النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة يوسف، الآيات: ٣٦ - ٥٣ عِنْدَ رَبّكَ فَلَبِثَ فِي السِجْنِ بِضْعَ سِنِيْنِ فَأَنْسَاهُ الشيطانُ ذِكْرَ رَبِّه﴾، وحين قال لهم: ﴿إنّكُمْ لَسَارِقُوْنَ فَقَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَّهُ مِن قَبْل﴾ . وَدَخَّلَ مَعَهُ اٌلْسِّجْنَ فَشَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَبِّ أَعْصِرُ خَيْرٌ وَقَالَ الْآَخَرُ إِّ أَرَضِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِ خُبْزَا تَأْكُلُ اَلَيْرُ مِنْهُ نَفِتْنَا بِتَأْوِيِ. إِنَّا نَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦َ قَالَ لَا يَأْنِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَفَائِهِ: إِلَّ نَأَتَكُمَا بِتَأْوِيلِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَّكُمَّأْ ذَلِكُمَا مِنَّا عَلَّمَنِ رَبِّ إِّ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (٣٧) وَأَتَّعْتُ مِلَّةَ ءَبَِّىَّ إِثْزِهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَا أَنْ نُشْرَِ بِاللَّهِ مِنْ شَّىَّءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٦) بَصَحِى السَّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَغَرِفُونَ خَّرُ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿َ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَّيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمْ مََّ أَنْزَّلَ اَلَهُ بِهَا مِنْ سُلْطَائِنَّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ لِلَّهِ أَمَّرَ أَلَّ تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّاهُ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ بَصَحِ السِّجْنِ أَمََّ أَحَذُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الظَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَغْتِيَانِ ﴿ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجَ مِنْهُمَا أَذْكُرْبِ ◌ِدَ رَبِّكَ فَأَسَلَهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَثَ فِىِ اٌلْسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَىْ سَبْعَ بَقَرَتٍ مِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَبْعَ سُْلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتِ بَأَيُّهَا الْعَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُوْيَىَ إِن كُنتُمْ لِلرَّهِيَا تَعْبُرُونَ (٣) قَالُواْ أَضْغَثُ أَعْلَهِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى فَمَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّهِ أَنَّ أَنَبِّئُكُم بِتَأْوِ. فَأَرْسِلُونِ ﴿ يُوسُفُ أَنْهَا الصِّذِيِقُ أَفْتِنَا فِى سَيْعِ بَقَرَّتٍ سِمَانٍ بَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَيْعٍ سُمْلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَّ بَابِسَتِ لَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ فَلَ تَزْرَعُونَ سَبَّعَ سِينَ دَأَبَا فَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنَبْلِهِ إِلَّا قَلِلًا مِّعَا فَأَكُونَ (٨٣) ثُمَّ بَأَنِى مِنْ بَعْدِ ◌َلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ بَأْكُنَ مَا فَدَّمْتُمْ لَمُنَّ إِلَّا قَلِلًا مِمَّا تُمْمِنُونَ (٦٨) ثُمَّ ◌َأْنِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ بُغَاثُ النَّاسُ وَقَالَ الْكُِ أَثْنُنِي بِهِّ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ فَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَشْشَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ ٤٩ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ◌َّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِيَّهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيْدِ مِنَّ عَلِيمٌ ﴿٤َ قَالَ مَا خَطِيُكُنَّ إِذْ زَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوَءٍ قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَّ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَّأْ رَوَدَنُمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لِمِنَ الصَّدِقِينَ وَمَا أُبْرِىُّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ ٥٢ ﴿ ذَلِكَ لِعَلَمْ أَنِى لَمْ أَخُنَّهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَبْدَ الْحَابِينَ ٥٣ ◌َأَمَّارَةٌ بِالشُّوَءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورُ زَّحِيمٌ ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان﴾ وهما غلامان كانا للملك الأكبر الوليد بن الريان، أحدهما خبّازه صاحب طعامه واسمه مجلِث، والآخر ساقيه صاحب شرابه واسمه بنو غضب عليهما الملك فحبسهما، وذلك أنّه بلغه أنّ خبازه يريد أن يسمّه وأنّ ساقيه مالا على ذلك، وكان السبب أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فدسّوا إلى هذين، وضمنوا لهما ما لا ليسُمّا طعام الملك وشرابه فأجاباهم إلى ذلك، ثمّ إنّ الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة فسمّ الطعام. ٢٢٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي فلمّا حضر وقته وأحضر الطعام، قال الساقي: أيّها الملك لا تأكل فإنّ الطعام مسموم، فقال الخباز: لا تشرب أيّها الملك فإنّ الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضرّه، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، فجرّب ذلك الطعام على دابّة من الدواب فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما . وكان يوسف لمّا دخل السجن قال لأهله: إنّي أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيان لصاحبه: هلمّ فلنجرّب هذا العبد العبراني، فتقرّبا له وسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، قال عبدالله بن مسعود: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنّما كانا تحالفا أن يُجرّبا علمه . روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل: ((من أرى عينيه في المنام ما لم تَريا كُلِّف أن يعقد بين شعرتين(١) يوم القيامة، ومن استمع لحديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أُذنه الانك))(٢) [١١٦]. وقال قومٌ: كانا رأيا على صحّة وحقيقة، قال مجاهد: لمّا رأى الفتيان يوسف قالا له: والله لقد أحببناك حين رأيناك فقال لهما يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني؛ فإنّه ما أحبّني أحد قط إلاّ دخل عليَّ من حبّه بلاء. لقد أحبتني عمّتي فدخل عليّ في حبّها بلاء، ثمّ أحبّني أبي فدخل عليَّ بحبه بلاء ثمّ أحبتني زوجة الملك هذا، فدخل عليّ بحبّها إيّاي بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما، قال: فأبيا إلّ حبّه وأُلفته حيث كان، وجعلا يُعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف فقال له الساقي: أيّها العالم إنّي رأيتُ كأنّي غرستُ حبّة من عنب عليها ثلاث عناقيد من عنب فحبستها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه. وقال الخبّاز: إنّي رأيتُ كأنّ فوق رأسي ثلاث سِلال فيها الخبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منه، فذلك قوله تعالى: ﴿قال أَحَدُهما﴾ يعني بنو ﴿إِنّي أَرَانِي﴾ أي رأيتني، ﴿أعْصِرُ خَمْراً﴾ يعني عنباً بلغة عمان، ويدلّ عليه عليه قراءة ابن مسعود أعصرُ عنباً. قال الأصمعي: أخبرني المعتمر أنّه لقي أعرابياً معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر، ومنه يُقال للخلّ العنبي خلُّ خمرة، وهذا على قرب الجوار، قال القتيبي: وقد تكون هي الخمر بعينها كما يُقال: عصرتُ زيتاً وإنّما عصر زيتوناً. وقال الآخر: وهو مجلِث: ﴿إنّي أرَاني أحْمِلُ فوقَ رأسي خُبزاً تأكُلُ الطيرِ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتأوِيْلِه﴾ أخبرنا تفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا. (١) في كنز العمال: ٣٧٤/١٥، ح ٤١٤٤١: شعيرتين. (٢) سنن الدارمي: ٢٩٨/٢، كنز العمال: ٦٦٢/٣، ح ٨٣٩٧. ٢٢٣ سورة يوسف، الآيات: ٣٦ - ٥٣ ﴿إِنّا نَراكَ مِن المُحسِنِيْن﴾ أي العالِمين الذين أحسنوا، قال الفرّاء وقال ابن اسحاق: إنّا نراك من المحسنين إلينا إن فعلت ذلك وفسّرت رؤيانا، كما يُقال: افعل كذا وأنت مُحسن. وروى سلمة بن نبط عن الضحّاك بن مزاحم في قوله: ﴿إِنّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِيْن﴾ ما كان إحسانه؟ قال كان إذا مرض رجل في السجن قام إليه، وإذا ضاق وسع له، وإن احتاج جمع له، وسأل له . قتادة: بلغنا أنّ إحسانه كان يُداوي مريضهم، ويُعزّي حزينهم، ويجتهد لربّه. وقيل: لمّا انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، وإنّ لهذا لأجراً وثواباً، فقالوا له: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك بالحبس، إنّا كُنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخلّيت سبيلك، ولكن ما أحسن جوارك وأحسن أخبارك! فكنْ في أي بيوت السجن شئت. فكره يوسف (عليه السلام) أن يعبر لهما ما سألاه لِما عَلِمَ في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره، قال لهما: ﴿لا يأتِيْكُما طَعامٌ تُرزَقانه﴾ في نومكما ﴿إِلّ نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيْلِهِ﴾ في اليقظة. هذا قول أكثر المفسّرين، وقال بعضهم: أراد به في اليقظة فقال: ﴿لا يأتيكما طعام تُرزقانه﴾ تطعمانه وتأكلانه ﴿إلاّ نبّأْتُكُما بتأويله﴾ بتفسيرة قال: إنّه أيّ طعام أكلتم ومتى أكلتُم وكم أكلتُم، فقالا له: هذا من فعل العَرّافين والكهنة، فقال لهما (عليه السلام): ما أنا بكاهن وإنّما ﴿ذلِكُما﴾ العلم ﴿مِمّا عَلْمَني رَبِّ إنّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قوم لا يُؤمِنُوْنَ بالله وَهُم بِالآخِرةِ هُمُ كافِرُوْن﴾ كرّرهُم على التأكيد. وقيل: هم الأوّل جماد كقوله تعالى: ﴿أيعدكم أنّكم إذا مُتّم وكُنتم تُراباً وَعِظاماً أنّكم مُخْرَجُون﴾(١) فصارت الأولى المُلغاة والثانية ابتداء، وكافرون خبره. ﴿واتّبعتُ ملّة آبائي﴾ فتح ياءه قومٌ وسكّنها آخرون، [فما وفي] أمثالها فالجزم على الأصل والفتح على موافقة الألف استقلّته لأنّها أُخت الفتحة وقرأها الأعمش آبَاي إبْرَاهِيْمَ دُعَاي إلاّ فِرَاراً مقصوراً غير مهموز وفتحَ ياءهما مثل [ ... ]. ﴿إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ مَا كَانَ لَنا﴾ ما ينبغي ﴿أن نُشْرِكَ باللهِ مِنْ شَيءٍ﴾ من صلة، تقديره: أن نشرك بالله شيئاً . (١) سورة المؤمنون: ٣٥. ٢٢٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ذلِكَ﴾ التوحيد والعلم ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعلى الناسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون﴾ فأراهما يوسف فطنته وعلمه ثمّ دعاهما إلى الإسلام، فأقبل عليهما وعلى أهل السجن وكان بين أيديهم أصناماً يعبودنها فقال إلزاماً للحُجّة ﴿يَا صَاحِبَي السِجنِ﴾ جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه كقوله تعالى لسكّان الجنّة ﴿أصْحاب الجنّة﴾(١) ولسكّان النار: ﴿أصحاب النار﴾(٢). ﴿أأربابٌ مُتَفَرِّقُوْنَ﴾ آلهة شتى لا تنفع ولا تضرّ ﴿خَيرٌ أم اللهِ الواحد﴾ الذي لا ثاني له ﴿القَهّار﴾ قد قهر كلّ شيء، نظيرها، قوله: ﴿الله خيرٌ أمَّا يُشرِكُوْن﴾(٣) ثمّ بين الحجر والأصنام وضعفها فقال: ﴿ما تَعْبُدُوْنَ مِن دُوْنِهِ﴾ أي ممّن دون الله، وإنّما قال ما تعبدون وقد ابتدأ الكلام بخطاب الإثنين لأنّه قصد به جميع من هو على مثل حالهما من الشرك، ﴿إلاّ أَسْماءً سَمّيتُموها﴾ وذلك تسميتهم أوثانهم آلهةً وأرباباً من غير أن تكون تلك التسمية حقيقة، ﴿أَنْتُم وآباؤكم ما أنزلَ اللهُ بِها مِن سُلْطان﴾ حجّة وبرهان ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ القضاء والأمر والنهي، ﴿إِلّ لله أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلّ إيّاه﴾ نظيره ﴿وما أُمِرُوا إلّ لِيَعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، ﴿ذلك﴾ الذي دعوتكم إليه من التوحيد وترك الشرك، ﴿الديّنُ القيّم﴾ المُستقيم، ﴿ولكنّ أكثَرَ الناسِ لا يعلمون﴾ . ثمّ فسّر رؤياهما فقال: ﴿يا صاحِبَي السِجْنِ أمّا أحدكما﴾ وهو الساقي، ﴿فيسقي رَبّ﴾ سيّده يعني الملك ﴿خَمْرَاً﴾ وأمّا العناقيد الثلاثة التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يُخرجه الملك ويكون على ما كان عليه، ﴿وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَب﴾ وأمّا السلال الثلاث التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يخرجه الملك [في] اليوم الرابع فيصلبه، فتأكل الطير من رأسه. قال ابن مسعود: لمّا سمعا قول يوسف قالا: ما رأينا شيئاً إنّما كنا نلعب، فقال يوسف (عليه السلام): ﴿قُضِيَ الأمرُ الذي فِيْهِ تَسْتَفْتِيان﴾ أي فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به. معلّى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال: سمعتُ النبي وَل يقول: ((إنّ الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر فإذا عُبِّرت وقعت، وإنّ الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة، فأحسبه قال: لا تقصّه إلاّ على ذي رأي)) [١١٧] (٤). وأخبرنا عبدالله بن حامد عن إسماعيل بن محمد عن الحسن بن علي بن عفان عن ابن نمير (١) سورة الأعراف: ٤٤ . (٢) سورة الأعراف: ٤٤ . (٣) سورة النمل: ٥٩. (٤) مسند أحمد: ٤ /١٠. ٢٢٥ سورة يوسف، الآيات: ٣٦ - ٥٣ عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله وسلم: ((الرؤيا لأول عابرة))(١) [١١٨]. ﴿وقال﴾ يوسف عند ذلك، ﴿للذِي ظَنّ﴾ علم، ﴿أنّه ناج منهما) وهو الساقي، هذا قول أكثر المفسّرين، وفسّره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين، وقال: إنّما عبارة الرؤيا بالظنّ ويخلق الله ما يشاء، والقول الأوّل أولى وأشبه بحال الأنبياء، ﴿اذْكُرْني عِنْدَ رَبِّك﴾ سيّدك يعني الملك، وقيل له: إنّ في السجن غلاماً محبوساً ظُلماً ﴿فأنساهُ الشيطانُ ذِكْرَ ربّه﴾ يعني أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عزّ وجل حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بالمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان، ونسي لهذا ربّه عزّ وجلّ الذي لو به استغاث لأسرع خلاصه ولكنّه [غفل] وطال من أجلها حبسه. وقال محمد بن إسحاق: الهاء راجعة في قوله ﴿أنساه الشيطان﴾ إلى الساقي فنقول: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك وعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأنساه الشيطانُ ذكره لربه كقوله: خوف ﴿ يُخَوِّف أوْلِياءه﴾(٢) أي يخوّفكم بأوليائه. ﴿فَلَبِثَ﴾ مكث، ﴿في السجْنِ بِضْعَ سِنِيْن﴾ اختلف العلماء في معنى بضع فقال أبو عُبيدة: هو ما بين الثلاثة إلى الخسمة، ومجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع، الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وابن عباس: ما دون العشرة، وزعم الفرّاء أنّ البضع لا يذكر إلاّ مع العشرة والعشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيتُ العرب تعمل ولا يقولون: بضع ومائة ولا بضع وألف، وإذا كانت للذكران قيل: بضعة، وأكثر المفسّرين على أنّ البضع في هذه الآية سبع سنين، قال وهب: أصاب أيوب (عليه السلام) البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذّب بخت نصّر فحُوِّل في السباع سبع سنين. روى يونس عن الحسن قال: قال رسول الله وَله: ((رحم الله يوسف، لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث))(٣) [١١٩]، يعني قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك﴾ قال: ثمّ بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر نزعنا إلى الناس، وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربّك، قيل له: يا يوسف اتّخذتَ من دوني وكيلا لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف (عليه السلام) وقال: يا ربّ إنّي رابني كثرة الطوى فقلت كلمة، فويلٌ لأخوتي. وحُكي أنّ جبرئيل دخل على يوسف (عليهما السلام)، فلمّا رآه يوسف عرفه وقال: يا أخا (١) النهاية في غريب الحديث: ٨١/١، وفيه عابر بدل عابرة. (٢) جامع البيان للطبري: ٢٩١/١٢. · (٣) سورة آل عمران: ١٧٥. ٢٢٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي المنذرين ما لي أراك بين الخاطئين؟، ثمّ قال له جبرئيل: يا طاهر الطاهرين، يقرأ عليك السلام ربّ العالمين ويقول: مالَكَ؟ أما استحييت منّي إذ استغثت بالآدميين؟، فوعزّتي لألبثنّك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عليّ راض؟ قال: نعم، قال إذاً لا أُبالي. وقال كعب: قال جبرئيل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حبّكَ إلى أبيك؟ قال: الله، قال فمن أنيسك في البئر إذ دخلته عريان؟ قال: الله، قال: فمن نجّاك من كُرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علّمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ فلمّا انقضت سبع سنين، قال الكلبي - وهذه السبعة سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك - ولمّا دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الأكبر رؤياً عجيبة هائلة وذلك أنّه رأى، ﴿إنّي أرى سَبْعَ بَقَرَات سِمان﴾ خرجن من نهر يابس وَسَبْعُ بَقَرَات عِجَاف أيّ مهازيل فابتلعت العجاف السمان، أكلنهنّ حتى أتين عليهنّ فلم يُرَ منهنّ شيئاً، وَأَرَى سَبْع سُنْبُلات خُضْر قد انعقد حبّها وسبعاً أُخَر يَابِسَات قد استحصدت وأفركت والتفّت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة وقصّها عليهم وقال: ﴿يا أَيُّها المَلأ﴾ أي الأشراف ﴿أَنْتُوْنِي فِي رُؤيْاي﴾ فا عبروها، ﴿إِنْ كُنْتُم لِلرُّؤْيَا تَعْبُرون﴾ تفسّرون، والرؤيا: الحلم وجمعها رؤى. ﴿قَالُوا أَضْغَاتُ أحْلامِ﴾ أي أحلام مختلطة مُشتبهة، أهاويل بأباطيل، واحدها ضغث، وأصله الحزمة من الزرع والحشيش، قال الله تعالى ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئاً﴾ قال ابن مقبل: أضغاث ريحان غداه شمال خُود كأنّ فراشها وضعت وقال آخر: طاو كضغث الخلا في البطن مُكتمنٍ (١) بحمى ذمار حين قلّ مانعه والأحلام جمع الحُلم وهو الرؤيا والفعل منه حُلمتُ وأحلمُ، بفتح العين في الماضي، وحلمتها في الغابرة لها وحُلماً فعاد فحذف يا من حالم. ﴿وما نحنُ بتأويلِ الأحلامِ بِعالِمِيْن﴾، ﴿وقالَ الَّذِي نَجا﴾ من القتل، منهما: من الفتيين وهو الساقي، ﴿وَادّكَرَ﴾: أي وتَذكر حاجة يوسف قوله: ﴿واذِكُرْنِي عِنْدَ ربّكَ﴾، ﴿بعد أمّة): بعد حين، قراء ابن عباس وعكرمة والضحّاك [بعد أَمَة] أي بعد نسيان ويُقال أَمَة، يأمَهُ، أمَهاً، إذا نسي، ورجل [ماهو] أي ذاهب العقل. وأنشد أبو عبيدة: (١) جامع البيان للطبري: ٢٩٥/١٢، وفيه: يعمي ذمار جنين قال مانعه طاو كضغت الخلا في البطن مكتمن ٢٢٧ سورة يوسف، الآيات: ٣٦ - ٥٣ أمِهتُ وكنت لا أنسى حديثاً. كذاك الدّهر يودي بالعقول(١) وقرأ مجاهد: أمْه، بسكون الميم وفتح الألف وهاء لخالصة، وهو مثل الأمه أيضاً وهما لغتان ومعناهما النسيان، ﴿أنا أنُّبِّتَكُم بِتأوِيْلِهِ﴾: أخبركم بتفسيره وما ترون ﴿فَأرْسِلون﴾: فأطلقوني، وأذنوا لي أمضي وأتكم بتأويله وفي الآية أختصار تقديرها فأرسلون، فأتي السجن، قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة ﴿فقال يوسف﴾ يعني يا يوسف، ﴿أيّها الصدّيق﴾: فيما عبّرت لنا من الرؤيا والصدّيق الكثير الصديق ولذلك سُمّي أبو بكر صدّيقاً، وفعيّل للمبالغة والكثرة مثل الفسيّق والضليل والشريب والخمير ونحوها . ﴿أَقْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات سِمَان﴾: الآية فإنّ الملك رأى هذه الرؤيا . ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إلى الناسِ﴾ أهل مصر، ﴿لعلّهم يَعْلَمُون﴾، تأويلها، وقيل: لعلّهم يعلمون فضلك وعلمك، فقال لهم يوسف مُعلّماً ومعبّراً: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبات، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات السنون المهولة المجدبة، وذلك قوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سبعَ سِنِيْنَ دَأَبَاً﴾ أي كعادتكم، وقال: بعضهم أراد بجدٍّ وواجتهاد وقرأ بعضهم دأباً بفتح الهمزة وهما لغتان، يقال دبت في الأمر أدأب دأباً ودأَبَاً إذا اجتهد، قال الفرّاء: وكذلك كلّ حرف فُتح أوّله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذ كان ثانيه همزة أو عيناً أوحاء أو خاء أو هاء. ﴿فَمَا حَصَدْتُم فَذَرُوْهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ في [بذره] ﴿إِلاّ قَليلا ممّا تأكُلُون﴾ وإنّما أشار عليهم بذلك بذلك ليبقى ولا يفسد، ﴿ثُمّ يأتِي بَعْدَ ذِلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني سبع سنين جدد بالقحط ﴿يَأْكُلْنَ ما قدّمْتُمْ لَهُنّ﴾ يعني يُؤكل، فيهنّ ما أعددتم لهنّ من الطعام في السنين الخصبة، وهذا كقول القائل : نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلة وليلك نومٌ والردى لك لازمٌ(٢). والنهار لا يسهو والليل لا ينام، وإنّما يُسهى في النهار ويُنام في الليل. ﴿إلّ قليلا ممّا تُحصنون﴾ أي: تخزنون وخزنون وتدّخرون. ﴿ثمّ يأْتِي بَعْدَ ذلِكَ عامٌ﴾ وهذا خبر من يوسف (عليه السلام) عمّا لم يكن في رؤيا الملك، ولكنّه من علم الغيب الذي آتاه الله عزَّ وجلَّ، كما قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: ﴿ثُمّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ عَامٌ فِيْهِ يُغاثُ الناس﴾ أي يمطرون بالغيث وهو المطر، وقيل: يُغاثون، من قول العرب استغثتُ بفلان وأغاثني، ﴿وفيهِ يَعْصِرُون﴾ قرأ أهل الكوفة إلاّ (١) لسان العرب: ٤٧١/١٣. (٢) البداية والنهاية: ٢٣١/٩. ٢٢٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي عاصماً تعصرون، بالتاء لأنّ الكلام كلّه بالخطاب، وقرأ الباقون بالياء ردّاً إلى الناس، قال أكثر المفسّرين يعصرون العنب خمراً، والزيتون زيتاً، والسمسم دُهناً، وإنّما أراد بعض الأعناب والثمار والحبوب كثرة النعم والخير، وروى الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تعصرون تحلبون، وقال أبو عبيدة: ينجون من الجدب والكرب، والعصر: المنجى والملجأ، وقال أبو زبيد الطائي: صادياً يستغيثُ غير مُغاث ولقد كان عصرة المنجود(١) وأخبرني أبو عبدالله بن فنجويه الدينوري، أبو علي بن حبش المقرئ، أبو القاسم بن الفضل المقرئ، حدّثني أبو زرعة، حدّثني حفص بن عمر، حدّثني أبو جميلة عن عيسى بن عُبيد قال: سمعتُ عيسى بن الأعرج يقرأها فيهِ يُغاثُ الناسُ وفيهِ يُعْصِرُون، برفع الياء قال: قلت: ما يُعصرون؟ قال: المطر أي تمطرون وقرأ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِن المُعْصِراتِ مَاءَ نَجّاجاً﴾(٢) . وَقَالَ الْمَلِكُ أَنْتُونِ بِ أَسْتَخَلِصْهُ لِنَفْسِّ فَلَّا كَلَّمَهٍُ قَالَ إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ ﴿ قَالَ أَجْعَلِىِ عَلَى خَزَّابِ الْأَرْضِّ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ (٥٥َّ وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ بَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بَِحْمَتَّنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿﴿ وَلَخْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَّقُونَ (٥٧ ﴿وَقَالَ المَلِكُ الْتُوْنِي بِهِ﴾ الآية، وذلك أن بنو لمّا رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه كالنهار، وعرف الملك أنّ الذي قال كائن، قال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، ﴿فلمّا جاءَهُ الرسول﴾ يوسف، وقال له: أخبر الملك أبى أن يخرج مع الرسول حتى يُظهر عذره وبراءته ويعرف صحة أمره من قبل النسوة ﴿فقال﴾ للرسول ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّك﴾ أيّ سيّدك يعني الملك ﴿فاسأله ما بالُ النسوةِ اللاتي قطّعنَ أيْدِيَهُنّ﴾ والمرأة التي سجنت بسوء فعلها وروى عبدالحميد بن صباح البرجمي ومحمد بن حبيب الشموني عن أبي بكر بن عباس عن عاصم قرأ النسوة بضمّ النون. ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهنّ عَلِيْم﴾ إنّ الله تعالى بصنيعهنّ عالم، وقيل: معناه: إنّ سيدي قطفير العزيز عالم ببراءتي ممّا ترميني به المرأة. قال ابن عباس: فأخرج يوسف يومئذ قبل أن يسلّم الملك لشأنه، فمازالت في نفس العزيز منه شيء يقول: هذا الذي راود امرأتي، قال رسول الله وَ له: (لَقَد عَجبتُ من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى (١) الصحاح: ٧٤٩/٢. (٢) سورة النبأ : ١٤ . ٢٢٩ سورة يوسف، الآيات: ٥٤ - ٥٧ اشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حتى أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربّك، ولو كنتُ مكانه ولبث في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة ولبادرتهم الباب، وما ابتغيت الغفران كان حليماً ذا أناة)) [١٢٠](١). ﴿قال ما خَطْبُكُنَّ﴾: الآية، في الكلام متروك قد استُغني عنه (يدلّ) الكلام عليه، وهو: فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالة، فدعا الملك النسوة اللاتي قطّعنَ أيديهنّ وامرأة العزيز فقال لهنّ: ما خطبكنّ: ما شأنكنّ وأمركنّ ﴿إِذْ راوَدْتُنّ يوسف عن نَفْسِه﴾، فأحبنه ﴿فقُلن حاشَ لله﴾ معاذ الله، ﴿ما عَلِمنا عليه من سوء قالت امرأهُ العزيز الآن حَصْحَصَ الحقّ﴾ أيّ ظهر وتبيّن والأصل فيه: حصّ وقيل: حصّص، كما قيل: كبكبوا في كبوا، وكفكف في كفّ، وردد في ردّ، وأصل الحَص استئصال الشيء، يقال حصَّ شعره إذا استأصله جَزّاً، وقال أبو قيس ابن الأصلت : قد حصّت البيضة رأسي فما أطعم نوماً غير تهجاع(٢) وتعني بالآن حصحص الحقّ: ذهب الباطل والكذب وانقطع وتين الحق فظهر وبهر ﴿أنا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فتنتُه عن نفسه، ﴿وإنّه لَمِنَ الصادقين﴾ في قوله: ﴿هي راودتني﴾. فلما سمع ﴿ذلك﴾ يوسف، قال: ليعلم ذلك الذي [مضى] من ردّي رسول الملك في شأن النسوة ﴿ليعلم﴾ العزيز. ﴿أَنّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته ﴿بالغيب﴾ في حال غيبتي عنه ﴿وأنّ اللهَ لا يهدي كَيْدَ الخائنين﴾ واتّصل قول يوسف: ﴿ذلكَ لَيَعْلَمَ أنّي لم أَخُنْهُ بالغَيْب﴾ بقول المرأة: ﴿أنا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِه﴾ من غير تبيين، وفرّق بينهما لمعرفة السامعين معناه، كاتّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلون﴾(٣) بقول بلقيس: ﴿وَجَعَلوا أَعِزَّة أَهْلِها أذِلَّة﴾ وكذلك قول فرعون لأصحابه: ﴿فماذا تأمرون﴾ وهو متّصل بقول الملأ: ﴿يُريد أَنْ يُخْرِجُكُم مِن أرْضِكُم بِسِخْره﴾(٤). روى أبو عُبيدة عن الفراء أنّه قال هذا من أغمض ما يأتي في الكلام أنّه حكى عن رجل شيئاً ثمّ يقول في شيء آخر من قول رجل آخر لم يجر له ذكر. وحدّثنا الحسين بن محمد بن الجهمين، عبدالله بن يوسف بن أحمد بن علي قال: حدّثنا علي بن الحسين بن مجلز، قال الحسن بن علي البغدادي، خلف بن تيم عن عطاء بن مسلم عن (١) تفسير مجمع البيان: ٤١٣/٥، بتمامه، جامع البيان للطبري: ٣٠٧/١٢، بتفاوت يسير. (٢) الصحاح: ١٠٣٢/٣. (٣) سورة النمل: ٣٤. (٤) سورة الشعراء: ٣٥. ٢٣٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الخفاف عن جعفر بن نوفان عن ميمون بن مهران عن عبدالله بن عمر أنّ علي بن أبي طالب أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه بالسلام وقال إنّي قد جئتُ لأنصرك فأرسل إليه بالسلام وقال: جزاك الله خيراً، لا حاجة في قتال القوم، فأخذ عليّ عمامته عن رأسه، فنزعها فألقاها في الدار ثمّ ولّى وهو يقول ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِيْن﴾ . قال أهل التفسير: لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبرئيل: ولا حين هممت بها؟ فقال عند ذلك يوسف ﴿وما أُبَرِّى نَفْسِي﴾ من الخطأ والزلل فاركبها، ﴿إنّ النفسَ لأمّارةٌ بالُّسوْءِ﴾ بالمعصية ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ يعني إلاّ من رحمه ربي فعصم، و ﴿ما﴾ بمعنى مَن كقوله تعالى ﴿فَانْكحوا ما طابَ لَكُم من النساءِ﴾(١) أي مَن طاب، وقوله إلاّ استثناء منقطع عمّا قبله كقوله تعالى: ﴿ولا هُم يُنْقَذُوْنَ * إِلَّ رَحْمَةً مِنّا﴾(٢) يعني إلاّ أن يُرحموا، فإنّ إذا كانت في معنى المصدر تضارع ما . ﴿إِنّ رِبّ غَفُورٌ رَحِيْم﴾، فلمّا تبيّن للملك [حق] يوسف وعرف أمانته وعلمه، قال: ﴿اقْتُوْنِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصاً لي دون غيره، فلمّا جاء الرسول يوسف قال له: أجب الملك، الآن، فخرج يوسف ودعا لأهل السجن بدعوة تعرف إلى اليوم وذلك أنّه قال: اللهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار وأنعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلدة، فلمّا خرج من السجن كتب على باب السجن: (هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وحرقة الأصدقاء وشماتة الأعداء)، ثمّ اغتسل يوسف (عليه السلام) وتنظّف من قذر السجن، ولبس ثياباً جدداً حساناً، وقصد الملك. قال وهب: فلمّا وقف بباب الملك قال (عليه السلام): حسبي ربي من دُنياي، وحسبي ربّي من خلقه، عزّ جاره، وجلّ ثناؤه ولا إله غيره. ثمّ دخل الدار، فلمّا دخل على الملك قال: اللهمّ إنّي أسألك عزّك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره، فلمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربية، فقال له: الملك، ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمّي اسماعيل، ثمّ دعا له بالعبرانية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي. قال وهب: وكان الملك يتكلّم بسبعين لساناً، فكلّما كلّم يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأجابه الملك، فأعجب الملك ما رأى منه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلمّا رأى الملك حداثة سنة، قال لمن عنده: إنّ هذا علم تأويل رؤياي ولم يعلمه السحرة والكهنة، (١) سورة النساء: ٣. (٢) سورة يس: ٤٣ - ٤٤. ٢٣١ سورة يوسف، الآيات: ٥٤ - ٥٧ ثمّ أجلسه على سريره، وقال له: إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاهاً، فقال له يوسف: نعم، أيّها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان، كشف لك عنهنّ النيل وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبناً، فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجّب من حسنهنّ إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبساً، فخرج من حمأته ووحله سبع بقرات عجاف شُعث غُبر مقلّصات البطون، ليس لهُنّ ضروع ولا أخلاف، ولهنّ أنياب وأضراس وأكفّ كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسنهنّ افتراس السبع، فأكلن لحومهنّ ومزّقنَ جلودهنّ وحطّمن عظامهنّ وتشمشن مخّهنّ. فبينا أنت تنظر وتتعجّب وإذا بسبع سنابل خضر وسبع أُخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنتَ تقول في نفسك: أنّى هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد، وأصولهنّ في الماء إذ هبّت ريح فذرّت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهنّ النار فاحرقتهنّ وصرنَ سوداً متغيّرات. فهذا آخر ما رأيت من الدنيا ثمّ انتبهت من نومك مذعوراً، فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجباً بأعجب ممّا سمعته منك، فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع الزرع الكثير في هذه السنين المخصبة وتبني [الأهواء] والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله ليكون قصبه وسنبله علفاً للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه و[يبيعه] ويكفي الشغل فيه؟ فقال: يوسف ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنُ الأرْضِ﴾ مجاز الآية: على خزائنّ أرضك وهي جمع الخزانة فدخلت الألف واللام خلفاً من الإضافة، كقول النابغة: والأحلام غيرُ كواذب. ﴿إِنّ حَفِيْظٌ عَلِيْمٌ﴾: كاتب حاسب، قتادة: حفيظ لما وليت، علهم بأمره، ابن اسحاق: حفيظ لما استودعتني، عليمٌ بما وليّتني، شيبة الضبي: حفيظ لما استودعتني وعليمٌ بسنيّ المجاعة، الأعشى: حافظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة من سألني، الكلبي: حفيظ التقدير في هذه السنين الجدبة، عليمٌ بوقت الجوع متى يقع، وقيل: حفيظ لما وصل إليّ عليم بحسابة المال، فقال له الملك: ومَن أحقّ به منك؟ فولاه ذلك، وَقَالَ لَهُ: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِيْنٌ أَمِيْنٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن، روى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول الله قال: ((رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنّه أخّر ذلك سنة فأقام عنده في بيته سنة مع الملك [١٢١](١). (١) زاد المسير: ١٨٥/٤، تفسير القرطبي: ٢١١/٩. ٢٣٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي روى سفيان عن أبي سنان عن عبدالله بن أبي الهذيل، قال: قال الملك ليوسف: إنّي أُريد أن تخالطني في كلّ شيء غير أنّي آنف أن تأكل معي، فقال يوسف (عليه السلام): أنا أحقّ أن آنف، أنا ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فكان يأكل بعدئذ معه . روى حمزة الريّان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة، قال: لما رأى العزيز رأي يوسف وظرفه دعاه وكان يتغذّى ويتعشى معه دون غلمانه، فلمّا كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له مرّة: فليتغذّ مع الغلمان، فقال: اذهب فتغدّ مع الغلمان فقال له يوسف في وجهه استنكفتَ أن تأكل معي، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله إبن إبراهيم خليل الله. روى مقاتل عن يحيى بن أبي كثير أنّ عمر بن الخطاب عرض على أبي هريرة الإمارة فقال: لا أفعل ولا أريدها سمعت رسول الله وَلّ، يقول: ((من طلب الإمارة لم يعدل)) [١٢٢](١) فقال عمر: لقد طلب الإمارة من هو خير منك، يوسف (عليه السلام)، قال: اجعلني على خزائن الأرض. روى بن اسحاق عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوَّجَّهُ ورَدَّأُهُ سيفه، ووضع له سريراً من ذهب، مكلّلا بالدرّ والياقوت، وضرب عليه حلّة من استبرق، وكان طول السرير ثلاثين ذراعاً وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وتسعون مرفقة، ثمّ أمره أن يخرج فخرج متوّجاً، لونه كالثلج ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عمّا كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن اسحاق: قال ابن زيد: وكان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلّه إليه، وجعل أمره وقضاءه نافذاً، ثمّ أنّ قطفير هلك في تلك الليالي فزوّج الملك يوسف راحيل إمرأة قطفير، فلمّا دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنتِ تريدين؟ فقالت: أيّها الصدّيق لا تلمني فإنّي كنتُ امرأة حسناء ناعمة كما ترى، في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حُسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف. واستوسق ليوسف ملك مصر وأقام فيهم العدل فأحبّه الرجال والنساء فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرض﴾ يعني أرض مصر: أي مكّناه ﴿يَتَبَوَّأْ مِنْها﴾ أين نزل ﴿حَيْثُ يَشَاء﴾: ويصنع فيها ما يشاء، والبواء المنزل يقال: بوّأته فتبوّأ، وقرأ أهل مكّة: حيث نشاء بالنون ردّاً على قوله مكّنا وبعده، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاء﴾ أي بنعمتنا. (١) في سير أعلام النبلاء (٩٤/١٢): مَن يحرص على الإمارة لم يعدل فيها . ٢٣٣ سورة يوسف، الآيات: ٥٨ - ٧١ ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين كصبره في البئر، وصبره في السجن وصبره في الرق، وصبره عما دعته اليه المرأة، قال مجاهد وغيره: فلم يزل يدعو ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس فهذا في الدنيا ﴿ولأجر الآخرة﴾ [نعيم] الآخرة ﴿خير للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ قال البحتري: لمثلك محبوساً []) أما في رسول الله يوسف أسوة أقام جميل الصبر في الحبس برهة فآلَ به الصبرُ الجميلُ إلى الملك(٢) و کتب بعضهم إلى صديق له: وأوّل مفروح به آخر الحُزن وراء مضيق الخوف مُتّسعُ الأمنِ فلا تيأسَنْ فالله مَلَّك يوسفاً خزائنه بعد الخلاص من السجن(٣) وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٦) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِّهَازِهِمْ قَالَ أَثْنُونٍ ◌ِأَخَ لَكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَّ نَرَوْنَ أَنْ أُوْفِ الْكَيْلَ وَأَنَأْ خَرُ الْمُعْرِنَ ﴿ََّ فَإِن لَّ تَأْتُونِي بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴿٣ قَالُواْ سَنُرُوِدُ عَنْهُ أَبَاءُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ وَقَالَ لِفِتَْيْهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَنَهُمْ فِ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَيُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْبِعُونَ فَلَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُوْ فَأَبَنَا مُنِعَ مِنَّا اَلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (٣) فَلَّ هَلْ ءَامَنُّكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَّ أَخِيهِ مِن قَبَلُ فَللَّهُ خَرُّ خَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ (١٩) وَلَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَنَّهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ بَتَأْبَنَا مَا نَبْغِىَّ هَذِهِ، بِضَفِعَنْنَا رُدَّتْ إِلَيْنً وَثَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَنَا وَنَزْدَادُ كَتْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلُ بِيٌ ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَِكُمْ حَتّى تُؤْثُونِ مَوْنِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنِّى بِهِ: إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَآ ءَاتَوَهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلُ ﴿٨َ) وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَّبِ مُتَغَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىٍِّ إِنْ الْحُكُمُ إِلَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُتَوَكَّلُونَ وَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَّنِهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا بَعْلَمُونَ (١٨) وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىّ إِلَيْهِ أَخَاءٌ قَالَ إِنْ أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْنَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦٦َ فَلَمَّا جَهَّرَهُمْ بِحَهَازِهِمْ جَعَلَ اَلْسِّفَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيْهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَبَّتُهَا أَلْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَرِقُونَ (٣) قَالُواْ وَأَقِبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا ٧١ تَفْقِدُونَ (١) كلمة غير مقروءة. (٢) تفسير القرطبي: ٢٢٠/٩. (٣) تفسير القرطبي: ٢٢٠/٩، وفيه: غاية الحزن بدل آخر الحزن. ٢٣٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي قالوا: فلمّا أطمأنّ بيوسف ملكه دخلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة أصاب .](١) وكان ابتداء القحط، بينا الملك ذات ليلة الناس الجوع وجاءت تلك السنون [. أصابه الجوع نصف الليل، وهتف الملك: يا يوسف الجوع الجوع فقال: هذا أوّل القحط، فلمّا دخلت السنة الأُولى من سنيّ الجدب هلك فيها كلّ شيء أعدّوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف، فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق في مصر دينار ولا درهم إلّ قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحُليّ والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم بالسنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم بالسنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق عبد ولا أَمَة في يد أحد منهم، ثمّ باعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم، وباعهم السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حُرّة إلّ صار عبداً له، حتى قال الناس: تالله ما رأينا كاليوم ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا، ثمّ قال يوسف لفرعون كيف رأيت صنيع ربّي فيما خوّلني، فما ترى لي؟ قال الملك: الرأي رأيك، وإنّما نحن لك تبع، قال: فإنّي أشهد وأشهدك أنّي أعتقتُ أهل مصر عن آخرهم ورددتُ عليهم أموالهم وأملاكهم. وروي أنّ يوسف (عليه السلام) كان لا يشبع من طعام في تلك الأيّام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض، فقال: أخاف أن شبعتُ أن أنسى الجائع، وأمر يوسف أيضاً طباخي الملك أن جعلوا الغداة نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين، ويُحسن إلى المُحتاجين، ففعل الطهاة ذلك، ومن ثمّ جعلت الملوك غداءهم نصف النهار. قالوا: وقصد الناس مصر من كلّ حدب يمتارون، فجعل يوسف لا يمكّن أحداً منهم وإن كان عظيماً بأكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس وتوسّعاً عليهم، وتزاحم الناس عليه، قالوا: وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام من القحط والشدّة ما أصاب سائر البلاد، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، فأمسك بنيامين أخا يوسف لأُمّه فذلك قوله تعالى: ﴿وجاء إِخْوَةُ يُوسُف﴾ وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالقربات من أرض فلسطين ثغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة ﴿فَدَخَلُوا عليه فَعَرِفَهُم﴾ يوسف وأنكروه لما أراد الله أن يبلغ يوسف فيما أراد. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا مصر أربعين سنة فلذلك أنكروه وقيل: إنّه كان مُتّزياً بزيّ فرعون مصر، عليه ثيات حرير، جالس على سريره، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فلذلك لم يعرفوه، وكان بينه وبينهم ستر ولذلك لم يعرفوه. (١) كلمة غير مقروءة. ٢٣٥ سورة يوسف، الآيات: ٥٨ - ٧١ قال بعض الحكماء: المعصية تورث الكبرة، قال الله تعالى: ﴿فَعَرِفَهُم وهُمْ لَهُ مُنْكِرُون﴾ فلمّا نظر إليهم يوسف وكلّموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم؟ وما أمركم؟ فإنّي أنظر شأنكم، قالوا: نحنُ قومٌ من أهل الشام رُعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار، قال: لعلّكم عيون تنظرون عورة بلادي، قالوا: والله ما نحن جواسيس وإنّما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صدّيق يُقال له: يعقوب، نبي من أنبياء الله، قال: وكم أنتم؟. قالوا: كُنّا إثني عشر فذهب أخٌ لنا إلى البريّة فهلك فيها، وكان أحبّنا إلى أبينا، فقال: فكم أنتم ها هنا، قالوا: عشره، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا لأنّه أخ الذي هلك من أُمّه، وأبونا يتسلّى به، قال: فمن يعلم أنّ الذي تقولون حقّ؟ قالوا: أيّها الملك إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد، قال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. قالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه وإنّا لفاعلون، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف وأبرّهم به فخلّفوه عنده، فذلك قوله تعالى: ﴿ولما جهزهم بجهازهم﴾ يعني حمل لكل رجل منهم بعيراً بعدّتهم، ﴿قَالَ ائْتُوْنِي بِأَخْ لَكُمْ مِنْ أَبِيْكُم﴾ يعني بنيامين، ﴿ألا تَرَوْنَ أنّي أُوْفٍ الكَيْلَ﴾ أي لا أبخس الناس شيئاً وأتمّ لهم كيلهم فأزيد لكم حمل بعير في خراجكم، وأكرم مثواكم، وأُحسن إليكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِين﴾ المُضيّفين. ﴿فإن لَم تأتوني بهِ فلا كيلَ لكم عندي﴾ ليس لكم عندي طعام أكيله لكم ﴿وَلاَ تَقْرَبُون﴾ ولا تقربوا بلادي بعد ذلك، وهو جزم يدلّ على النهي. ﴿قَالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ نطلبه ونسأله أن يُرسله معنا، قال ابن عباس: سنخدعه حتى نخرجه معنا، ﴿وإنّا لِفَاعِلُوْن﴾ ما أمرتُ به. ﴿وقال يُوسف لِفِتْيانِهِ﴾ أي لغلمانه الذين يعملون بالطعام، قرأ الحسن وحميد ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص، لفتيانه بالألف والنون وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: هي في مصحف عبدالله كذلك، وقرأ الباقون لفتيته بالتاء من غير ألف وهما لغتان مثل الصبيان والصبية . ﴿اجْعَلُوا بِضاعتهم﴾ أي طعامهم، قال قتادة: أوراقهم، الضحّاك عن ابن عباس قال: كانت النعل والأدم، ﴿في رِحالهم﴾ في أوعيتهم وهي جمع رحل، والجمع القليل منه الرحيل، قال ابن الأنباري: يقال للوعاء: رَحل وللمسكن رحل. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُوْنها إذا انْقَلَبوا﴾ انصرفوا، ﴿إلى أهلهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْن﴾ إليّ واختلف العُلماء في السبب الذي فعل يوسف من أجله، فقال الكلبي: تخوّف يوسف أن لا يكون عند أبيه من الورق فلا يرجعون مرّة أخرى، وقيل: خشي أن يضرّ أخذه ذلك منهم بأبيه؛ إذ كانت السنة سنة ٢٣٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي جدب وقحط، فأحبّ أن يرجع إليه، وإنَّما أراد أن يتّسع به أبوه، وقيل: رأى لو أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرّماً وتفضّلا. وقيل: فعل لأنّه علم أنّ ديانتهم وأمانتهم تحملهم على ردّ البضاعة ولا يستحلّون إمساكها فيرجعون لأجلها، وقيل: أبدا لهم كرمه في ردّ البضاعة وتقديم الضمان في البِرّ والإحسان ليكون أدعى لهم إلى العود إليه طمعاً في برّه. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيْهِمْ قالوا يا أبَانَا﴾ قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة، لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، قال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك بمصر فاقرؤوه منّي السلام وقولوا له: إنّ أبانا يُصلّي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثمّ قال: أين شمعون؟ قالوا: إنّه عند ملك مصر وأخبروه بالقصّة، فقال: ولم أخبر تموه؟ قالوا: إنّه أخذنا وقال: إنّكم جواسيس عندما كلّمناه بلسان العبرانيين، وقصّوا عليه القصّة. ٠ ﴿وَقَالُوا يا أَبَانَا مُنِعَ مِنّا الكَيْلِ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخَانَا﴾ بنيامين ﴿نَكْتَلْ﴾ قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي يكتل بالياء يعني يكتل لنفسه هو كما كنّا نكتل نحن، وقرأ الآخرون بالنون بمعنى نكتل نحن، واختاره أبو عبيد ﴿وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ قالَ﴾ يعقوب، ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إلاّ كَمَا آمَنْتُكُمْ عَلى أخِيْهِ﴾ يوسف ﴿من قَبْل فاللهُ خَيْرُ حَافِظاً﴾ قرأ ابن محصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: حافظاً بالألف على التمييز والتفسير، كما يُقال: هو خيرٌ رجلا، ومجاز الآية خيركم حافظاً فحذف الكاف والميم، ويدلّ عليه أنّها مكتوبة في مصحف عبدالله: والله خيرُ الحافظين. وقرأ الآخرون حفظاً بغير الألف على المصدر بمعنى خيركم حفظاً واختلفَ فيه عن عاصم ﴿وهوَ أرحم الراحمين﴾ . ﴿وَلَمّا فتحوا مَتاعَهُم﴾ الذي حملوه من مصر ﴿وجدوا بضاعتهم﴾ ثمن الطعام ﴿رُدَّت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي﴾ أي ماذا نبغي؟ وأي شيء نطلب وراء هذا؟ أوفى لنا الكيل وردّ علينا الثمن، أرادوا بذلك أن يُطيّبوا نفس أبيهم، و ﴿ما﴾ استفهام في موضع نصب ويكون معناه جحداً كأنّهم قالوا: لسنا نُريد منك دراهم. ﴿هذهِ بِضَاعتنا رُدّت إلينا ونَمِيْرُ أهلنا﴾ ونشتري لهم الطعام فنحمله إليهم، يقال مار أهله يَمير مَيراً فهو ماير، إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده في مثله امتار يمتار امتياراً، قال الشاعر : متى يأتي غيائك من تغيثُ(١) وقال آخر: بعثتك مائراً فمكثت حولا (١) تفسير الطبري: ١٥/١٣، لسان العرب: ١٧٤/٢. ٢٣٧ سورة يوسف، الآيات: ٥٨ - ٧١ كعفر التُراب كل شيء يميرها(١) أتى قريةً كانت كثيراً طعامها ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانا﴾ بنيامين ﴿وَنَزْدَادَ﴾ على أحمالنا ﴿كيلَ بعير﴾ لنا من أجله ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيْر﴾: لا مؤونة فيه ولا مشقّة، وقال مجاهد: كيل بعير يعني: حمل حمار، قال: وهي لغة يُقال للحمار بعير، ﴿قال﴾ لهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلُهُ مَعَكُم حتى تُؤْتُونِ﴾ تعطوني ﴿مَوْثِقاً مِنَ الله﴾ يعني تحلفوا لي بحقّ محمّد خاتم النبيين وسيد المرسلين أن لا تغدروا بأخيكم ﴿لتأتُنّني بِه﴾ وإنّما دخلت فيه اللام لأنّ معنى الكلام اليمين ﴿إِلّ أن يُحاطَ بِكُم﴾ إلاّ أن تهلكوا جميعاً، قاله مجاهد، وقال قتادة: إلاّ أن يُغلبوا حتى لا يطيقوا ذلك. ﴿فلمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُم﴾ أعطوه عهودهم، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: حلفوا له بحقّ محمد ◌َّ﴿ ومنزلته من ربّه ﴿قال﴾ يعقوب ﴿اللهُ على ما نقول وَكِيْلٌ﴾ أي شاهد وحافظ بالوفاء، وقال القتيبي: كفيل، وقال كعب: لمّا قال يعقوب: فالله خيرٌ حافظاً، قال الله جلّ ذكره: وعزّتي لأردّن عليك كليهما بعدما توكّلت عليّ، وقال لهم يعقوب لما أرادوا الخروج [هذا]، ﴿وقال يا بُنَّ لا تدخلوا﴾ مصر ﴿مِن باب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِ مُتَفَرِّقَة﴾ وذلك أنّه خاف عليهم العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وصور حسان وقامات ممتدّة، وكانوا ولد رجل واحد، وأمرهم أن يفترقوا في دخولها ثمّ، قال: ﴿وما أُغْنِي عنْكُم مِنَ الله مِنْ شَيءٍ﴾ علم (عليه السلام) أنّ المقدور كائن، وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وما أغني عنكم من الله من شيء ﴿إن الحُكْمُ إلّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكّلتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُوْن﴾ وإلى الله فليفوّض أمورهم المفوّضون. ﴿ولمّا دَخَلوا مِنْ حَيْثُ أمَرَهُم أَبُوْهُم﴾ وكان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها كلّها، ﴿ما كانَ يُغني عَنْهُم مِنَ اللهِ مِنْ شَيءٍ﴾ صدّق الله تعالى يعقوب فيما قال ﴿إلّ حاجَةٌ﴾ حزازة وهمّة في نفس يعقوب ﴿قَضاها﴾ أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم ﴿وإنّه﴾ يعقوب ﴿لَذُوْ عِلمٍ لِما﴾: أي مما ﴿عَلَّمْنَاهُ﴾ يعني لتعليمنا إيّاه، قاله قتادة، وروى سفيان عن [ابن] أبي عروة قال: إنّه العامل بما علم، قال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالماً، وقيل: إنّه لذو حظّ لِما علّمناه. ﴿ولكنّ أَكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُوْن﴾ ما يعلم يعقوب، أي لا يعرفون مرتبته في العلم. ﴿ولمّا دَخَلُوا على يُؤْسف﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثمّ أنزلهم فأكرم منزلهم ثمّ أضافهم وأجلس كلّ اثنين منهم على مائدة فبقى بنيامين وحيداً، فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيّاً لأجلسني معه، فقال لهم يوسف (عليه السلام): لقد بقي هذا أخوكم وحيداً، فأجلسه على مائدته فجعل يُؤاكِله. (١) لسان العرب: ٤٣٠/٨، وتاج العروس: ١٢/٦. ٢٣٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي فلمّا كان الليل أمرَ لهم بمثل أي فرش، فقال: لينم كلّ أخوين منكم على مثال، فلمّا بقي بنيامين وحده، قال يوسف (عليه السلام): هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يضمّه إليه ويشمّ خدّه حتى أصبح فجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا، فلمّا أصبح قال لهم: إنّي أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمّه إليّ فيكون منزله معي، ثمّ أنزلهم [معه]، وأجرى عليهم الطعام والشراب وأنزل أخاه لأمّه معه فذلك، قوله تعالى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أخَاه﴾ فلمّا خلا به قال له: ما اسمك؟ قال: بنيامين. قال ابن من يا بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنّه لما ولد هلكت أُمّه، قال: وما اسمها؟ قال: راحيل بنت لاوي بن ناحور، قال: فهل لك بنون؟ قال: نعم، عشر بنين وقد اشتققتُ أسماءهم من اسم أخ لي من أُمّي هلك، قال: لقد اضطرّك إلى ذاك حزن شديد، قال: فما سمّيتهم؟ قال: بالعا وأخيرا وأثكل وأحيا وكنر ونعمان وادر وأرس وحيتم وميثم، قال فما هذه؟ قال: إما بالعاً فإنّ أخي قد ابتلعته الأرض، وأما أخيرا فإنّه بكر أبي لأُمّي، وأمّا أثكل فإنّه كان أخي لأبي وأُمي وسنّي، وأما كثير فإنّه خير حبيب كان، وأمّا نعمان فانه ناعمٌ بين أبويه وأمّا أدّر فإنّه كان بمنزلة الورد في الحُسن، قال: وأما أرس فإنّه كان بمنزلة الرأس من الجسد، وأما حيتم فأعلمني أنّه حيّ، وأمّا ميثم فلو رأيته قرّت عيني. فقال يوسف: أتُحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخاً مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف (عليه السلام) وقام إليه وعانقه و ﴿قالَ﴾ له: ﴿إنّي أَنَا أَخُوْكَ﴾ يوسف ﴿فَلا تَبْتَئِس﴾ فلا تحزن ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُوْنَ﴾ لشيء فعلوه بنا فيما مضى؛ فإنّ الله قد أحسن إلينا ولا تُعلمهم شيئاً ممّا علمت. وقال عبدالصمد بن معقل: سمعت وهب بن منبه وسئل عن قول يوسف لأخيه: ﴿إِنّي أنا أخوكَ﴾، فقيل له كيف آخاه حين أخذ بالصواع وقد كان أخبره أنّه أخوه، وأنتم تزعمون أنّه لم يزل متنكّراً لهم يكابرهم حتى رجعوا؟ فقال: إنّه لم يعترف له بالنسبة ولكنّه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، ومثله قال الشعبي، قال: لم يقل له: أنا يوسف، ولكن أراد أن يُطيّب نفسه(١). ومجاز الآية أي: أنا أخوك بدل أخيك المفقود فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلا تشتكٍ ولا تحزن لشيء سلف من أخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أُمّك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك، ثمّ أوفى يوسف لإخوته الكيل وحمل لهم بعيراً، وحمل لبنيامين بعيراً باسمه كما حَمل لهم، ثمّ أمر بسقاية الملك فجعل في رحل بنيامين، قال السدّي: جعل السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. (١) تفسير الطبري: ٢١/١٣. ٢٣٩ سورة يوسف، الآيات: ٧٢ - ٨٣ قال كعب: لما قال له: إني أنا أخوك قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، قال يوسف (عليه السلام): قد علمتُ [عنهم] والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، فلا يمكنني هذا إلّ أن أُشهرك بأمر وأنسبك إلى ما لا يجمل بك، قال: لا أُبالي فافعل ما بدا لك فإنّي لا أُفارقك. قال: فإنّي أدسُّ صاعي هذا في رحلك ثمّ أُنادي عليك بالسرقة لجهازي ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك، قال: فافعل، فذلك قوله تعالى: ﴿فلمّا جهّزَهُم بجهازهم﴾ أي لما قضى لهم حاجتهم، ﴿جَعَل السقاية﴾: وهي المشربة التي كان يشرب بها الملك، قال ابن زيد: وكان كأساً من ذهب فيما يذكرون، وقال ابن إسحاق: هو شيء من فضّة، عكرمة: مشربة من فضّة مُرصّعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيلا لئلاّ يكال بغيرها وكان يشرب بها، سعيد بن جُبير: هو [المقياس] الذي يلتقي طرفاه وكان يشرب بها الأعاجم وكان للعباس منها واحدة في الجاهلية، والسقاية والصواع واحد، ﴿في رَحْلِ أَخِيْهِ﴾ في متاع بنيامين، ثمّ ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ومضوا ثمّ أمر بهم فأُدركوا وحُبسوا . ﴿ثمّ أَذْنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد، ﴿أيّتها العِيْرُ﴾ هي القافلة التي فيها الأحمال، قال الفرّاء: لا يُقال عِير إلاّ لأصحاب الإبل، وقال مجاهد كانت العِير حميراً . ﴿إنّكُمْ لَسَارِقُون﴾ قفوا، فوقفوا، فلمّا انتهى إليهم الرسول قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونُحسن منزلكم ونُوفِكم كيلكم ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك، فقال: إنّه لا يُتَّهم عليها غيركم، فذلك قوله تعالى: ﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم ماذا تَفْقِدُون﴾ عطفوا على المؤذِّن وأصحابه: ماذا تفقدون؟ ما الذي ضلّ منكم؟ فالفقدان ضدّ الوجود، والمفقد: الطلب. قَالُواْ نَفْفِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن ◌َجَاءَ بِهِ. حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ ﴿﴿ قَالُواْ ثَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كُنَا سَرِفِينَ ﴿٢) قَالُواْ فَمَا حَرَّؤُهُ، إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ (بَ قَالُواْ جَزَّقُ مَنْ وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَحْزِى الظَِّنَّ (٢) فَدَأَ بِأَوْعَّتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اُسْتَخْرَجَهَا. مِن وِغَاءِ أَخِيَّهِ كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَ مَا كَنَّ ◌ِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى بِيِنِ اَلْمَلِكِ إِلَّ أَنْ يَشَآءُ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّنْ نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿ ﴿ قَالُوَاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (لَ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيُّ إِنَّ لَهُوَ أَبَّ شَيْخَا كَبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا نَرَتِكَ مِنَ الْمُحْسِنَ (١٨) قَالَ مَعَاذَّ اللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَنَعَنَا عِندَهُ، إِنََّ إِذَّا لَّظَلِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا أَسْتَيْفَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نِيّاً قَالَ كَبِرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَّكُمْ فَدَ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْنِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَحَ اَلْأَرْضَ حَتَّ بَأْذَنَ لِيّ أَبِيِّ أَوْ يَحْكُمَ اَللَّهُ لِيّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴿٨َ أَرْجِعُواْ إِلَىَّ أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَتَأْبَانًا إِنَّ ٢٤٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي أَبَّكَ سَرَقَّ وَمَا شَهِدْنَاً إِلَّا بِمَا عَلِّمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ خَفِظِينَ ﴿٨) وَسْئَلِ الْغَرْيَةَ أَلَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْغِيْرَ أَتِيّ أَقْلْنَا فِهَّا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿٨َ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرَا فَصَبْرٌ جَمِلُ عَسَى اللَّهُ أَنْ ٨٣ يَأْتِيَِّ بِهِمْ حَيْعَاْ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴿قالوا نفْقُدُ صُواعَ المَلِك﴾ واختلف القُرّاء في قراءة ذلك، فروى قثم عن داود بن أبي هند عن مولى بني هاشم عن أبي هُريرة أنّه قرأ صاع الملك، وقرأ أبو رجاء صوع، وقرأ يحيى بن معمر صوغ بالغين، [فإنّه] وجهنا إلى مصر، صاغ يصوغ صوغاً، وجمع الصواع صيعاً، وجمع صاع أصواع. ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْر﴾ من الطعام ﴿وَأَنا بهِ زعيم﴾ كفيل يقوله المؤذِّن، وأصل الزعيم: القائم بأمر القوم، ويُقال للرئيس زعيم، يُقال: زعم، زعامة وزعاماً، قالت ليلى الأخيلية : حتى إذا رفع اللواء رأيتُه تحت اللواء على الخميس زعيماً (١) و ﴿قالوا﴾ يعني اخوة يوسف، ﴿تالله﴾ أي والله، أصلها الواو قلبت تاء كما فعل القراء في التقوى والتكلان والتراب والتخمة، وأصلها الواو، والواو في هذه الحروف كلّها حرف من الأسماء، وليست كذلك في تالله لأنّها إنّما هي واو القسم وإنّما جعلت بالكثرة ما جرى على ألسن العرب، وهم زعموا أنّ الواو من نفس الحرف فقلبوها تاء، ووضعت في هذه الكلمة الواحدة دون غيرها من أسماء الله تعالى. ﴿لَقَد عَلِمْتُم ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأَرْضِ وما كُنّا سارِقِين﴾ فإن قيل: من أين علموا ذلك؟ الجواب عنه: قال الكلبي قال: إن فتى يوسف وهو المؤذِّن قال لهم: إنّ الملك ائتمنني بالصاع وأخاف عقوبة الملك، فلي اليوم عنده مقولة حسنة، فإن لم أجده تخوّفت أن تسقط منزلتي وأفتضح في مصر، قالوا: لقد علمتم ما جئنا لنفس في الأرض إنا منذ قطعنا هذا الطريق لم ننزل عند أحد ولا أفسدنا شيئاً وسلوا عنا من مررنا به، هل ضررنا أحداً؟ أو هل أفسدنا شيئاً؟ وإنّا قد رددنا الدراهم كما وجدنا في رحلنا، فلو كنّا سارقين ما رددناها . قال فتى يوسف: إنّه صواع الملك الأكبر الذي يكتال فيه، وقال بعضهم: إنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا معروفين أنّهم لا يتناولون ما ليس لهم، وقيل: إنّهم كانوا حين دخلوا مصر كمّوا أفواه دوابهم لكي لا تتناول من حروث الناس. فإن قيل: كيف استجاز يوسف تسميتهم سارقين؟ (١) كتاب العين: ١ / ٣٦٤.