النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة يوسف، الآيات: ٧٢ - ٨٣ قيل: فيه جوابان: أحدهما أنّه أضمر في نفسه أنّهم سرقوه من أبيه، والآخر أنّه من قول المنادي لا من أمر يوسف والله أعلم. ﴿قالوا﴾ يعني المنادي وأصحابه، ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ ثوابه قال الأخفش: إن شئت رددت الكناية إلى السارقين، وإن شئت رددتها إلى السَّرَق ﴿إِنْ كنتم كاذبين﴾ في قولكم: (ما كنّا سارقین). قالوا: ﴿جزاؤه من وجد في رَحْلِهِ﴾ أن يسلِّم سرقته إلى المسروق منه، ويسترقّ سنة، وكان ذلك سنّة آل يعقوب في حكم السارق ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ الفاعلين ما ليس لهم فعله من أخذ مال غيره سرقاً، وأما وجه الكلام فقال الفرّاء من في معنى جزاؤه، ومن معناها الرفع بالهاء التي جاءت وجواب الجزاء الفاء في قوله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ ويكون قوله: ﴿جزاؤه﴾ الثانية مرتفع بالمعنى المجمل في الجزاء وجوابه، ومثله في الكلام أن يقول: ماذا لي عندك؟ فيقول: لك عندي أن بشّرتني فلك ألف درهم كأنّه قال: لك عندي هذا، وإن شئت الجزاء مرفوعاً بمن خاصّة وصلتها كأنّك قلت: جزاؤه الموجود في رحله، كأنّك قلت: ثوابه أن يسترق [في المستأنف] أيضاً فقال: فهو جزاؤه، وتلخيص هذه الأقاويل: جزاؤه جزاء الموجود في رحله، . أو جزاؤه الموجود في رحله. تمّ الكلام. وقال مبتدئاً فهو جزاؤه فقال الرسول عند ذلك: إنّه لابدّ من تفتيش أمتعتكم ولستم سارقين حتى أفتّشها فانصرف بهم إلى يوسف، ﴿فبدأَ بِأَوْعِيَتَهُم﴾ لإزالة التهمة ﴿قَبْلِ وُعِاءَ أَخِيْهِ﴾ وكان فتّش أمتعتهم واحداً واحداً، قال قتادة: ذكر لنا أنّه كان لا يف: بنظر في وعاء إلاّ خذ شيئاً، فقال استغفر الله تأثّماً ممّا قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلاّ الغاء فتحوا متاعه أخوته: والله لا نتحرّك حتى تنظر في رحله، استخرجوه منه فذلك قوله تعالى : استخرجها والصواع مذکر، و؟ ية في قوله / السقاية قوله : كقوله: ﴿الذين يرثون الفردوس ﴿وإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُربى: الميراث. !. من وقيل: ردّ الكناية إلى السرقة . وقيل: إنّما أنّها لأنّ الصواع يُذكر و قال: ثلاثة أصواع مثل ثلاثة أثواب. (١) سورة المؤمنون: ١١. (٢) سورة النساء: ٨. ، ٠ے ٢٤٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿كذلك كِدْنا ليُوسف﴾ يعني كما فعلوا في الابتداء بيوسف فعلنا بهم لأنّ الله تعالى حكى عن يعقوب أنّه قال ليوسف ﴿فَيَكِيْدُوا لَكَ كَيْداً﴾ فالكيد جزاء الكيد، قال ابن عباس: كذلك كِدنا أي صنعنا، ربيع: ألهمنا، ابن الأنباري: أردنا . ومعنى الآية: كذلك صنعنا ليوسف حتى ضمّ أخاه إلى نفسه وفصل بينه وبين إخوته بعلّة كادها الله له فاعتلّ بها يوسف، ﴿ما كانَ لَيَأْخُذَ أَخاهُ﴾ إليه ويضمّه إلى نفسه ﴿في دينِ المَلِك﴾ في حكمه وقضائه، قاله قتادة .. وقال ابن عباس: في سلطان الملك، وأصل الدين: الطاعة، وكان حكم الملك في السارق أن يسترقّ ويُغرّم ضعف ما سرق للمسروق منه، وقال الضحّاك: كان الملك إذا أُتي بسارق كشف عن فرجتيه وسمل عينيه، إلاّ أن يشاء الله، يعني أنّ يوسف لم يكن ليتمكّن من أخذ أخيه بنيامين من أخوته وحبسه عنده في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك وهو ما أجراه على ألسنة إخوته أنّ جزاء السارق الاسترقاق فأقرّوا به وأبدوا من تسليم الأخ إليه، وكان ذلك مُراد يوسف (عليه السلام)(١). ﴿نَرْفَعُ درجات من نشاء﴾ بالحكم كما رفعنا يوسف على إخوته. ﴿وفوقَ كلّ ذِي عِلْم عليم﴾ قال ابن عباس: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كلّ عالم، قال قتادة والحسن: والله ما من عالم على ظهر الأرض إلاّ فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله الذي علّمه ومنه بدأ وإليه يعود، وفي قراءة عبدالله: وفوق كلّ عالم عليم. وعن محمّد بن كعب القرضي أنّ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قضى بقضية فقال رجل من ناحية المسجد: يا أمير المؤمنين ليس القضاء كما قضيت، قال فكيف هو؟ قال: كذا وكذا قال: صدقت وأخطأت، وفوق كلّ ذي علم عليم. قالوا: فلمّا أخرج الصواع من رجل بنيامين نكَّس إخوته رؤوسهم من الحياء وأقبلوا على بنيامين وقالوا: يا بنيامين أي شيء الذي صنعت، فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت الصواع؟. فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه بالبريّة، وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. ثمّ قالوا ليوسف: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له﴾: من أبيه وأُمّه، من قبل، واختلف العلماء في السرقة التي وصفوا بها يوسف، فقال سعيد بن جبير وقتادة: سرق يوسف صنماً لجدّه أبي أمّه (١) يراجع فتح القدير: ٣ / ٤٣. ٢٤٣ سورة يوسف، الآيات: ٧٢ - ٨٣ فكسّره وألقاه في الطريق، الكلبي: بعثته أُمّه حين أرادت أن ترتحل من حران مع يعقوب إلى فلسطين والأردن، أمرته أن يذهب فأخذ جونة فيها أوثان لأبنها [أي] ذهب فيأتيها بها لكي إذا فقدها أبوها أسلم، فانطلق فأخذها وجاء بها إلى أُمّه، فهذه سرقته التي يعنون. وعن ابن جريح: كانت أُمّ يوسف أمرتة أن يسرق صنماً لخاله يعبده وكانت مسلمة، وروى أبو كريب عن أبي ادريس قال سمعت أبي قال: كان أولاد يعقوب على طعام ونظر يوسف إلى عرق فخبّأه فعيّروه بذلك، وأخبر عبدالله بن السدّي، عن أبيه عن مجاهد أنّ يوسف جاءه سائل إلى البيت فسرق [جُبّة] من البيت فناولها السائل فعيّروها بها، وقال سفيان بن عيينة: سرق يوسف دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا . كعب: كان يوسف في المنزل وحده فأتاه سائل وكان في المنزل عتاق وهي الانثى من الجديّ، فدفعها إلى السائل من غير أمر أبيه. وهب: كان يُخبّئ الطعام من المائدة للفقراء. هشام عن سعد بن زيد بن أسلم في هذه الآية قال: كان يوسف (عليه السلام) مع أُمّه عند خال له، قال: فدخل وهو صبي يلعب وأخذ تمثالا صغيراً من الذهب، فذلك تعيير اخوانه إيّاه. وروى ابن إسحاق عن مجاهد عن جويبر عن الضحّاك قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أنّ عمّته بنت اسحاق وكانت أكبر أولاد إسحاق، وكانت لها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثوها بالكبر من أختانها ممّن وليها كان له سلماً لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكانت راحيل أُمّ يوسف قد ماتت فحضنته عمّته وأحبّته حُبّاً شديداً، وكانت لا تصبر عنه. فلمّا ترعرع وبلغ سنوات وقعت محبّة يعقوب عليه فأتاها يعقوب فقال: يا اختاه سلِّمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عنّي ساعة، فقالت: لا، فقال: والله ما أنا بتاركه. قالت: فدعه عندي أيّاماً أنظر إليه لعلّ ذلك يُسلّيني عنه، ففعل، فلمّا خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وهو صغير ثمّ قالت: لقد فقدت منطقة إسحق فانظروا من أخذها فالتمسوها فلم توجد فقالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوهم فوجودها مع يوسف، فقالت: والله إنّه لسلم لي أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال: إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فهذا الذي قال أخوة يوسف: إن سرق فقد سرق أخ له من قبل، وهذا هو المثل السائر الذي يقال عُذره شرٌ من جرمه. ﴿فَأَسَرِّها﴾ فأضمرها، ﴿يوسف في نفسه ولم يُبْدِها لَهُم﴾ وإنّما أنّث الكناية لأنّه عنى بها الكلمة والمقالة وهي قراءة. ﴿قال أَنْتُمْ شَرِّ مَكاناً﴾ أي شرُّ منزلا عند الله ممّن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف ﴿والله أعلمُ بما تَصِفُون﴾ تقولون، قتادة: تكذبون. ٢٤٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وقالت الرواة: لما دخلوا على يوسف واستخرج الصواع من رحل بنيامين دعا يوسف بالصواع فنقر فيه ثمّ أدناه من أُذنه ثمّ قال: إنّ صواعي هذا ليخبرني أنّكم كنتم اثني عشر رجلا وانّكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه، فلمّا سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثمّ قال: أيّها الملك سَل صواعك هذا عن أخي أين هو فنقره ثمّ قال: هو؟ حيّ وسوف تراه قال: فاصنع فيّ ما شئت فإنّه إن علم بي فسوف يستنقذني، قال: فدخل يوسف فبكى، ثمّ توضّأ وخرج فقال بنيامين: أيّها الملك إنّي أرى أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحقّ من الذي سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال: إنّ صواعي هذا عصاني وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت؟ قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقوا فغضب روبيل، وقال: والله أيّها الملك لتتركنا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلّ ألقت ما في بطنها وقامت كلّ شعرة في جسد روبيل فجرجت من [ ....... ](١) فمسّه فذهب غضبه، فقال روبيل من هذا؟ إن في هذا البلد لبذراً من بذر يعقوب. فقال يوسف: ومن يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: يا أيّها الملك لا يُذكر يعقوب فإنّه سري الله ابن ذبيح الله ابن خليل الرحمن، قال يوسف [إشهد] إذاً أنت كنت صادقاً، احتبس يوسف أخاه وصار بحكم اخوته أولى به منهم، فرأوا أنّه لابدّ لهم إلى تخليصه منه سألوه تخليته ببدل منهم يُعطونه إيّاه، ﴿فقالوا يا أيّها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً﴾: متعلّقاً بحبّه يعنون يعقوب، ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانه﴾: بدلا منه ﴿إِنّا نراكَ من المُحْسِنِين﴾ في أفعالك قيل: إلينا، وقال ابن إسحاق: يعنون إنْ فعلت ذلك كنت من المحسنين. ﴿قال﴾ يوسف ﴿معاذ الله﴾ أعوذ بالله وهو نصب على المصدر، وكذلك تفعل العرب في كلّ مصدر وضع موضع الفعل، تقول: حمداً لله وشكراً لله، بمعنى أحمد الله وأشكره ﴿أنْ نَأْخُذَ إلاّ مَن وَجَدْنا متاعنا عنده﴾ ولم يقل من سرق تحرّزاً من الكذب، ﴿إِنّا إذاً لظالمون) إن أخذنا بريئاً بسقيم. ﴿فلمّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهِ﴾ يعني أيسوا من يوسف من أن يُجيبهم إلى ما سألوه ﴿خَلَصُوا نَجَيّاً﴾ أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم، والنجيّ لقوم يتناجون وقد يصلح للواحد أيضاً، قال الله في الواحد: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيّاً﴾ (٢)، وقال في الجمع ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ وإنّما جاز للواحد والجمع لأنّه مصدر أُبدل نعتاً كالعدل والزور والفطر ونحوها، وهو من قول القائل نجوت فلاناً أنجوه نجيّاً، ومثله النجوى يكون اسماً ومصدراً، قال الله تعالى: ﴿وإذهم (١) كلمة غير مقروءة. (٢) سورة مريم: ٥٢. ٢٤٥ سورة يوسف، الآيات: ٧٢ - ٨٣ نجوى﴾(١) أي يتناجون وقال: ﴿ما يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة﴾(٢) وقال في المصدر ﴿إنّما النجوى من الشيطان﴾(٣) وقال الشاعر: (وُ)(٤) عند سرّك خبّ النجيّ(٥) بني بدا خبّ نجوى الرجال. والنجوى والنجيّ في هذا البيت بمعنى المناجاة، وجمع النجيّ أنجية، قال لبيد: كعبى وأرداف الملوك شهود (٦) وشهدتُ أنجية الأفاقة عالياً وقال آخر : واضطربت أعناقهم كالأرشية إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه هناك أوصيني ولا توصي بيه(٧). ﴿قَالَ كَبِيْرُهُم﴾ يعني في العقل والعلم لا في السنّ وهو شمعون، وكان رئيسهم، قاله مجاهد، وقال قتادة والسدّي والضحاك وكعب: هو روبيل وكان أسنّهم وهو ابن خالة يوسف، وهو الذي نهى إخوته عن قتله، وهب والكلبي: يهودا، وكان أعقلهم، محمد بن اسحاق: لا وي . ﴿أَلَمْ تَعْلَموا أنّ أباكم قَدْ أَخَذَ عليكُم موثقاً من الله﴾ عهداً من الله ﴿ومِنْ قَبْلُ ما فرّطتم في يوسف﴾ اختلفوا في محلّ ما فقال بعضهم: هو نصب إيقاع العلم عليه يعني: ألم تعلموا من قبل فعليكم بهذه تفريطكم في يوسف؟ وقيل: هو في محلّ الرفع على الابتداء، وتمام الكلام عند قوله: من الله يعني: ومن قبلي هذا تفريطكم في يوسف، فيكون ما مرفوعاً يخبر [ .... ] الصفة وهو قوله: ومن قبل، وقيل: ما صلة، ويعني ومن هذا فرّطتم في يوسف أي قصّرتم وضيّعتم، وقيل: رفع على الغاية. ﴿فَلَنْ أَبرَحَ الأَرْضَ﴾ التي أنا بها وهي أرض مصر ﴿حَتَى يأذن لي أبي﴾ بالخروج منها ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بالخروج منها وترك أخي بنيامين بها أو معه، وإلاّ فإنّي غير خارج منها، وقال أبو صالح: أو يحكم الله لي بالسيف فأُحارب من حبس أخي بنيامين. ﴿وهو خير الحاكمين﴾ أفضل وأعدل من يفصل بين الناس. (١) سورة الإسراء: ٤٧ . (٢) سورة المجادلة: ٧. (٣) سورة المجادلة: ١٠. في المصدر: فكن. (٤) (٥) تفسير الطبري: ١٣ / ٤٤. (٦) لسان العرب: ٩ / ١١٧. (٧) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٤١. ٢٤٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ارْجِعُوا إلى أبيكم﴾ يقوله الآخر في المحتبس بمصر لإخوته ﴿فقولوا يا أبانا إنّ ابنك﴾ بنيامين ﴿سَرَق﴾ الصواع، وقرأ ابن عباس والضحاك: سُرِّق بضمّ السين وكسر الراء وتشديده على وجه ما لم يُسمِّ فاعله، يعني أنّه نُسب إلى السرقة مثل: خوّنته وفجّرته [ .... ] أي نسبته إلى هذه الخلال. ﴿وما شَهِدْنا إلّ بِما عَلِمْنا﴾ يعني ما كانت منّا شهادة في عمرنا على شيء إلاّ بما علمنا وليست هذه شهادة منّا إنّما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم، وقال ابن اسحاق: معناه: وما قلنا: إنّه سرق إلّ بما علمنا، قال: وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يسترقّ السارق بسرقته . ﴿وما كُنّا للغَيْبِ حافظين﴾ قال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أنّ ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، فلو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنّما قلنا ونحفظ أخانا ممّا لنا إلى حفظه منه سبيل، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس يعنون: أنّه سرق ليلا وهم نيام والغيب هو الليل بلغة حمير، وقال ابن عباس: لم نعلم ما كان يعمل في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، عكرمة ﴿وما كُنّا للغيب حافظين﴾ لعلّها دُسّت بالليل في رحله. وقيل معناه: قد أُخذت السرقه من رحله ونحن ننظر إليه، ولا علم لنا بالغيب فلعلّهم سَرّقوه ولم يسرق، وهذا معنى قول أبي اسحاق، وقال ابن كيسان: لم نعلم أنّك تنصاب كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم [نأخذ] فتاك ولم نذهب به. ﴿وَسْئَلِ القَرْيَةِ التي كُنّا فِيْها﴾ يعني أهل القرية وهي مصر، ابن عباس: قرية من قُرى مصر . ﴿والعِير التي أقبلنا فيها﴾ يعني القافلة التي كنا فيها وكان معهم قومٌ من كنعان من جيران يعقوب (عليه السلام)، قال ابن اسحاق: قد عرف الأخ المُحتبس بمصر أنّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما صنعوا في أمره فأمرهم أن يقولوا هذا الاسم، ﴿وإنّا لصادِقُوْن قال بَلْ سَوَّلت﴾ في الآية اختصار معناها، فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ذلك، فقال: بل سوّلت أي زيّنت ﴿لكم أنفسكم أمراً﴾ أردتموه ﴿فصبرٌ جَمِيْلٌ عَسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِم جَمِيْعاً﴾ يوسف وبنيامين وأخيهما المقيم بمصر ﴿إنّه هوَ العَليم﴾ بحزني ووجدي على فقدهم ﴿الحكيم﴾ في تدبير خلقه. وَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأْسَفَّى عَلَى يُوسُفَ وَأَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨) قَالُواْ نَاَللَّهِ نَفْتَّوْاْ نَذْكُرُ بُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَّضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿٨َ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِى وَحُزْفَ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨) بَنِىَّ أَذْهَبُوْ فَتَحََُواْ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْتُواْ مِن زَّوْعِ اَلَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْتَسُ مِنْ زَوْجِ اَلَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ ﴿٨٢َ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ بَأَيُهَا ٢٤٧ سورة يوسف، الآيات: ٨٤ - ٩٣ اٌلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَا الشُّرُ وَحِثْنَا بِضَنِعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّ اللَّهَ يَخْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِيْتُ مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَِهِلُونَ ﴿٨َ قَالُواْ أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنِ بَتَّقْ وَيَصِْرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَخْرَ الْمُحْسِينَ قَالُواْ تَأَلَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن ◌َكُنَّا لَخَطِينَ ﴿٨) قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ (٢٢) أَذْهَبُواْ بِفَمِيِصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِ بَأْتِ بَصِيرًا يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمّ وَهُوَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ ( وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿وتولّى عنهم﴾ وذلك أنّ يعقوب لمّا بلغه خبر بنيامين تتامّ حزنه وبلغ جهده وجدّد حزنه على يوسف، فأعرض عنهم ﴿وقال يا أَسَفَى﴾ يا حزني ﴿على يوسف﴾ وقال مجاهد: يا جزعاه، والأسف: شدّة الخزن والندم. ﴿وابيضّت عيناهُ من الحزن﴾ مقاتل: لم يُبصر بهما ستّ سنين ﴿فهو كظيم﴾ أي مكظوم مملوء من الحزن، ممسك عليه لا يبثّه، ومنه كظم الغيظ، عطاء الخراساني: كظيم: حزين، مجاهد: مكبود، الضحّاك: كميد، قتادة: تردّد حزنه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء، ولم يتكلّم إلاّ خيراً، ابن زيد: بلغ به الجزع حتى كان لا يكلّمهم، ابن عباس: مهموم، مقاتل: مكروب، وكلّها متقاربة. سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه وَله: (لم يعط أُمّة من الأمم إنّا لله وإنّا إليه راجعون عند المصيبة إلاّ أُمّة محمّد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه لم يسترجع: إنّما قال يا أسفى على يوسف؟)) [١٢٣](١). وأخبرني ابن فنجويه [قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك] القطيعي قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد ابن حنبل، [قال: حدّثني] أبي، عن هشام [بن القاسم] عن الحسن، قال: كانت بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانين عاماً لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. ﴿قالوا﴾ يعني ولد يعقوب ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسف﴾ أي لا تزال تذكر يوسف، لا تفتر من حبّه، يقال: ما فتئتُ أقول ذلك، وما فتأتُ أو أفتؤ، فتأَ وفتوّاً، قال أوس بن حجر: فما فتِئتْ حيّ كأن غبارها سرادق يوم ذي رياج ترفع (٢) وقال آخر: (١) جامع البيان للطبري: ١٣ / ٥٣، تفسير مجمع البيان: ٥ / ٤٤٤ بتفاوت ويوجد بتمامه في التفسير الصافي الفيض الكاشاني: ٣ / ٣٨. (٢) تفسير الطبري: ١٣ / ٥٥، لسان العرب: ١٢ / ٣٢٢ وفيه: وما فتئت خيل. ٢٤٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ويلحق منها لاحق وتقطع (١) فما فتئت خيل تثوب وتدّعي أي فما زالت. وحذف (لا) قوله فتئ كقول امرئ القيس: ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي(٢) فقلتُ يمين الله أبرحُ قاعداً أي: لا أبرح. وقال خداش بن زهير: وأبرحُ ما أدام الله قومي أي لا أبرح ومثله كثير. بحمد الله منتطقاً مجيداً (٣) ﴿حتى تَكُوْنَ حَرَضاً﴾ اختلف ألفاظ المفسّرين فيه، فقال ابن عباس: دنفاً، العوفي: يعني الهد في المرض، مجاهد: هو ما دون الموت، يعني قريباً من الموت، قتادة: هرماً، الضحّاك: بالياً مدبراً، ابن اسحاق: فاسداً لا عمل لك، ابن زيد: الحرض: الذي قد ردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعقل، الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم، مقاتل: مُدنفاً، الكسائي: الحرض: الفاسد الذي لا خير فيه، الأخفش: يعني ذاهباً، المُخرج: ذائباً من الهمّ، الفرّاء عن بعضهم: ضعيفاً لا حراك بك، الحسن: كالشنّ المدقوق المكسور، علام تعباً مُضنى، ابن الأنباري: هالكاً فاسداً، القتيبي: ساقطاً، وكلّها متقاربة. ومعنى الآية: حتى يكون دنف الجسم مخبول العقل، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، ومنه قول العَرجي: إنّي امرؤ لجّ بي حبُّ فأحرضني حتى بليتُ وحتى شفني السقم (٤) يُقال: منه رجل حرض وامرأة حرض ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء حرض يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع، والمذكّر والمؤنّث، لأنّه مصدر وضع موضع الاسم، ومن العرب من يقول للذكر حارض وللأنثى حارضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنّى وجمع وانّث، ويُقال: حرض، يحرّض، حرضاً وحراضة فهو حرض، ويُقال: رجل محرّض وأنشد في ذلك: ولو آلفته لأضحى مُحرضاً(٥) طلبته الخيل يوماً كاملا (١) تفسير الطبري: ١٣ / ٥٥، زاد المسير: ٤ / ٢٠٥. (٢) الصحاح: ٦ / ٢٢٢٢. (٣) تفسير القرطبي: ١١ / ٩، ولسان العرب: ١٠ / ٣٥٤ وفيه: على الأعداء، بدل بحمد الله. (٤) الصحاح: ٣ / ١٠٧. (٥) تفسير الطبري: ١٣ / ٥٧. ٢٤٩ سورة يوسف، الآيات: ٨٤ - ٩٣ وقال امرؤ القيس : أرى المرءَ ذا الأنواد يُصبح مُحرضاً كإحراض بكر في الدّيار مريض(١) ﴿أو تكونَ من الهالكين﴾ أي الميّتين، وقال يعقوب عند ذلك لمّا رأى غلظتهم وسوء لفظهم، ﴿إنّما أشكو بَنِّي وحُزني إلى الله﴾ لا إليكم، قال المفسّرون دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من مُصاب يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفر لي، قال: فإنّي قد غفرتها لك وكان بعد ذلك إذا سُئل قال: إنّما أشكو بثّي وُزني إلى الله. وقال حبيب بن أبي ثابت: بلغني أنّ يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على عينيه، وكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني، فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وعن عبدالله بن قميط، قال: سمعت أبي يقول: بلغنا أنّ رجلا قال ليعقوب (عليه السلام): ما الذي أذهب بصرك؟ قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوّس ظهرك؟ قال: حزني على أخيه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ وعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين لأخرجتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنّما وجدت عليكم أنّكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين فلم تطعموه شيئاً، وأنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين، فاصنع طعاماً وادعُ إليه المساكين، فصنع طعاماً، ثمّ قال: من كان صائماً فليفطر الليلة عند آل يعقوب. وروى أبو عمران عن أبي الخلد ووهب بن منبه، قالا: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: تدري لم عاقبتك وغيّبت عنك يوسف وبنيامين؟ قال: لا إلهي، قال: لأنّك شويت عتاقاً وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، ويقال: إنّ سبب ابتلاء يعقوب بفقد يوسف، أنّه كانت له بقرة ولها عجول فذبح عجولها بين يديها، وإنّما كانت تخور فلم يرحمها، فأخذه الله به وابتلاه بفقد يوسف أعزّ ولده. وقال وهب بن منبه والسدّي وغيرهما: أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن، فقال: هل تعرفني أيّها الصدّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة وريحاً طيّبة، قال: فإنّي رسول ربّ العالمين، وأنا الروح الأمين، قال: فما الذي أدخلك حبس المذنبين وأنت أطيب الطيّبين، ورأس المقرّبين، وأمين ربّ العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يُطهّر البيوت لهؤلاء الطيّبين، وأنّ الأرض (١) لسان العرب: ٧ / ١٣٤. ٢٥٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي التي تدخلونها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين؟ قال: كيف لي بابن الصدّيقين وتعدّني من المخلصين، وقد أدخلت مدخل المُذنبين، وسمّيت باسم المفسدين؟ قال: لأنّه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربّك فلذك سمّاك الله في الصدّيقين، وعدّك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين، قال: هل لك علم بيعقوب أيّها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له البلاء الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم، قال: فما قدر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر يا جبرئيل؟ قال: أجر مائة شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم، فطابت نفس يوسف، قال: ما أُبالي ما ألفيته أن رأيته. وأمّا قوله بثّ فالبثّ: أشدّ الحزن سُمّي بذلك لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه أي يُظهره، يقال: بثّ، يبثّ فهو باتّ وأبثّ [يأبثه أبثاً](١) يُبثّ فهو مُبثّ إذا أظهره قال ذو الرمّة: فما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبه وقفتُ على ربع لميّة ناقتي تكلّمني أحجاره وملاعبه(٢) وأسقيه حتى كاد ممّا أبُثّه وقال الحسن: بثّ أي حاجتي، وقال محمّد بن القاسم الأنباري: البثّ: التفرق، وقال محمّد بن إسحاق: معناه: إنّما أشكو حزني الذي أنا فيه إلى الله، وهو من بثّ الحديث. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمون﴾ قال ابن عباس: يقول أعلم أنّ رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له، وقال آخرون: وأعلم أنّ يوسف حيّ. قال السدّي: لما أخبره ولده بسيرة الملك وقوله أحسّت نفس يعقوب فطمع وقال: لعلّه يوسف، ويروى أنّه رأى الملك في المنام فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا والله، وهو حيّ. ويقال: أرسل الله إليه ذئباً فسلّم عليه وكلّمه، فقال له يعقوب: أكلت ابني وقّرة عيني وثمرة فؤادي؟ قال: قد والله علمتَ يا يعقوب أنّ لحوم الأنبياء وأولاد الأنبياء علينا حرام، فلذلك قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيّ اذهبوا فَتَحَسَّسُو من يوسفَ وأخيه﴾ ولا تيأسوا من روح الله سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعّلوا من الحسّ يعني تتبّعوا، قال ابن عباس: إلتمسوا، ﴿ولا تيأسوا﴾، أي لا تقنطوا، من روح الله: من فرج الله، قال ابن زيد وقتادة، والضحّاك: من رحمة الله، ﴿فَإِنّه لا يَبْأَس من رَوْحِ اللهِ إلّ القوم الكافرون﴾. يُقال: سُئل ابن عباس عن الفرق بين التجسّس والتحسّس فقال: لا يبعد أحدهما عن (١) زيادة لتقويم النصّ من تاج العروس: ١ / ٥٩٨، وعبارة المخطوط غير مقروءة. (٢) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥١، لسان العرب: ١٤ / ٣٩١، وفيه: أسقي ربعها بدل أبكي عنده. ٢٥١ سورة يوسف، الآيات: ٨٤ - ٩٣ الآخر إلاّ أنّ التحسّس في الخير والتجسّس في الشرّ، الحسن وقتادة: ذكر لنا أنّ نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلّ أتى حسن ظنّه بالله من ورائه، وما ساء ظنّه بالله ساعة قط من ليل أو نهار، الحسن عن الأحنف بن قيس عن ابن عباس بن عبدالمطلب قال: قال رسول الله وَله: ((قال داود: (إلهي) (١) أسمع الناس يقولون إله (٢) إبراهيم وإسحق ويعقوب فاجعلني رابعاً: فقال: لست هناك، إنّ ابراهيم لم يَعدل بي شيئاً قط إلاّ اختارني، وإنّ إسحاق جادَ لي بنفسه، وإنّ يعقوب في طول ما كان لم ييأس من يوسف)) [١٢٤](٣). ﴿قالوا يا أيّها العزيز﴾ في الآية متروك يستدلّ بسياق الكلام عليه تقديره: فجاؤوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، فقالوا له: يا أيّها العزيز، يا أيّها الملك بلغة حمير، ﴿مَسّنا وأهلنا الضُرّ﴾ الشدّة والجوع ﴿وَجِئْنا بِبِضَاعَة مُزْجاة﴾ قليلة، رديئة ناقصة، كاسدة. لا تنفق في شيء من الطعام إلاّ [يتوجبن] من البائع فيها، وأصل الإزجاء السوق والدفع، قال الله تعالى: ﴿ألم ترَ أنّ اللهَ يُزجي سحاباً﴾(٤) قال النابغة الذبياني: تُزجي مع الليلِ من صَرّادها(٥) صرما (٦) (٧) وهبّت الريحُ من تلقاء ذي أزل وقال حاتم الطائي : وأرمَلةٌ تُزجي مع الليلِ أَرملا(٨) لَيبكِ على مَلِحان ضيفٌ مُدَقَّعٌ وإنّما قيل للبضاعة: مزجاة لأنّها غير نافقة وإنّما يجوز تجويزاً على دفع من أخذها. وأمالها حمزة والكسائي وفخّمها الباقون. واختلف المفسّرون في هذه البضاعة ما هي؟ عكرمة عن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفاً لا تنفق إلاّ بوضيعه بإذن عنه، يعني لا تنفق في الطعام؛ لأنّه لا يُؤخذ في ثمن الطعام إلاّ الجيّد، ابن أبي مليكة: حبل خِلق الغرارة والحبل ورثة المتاع، عبدالله بن الحرث: متاع الأعراب، الصوف والسّمن، الكلبي ومقاتل وابن حيّان: الصنوبر وحبّة خضراء، سعيد بن جبير: دراهم [ قليلة]، ابن اسحاق: قليلة لا تبلغ ما كان يشترى به إلّ أن تتجاوز لنا فيها أحسن كانت أو أوطأ، جويبر عن الضحّاك: النعال والأدم، ورويَ عنه أنّها سويق المقل. (١) في المصدر: يا رب. (٢) في المصدر: رب. (٣) الدرّ المنثور: ٥ / ٢٨١. سورة النور: ٤٣ . (٤) الصراد جمع الصارد: وهو سحاب بارد ندي ليس فيه ماء. (٥) (٦) صرم جمع الصرمة: القطعة من السحاب. (٧) لسان العرب: ١١ / ١٣. (٨) لسان العرب: ١١ / ٢٩٧. ٢٥٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فأوفِ لنا الكيلَ﴾ أي أعطنا بها ما كنت تُعطينا من قبل بالثمن الجيّد الوافي ﴿وَتَصَدَّق علينا﴾ وتفضّل علينا بما بين الثمنين الجيّد والرديء. ولا تنقصنا من السعر، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال ابن جريج والضحّاك: تصدّق علينا بردّ أخينا إلينا. ﴿إِنّ اللهَ يجزي المُتَصَدِّقِيْنَ﴾ قال الضحاك: لم يقولوا: إنّ الله يجزيك أن تصدّقت علينا لأنّهم لم يعلموا أنّه مؤمن، قال عبدالجبار بن العلاء: سُئِلَ سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا بَّهِ؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: ﴿وَأَوْفِ لنا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أراد سفيان أنّ الصدقة كانت لهم حلالا وأنّها إنّما حُرّمت على نبيّنا بَّه، وروي أنّ الحسن البصري سمع رجلا يقول: اللهمّ تصدّق عليّ، فقال: يا هذا إنّ الله لا يتصدّق إنّما يتصدّق من يبغي الثواب، قل: اللهمّ أعطني أو تفضّل عليّ. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيْهِ﴾ اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، فقال ابن اسحاق: ذُكر لي أنّهم لمّا كلّموه بهذا الكلام غلبته نفسه وأدركته الرقّة فانفضّ دمعه باكياً ثمّ باح لهم بالذي كان يكتم فقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وأخِيْهِ إِذْ أَنْتُم جاهِلُوْن﴾ . وقال الكلبي: إنّما قال ذلك حين حكى لإخوانه: أنّ مالك بن أذعر قال: إنّي وجدت غلاماً في بئر حاله كيت وكيت وابتعته من قوم بألف درهم فقال: أيّها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولّى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن لفقد واحد منّا حتى كفّ بصره فكيف به إذاً لو قتل بنوه كّلهم، ثمّ قالوا: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا وإنّه في مكان كذا وكذا، فذاك حين رحمهم وبكى وقال لهم ذلك القول . وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين قرأ كتاب أبيه إليه وذلك أنّ يعقوب لما قيل له: إنّ ابنك سرق، كتب إليه: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله، بن ابراهيم خليل الله أمّا بعد فإنّا أهلُ بيت مُوَّل بنا البلاء، فأمّا جدّي فشدّت يداه ورجلاه وأُلقي في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمّا أبي فشدّت يداه ورجلاه ووضع السكّين على قفاه، ليُقتل، ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البريّة ثمّ أتوني بقميصه مُلطّخاً بالدم .](١) ثمّ كان لي ابن وكان أخاه من أُمّة وكنت وقالوا: قد أكله الذئب وذهب [. أتسّلى به، فذهبوا به ثمّ رجعوا وقالوا: إنّه سرق، وإنّك حبسته بذلك وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإنْ ردَدته إليّ وإلّ دعوت عليك دعوة تنزل بالسابع من ولدك، فلمّا قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره فقال لهم ذلك. (١) كلمة غير مقروءة. ٢٥٣ سورة يوسف، الآيات: ٨٤ - ٩٣ وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين سأل أخاه بنيامين: هل لك ولد؟ قال: نعم، ثلاثة بنين، قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيتُ الأكبر يوسف قال: ولِم؟ قال: محبّة لك، لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثاني؟ قال: ذئباً، قال: ولم سمّيته بالذئب وهو سبع عاقر؟ قال: لأذكرك به، قال: فما سمّيت الثالث؟ قال: دماء، قال: ولمَ؟ قال لأذكرك به، فلمّا سمع يوسف المقالة خنقته العبرة، ولم يتمالك، فقال لإخوته: لمّا دخلوا عليه: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ فرّقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم جاهلون، بما يؤول إليه أمر يوسف. وقيل: يكون المذنب جاهل وقت ذنبه. قال ابن عباس: إذا أنتم صبيّان، الحسن: شبان وهذا غيرُ بعيد من الصواب لأنّ مظنّة الجهل الشباب. فإنّ سئل عن معنى قول يوسف ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيْهِ﴾ وقيل ما كان عنهم إلى أخيه وهم لم يسعوا في حبسه، فالجواب أنّهم لمّا أطلقوا ألسنتهم على أخيهم بسبب الصاع [حبس] وقالوا: ما رأينا منكم يا بني راحيل كما ذكرناه، فعاتبهم يوسف على ذلك. وقيل: إنّهما لمّا كانا من أُمّ واحدة وكانوا يؤذونه بعد فَقْد يوسف فعاتبهم على ذلك. ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لأُنْتَ يُوسُفُ﴾: قرأ ابن مُحصن وابن كثير: إنّك على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام، ودليلهم قراءة أبي بن كعب أو أنت يوسف، قال ابن أسحاق: لمّا قال يوسف لأخوته ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيه﴾ الآية، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب فعرفوه، فقالوا : إنّك لأنت يوسف، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس، قال: قال يوسف: هل علمتم ما فعلتم بيوسف؟ ثمّ تبسّم، وكان إذا تبسّم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم، فلمّا أبصروا ثناياه شبّهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً: إنّك لأنت يوسف؟، ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس قال: إنّ إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها، وكان لإسحاق مثلها، وكان لسارة مثلها شبه الشامة البيضاء، فلمّا قال لهم: [هل] علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ورفع التاج عنه، فعرفوه فقالوا: إنّك لأنت يوسف (١). ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا﴾ بأن جمع بيننا بعدما فرّقتم ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّق اللهِ﴾ بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ويصبر عمّا حرّم الله عليه، قال ابن عباس: يتّق الزنا ويصبر على العزوبة، مجاهد: يتّق معصية الله ويصبر على السجن ﴿فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿﴿قَالُوا﴾ مُقرّين مُعتذرين: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا﴾ اختارك الله علينا بالعلم والحكم والعقل والفضل والحسن والمُلك ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ وإن كنّا في صنيعنا بك (١) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥٦. ٢٥٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي لمخطئين، مذنبين، يُقال: خطئ، يخطأ، خطأ وخِطأ وأخطأ إذا أذنب، قال أُمّية بن الأكسر: وإنّ مهاجرين تكنَّفاهُ لعمرُ الله قد خطئا وخابا (١) وقيل لابن عباس: كيف قالوا: إنّا كنّا خاطئين وقد تعمّدوا لذلك؟ فقال: أخطأوا الحقّ وإن تعمّدوا، وكلّ من أتى ذنباً كذلك يُخطئ المنهاج الذي عليه من الحقّ حتى يقع في الشبهة والمعصية فـ ﴿قال﴾ يوسف وكان حليماً موفقاً: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ﴾ لا تعيير ولا تأنيب عليكم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، وأصل التثريب: الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز، ومنه قول النبي وَّه: ((إذا زَنَت أَمَة أحدكم فليجلدها الحد ولا يُثرب عليها)) [١٢٥](٢) أي لا يُعيّرها، ثمّ دعا لهم يوسف وقال: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ . عطاء عن ابن عباس قال: أخذ النبي و لر بعضادتي الباب يوم فتح مكّة وقد لاذ الناس بالبيت، وقال: ((الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده))(٣) [١٢٦] ثمّ قال: ((ما(٤) تظنون؟)) قالوا: نظنّ خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: ((وأنا أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم» [١٢٧](٥). قال السدي وغيره: فلمّا عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل؟ قالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ يعود مُبصراً، لأنّه كان دُعاء. قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنّة، روى السدّي عن أبيه عن مجاهد عن هذه الآية قال: كان يوسف أعلم بالله عزّ وجل من أن يعلم أنّ قميصه يردّ على يعقوب بصره، ولكنّ ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله عزّ وجل في النار من حرير الجنّة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب وكان يعقوب، أدرج القميص وجعله في قصبة وعلّقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، ثمّ أمره جبرئيل (عليه السلام) أن أرسل بقميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتل ولا سقيم إلّ صحّ وعوفي. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِين﴾ . وَلَنَّا فَصَلَتِ الْعِيُ قَالَ أَبُهُمْ إِى لَأَجِدُ رِيعَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُغَيِّدُونِ (١٨) قَالُوْ نَّهِ إِنَّكَ لَّهِىَ ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَءَ الْبَشِيرُ أَلَقَنُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَّمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ ضَلَلِكَ اَلْقَدِيمِ (١) جامع البيان للطبري: ١٣ / ٧٣ وفيه حابا بدل خابا. (٢) كنز العمّال: ٥ / ٣٣٨، ح ١٣١١٦. (٣) مسند أحمد: ٢ / ١١، تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥٨. (٤) في المصدر: ماذا تظنون يا معشر قريش. (٥) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥٦. ٢٥٥ سورة يوسف، الآيات: ٩٤ - ١٠١ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿﴿ قَالُواْ يَأْبَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوَنَا إِنَّا كُنَا خَطِينَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِمُ ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِنَ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ (٦٩) وَرَفَعَ أَبُوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ ◌ُمْ يَِّىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَّدْ أَحْسَنَ بِىَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ بِكُمْ مِنَّ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَعَّ الشَّيْطَانُّ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِمَا بَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (َ ﴿ رَنْ قَدْ ءَتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ نَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيْ فِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَنَّتِى مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِينَ ﴿وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ﴾ يعني خرجت من عريش مصر متوجّهة إلى كنعان. ﴿قَالَ أَبُوهُم﴾ لوٍلد ولده ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف﴾ روي أنّ الريح استأذنت ربّها في أن تأتي يعقوب (عليه السلام) بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها فأتته بها، ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد، قال: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيّام وذلك أنّه هبّت فصفقت القميص فاحتملت الريحُ ريحَ القميص إلى يعقوب فوجد ربح الجنّة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنّة إلّ أن تأتي من ذلك القميص فمن ثمّ قال: إنّي لأجدُ ريح يوسف، وهو منه على مسيرة ثماني لیال. وروى شعيبة عن أبي سنان قال: سمعت عبدالله بن أبي الهُذيل قال: سمعت ابن عباس يقول: وجد يعقوب ريح يوسف روى أبو سنان عن أبي هذيل قال: سمعت ابن عباس يقول: وجد يعقوب ريح يوسف وهو منه على مسيرة ثماني ليال، وروى شعيبة عن أبي سنان قال: سمعت عبدالله بن أبي الهُذيل عن ابن عباس في هذه الآية قال: وجد ريحه من مسيرة ما بين البصرة والكوفة. وقال الحسن: ذكر لنا أنّه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخاً. ﴿لولا أن تُفَّدون﴾: سفيان عن حصيف، عن مجاهد ﴿لَوْلا أَنْ تُفَتِّدُون﴾، قال: تُسفهون الرأي، عن ابن عباس: تجهلون، ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد: لولا أن تقولوا ذهب عقلك، سعيد بن جبير والسدّي والضحّاك: تُكذّبون، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والحسن وقتادة: تهرمون، ومثله روى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد، ربيع: تحمقون، جويبر عن الضحّاك: تُهرمون، فتقولون: شيخ كبير قد خرف وذهب عقله، ابن يسار: تضعفون، أبو عمرو بن العلاء: تقبحون، الكسائي: تُعجزون، الأخفش: تلومون، أبو عبيدة: تُضللون، وأصل الفند: الفساد، قال النابغة: إلّ سُليمان إذْ قالَ المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند(١) (١) تفسير الطبري: ١ / ٤١١، لسان العرب: ٣ / ١٤٢ وفيه الإله بدل المليك. ٢٥٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي أي امنعها من الفساد، ولذلك يقال: اللوم تفنيد، قال الشاعر: فليس ما فات من أمر بمردود (١) يا صاحبيَّ دعا لومي وتفنيدي وقال جرير بن عطية : يا عاذليّ دعا الملامَ وأقصر! طال الهوى وأطلتُما التفنيدا(٢) وقال آخر: أهلكتني باللوم والتفنيد(٣) والفند: الخطأ في الكلام والرأي ويقال: أفند فلاناً الدهر إذا أفسده، ومنه قول ابن مُقبل : دَعْ الدهر يفعل ما أراد فإنّه إذا كُلّف الافناد بالناس أفندا (٤) ﴿قَالُوا﴾ يعني أولاد أولاده ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَاَلِك﴾ خطأك ﴿الْقَدِيم﴾ من حبّك يوسف لا تنساه، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير﴾ المُبشّر برسالة يوسف، قال ابن عباس: البريد يهوذا بن يعقوب، ابن مسعود: جاء البشير من بين يدي العِير قال السدّي: قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص مُلطّخاً بالدم إلى يعقوب وأخبرته أنّ يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنّه حيّ وأفرحه كما أحزنته، قال ابن عباس: حمله يهوذا دونهم، وخرج حاسراً حافياً وجعل يعدو" حتى أتى أباه، وكان معه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها، وكانت المسافة ثمانين فرسخاً، وروى الضحّاك عن ابن عباس، قال: البشير مالك بن ذعر من أهل مدين. ﴿أَلْقَاه﴾ يعني ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، ﴿فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾: فعاد بصيراً بعد ما كان عمي. عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبدالله السلمي: قال سمعتُ يحيى بن مسلم عمّن ذكره قال: كان يعقوب أكرم أهل الأرض على ملك الموت، وإنّ ملك الموت استأذن ربّه في أن يأتي يعقوب فأذن له فجاءه فقال يعقوب: يا ملك الموت أسألك بالذي خلقك، هل أخذت نفس يوسف فيمن قبضت من النفوس؟ قال: لا، قال مَلك الموت: يا يعقوب ألا أُعَلِّمك دُعاءً؟ قال: بلى، قال: قُل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يُحصيه غيرك، قال: فدعا به يعقوب في تلك الليلة فلم يطلع الفجر حتى طرح القميص على وجهه فارتدّ بصيراً، قال الضحّاك: رجع إليه (١) زاد المسير: ٤ / ٢١٣. (٢) تفسير الطبري: ١٣ / ٨١. (٣) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٦٠. (٤) تفسير الطبري: ١٣ / ٧٨. ٢٥٧ سورة يوسف، الآيات: ٩٤ - ١٠١ بصره بعد العمى والقوّة بعد الضعف والشباب بعد الهرم والسرور بعد الحزن. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف وأنّ الله يجمع بيننا ﴿قَالُوا﴾ بعد ذلك ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِين﴾ مذنبين. ﴿قَال﴾ يعقوب (عليه السلام): ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ في صلاة الليل، قال أكثر المفسّرين: أخّره من الليل إلى السحر، وذلك أنّ الدعاء بالأسحار لا يُحجب عن الله، فلمّا انتهى يعقوب إلى الموعد تقدّم إلى الصلاة بالسحر، فلمّا فرغ منها رفع يده إلى الله تعالى: اللهمّ اغفر لي حزني على يوسف وقلّة صبري عنه، واغفر لوٍلدي ما أتوا على يوسف، فأوحى الله إليه: إنّي قد غفرتُ لك ولهم أجمعين. قال محارب بن دثار: كان عمّ لي يأتي المسجد، قال: فمررت بدار عبدالله بن مسعود فسمعته يقول: اللهمّ إنّك دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت فهذا سحرٌ فاغفر لي. فسألته عن ذلك فقال: إنّ يعقوب أخّر استغفار بنيه إلى السحر بقوله: سوف أستغفر لكم ربّي. عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله وَل: ((سوف أستغفر لكم ربّي، يقول: حتى يأتي يوم (١) الجمعة)) [١٢٨](٢). قال وهب: كان يستغفر لهم كلّ ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، وقال طاووس: أخّر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ذلك ليلة عاشوراء. عن أبي سلمة عن عطاء الخراساني قال: طلب الحوائج إلى الشاب أسهل منها في الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، وقول يعقوب (عليه السلام): سوف أستغفر لکم ربّي. أبو الحسن الملاني الشعبي: قال: سوف أستغفر لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم استغفر لكم ربي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ﴾ روي أنّ يعقوب (عليه السلام) قال للبشير لمّا أخبره بحياة يوسف، قال: كيف تركت يوسف؟ قال: إنّه ملك مصر، فقال يعقوب: ما أصنع بالملك؟ على أيّ دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. فقال يعقوب: الآن تمّت النعمة. وقال الثوري: لمّا التقى يعقوب ويوسف (عليهما السلام) عانق كلّ واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبة بكيتَ عليَّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ قال: بلى بُنيّ، ولكن خشيت أن تُسلب دينك، فيُحال بيني وبينك. (١) في المصدر: ليلة الجمعة. (٢) سنن الترمذي: ٥ / ٢٢٤، تفسير الطبري: ١٣ / ٨٥. ٢٥٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي قالوا: قد كان يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب جهازاً ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده أجمعين، متهيّأ يعقوب للخروج إلى مصر، فلمّا دنا من مصر كلّم يوسف الملك الذي فوقه فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهما، يتلقون يعقوب، ويعقوب يمشي ويقود ركابه يهوذا، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال ليهوذا : هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا إبنك. فلمّا دنا كلّ واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع من ذلك وكان يعقوب أحقّ بذلك منه وأفضل، فابتدأه يعقوب بالسلام وقال: السلام عليك أيّها الذاهب بالأحزان، فذلك قوله عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِين﴾ . فإن قيل: كيف قال لهم يوسف: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين بعدما دخلوها، وقد أخبر الله أنّهم لما دخلوا على يوسف وضمّ إليه أبويه قال لهم هذا القول حين تلقّاهم قبل دخولهم مصر كما ذكرنا . وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، وهذا الاستثناء من قول يعقوب حين قال: سوف أستغفر لكم ربي ومعنى الكلام: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ إن شاء الله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ . فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر آمنين ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش﴾ وهذا معنى قول أبي جرير، وقال بعضهم: إنّما وقع الاستثناء على الأمن لا على الدخول كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِيْن﴾(١) وقول رسول الله وَّ عند دخول المقابر: ((وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون)) [١٢٩](٢). فالاستثناء وقع على اللحوق بهم لا على الموت، وقيل: (إنْ) هاهنا بمعنى (إذْ) كقوله تعالى: ﴿وَذَّرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾(٣)، وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنْن﴾ (٤)، وقوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحْصُّنَا﴾(٥). وقال ابن عباس: إنّما قال: آمنين لأنّهم فيما خلا كانوا يخافون ملوك مصر ولا يدخلون مصر لأنّهم لا جواز لهم، وأمّا قوله تعالى ﴿آوَى﴾ فقال ابن إسحاق: أباه وأمّه وقال الآخرون: (١) سورة الفتح: ٢٧. (٢) صحيح مسلم: ١ / ١٥٠. (٣) سورة البقرة: ٢٧٨. (٤) سورة آل عمران: ١٣٩. (٥) سورة النور: ٣٣. ٢٥٩ سورة يوسف، الآيات: ٩٤ - ١٠١ أبوه وخالته لعيّا، وكانت راحيل أمّ يوسف قد ماتت في نفاسها وتزوّج يعقوب بعدها أُختها لعيا فسمى الخالة أُمّاً كما سمّى العمّ أباً في قوله: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسجق﴾ وروى اسحاق عن بشر عن سعيد عن الحسن، قال: نشر الله راحيل أمّ يوسف من قبرها حتى سجدت تحقيقاً للرؤيا . ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش﴾ على السرير، يعني أجلسهما عليه قال ابن اسحاق يعني رفع اسمهما ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ يعني يعقوب وخالته وإخوته، وكانت تحيّة الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض، لأنّ ذلك لا يجوز إلاّ للهِ تعالى وإنّما هو الانحناء والتواضع على طريق التحيّة والتعظيم والتسليم إلاّ على جهة العبادة والصلاة، وهذا قول الأعشى بن ثعلبة : سجدنا له ورفعنا العمارا (١) فلمّا أتانا بعيد الكرى فضول أزمتها لأمّها أسجدت وقال آخر : سجود النصارى لأربابها (٢) وقيل: السجود في اللغة الخضوع كقول النابغة (٣): بجمع تضل البلق في حجراته ترى ألاكم فيه سُجّداً للحوافِر (٤) أي متطامنة ذليلة . قال [ثعلبة]: خرّوا يعني مرّوا، ولم يرد الوقوع والسقوط على الأرض، نظيره قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُوا عليها صُمّاً وعُمْيانا﴾(٥) إنّما أراد لم يمرّوا كذلك، مجاهد: بمعنى المرور، وروي عن ابن عباس أنّ معناه خرّوا لله سُجّداً فقوله: له كناية عن الله تعالى ﴿وَقَال﴾ يوسف عند ذلك واقشعرّ جلده: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾، وهو قوله ﴿إنّي رَأيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ . واختلفوا في مدّة غيبة يوسف عن يعقوب، فقال الكلبي: مائتان وعشرون سنة، سلمان الفارسي: أربعون سنة، عبدالله بن شدّاد: سبعون سنة وقيل: سبع وسبعون سنة، وقال الحسن: أُلقي يوسف في الجُب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقائه (١) الصحاح: ٢ / ٧٥٨. الصحاح: ٢ / ٤٨٤، تفسير القرطبي: ١ / ٢٩١ وفيه لأخبارها بدل لأربابها. (٢) (٣) في المصدر: كقول زيد الخيل بدل النابغة. (٤) الصحاح: ٢ / ٤٨٣، تفسير الطبري: ١ / ٤٢٧. (٥) سورة الفرقان: ٧٣. ٢٦٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي بيعقوب ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائه سنة، وفي التوراة: مائة وستّ وعشر سنين. في قول ابن إسحاق بن يسار: ثمانين وسبعة أعوام، وقال ابن أبي إسحاق: ثماني عشرة سنة، وولد ليوسف من امرأة العزيز: افراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوّب، وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْن﴾ ولم يقل من الجبّ استعمالا للكرم لئلا يذكّر إخوته صنيعهم، وقيل: لأنّ نعمة الله عليه في النجاة من السجن أكبر من نعمته عليه في إنقاذه من الجب، وذلك أنّ وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، ووقوعه في السجن مكافأة من الله لزلّة كانت منه . ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ﴾ وذلك أنّ يعقوب وبنوه كانوا أهل بادية ومواشي، والبدو مصدر قولك: بدا، يبدو، بدوّاً، إذا صار بالبادية، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أفسد ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيف﴾ ذو لُطف وصنع ﴿لِمَا يَشَاء﴾ عالم بدقائق الأمور وحقائقها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمِ﴾ . روى عبدالصمد عن أبيه عن وهب: قال: دخلوا - يعني يعقوب وولده - مصر وهم اثنان وسبعون إنساناً ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاطنهم ستّمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا سوى الذرّية والهرمى والزمنى، وكانت الذرّية ألف ألف ومائتا ألف سوى المقاتلة. قال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر بعد موافاته بأهله أربعاً وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش، ثمّ مات بمصر، ولمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل یوسف ذلك ومضى به حتی دفنه بالشام، ثمّ انصرف إلى مصر. قال سعيد بن جبير: نُقل في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ووافق ذلك يوم مات عيصوا فدفنا في قبر واحد، فمن ثَمّ تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس من فعل ذلك منهم، وولد يعقوب وعُيص في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعاً مائة وسبعة وأربعين سنة. قالوا: فلمّا جمع الله ليوسف شمله وأقرّ له عينه وأتمّ له رؤياه، وكان موسّعاً له في ملك الدنيا ونعيمها علم أنّ ذلك لا يدوم له وأن لا بدّ له من فراقه فأراد نعيماً هو [أدوم] منه، فاشتاقت نفسه إلى الجنّة فتمنى الموت ودعا ربّه، ولم يتمنَّ نبي قبله ولا بعده الموت فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ﴾ يعني ملك مصر ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيث﴾ يعني تعبير الرؤيا ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْض﴾ أي خالقها وبارئها. ﴿أَنْتَ وَلِي﴾ مُعيني ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ تتولّى أمري ﴿تَوَفَّنِي﴾ اقبضني إليك ﴿مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ بآبائي النبيين.