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قلبها
بحربة، وقيل: لما أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في
الاسلام رحمة الله ورضوانه عليهما، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً.
قال قتادة: أخذ بنو المغيرة عماراً وغطوه في بئر مصون وقالوا له: أكفر بمحمد [ولم
يتعمد] ذلك وقلبه كان مطمئناً فأخبر رسول الله وَلي بأن عماراً كفر. فقال: ((كلا إن عماراً ملىء
إيماناً من قرنه إلى قدمه وإختلط الايمان بلحمه ودمه)).
فأتى عمار رسول الله وَ ل وهو يبكي، فجعل رسول الله وَّهُ يمسح عينيه، وقال: ((مالك
إن عادوا لك فعدلهم بما قلت)) [٩].
فأنزل الله هذه الآية(٣).
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب
محمّد: إن هاجروا إلينا فإنا [لا نرى أنكم] منّا حتّى تهاجروا الينا، فخرجوا يريدون المدينة
فأدركهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا كارهين.
وروى ابن عون عن محمّد بن سيرين قال: تحدثنا أن هذه الآية نزلت في شأن عياش بن
(١) الدعوات للراوندي: ١١٨ ح ٢٧٥.
(٢) راجع تفسير الطبري: ٢٣٦/١٤.
(٣) أسباب النزول للواحدي: ١٩٠.

٤٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
أبي ربيعة، وكان عياش من المهاجرين الأولين [وألجأ يضربه] (١) أن يكون بلغ مابلغ أصحابه
هذه [الفعلة] وكان قدم مهاجراً وكان براً بأمه، فحلفت أن لا تأكل خبزاً ولا تستظل بظل حتّى
يرجع إليها إبنها قال: فقدم عليه أبو جهل وكان أخاه لأُمه ورجل آخر فأراد أن يرجع معه فقال له
أبو جهل: أُمك [لو قد جاعت ما أكلت ولو قد شمست] ما أستظلت، فقال ابنها: بلى القاها ثمّ
أرجع. فقال: أما إذا أتيت فلا [تعطين راحلتك] أحداً، فإنه لا يزال لك من أمرك النصف ما لم
تعط راحلتك أحداً فإنطلق هو وأبو جهل والرجل، فلما كانوا ببعض الطريق قال أبو جهل: لو
تحوّل كل واحد منا على راحلة صاحبه فتحول كل واحد منهم على راحلة صاحبه فساروا.
وضربه أبو جهل بالسوط على رأسه وحلّفه باللات والعزى فلم يزل به حتّى أعطاه الذي أراد
بلسانه، ثمّ انطلق فرجع، وفيه نزلت هذه الآية ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾.
وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في جبر مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيّده على الكفر
فكفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وأسلم مولى جبر وحسن إسلامه وهاجر خير مع سيده.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً﴾ أي فتح صدراً وكفر بالقبول وأتى على اختيار واستحباب
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفي هذه الآية دليل على أن حقيقة الإيمان والكفر
تتعلق بالقلب دون اللسان وأن اللسان هو المعبّر والترجمان ..
حكم الآية
إتفق الفقهاء على أن المكره على الكفر، وعلى شتم الرسول صل# والأصحاب وترك الصلاة
وقذف المحصنة وما أشبهها من ترك الطاعات وارتكاب الشبهات بوعيد متلف أو ضرب شديد لا
يحتمله إن له أن يفعل ما أكره عليه، وإن أبى ذلك حتى يغضب في الله فهو أفضل له.
وأما الإكراه على الطلاق فاختلفوا فيه :
فأجاز أهل العراق الطلاق المكره، وكذلك قالوا في الاكراه على النذور والايمان
[والرجعة] ونحوها، رأوا ذلك [جائزاً] ورووا في ذلك أحاديثاً واهية الأسانيد.
وأما مالك والأوزاعي والشافعي: فإنهم أبطلوا طلاق المكره وقالوا: لما وجدنا الله
سبحانه وتعالى عذر المكره على شيء، ليس [وراءه] في الشر مذهب وهو الكفر ولم يحكم به
مع الإكراه، علمنا أن ما دونه أولى بالبطول وأجرى في العذر.
وهو قول عمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن
الزبير، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والقاسم بن مخيمرة وعبيد بن عمير، وللشافعي
(١) هكذا في الاصل.

٤٧
سورة النحل، الآيات: ١٠٧ - ١١٧
في هذه المقالة مذهب ثالث: وهو أنه أجاز طلاق المكره إذا كان الإكراه من السلطان، ولم
يجوّز ذلك إذا كان الاكراه من غير السلطان.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ أَلَهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
١١٠٧
أُوْلَكَ الَّذِينَ لَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَنْصَرِهِمٌّ وَأَوْلَكَ هُمُ الْغَدْفِلُونَ (٤٠٨) لَا جَرَمَ
أَنَّهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿٣ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُيِّئُواْ ثُمَّ
جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورُ زَّحِيمٌ (19)
﴿ذَلِكَ بِأَ نَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا
فُتِنُوا﴾ أي [طردوا] ومنعوا من الاسلام [ففتنهم] المشركون ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الايمان
والهجرة والجهاد ﴿إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك الفتنة [والفعلة] ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت
في عياش بن أبي ربيعة أخو أبي جهل من الرضاعة، وأبي جندل بن سهل بن عمرو والوليد بن
المغيرة وسلمة بن هشام وعبد الله بن أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا
ليسلموا من شرهم، ثمّ إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرخ، وكان يكتب للنبي وَّ
فاستزّله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر النبي ◌َّر أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان وكان
أخاه لأُمه فأجاره رسول الله وَله ثمّ أسلم وحسن إسلامه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وأما
قوله (فتنوا) فقرأ عبد الله بن عامر: (فتنوا) بفتح الفاء والتاء، ردّه إلى من أسلم من المشركين
الذين فتنوا المسلمين واعتبر بقوله جاهدوا وصبروا فأخبر بالفعل عنهم.
وقرأ الباقون: بضم الفاء وكسر التاء، اعتباراً بما قبله إلا من أُكره.
يَوْمَ تَأْنِى كُلُ نَفْسِ تُحَدِلُ عَنْ نَّفْسِهَا وَتُوَنَّى سَكُلُ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرِّيَّةً كَانَتْءَامِنَةٌ مُّطْمَبِنَّةً بَأْتِيِهَا رِزْفُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اللَّهِ
فَأَذَقَّهَا اللَّهُ لِمَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَمْسَعُونَ (١٩) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولُ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ طَلِمُونَ (١٦) فَكُواْ مِمَّا رَزَقَعَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ
كُنْتُمْ إِنَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿٨َ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِِرِيِ وَمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِّ
فَمَنِ أَخْطَّ عَيْرَ بَاعٍ وَلَ عَادٍ فَإِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (9) وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَكُمُ الْكَذِبَ
هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَّغْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (13) مَنٌَ
قَلِيلٌ وَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ تخاصم وتحتج عن نفسها بما أسلفت من خير

٤٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وشر [مشتغلاً بها لا تتفرّغ] إلى غيرها والنفس تذكر وتؤنث ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ﴾ .
روى أبو صالح المري عن جعفر بن زيد قال: قال عمر بن الخطاب (رَّ ◌ُبه) لكعب
الأحبار: ياكعب خوّفنا وحدّثنا حديثاً [تنبهنا به] قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو
[وافيت] القيامة بمثل عمل سبعين نقيباً، لأُتيت عليك ظلمات وأنت لا تهمل إلاّ نفسك وأن
لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرّب ولا نبي مبعث إلا وقع جاثياً على [ركبتيه] حتّى إن إبراهيم ليدلي
[بالخلة] فيقول: يارب أنا خليلك إبراهيم لا أسالك إلا نفسي وأن تصديق ذلك الذي أنزل
عليكم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ .
وروى عكرمة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة،
حتّى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: يارب الروح منك وأنت خلقته لم تكن لي يد أبطش
بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد إنما خلقتني كالخشب ليس لي يد
ابطش بها ولا عين أبصر بها ولا رجل أمشي بها، فجاء هذا كشعاع النور فيه نطق لساني وبه
أبصرت عيني وبه مشت رجلي فجدد عليه العذاب. قال: فيضرب الله لهما مثال أعمى ومقعداً
دخلاً حائطاً فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لايناله، فنادى المقعد الأعمى: أتيني
هاهنا حتّى تحملني، قال: فدنا منه فحمله فأصابوا من الثمر فعلى من يكون العذاب، قالا:
عليهما قال: عليكما جميعاً الغذاب، ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ يعني مكة ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ لايهاج
أهلها ولا يغار أهلها ﴿مُظْمَئِنَّةً﴾ قارة بأهلها [لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليها
سائر العرب ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان﴾ يحمل إليها من البر والبحر، نظيره قوله ﴿يجبى
إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا﴾ ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ جمع النعمة وقيل: جمع نعم، وقيل:
جمع نعماء مثل بأساء وأبوس ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسََ الجُوعِ﴾ إبتلاهم الله بالجوع سبع سنين
وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله ◌َير حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرّقة والجيفة
والكلاب الميتة [والعلهز] وهو الوبر يعالج بالدم، ثم إن رؤوساء مكة تكلموا مع رسول الله وَلـ
وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله وثلل بحمل الطعام اليهم
وهم بعد مشركون ﴿وَالخَوْفِ﴾ يعني بعوث رسول الله وَّل وسراياه التي كانت تطيف بهم.
وروى الخفاف والعباس عن أبي عمرو: (والخوف) بالنصب بايقاع أذاقها عليه ﴿بِمَا كَانُوا
يَصْنَعُونَ﴾ .
روى مشرح بن فاعان عن سليمان بن عمر بن عثمان قال: صدرنا من الحج مع حفصة
زوجة النبي ◌ّ﴿ وعثمان محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه حين رأت راكبين، فأرسلت اليهما
تسألهما فقالا: قتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها - يعني المدينة - القرية التي قال الله

٤٩
سورة النحل، الآيات: ١١٨ - ١٢٨
تعالى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمنةً مُطْمَئِنَّةٌ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله
تعالى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ الْسِنَئُكُمُ الكَذِبَ﴾ بفتح التاء والكاف بمعنى ولا تقولوا الكذب
الذي تصف ألسنتكم وتكون (ما) للمصدر.
وقرأ ابن عبّاس: (الكذب) برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا
حَرَامٌ﴾ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿لِتَقْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ ويقولون: إن الله
حرّم هذا وأمرنا بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لا ينجون من عذاب الله
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يعني الذي هم فيه من الدنيا متاع قليل أو لهم متاع قليل في الدنيا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ
ألِيمٌ﴾ في الآخرة ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني في سورة الأنعام
وهو قوله ﴿وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر﴾(١) الآية.
ثُرَّ
١٧
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا نَصَصْنَا عَلَيَّكَ مِن قَبْلٌّ وَمَا طَلَّمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوَءَ بِجَهَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ
إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أَمَّةٌ قَائِنَا لِلّهِ حَنْفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ أَحْتَبَهُ وَهَدَنْهُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ ﴿ وَمَتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَّ الصَِّلِينَ ﴿٢٦) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَبِ
أَبَعُ مِنَّةَ إِزَهِيمَ خَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٢) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ
رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بََّهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَنْمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ بَخْتَلِفُونَ (١٧) أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَْنَّ وَحَدِ لْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَّمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
١٢٥
وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِتُم بِّ وَلَبِنِ صَبٌَّ لَهُوَ خَيْرٌ لِلْصَبِنَ (١٦) وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُلَكَـ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم
إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا نَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْفٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (َ)
(١٢٨
مُسِنُونَ
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريم ذلك عليهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فجزيناهم ببغيهم ﴿ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية قيل الهاء في قوله بعدها راجع إلى الجهالة، وقيل:
إلى المعصية لأن السوء بمعنى المعصية، فردّ الكناية إلى المعنى، وقيل: إلى الفعلة ﴿إِنَّ إبْرَاهِيمَ
كَانَ أُمَّةً﴾ أي معلماً للخير يأتم بأهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة والأخلاق
الجميلة ما يجتمع في أمة ..
روى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً
للهِ حَنِيفاً﴾ فقلت: إنما قال الله: (إن إبراهيم كان أُمة قانتا). فقال: أتدري ما الأُمة وما
(١) سورة الأنعام: ١٤٦.

٥٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأُمة الذي يعلّم الخير والقانت المطيع لله. وكذلك كان معاذ
بن جبل فكان يعلّم الخير وكان مطيعاً لله ولرسوله.
وقال مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كفار كلهم، وقال قتادة: ليس من أهل دين إلا
يقولونه ويرضونه.
شهر بن حوشب قال: لم يبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض
ويخرج بركتها، إلّ زمن إبراهيم فإنه كان وحده ﴿قَانِتاً للهِ حَنِيفاً﴾ مسلماً مستقيماً على دين
الاسلام ﴿وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني الرسالة والحكمة والثناء الحسن.
وقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمّد وعلى آل
محمّد كما صليت على إبراهيم، (وقيل] أولاداً أبراراً على الكبر. وقيل: القبول العام في جميع
الأُمم ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ حاجاً مسلماً
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي وَّر قال: ((جاء جبرئيل (عليه
السلام) إلى إبراهيم (عليه السلام) فراح به إلى منى فصلى به الصلوات جميعاً الظهر، والعصر،
والمغرب والعشاء، والفجر ثمّ غدا به إلى عرفات فصلى به الصلاتين جميعاً الظهر والعصر، ثمّ
راح فوقف به حتّى إذا غربت الشمس أفاض به إلى جمع فصلى به الصلاتين المغرب والعشاء،
ثمّ بات به حتّى إذا كان كما عجل ما يصلي أحد من المسلمين صلى به [الفجر]، ثمّ وقف حتّى
إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين أفاض به إلى منى فرمى الجمرة وذبح وحلق، ثمّ
أفاض به إلى البيت فطاف به)) [١٠] فأوحى الله تعالى إلى محمّد ﴿أنِ اتَّبعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا
كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾(١).
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يقول: ما فرض الله تعالى بتعظيم السبت
وتحريمه إلاّ على الذين اختلفوا فيه.
فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثمّ سبت يوم
السبت .
وقال آخرون: بل أعظم الله يوم الأحد لانه اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق الأشياء
واختاروا تعظيم غير مافرض الله عليهم تعظيمه، وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فرض عليهم
تعظيمه واستحلوه .
(١) الدر المنثور: ٤ / ١٣٤.

٥١
سورة النحل، الآيات: ١١٨ - ١٢٨
قال الكلبي: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله عزّ وجلّ في كل سبعة أيام يوماً
واحداً فأعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه لصناعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا
ذلك وقالوا لا نريد إلاّ اليوم الذي فرض الله من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم وشدد
علیهم فيه.
ثمّ جاءهم عيسى بن مريم بالجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون
اليهود وإتخذوا [يوم] الأحد فقال الله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
قال قتادة: الذين اختلفوا فيه يعني اليهود واستحله بعضهم وحرمه بعضهم.
روى همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا
فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد» [١١](١).
روى المسيب عن أبي سنان عن مكحول الشامي قال: كان لعمر بن الخطاب على يهودي
حق فلقيه عمر فقال: والذي أصطفى أبا القاسم على البشر لا تعمل لي وأنا أطلبك [بشيء].
فقال اليهودي: ما اصطفى الله أبا القاسم على البشر، فرفع عمر عليه السلام يده فلطم
عينه، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، فأتوا النبي ◌َّ، فقال اليهودي: إن عمر زَعم إن
الله إصطفاك على البشر وإني زعمت أن الله لم يصطفك على البشر، فرفع يده فلطمني،
فقال ◌َّ: ((أما أنت يا عمر فأرضه مِنْ لطمته، بلى يا يهودي، آدم صفي الله، وإبراهيم خليل
الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بلى يا يهودي إسمان من أسماء الله
تعالى سمّى بهما أمتي، سمّى نفسه السلام وسمّى أمتي المسلمين، وسمّى نفسه المؤمن وسمّى
أمتي المؤمنين، بلى يا يهودي طلبتم يوماً وذخر لنا - يعني يوم الجمعة - فاليوم لنا عيد وغداً لكم
وبعد غد للنصارى، بلى يايهودي أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بلى
يا يهودي إن الجنة محرّمة على الانبياء حتّى أدخلها أنا وإنها لمحرمة على الأمم حتّى يدخلها
أمتي)) [١٢](٢).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ دين ربك ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ بالقرآن ﴿وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ يعني مواعظ
القرآن ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن.
قال المفسرون: أعرض عن أذاهم ولا تقصّر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق،
(١) كتاب الأم للشافعي: ١ / ٢١٧، ومسند أحمد: ٢ / ٣١٢.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٧ / ٤٤٤ ح ١٦٢.

٥٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
ونسختها آية القتال ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
قال أكثر المفسرين: سورة النحل مكية كلها إلّ ثلاث آيات ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخرها،
فإنها نزلت بالمدينة في شهداء أحد، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلهم يوم
أحد في تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة، حتّى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا وقد
مُثّل به غير حنظلة الراهب فإن أباه أبو عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك،
فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لتزيدنّ على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم
يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلنَّ ولنفعلنَّ، ووقف رسول الله وَلّ على عمّه حمزة بن عبد
المطلب وقد جدعوا أنفه وإذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بن عتبة قطعة من كبده
فمصصته ثمّ استرطتها لتأكلها، فلم تلبث في بطنها حتّى رمت بها، فبلغ ذلك النبي وَّر وقال:
((أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبداً، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار))
فلما نظر رسول الله وَّله إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه
فقال ◌َلحجر: ((رحمة الله عليك فإنك ما علمتك ما كنت إلا فعالاً للخيرات وصولا للرحم، ولولا
حزن من بعدك عليك لسرّني أن أُدعك حتّى تحشر من أفواه شتى، أم والله لئن أظفرني الله
عليهم لأُمثلن بسبعين منهم مكانك)) [١٣](١).
فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِيْتُمْ بِهِ﴾ الآية فقال ◌َّ: ((بل نصبر)) [١٤]
فأمسك عمّا أراد وكفّر يمينه.
وقال ابن عبّاس والضحاك: وكان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي ◌ّر أن يقاتل من
قاتله ولا يبدأ بالقتال، فلمّا أعز الله الاسلام وأهله ونزلت براءة وأُمروا بالجهاد، نسخت هذه
الآية.
وقال قوم: بل هذه الآية محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من
ظالم أكثر مما نال الظالم منه أمر بالجزاء أو العفو ونهى عن الاعتداء. وهذا قول النخعي
والثوري ومجاهد وابن سيرين، ثمّ قال لنبيه وَّ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ بِاللهِ﴾ أي بمعونة الله
وتوفيقه ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في إعراضهم عنك ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقِ﴾ .
قرأها بكسر الضاد هاهنا وفي سورة النحل ابن كثير والباقون: بالفتح وإختاره أبو عبيد،
وقال: لأن الضيق في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه ضيق.
وقال أبو عمرو وأهل البصرة: الضيّق بفتح الضاد، الغم والضِيق بالكسر [الشدّة].
(١) المستدرك للحاكم: ٣ / ١٩٧، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٢.
؟

٥٣
سورة النحل، الآيات: ١١٨ - ١٢٨
وقال الفراء وأهل الكوفة: هما لغتان معروفتان في كلام العرب مثل رَطل ورِطل.
وقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهيّن ولين وليّن، وعلى هذا التأويل صفته
كأنه قال: ولا تكن في أمر ضيق.
﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ من مكرهم ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ بالعون
والنصرة.
روى شعبة عن أبي يونس عن أبي قزعة عن هرم بن حيان وقالوا له: أوصنا .
قال: أوصيكم بالآيات الأواخر من سورة النحل (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة﴾ إلى آخر
السورة .

٥٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
سورة بني اسرائيل (الإسراء)
مكية. وهي ستة ألف وأربعمائة وستون حرفاً،
وألف وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وإحدى عشر آية
روى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَ له: ((من
قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين أُعطى في الجنة قنطارين من الأجر والقنطار
ألف أوقية ومائتا أوقية والاوقية منها خير من الدنيا [وما فيها])) [١٥](١).
بسم الله الرحمن الرحيم
◌ُبْحَلَقَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى مَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَُّ
مِنْ مَيَدِنَاْ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيُ ﴿َ وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَحَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِنْ
ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
دُونِي وَكِيلًا
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ .
عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله عليه عن تفسير سبحان الله. قال: ((تنزيه الله
عن كل سوء)) ويكون سبحان بمعنى التعجب.
قال الأعشى :
أقول لما جاءني فخر
سبحان من علقمة الفاخر
وفي بعض الحديث تفسير سبحان الله: براءة الله من السوء (٢).
فالآية متضمنة للمعنين جميعاً .
﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾. اختلفوا فيه: قال بعضهم: كان اسراء رسول الله وَّ من مسجد
مكة .
(١) مجمع البيان: ٦ / ٢١٣.
(٢) في هامش المخطوط: سبحان علم التسبيح كعثمان للرجل وانتصابه فعل مضمر متروك إظهاره تقديره: سبح
الله سبحان ثم ذكر سبحان منزلة الفعل [فدل] على التنزيه من جميع القبائح التي يفعلها أعداءه.

٥٥
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١ - ٣
يدل عليه ماروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن النبي ◌َّ قال: ((بينما أنا في
المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق .. )) وذكر
حديث المعراج [١٦](١) .
وقال الآخرون: عرج برسول الله ◌َ﴾ من دار أم هاني بنت أبي طالب أخت علي (ظُه)
وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
وقالوا: معنى قوله ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ من الحرم، لأن الحرم كله مسجد.
يدل عليه ماروى الكلبي عن أبي صالح عن باذان عن أم هاني بنت أبي طالب أنها كانت
تقول: ما أسرى رسول الله و ل﴿ إلّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى في بيتي العشاء
الآخرة فصليت معه، ثمّ قمت فنمت وتركته في مصلاه فلم انتبه حتّى أنبهني لصلاة الغداة، قال:
((قومي يا أم هاني أُحدثك العجب)) [١٧].
فقلت: كل حديثك العجب بأبي أنت وأمي فقام وصلى الغداة فصليت معه فلما إنصرف
قال: (يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بعد نومك ثمّ أتاني جبرئيل وأنا في
مُصلاي هذا فقال: يا محمّد أخرج فخرجت إلى الباب فإذا بملك راكب على دابة فقال لي:
اركب فركبت فسارت بي إلى بيت المقدس، فإذا أتيت على واد طالت يدا الدابة وقصرت
رجلاها، فإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتّى إذا أنتهيت إلى بيت المقدس
فصليت فيه ثمّ صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تروني))(٢).
قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة.
﴿إِلَى المَسْجِدِ الأنْصَى﴾ يعني بيت المقدس، سمّي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بالماء والأنهار والأشجار والثمار.
وقال مجاهد: سمّاه مباركاً لأنه مَقَرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة،
ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
﴿لِتُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ عجائب أمرنا ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وأما حديث المسرى، فأقتصرت به على الأخبار المأثورة المشهورة دون المناكير
والأحاديث الواهية الأسانيد وجمعتها على نسق واحد مختصر، ليكون أعلى في الاستماع وأدنى
إلى الانتفاع، وهو ما ورى الزهري عن ابن سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله
يقول: قال رسول الله ◌َال﴾ .
(١) راجع الدر المنثور: ٤ / ١٥٧، وتاريخ بغداد: ١١ / ٢٥٧.
(٢) مجمع الزوائد: ١ / ٧٧، والمعجم الأوسط: ٤ / ١٦٥.

٥٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وروى السدي عن محمّد بن السائب عن باذان عن ابن عبّاس عن النبي ◌َّ: دخل كلام
بعضهم في بعض قالوا: قال رسول الله وعليه: ((لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم
واليقظان، جاءني جبرئيل (عليه السلام) فقال يا محمّد قم فقمت فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل فقال
جبرئيل لميكائيل: أنتني بطشت من ماء زمزم لكيما [وعطر قلبه](١) وأشرح له صدره قال: فشق
بطني فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طشات من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع
ما كان فيه من غل وملاه حلماً وعلماً وإيماناً وختم بين كتفيَّ بخاتم النبوة، ثمّ أخذ جبرئيل بيدي
حتّى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال لملك: ائتني بنور من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال:
توضأ فتوضأت ثمّ قال لي: انطلق يا محمّد. قلت: إلى أين؟ قال: إلى ربك ورب كل شيء،
فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق - دابة فوق الحمار ودون البغل - خذّه كخد
الانسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الابل وأظلافه كأظلاف البقر
وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في
فخذيه يمّر مثل البرق خطوة منتهى طرفه فقال لي: إركب، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها
البيت الحرام.
قال: فلما وضعت يديَّ عليه شمس(٢) واستعصى عليَّ، فقال جبرئيل: مه يابراق، فقال
البراق: يا جبرئيل [مس ظهري](٣) فقال جبرئيل: هل مسستَ [ظهراً](٤)
قال: لا والله إلاّ إني مررت يوماً على [نصاب إيل] فمسحت يدي على رؤسهما وقلت:
إن قوماً يعبدونكما من دون الله ضلال. فقال جبرئيل: يابراق أما تستحي فوالله ماركبك مذ كنت
قط نبي أكرم على الله من محمد وَّل قال: فأرتعش البراق وأنصب عرقاً حياءً مني، ثمّ خفض لي
حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدَّ
البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حيناً أنا في مسيري إذا جاءني نداء عن يميني قال: يا
محمّد على رسلك أسلك بقولها ثلاثاً فلم أرفق عليه ثمّ مضيت حتّى جاوزته، فإذا أنا بامرأة
عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول: يا محمّد إليَّ، فلم ألتفت إليها وقلت: يا
جبرئيل من هذا الذي ناداني عن يميني؟ فقال: داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت
أُمتك من بعدك والذي ناداك من يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبت لتنصّرت
أُمتك من بعدك، فأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو التويت إليها لاختارت أُمتك
الدنيا على الآخرة.
(١) هكذا في الاصل.
شمست الدابة: شردت وجمحت وضعت ظهرها .
(٢)
(٣) هكذا في الاصل.
(٤) هكذا في الاصل.

٥٧
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١ - ٣
ثمّ أتيت بإنائين أحدهما اللبن والآخر خمرة فقيل لي: اشرب ايهما شئت، فأخذت اللبن
فشربته. فقال لي جبرئيل: أصبت الفطرة أنت وأمتك، أما إنك لو أخذت الخمر لخمرت أمتك
من بعدك قال: ثمّ سار رسول الله وَل18 وسار معه جبرئيل فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في
يوم واحد، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ◌َله: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء المهاجرون
في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف، وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير
الرازقين .
قال: ثمّ أتى على قوم يرضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم
من ذلك شيئاً. قال: ماهؤلاء ياجبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثمّ أتى على قوم إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع فيسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع،
والزقوم قد صف جهنم وحجارتها فقال: ما هؤلاء ياجبرئيل؟
فقال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وماظلمهم الله ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾(١)
ثمّ أتى على قوم بين ايديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث
ويدعون النضيج الطيب، قال: ماهؤلاء ياجبرئيل؟ فقال: هذا الرجل من يكون عنده المرأة
حلالاً طيباً فأتى امرأه خبيثة فيبيت معها حتّى يصبح، فالمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً
فتأتي الرجل الخبيث فتبيت معه حتّى تصبح، ثمّ أتى على [إمرأة] في الطريق لا يمر بها ثوب إلا
شقته ولا شيء آخر إلا فتتّه. فقال: ما هذا ياجبرئيل؟ قال: هذا مثل أمتك يقعدون على الطريق
فيقطعون بمثلاً ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾(٢) الآية ثمّ أتى على رجل جمع حزمة عظيمة
لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال: ما هذا ياجبرئيل؟ قال: هذا الرجل من أمتك عليه
أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثمّ أتى على قوم يقرض السنتهم وشفاههم
بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال: ما هؤلاء ياجبرئيل؟ قال هؤلاء
خطباء الفتنة، ثمّ أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث
خرج فلا يستطيع .
قال: ما هذا؟ قال: هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثمّ يندم عليها ولا يستطيع
أن يردها. قال: ثمّ أتى واد فوجد ريحاً طيبة باردة وصوتاً. قال: ما هذه الريح الطيبة وما هذا
الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة، فقال: ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري
وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي
ولبني وخمري ومائي، فأتني بما وعدتني. فقال: لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي
(١) سورة فصلّت: ٤٦.
(٢) سورة الأعراف: ٥٦.

٥٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وعمل صالحاً ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته
ومن أقرضني جزيته ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح
المؤمنين تبارك الله أحسن الخالقين قال: قد رضيت. قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتاً منكراً
ووجد ريحاً منتنة فقال: ماهذا يا جبرئيل؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: [يا ربّ آتني] (١) ما
وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد
قعري واشتد حرّي إئتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث
وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.
قالت: قد رضيت يارب، ثمّ سار ومعه جبرئيل فقال له جبرئيل: إنزل فصل. قال: فنزلت
وصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة إلى الله. ثمّ قال: إنزل فصلٌ
قال فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت! صليت بطور سيناء حيث كلّم الله موسى ثمّ قال:
إنزل فصل، قال: فنزلت فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى
(عليه السلام) قال: ثمّ مضينا حتّى أتينا بيت المقدس فلما انتهيت إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا
من السماء يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون: السلام عليك يا أول ويا آخر
ويا حاشر، قال: قلت ياجبرئيل ما تحيتهم إياي؟ قال: إنك أول من تنشر عنه الأرض وعن
أمتك، وأول شافع وأول مشفع وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر لك وبأمتك يعني حشر يوم
القيامة)) .
قال ◌َله: ((ثمّ جاوزناهم حتّى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبرئيل وربط البراق
بالحلقة الي كانت تربط بها الأنبياء (عليه السلام) بحطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب
إذا أنا بالأنبياء والمرسلين)) [١٨](٢).
وفي حديث أبي العالية: ((أرواح الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله قبلي من لدن إدريس
ونوح إلى عيسى قد جمعهم الله عزّ وجلّ، فسلموا عليَّ وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت:
يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: أخوتك الأنبياء، زعمت قريش أن لله شريكاً، واليهود والنصارى أن
لله ولداً، سل هؤلاء المرسلين هل لله شريك؟ وذلك قوله تعالى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمْنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾(٣) فأقرّوا بالربوبية لله تعالى ثمّ جمعهم
والملائكة صفوفاً فقدمني وأمرني أن أُصلي بهم فصليت بهم ركعتين. ثمّ إن الأنبياء أثنوا على
ربهم فقال إبراهيم (عليه السلام) الحمد لله الذي إتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني
(١) عن تفسير الطبري: ١٥/ ١٢.
(٢) راجع تفسير الطبري: ١٠/١٥ - ١٦.
(٣) سورة الزخرف: ٤٥.

٥٩
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١ - ٣
أمة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً. ثمّ إن موسى (عليه السلام) أثنى
على ربّه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك فرعون منه ونجاة بني
إسرائيل على يديّ، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون. ثمّ إن داود (عليه السلام)
أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً وعلمني الزبور وأَلاَنَ لي الحديد
وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب. ثمّ إن سليمان (عليه السلام)
أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي جنود الشياطين يعملون لي ما
شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواني وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل
شيء فضلاً وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكاً طيباً ليس عليّ فيه
حساب .
ثمّ إن عيسى (عليه السلام) أثنى على ربه فقال: الحمد لله ربّ العالمين الذي جعلني كلمة
منه وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وجعلني أبرىء الأكمه
والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأُمّي من الشيطان الرجيم فلم يكن
للشيطان علينا سبيل.
ثمّ إن محمداً وَّ قال: كلكم قد أثنى على ربه وأنا مئن على ربي فقال: الحمد لله الذي
أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً وأنزل عليّ القرآن (فيه بيان كل شيء) وجعل
أُمتي ﴿خير أُمة أُخرجت للناس﴾(١) وجعل أُمتي ﴿أُمة وسطاً﴾(٢) وجعل أُمتي هم الأولون
والآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً ..
فقال إبراهيم (عليه السلام) : بهذا أفضلكم محمّد، ثمّ أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها: إناء
فيه ماء فقيل له: إشرب فشرب منه يسيراً، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل له: إشرب فشرب
منه حتّى روى، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه خمر فقيل له: إشرب، فقال: لا أريده قد رويت. فقال
له جبرئيل: قد أصبت أما إنها ستحرم على أُمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أُمتك إلاّ قليل،
ولو رويت من الماء لغرقت وغرقت أمتك ثمّ أخذ جبرئيل (عليه السلام) بيدي فإنطلق بي إلى
الصخرة فصعد بي إليها فإذا معراج إلى السماء لم أرَّ مثله حسناً وجمالاً لم ينظر الناظرون إلى
شيء قط أحسن منه. ومنه تعرج الملائكة اصله على صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسماء
إحدى عارضيه ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء درجة من فضة ودرجة من ذهب ودرجة
من زمرد مكلل بالدر والياقوت وهو المعراج الذي ينطلق منه ملك الموت لقبض الأرواح
[لمغاراتهم فيمنكم شخص أسرعت](٣) عنه المعرفة إذا عاينه لحسنهُ، فاحتملني جبرئيل حتّى
(١) سورة البقرة: ١٤٣ .
(٣) هكذا في الاصل.
(٢) سورة آل عمران: ١١٠.

٦٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وضعني على جناحه ثمّ ارتفع بي إلى سماء الدنيا من ذلك المعراج، فقرع الباب فقيل: مَن؟
قال: أنا جبرئيل. قال: ومن معك؟ قال: محمّد.
قال: أوَقد بعث محمّد؟ قال: نعم. قال: مرحباً به حيّاهُ الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ
ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ففتح الباب ودخلنا. قال: فبينما أنا أسير في السماء الدنيا إذ
رايت ديكاً له زغب أخضر ورأس أبيض بياض ريشه كأشد بياض ما رأيته قط، وزغب أخضر
تحت ريشه كأشد خضرة ما رأيتها قط وإذا رجلا في تخوم الأرض السابعة السفلى ورأسه عند
العرش مثنيّ عنقه تحت العرش له جناحان من منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فإذا
كان في بعض [الميل] نشر جناحيه وخفق بهما، وصرخ بالتسبيح لله عزّ وجلّ يقول سبحان
الملك القدوس الكبير المتعال لا إله إلاّ هو الحي القيوم، فإذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض.
كلها وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصراخ فإذا سكن ذلك الديك في السماء سكنت ديكة
الأرض كلها، ثمّ إذا هاج بنحو ما فعلوا في السماء صاحت ديكة الأرض جواباً له بالتسبيح لله
عزّ وجلّ بنحو قوله.
قال رسول الله وقال: ((لم أزل منذ رأيت ذلك الديك مشتاقاً إليه أن أراه ثانية)).
قال: ثمّ مررت بملك نصف جسده مما يلي رأسه نار والنصف الآخر ثلج وما بينهم رتق،
فلا النار يذيب الثلج ولا الثلج يطفيء النار، وهو قائم ينادي بصوت له حسن رفيع: اللهم مؤلف
بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين.
فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: ملك من الملائكة يقال له حبيب وكلّه الله بأكناف
السماوات وأطراف الأرضين، ما أنصحه لأهل الأرض هذا قوله منذ خلقه الله تعالى. قال: ثمّ
مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جمع الدنيا بين ركبتيه، وفي يديه لوح مكتوب من نور
ينظر فيه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ينظر فيه كهيئة الحزين. فقلت: من هذا ياجبرئيل؟ مامررت أنا
بملك أنا أشد خوفاً منه شيء من هذا؟ قال: وما يمنعك كلّنا بمنزلتك، هذا ملك الموت دائب
في قبض الأرواح وهو أشد الملائكة عملاً وأدابهم. قلت: يا جبرئيل كل من مات نظر إلى هذا؟
قال: نعم. قلت: كفى بالموت من طامة. فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا
جبرئيل أُدنني من ملك الموت أسلم عليه وأساله فأدناني منه فسلمت عليه فأومى إليَّ فقال له
جبرئيل: هذا محمّد نبي الرحمة ورسول العرب فرحب بي وحياني وأحسن بشارتي وإكرامي.
وقال: أبشر يا محمّد فإني ارى الخير كله في أمتك. فقلت: الحمد لله المنان بالنعم، ما هذا
اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق.
قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك في لوح آخر قد
علمت خلقها، ولذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضت روحه خَلفّت عليها، فقلت: يا ملك