النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة يوسف، الآيات: ٤ - ١٨ وقرأ أبو عمرو بالنون فيهما وكذلك ابن عامر قال، هارون: فقلت لأبي عمرو: كيف تقرأ نرتع ونلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء(١)، وقرأ أهل الكوفة كلاهما بالياء أي ننعم ونأكل وننشط ونلهو، يقال: رتع فلان في ماله إذا أنعم وأنفقه في شهواته. قال القطامي: أكفراً بعد ردّ الموت عنّي وبعد عطائك المائة الرتاعا (٢) وقال ابن زيد: معناه يرعى غنمه، وينظر ويعقل فيعرف ما يعرف الرجل (٣). وقرأ يعقوب ﴿نرتع﴾ بالنون ﴿ويلعب﴾ بالياء ردّاً للعب إلى يوسف والرتوع إلى إخوته، وقرأ أهل الحجاز نرتع بكسر العين من الارتعاء، أي نتحارس ويحفظ بعضنا بعضاً ﴿وإنا له لحافظون﴾ . ﴿قال﴾ لهم يعقوب ﴿إنّ ليحزنني أن تذهبوا به﴾ أي ذهابكم ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ لا تشعرون، وذلك أن يعقوب رأى في منامه أن الذئب قد شدّ على يوسف وكان يحذره، ومن ثم قال هذا فلقّنهم العلة وكانوا لا يدرون فقالوا: ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ عشرة رجال ﴿إنا إذاً لخاسرون﴾ ضعفة عجزة مغبونون. ﴿فلما ذهبوا به﴾ في الكلام إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلمّا ذهبوا به ﴿وأجمعوا﴾ وعزموا على ﴿أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه﴾ هذه الواو مقحمة زائدة تقديره أوحينا، كقوله تعالى ﴿فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه﴾ أي ناديناه وقال امرؤ القيس: بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل (٤) فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى أراد انتحى. ﴿لتنبّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ يعني أوحينا إلى يوسف، [سوف تتحقق] رؤياك، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وما فعلوه بك، وهم لا يشعرون بوحي الله إليه وإعلامه إياه ذلك، وهذا معنى قول مجاهد، وقيل(٥): معناه وهم لا يشعرون أنك يوسف. قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنَّ وقال: أنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ثم جئتم أباكم فقلتم: إن (١) تفسير الطبري: ١٢ / ٢٠٦. (٢) لسان العرب: ١٥ / ٦٩. (٣) المصدر السابق. غريب الحديث: ٢ / ١٨٨. (٤) (٥) قاله أبو صالح عن ابن عبّاس (زاد المسير: ٤ / ١٤٧). ٢٠٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الذئب أكله وبعتموه بثمن بخس، فذلك قوله ﴿لُنبتّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾(١). قال السدّي: أرسل يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم من الكرامة، فلمّا برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يجد منهم رحمة، فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ما يصنع بابنك هؤلاء الأبناء. فلمّا كادوا ليقتلوه قال يهودا: أليس سألنا أبانا موثقاً ألاّ تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر، فتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك، قال: إنّي لم أرَ شيئاً . فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيه فقام عليها، فلمّا ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهودا فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثقاً ألاّ تقتلوه، وكان يهودا يأتيه بالطعام(٢). ويقال: إن الله تعالى أمر صخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقف يوسف عليها وهو عريان، وكان إبراهيم الخليل وَل﴿ حين ألقي في النار جرّد من ثيابه وقذف في النار عرياناً فأتاه جبريل (عليه السلام) بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه وكان ذلك [القميص] عند إبراهيم، فلمّا مات ورثه إسحاق، فلمّا مات إسحاق ورثه يعقوب، فلمّا شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلّقه في عنقه، فكان لا يفارقه، فلمّا أُلقي في البئر عرياناً جاء جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ فأخرج القميص منه وألبسه إياه، قال ابن عباس: ثم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف . ﴿وجاؤا أباهم عشاءً يبكون﴾ ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل وإن الحياء في العينين، ولا يعتذر من ذنب في النهار فيتلجلج في الاعتذار فلا يقدر على إتمامه، وقيل: أخّروا المجيء إلى وقت العشاء الآخرة ليدلّسوا على أبيهم قال السدّي: فلمّا سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنىّ؟ وهل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف؟ (١) تفسير الطبري: ١٢ / ٢١١. (٢) تفسير الطبري: ١٢ / ٢٠٩. ٢٠٣ سورة يوسف، الآيات: ١٩ - ٢٢ ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق﴾ أي نترامى، دليله قول عبد الله: ننتضل، السدّي وابن حیان: نشتد ﴿وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن﴾ مصدّق ﴿لنا ولو کنّا صادقين﴾ لسوء ظنّك بنا وتهمتك لنا، وهذا قميصه ملطخ بالدم فذلك قوله ﴿وجاؤا على قميصه بدم كذب﴾ أي بدم كذب، وقيل: بدم ذي كذب لأنه لم يكن دم يوسف وإنما كان دم شاة، وهذا كما يقال: الليلة الهلال، وقيل: معناه بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال: ماله عقل ولا معقول. وقرأت عائشة: بدم كدب بالدال غير المعجمة، أي طري، فبكى يعقوب عند ذلك، وقال لبنيه: أروني قميصه فأروه، فقال: يالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فحينئذ ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم﴾ رتبت ﴿لكم أمراً فصبر﴾ أي فمنّ أو فعليّ صبر، وقيل: فصبري صبرٌ ﴿جميل﴾ وقرأ الأشهب والعقيلي: فصبراً على المصدر أي فلأصبرنّ صبراً جميلا، وهو الصبر الذي لا جزع ولا شکوی فیه. وقيل: معناه لا أعاشركم على كآبة الوجه وحبوس الحنين، بل أكون في المعاشرة معكم جميلا كما كنت. وروى عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن ثابت أن يعقوب النبي (عليه السلام) كان قد سقط حاجباه على عينيه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ من الكذب، قالوا: وكان يوسف حين أُلقي في الجب ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: كان ابن عشر، ومكث فيه ثلاثة أيام. وَحَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَرِدَهُمْ فَدَلَى دَلْوَمٍ قَالَ يَكْبُشْرَى هَذَا غُلَمُّ وَأَسَّرُوهُ يِضَعَةً وَلَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١) وَشَرَوْءُ بِثَمَنْ بَحْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ اَلْزَّهِدِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى أَشْتََّنُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَنِ: أَكْرِمِي مَثْوَنَّهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَاً أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًّا وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فى اَلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ وَاللَّهُ غَالِثُ عَلَىَّ أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ الَّ وَلَمَّا بَعَ أَشُدَّهُر ◌َبَّيْنَهُ حُكْنَا وَعِلْمَا وَ كَذَلِكَ نَعْرِى الْمُحْسِينَ ﴿وجاءت سيارة﴾ أي رفقة مارة من قبل مدين يريدون مصر، فأخطأوا الطريق فانطلقوا يمشون على غير الطريق حتى نزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في قفرة بعيداً من العمران، إنما هو للرعاة والمجتازة، وكان ماؤه مالحاً فعذب حين أُلقي فيه يوسف، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ليطلب لهم الماء فذلك قوله ﴿فأرسلوا واردهم﴾ الوارد: الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيُهيّئ الأرشية والدلاء، فوصل إلى البئر ﴿فأدلى﴾ فيها ٢٠٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿دلوه﴾ أي أرسلها يقال: أدليت الدلو في الماء إذا أرسلتها فيها، ودلَوتها دلواً إذا أخرجتها منها، فتعلّق يوسف (عليه السلام) بالحبل، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان. قال النبي ◌َلّ: ((أُعطي يوسف شطر الحسن والنصف الآخر لسائر الناس)) [١١٠]، قال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا ابتسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور، ينبهر بين ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم (عليه السلام) يوم خلقه الله وصوره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية، ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة وكانت قد أُعطيت سدس الحسن. فلمّا رآه مالك بن ذعر ﴿قال يا بشرى هذا غلام﴾ واختلفت القراء في قوله: يا بشري، فقرأ أهل الكوفة بسكون الياء، وقالوا: نادى مالك في رجلا من أصحابه، اسمه بشري، فقال: يا بشر، كما يقول: يا زيد، وهذا في محل رفع على النداء المفرد، وهذا قول السدّي. وقرأ الباقون: يا بشرايَ بالألف وفتح الياء على الإضافة وقالوا: بشّر المستقي أصحابه بأنه أصاب عبداً . ﴿وأسرّوه﴾ واخفوه ﴿بضاعة﴾ نصب على الحال، قال مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معه وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة إنْ علموا بثمنه، عطية عن ابن عباس: يعني بذلك إخوة يوسف، أسرّوا شأن يوسف أن يكون أخاهم وقالوا: هو عبد لنا أبق منّا . قال الله تعالى ﴿والله عليم بما تعملون﴾ فأتى يهودا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر فأخبر أخوته بذلك فطلبوه، فإذا هم مالك وأصحابه نزول، فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: هذا عبد أبق منّا، وقال وهب: كان يهودا [مستنداً] من بعيد ينظر ما يطرأ على يوسف، فلمّا أخرجوه رآه فأخبر الآخرين، فأتوا مالكاً وقالوا: هذا عبدنا، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، فقال مالك: أنا اشتريه منكم، فباعوه منه فذلك قوله تعالى ﴿وشروه﴾ أي باعوه، قال ابن مفرغ الحميري : وشريتُ بُرداً ليتني من بعد بُرد كنتُ هامه (١) أي بعت برداً وهو غلامه. ﴿بثمن بخس﴾ ناقص وهو مصدر وضع موضع الاسم، قال قتادة: ظلم، الضحاك ومقاتل (١) الصحاح للجوهري: ٢ / ٤٤٧. ٢٠٥ سورة يوسف، الآيات: ١٩ - ٢٢ والسدي: حرام، لأن ثمن الحر حرام، عكرمة والشعبي: قليل، ابن حيان: زيف ﴿دراهم﴾ بدل من الثمن ﴿معدودة﴾ وذكر العدد عبارة عن القلة، أي باعوه بدراهم معدودة قليلة غير موزونة، ناقصة غير وافية، وقال قوم: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهماً، إنما كان يعدونها عدّاً، فإذا بلغ أوقية وزنوه، لأن أقل أوزانهم وأصغرها يومئذ كان أوقية، والأوقية أربعون درهماً. واختلف العلماء في مبلغ عدد الدراهم التي باعوه بها، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن قتادة والسدّي: عشرون درهماً، فاقتسموها درهمين درهمين، مجاهد: اثنان وعشرون درهماً، عكرمة: أربعون درهماً . ﴿وكانوا﴾ يعني أخوة يوسف ﴿فيه﴾ في يوسف ﴿من الزاهدين﴾ لم يعلموا كرامته على الله ولا منزلته عنده. ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، فذهبوا حتى قدموا به مصر، فاشتراه قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: اطفير بن روجيت وهو العزيز وكان على خزائن مصر. وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن ثروان بن أرامة بن فاون بن عمرو ابن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات ويوسف بعد حيّ، فملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن اليبلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوي بن سام بن نوح وكان كافراً فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبی أن يقبل. قال ابن عباس: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع يوسف منه بعشرين ديناراً وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال ابن منبه: قدمت السيّارة بيوسف مصر [فعرضوه] للبيع فترافع الناس في ثمنه وتزايد حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً فابتاعه قطفير بن مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى ﴿وقال الذي اشتراه من مصر﴾ . فإن قيل: كيف أثبت الشرى في قوله وشروه واشتراه ولم ينعقد عليه؟ والجواب: إن الشراء هو المماثلة فلمّا ماثله بمال من عنده جاز أن يقال: اشتراه، على التوسع، كقوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ الآية، فلمّا مرّ قطفير وأتى به منزله قال لامرأته - واسمها راحیل بنت رعابیل، قاله محمد بن إسحاق بن يسار. قال الثعلبي: وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن منبه، قال: حدثنا أبو حامد المستملي، حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: اسم امرأة العزيز التي ضمّت يوسف زليخا بنت موسى -. ٢٠٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿أكرمي مثواه﴾ منزله ومقامه، قتادة وابن جريج: منزلته ﴿عسى أن ينفعنا﴾ فيكفينا إذا بلغ وفهم الأمور وبعض ما نحن [نستقبله] من أُمورنا. ﴿أو نتخذه ولداً﴾ أي نتبنّه، قال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي النساء، وكانت امرأته راحيل(١) حسناء ناعمة طاعمة في ملك ودنيا (٢). قال الثعلبي: أخبرنا أبو بكر الجوزقي، أخبرنا أبو العباس الدغولي، حدثنا علي بن الحسن الهلالي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن أبي عبيد عن عبد الله قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: أكرمي مثواه، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر. ﴿وكذلك﴾ أي وكما أنقذ يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله فأخرجناه من الجُبّ بعد أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر ﴿مكنّا له في الأرض﴾ يعني أرض مصر، فجعلناه على خزائنها، قال أهل الكتاب: لما تمّت ليوسف (عليه السلام) ثلاثون سنة، استوزره فرعون. ﴿ولنعلّمه من تأويل الأحاديث﴾ أي ولكي نعلّمه من عبارة الرؤيا، مكنّا له في الأرض ﴿والله غالبٌ على أمره﴾ اختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: هي راجعة إلى الله عزّ وجلّ، وتقدير الكلام: لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمره يفعل ما يشاء، ويعلم ما يريد، وقال آخرون: راجعة إلى يوسف، ومعنى الآية: والله مستول على أمر يوسف يسوسه ويحوطه ويدبّر أمره، ولا يكله إلى غيره. ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ما الله صانع بيوسف، و[ما] إليه يوسف من أمره صائر، وهم الذين زهدوا فيه وباعوه بثمن بخس وفعلوا به ما فعلوا(٣). قالت الحكماء في هذه: والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف (عليهما السلام) أن لا يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حين قصّ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوا فغلب أمره حتى كادوا، ثم أراد أخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه، ثم أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه، فغلب أمره حتى لم يندرس اسمه وصار مذكوراً مشهوراً. ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره حتى صار ملكاً والعبيد بين يديه، ثم أرادوا أن يخلوا لهم وجه أبيهم، فغلب أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً (١) في الطبري: راعيل، وهو إطفير. (٢) تفسير الطبري: ١٢ / ٢٢٩. (٣) تفسير الطبري بتفاوت: ١٢ / ٢٣٠. ٦ ٢٠٧ سورة يوسف، الآيات: ٢٣ - ٢٩ صالحين تائبين، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة، وقالوا: وإن كنا خاطئين، وقالوا لأبيهم: إنا كنا خاطئين. ثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء، فغلب أمره حتى لم يخدع، وقال: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾ ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره، ولبث في السجن بضع سنين، ثم احتالت امرأة العزيز أن [تترك] المراودة عن نفسها حتى قالت ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءً﴾ الآية، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها . ﴿ولما بلغ أشدّه﴾ أي منتهى شبابه وشدّة قوته، قال مجاهد: ثلاثاً وثلاثين سنة، الضحاك: عشرين سنة، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ستين، والأشُدّ: جمع شد، مثل قدّ، أقُدّ، وشرّ وأشُرّ، وضر وأضرّ، قال حمید : وقد أتى لو تعبت العواذل بعد الاشل أربع كوامل قال الشاعر : هل غير أن كثر الأشل وأهلكت حرب الملوك أكاثر الأموال(١) ﴿آتيناه حكماً وعلماً﴾ قال مجاهد: العقل والفهم والعلم قبل النبوة، وقال أهل المعاني: يعني إصابة في القول، وعلماً بتأويل الرؤيا وموارد الأُمور ومصادرها . ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ قال ابن عباس: المؤمنين، وعنه أيضاً: المهتدين، وقال [الصدوق] عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، وقال محمد بن كعب: هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فإن المراد به محمد نبي الله وَلّر يقول: كما فعلت بيوسف بعدما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض، ووظّأت له في البلاد، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأُمكّن لك في الأرض، وأزيدك الحكم والعلم؛ لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونھيي . وَرَوَدَتْهُ أَلَّتِى هُوَ فِى بَيْنِهَا عَنْ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَنْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكِّ قَالَ مَعَاذَّ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَخْسَنَ مَثْوَىَّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ زَّمَا بُرْهَنَّ رَبِّهِ كَذَلِكَ (١) تفسير الطبري: ١٢ / ٢٣١. ٢٠٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وَأَسْتَبَفَا أَلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ لِنَّصْرِفَ عَنْهُ الشّوَءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَمِينَ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا أَلْتَابِّ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُتْجَنَّ أَوْ عَدََّرُ أَلِيمُ (َِّ قَالَ هِىَ رَوَدَنْنِى عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَاَ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلِ قَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ فَمِيصُهُ فُذَّ مِن دُبْرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِفِينَ ﴿ فَلَّا رَءَا فَمِيصُهُ، قُدَ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٣٨) يُوسُفُ أَغْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ أْخَاطِئِينَ. ﴿وراودته التي هو في بيتها﴾ يعني امرأة العزيز، وطلبت منه أن يواقعها ﴿وغلّقت الأبواب﴾ وكانت سبعة. ﴿وقالت هيت لك﴾، اختلف القراء فيه، فقرأ ابن عباس والسلمي وأبو وائل وقتادة: هِئتُ لك بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، بمعنى تهيأتُ لك، وأنكرها أبو عمرو، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: سمعت أبا عمرو وسئل عن قراءة من قرأ: هِئتُ لك بكسر الهاء وهمز الياء فقال أبو عمرو: باطل، جعلها من تهيأت، اذهب واستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحداً يقول هذا؟ وقال الكسائي أيضاً: لم يُحكَ هئت عن العرب، وقال عكرمة: هِئتُ لك: أي زيّنت لك وحسنت وهي قراءة غير مرضية، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وعبدالله بن أبي إسحاق: هيت لك بفتح الهاء وكسر التاء، وقرأ يحيى بن وثاب: هِيتُ بكسر الهاء وضم التاء، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد طرفة: ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هَيتَ هم يجيبون إذا هم سراعا كالأبابيل لا يغادر بيت(١) وقرأ أهل المدينة والشام بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء، وهي لغة النبي ◌َ﴿ واللغة المعروفة عند العرب، الشعبي عن عبد الله بن مسعود: أقرأني النبي وَلَ هَيتَ لك. وروى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قرأ هيت لك، فقيل له: هيت لك، فقال ابن مسعود: إنما نقرأها كما تعلّمناها وسمعناها جميعاً هلُمَّ وأقبل وادنُ، قال الشاعر [يخاطب] أمير المؤمنين علي (ره): أَبلغْ أمير المؤمنين أهل العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله سلم [إليك] فهيت هيتا(٢) (١) تفسير الطبري: ١٢ / ٢٣٧، وتفسير التبيان: ٦ / ١١٨. (٢) تفسير القرطبي: ٩/ ١٦٤. ٢٠٩ سورة يوسف، الآيات: ٢٣ - ٢٩ قال السّدّي: هي بالقبطيّة هلمّ لك، وقال الحسين: هيت لك كلمة بالسريانية أي عليك، قال أبو عُبيد: كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز معناها تعالَ، قال أبو عبيد: سألتُ شيخاً عالماً من حوران فذكرَ أنها لغُتهم، وكذا قال عكرمة، وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حَثّ وإقبال على الشيء، وأصلهما من [ الدعوة] والصياح تقول العرب: هيّتَ فُلان بفلان إذا دعاهُ وصاحَ به، قال الشاعر: قَدْ رابني أنّ الكريّ أسكتا لو كان مَعْنيّاً بها لهَيَّتا (١) أي صاح به، والكريّ المكاريّ. وقال أُستاذنا أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير هيت لك يقول: هل لك رغبة في حُسني وجمالي، وذكر أبو عبيدة أن العرب لاتُثّ هَيتَ ولا تجمع ولا تؤنّث، وإنّها بصورة واحدة في كلّ حال وإنّما تتميّز بما بَعدها وبما قبلها . قال يوسف (عليه السلام) عندَ ذلك: ﴿مَعَاذَ الله﴾ أعتصمُ وأستجيرُ بالله ممّا دعوتِني إليه وهو مصدر تقديره: عياذاً بالله. ﴿إِنّهُ رَبِّ﴾ يعني إنّ زَوجكِ قطفير سيديّ، ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي منزلتي، وعلى هذا أكثر المفسّرين، قال بعضهم: إنّها مردودة إلى الله ﴿أحسن مثواي﴾ أي آواني ومن بلاء الحب عافاني. ﴿إنّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُون﴾ يعني إن فعلتُ، وأُتَمنني هذا فخنتُه في أهلهِ بعدما أكرمني وأُتمَني وأحسنَ مثواي فأنا ظالم ولا يُفلح الظالمون، وقيل الزناة . ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ يعني الهَمُّ بالشيء: حَديث المرء نفسَهُ به، ولمّا يفعل ذلك. يقول الشاعر: هممتُ وَلمْ أفعلْ وكِدتُ وليتني تركتُ على عثمان تبكي حَلائلهُ(٢) فأما ما كان من همّ يوسف (عليه السلام) بالمرأة وهمتها بهِ، فإنّ أهل العلم [اختلفوا] في ذلك، فروى سفيان بن عيينة عن عُبيد الله بن أبي يزيد قال: سَمِعتُ ابن عباس سُئِلَ: ما بلغَ من همّ يوسف قال: حَلَّ الهميان وجلس منها مجلس المُجامع. وروى ابن جريح عن ابن أبي عطية، قال: سألتُ ابن عباس (رَُّه): ما بلغَ من همّ يوسف، قال: استلقتْ له على قفاها وقعد بين رجليها لينزع ثيابَهُ . (١) تفسير القرطبي: ١٦٥/٩، لسان العرب: ٤٣/٢، وفيه نبا بدل بها. (٢) لسان العرب: ١٢٥/٥. ٢١٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي سعيد بن جُبير: أطلق تكة سراويله، مُجاهد: حَلَ السراويل حَتّى بلغَ الثفن، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته . الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بيده إلى جيد يوسف، وباليد الأخرى إلى جید المرأة حتی جمع بينهما . قال السَديّ وابن اسحاق: لمّا أرادت امرأة العزيز مُراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر لهُ محاسن نفسه وتُشوّقه إلى نفسها فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أوّل ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسنَ عينك! قال: هي أوّل ما تسيلُ إلى الأرض من جسدي، قالت: ما أحسن وجهك! قال: هو للتُراب يأكله، فلم تزل تُطيعه مرّة وتخيفه أُخرى وتدعوه إلى اللذّة، وهو شاب مستقبل بجد من شبق الشباب ما يجد الرجل، وهي حسناء جميلة حتى لانَ لها ممّا يرى من كلفها به ولما يتخوف منها حتى خليا في بعض البيوت وهمَّ بها، فهذه أقاويل المفسّرين من السلف الصالحين. وقالت جماعة من المتأخرين: لا يليق هذا بالأنبياء [:] فأوّلوا الآية بضروب من التأويل، وقال بعضهم: وهمَّ بالفرار منها، وهذا لا يصحّ لأنّ الفرار مذكور وليس له في الآية ذكر، وقيل: هَمَّ بضربها ودفعها، وقيل: هَمَّ بمخاصمتها ومرافعتها إلى زوجها، وقيل: وهَمَّ بها هو كناية عن غير مذكور، وقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: ولقد همّت به ثمّ ابتدأ الخبر عن يوسف وقال: وهمَّ بها . ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهانَ رَبِّه﴾: على التقديم والتأخير تقديرها: لولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها ولكنّه رأى البرهان فلم يهمّ كقوله: ﴿وَلَوْلاً فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحمَتُهُ لاَتَبَعْتُمُ الشَّيْطانُ﴾(١) وهذا فاسدٌ عند أهلِ اللغة لأنّ العرب لا تُقدّم جواب (لولا) قبلها، لا يقول: لقد قمت لولا زيد، وهو يُريد، لولا زيد لقمتُ، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: همّت بيوسف أن يفترشها وهمّ بها يوسف يعني تمنّاها أن تكون له زوجة. وهذه التأويلات التي حكيناها كلها غير قوّية ولا مُرضية لمخالفتها أقوال القُدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم التأويل، وهم قد أخذوا عن الذين شهدوا التنزيل. وكما روي في الخبر الصحيح أنّ يوسف لما دخل على الملك وأقرّت المرأة، وقال يوسف: ﴿ذلِك لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قال له جبرئيل عليه السلام: ولا حين هَمَمت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك ﴿وَما أَبَرِّئُّ نَفْسِي إنّ النفسَ لأَمَّارةٌ بالسُّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾. (١) سورة النساء: ٨٣. ب ٢١١ سورة يوسف، الآيات: ٢٣ - ٢٩ وأما أهل الحقائق فإنّهم قالوا في وجه هذه الآية: إنّ الهمّ همّان: همٌّ مُقيمٌ ( ثابت) وهو إذا كان مع عزيمة وعقد ونيّة ورضى مثل همّ امرأة العزيز فالعهد مأخوذ. وهمٌّ عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزيمة مثل همّ يوسف (عليه السلام)، والعهد غير مأخوذ ما لم يتكلّم به أو يفعله، يدلّ عليه ما روي عن ابن (المبارك) قال: قلتُ لسفيان: أيؤخذ العهد بالهمّة؟ قال: إذا كان عزماً أُخذ بها . وروي عن أبي هُريرة أنّ رسول الله وَّه قال: يقول الله عزّ وجل: ((إذا همّ عبدي بالحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، وإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هَمَّ عبدي بالسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها عليه سيّئة واحدة، فإنْ تركها من أجلي كتبتها له حسنة)) [١١١](١). والقول بإثبات مثل هذه: الزلاّت والصغائر على الأنبياء (عليهم السلام) غير محظور لضرب من الحكمة : أحدها: ليكونوا من الله تعالى على وجل إذا ذكروها فيجدّون في طاعته إشفاقاً منها ولا يتكلون على سعة رحمة الله. والثاني: ليُعرّفهم موقع نعمته وامتنانه عليهم بصرفه عنهم. والثالث: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك اليأس من عفوه وفضله. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه وسلم: ((ما من أحد إلّ يلقى الله عزّ وجل قد هَمّ بخطيئة أو عملها إلاّ يحيى بن زكريا فإنّه لم يهم ولم يعملها)(٢) [١١٢]. وعن مصعب بن عبدالله قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهاً، فدخلت عليه امرأة تستفتيه: [فتأمنته] بنفسه فامتنع عليها وذكّرها، فقالت له: إن لم تفعل لأشهّرنَّ بك ولأصيحنَّ بك، قال: فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسف النبي (عليه السلام)، فقال له: أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف النبي هممتُ وأنت سُليمان الذي لم تَهمّ . وأمّا البرهان الذي رآه يوسف (عليه السلام) فإنّ العلماء اختلفوا فيه، فأخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن أبي العباس الأصمّ عن الحسن بن علي، عن الحسين بن عطية عن إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد عن ابن عباس ﴿لَوْلا أَن رَّأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ قال: مثل له يعقوب فضرب يده في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. (١) كنز العمال: ٢١٩/٤، ح ١٠٢٤١، تفسير القرطبي: ١١٥/١٧. (٢) كنز العمال: ٥٢١/١١ ح ٣٢٤٣٤، بتفاوت يسير. ٢١٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وقال الحسن وسعيد بن جُبير وحميد بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة وابن سيرين وأبو صالح وشمر بن عطية والضحّاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضاً على إصبعه . وقال ابن جبير: فكل ولد يعقوب ولِدَ له اثنا عشر ولداً إلاّ يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل نقص من شهوته حين رأى صورة أبيه فاستحياهُ. قُتادة: رأى صورة يعقوب فقال: يا يوسف تعمل عمل السُّفهاء وأنت مكتوبٌ من الأنبياء؟ ابن أبي مليكه: عن ابن عباس قال: نودي: يا يوسف أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب یطیر فلا ریش له؟ السدّي: نودي يا يوسف تواقعها؟ إنّما مثلك ــ ما لم تواقعها - مثل الطير في جو السماء لا يُطلق، ومثلُكَ إنْ واقعتها مثل [الطير] إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه، ومثلك إنْ واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه، فلا يستطع أن يدفع عنه نفسه. أبو مردود عن محمّد بن كعب القرضي: قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ فرأى كتاباً في حائط البيت ﴿لاَ تَقْرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءً سَبِيْلًا﴾(١). أبو معشر عنه: لولا ما رأى بالقرآن من تعظيم الزنا وتحريمه، وزاد القرضي: بالقرآن وصحف إبراهيم (عليه السلام). ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِها﴾ قال: حَلّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته وإذا بكفّ قد مُدّت فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها: ﴿إِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِيْنَ* كِراماً كاتِيْنَ * يَعْلَمُوْنَ ما تَفْعَلون﴾(٢) . قال: فقام هارباً وقامت، فلمّا ذهب عنهما الرُعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته فإذا بكف قد مدّتْ فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿وَاتّقُوا يَوْماً تُرجَعُوْنَ فِيْهِ إلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾(٣)، فقام هارباً وقامت فلمّا ذهب عنهما الرُعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته، قال الله تعالى لجبريل (عليه السلام): يا جبرئيل أدرك عبدي قبل أن يُصيب الخطيئة، فرأى جبريل عاضّاً على أصبعه أو كفّه وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟ فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالفَحْشَاءِ﴾. (١) سورة الاسراء: ٣٢. (٢) سورة الإنفطار: ١٠ - ١٢. (٣) سورة البقرة: ٢١٨. ٢١٣ سورة يوسف، الآيات: ٢٣ - ٢٩ قتادة عن عطية عن وهب بن مُنبه، إنّه قال: لمّا همّ يوسف وامرأة العزيز بما همّا خرجت كفّ بلا جسد بينهما مكتوبٌ عليها بالعبرانية ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَت﴾(١) ثُمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، ثُمّ رجعت الكفّ بينهما مكتوبٌ عليها بالعبرانية ﴿إِنّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِيْنَ* كِراماً كاتِبِيْنَ * يَعْلَمُوْنَ ما تَفْعَلون﴾، ثمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ بالعبرانية مكتوب عليها: ﴿ولاَ تَقْرَبُوا الزِّنا إنّهُ كَانَ فاحِشَةً وَسَاءًّ سَبِيْلًا﴾(٢) فانصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ رابعة مكتوبٌ عليها بالعبرانية: ﴿وَاتّقُوا يَوْماً تُرجَعُوْنَ فِيْهِ إلى الله﴾ فولّى يوسف هارباً. وروى عطية عن ابن عباس، أنّ البرهان الذي رآه يوسف أنّه أُرِيّ تمثال الملك، وروى عمر بن اسحاق عن بعض أهل العلم أنّه قطفير سيّده حين دنا من الباب في ذلك الحين، إنّه لما هرب منها واتّبعته ألفاه لدى الباب. روى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر الصادق حظّه قال: حدّثني أبي عن أبيه علي ابن الحسين، في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أن رَّأى بُرهانَ رَبِّهِ﴾ قال: قامت امرأة العزيز إلى الصنم فاظلت دونه بثوب فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت: أستحيي من الصنم أن يرانا، فقال يوسف: أتستحيين ممَّن لا يسمع ولا يُبصر ولا يفقه ولا يشهد ولا أستحيي ممّن خلق الأشياء وعلّمها؟ وقال جعفر بن محمد: البرهان النبوّة التي: أودع الله صدره هي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله . وقيل: هو ما آتاه الله من العلم والحكمة، وقال أهل الإشارة: إنّ المؤمن له بُرهان من ربّه في سرّه من معرفته فرأى ذلك البُرهان وهو زاجره. فالبرهان الآية والحجّة، وجواب (لولا) محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربّه لزنا، وحقّق الهمّة الغريزية بهمّة الكسب، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاْ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته﴾ ﴿وأنّ اللهَ تَوَابٌ حَكِيْم﴾ ﴿وَأَنّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيْم﴾ مجازه لهلكتم، وقال امرؤ القيس: ولكنّها نفسٌ تساقط أنفسنا(٣) فلو أنّها نفس تموت سوية أراد [بسقطت] فنيت ولهان عليَّ، ونحوها. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْء﴾ الإثم ﴿والفحشاء﴾ الزنا. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنا المُخْلصين﴾ قرأ أهل مكّة والبصرة بكسر اللام أي المُخلِصين التوحيد (١) سورة الإسراء: ٣٣. (٢) سورة الإسراء: ٣٢. (٣) لسان العرب: ٥٤/٨، تفسير القرطبي: ٣١٩/٩، وفيهما جمعية بدل سوية. ٢١٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي والعبادة لله، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي المختارين للنبوّة، دليلها قوله ﴿إنّا أخلصناهم بخالصة﴾ . وروى الزهري عن حمزة بن عبيدالله بن عمران بن عمر قال: قال: لمّا اشتكى النبي وَّه الألم الذي توفّي فيه، قال ◌َله: ((يصلّي بالناس أبو بكر)) (١)، قالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق، وإنّه لا يملك نفسه حين يقرأ القُرآن، فَمُره عمر يصلّي بالناس، قال رسول الله ◌َل﴾: (يصلّي بالناس أبو بكر)) فراجعته، فقال «ليصلِّ بالناس أبو بكر فإنّكن صويحبات يوسف))(٢) [١١٣]، قالت عائشة: والله ما حملني في ذلك الأمر عليهم أن يكون أوّل رجل قام مقام رسول الله (صلی الله عليه وسلم). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبدالله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا بعض أصحابنا قال: قال جعفر بن سليمان: سمعتُ امرأة في بعض الطرق وهي تتكلّم ببعض الرفث فقلت لها [ .... ](٣) إنّكن صويحبات يوسف، فقالت له المرأة: واعجباً نحنُ دعوناه إلى اللذّة، وأنتم أردتم قتله، فمن أصحابه نحن أو أنتم، وقتل النفس أعظم ممّا أردناه؟ ﴿وَاسْتَبَقا البابِ﴾ وذلك أنّ يوسف لمّا رأى البرهان قامَ مُبادراً إلى باب البيت، هارباً ممّا أرادته منه، واتبعته المرأة فذلك قوله تعالى. ﴿واستبقا الباب﴾: يعني بادر يوسف وراحيل إلى الباب، أمّا يوسف ففراراً من ركوب الفاحشة، وأمّا المرأة فطلبها ليوسف لتقضي حاجتها أيّ راودته عليها، فأدركته فتعلّقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها مانعة له من الخروج. ﴿وَقَدَّتْ﴾ أي خرّقتْ وشقّت ﴿قَمِيْصُهُ مِن دُبُر﴾: من خلف لا من قُدّام، لأنّ يوسف كان الهارب والمرأة الطالبة، فلمّا خرجا ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَها لَدَى الْبَابِ﴾، أي وجدا زوجها قطفير عند الباب جالساً مع ابن عمّ لراحيل، فلمّا رأته هابته فقالت: سابقة بالقول لزوجها: ﴿قالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرادَ بأهْلِكَ سُؤْءاً﴾ يعني الزنا، ﴿إلاّ أنْ يُسْجَن﴾ يُحبس، ﴿أَوْ عَذَابِ أَلِيْم﴾ يعني الضرب بالسياط، قاله ابن عباس: ﴿قَالَ﴾ يُؤْسِف: بل ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن أَهْلِها﴾، اختلفوا في هذا الشاهد، قال سعيد بن جُبير وهلال بن يسار والضحّاك: كان صبيّاً في المهد أنطقه الله بقدرته. (١) مسند أحمد: ٣٦١/٥، السنن الكبرى: ٧٨/٣ بتفاوت. (٢) مسند أحمد: ٣٦١/٥، السنن الكبرى: ٧٨/٣ بتفاوت. (٣) كلمة غير مقروءة. ٢١٥ سورة يوسف، الآيات: ٢٣ - ٢٩ وحدّثنا العوفي عن ابن عباس وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، ويدلّ عليه ما روى عطاء ابن السائب عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس عن النبي و لر قال: تكلّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب بن جُريج، وعيسى ابن مريم (عليه السلام). وقيل: كان ذلك الصبيّ ابن خال المرأة، وقال الحسن: غلامه، قتادة والضحّاك ومجاهد برواية [ ... ](١): ما كان بصبي ولكنه كان رجلا حكيماً ذا لحية، له رأي ومقال وآية، وهو رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس، قال: وكان من خاصّة الملك. وقال السدي: هو ابن عمّ راحيل، وكان جالساً مع زوجها على الباب فحُكِّم وأخبر الله تعالى عنه: ﴿إِنْ كانَ قَمِيْصه﴾ الآية. قال عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنّ الشاهد قميصه المقدود من دُبر، ومعنى شَهِد شاهد حَكم حاكم من أهلها، قال مجاهد: قال الشاهد: تبيان هذا الأمر في القميص. ﴿إن كان قَمِيْصُهُ قُدَّ مِنْ دُبر فكذبت وهو من الصادقين وإنْ كان قميصه قُدَّ من قُبُل﴾ أي قدام ﴿فصدقت وَهُوَ مِنَ الكاذِبِيْن﴾ وخفّف ابن أبي إسحاق القُبل والدُبر وثقّلهما الآخرون وهما لغتان . فجيء بالقميص فإذا هو قُدّ من دُبر، فلمّا رأى قطفير قميصه قُدّ من دُبر عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف ﴿فَقَالَ﴾ لها ﴿إِنّهُ﴾ أي إنّ هذا الصنيع ﴿مِن كَيْدُكُنّ إنّ كَيْدَكُنّ عَظِيْم﴾، وقيل: إنّ هذا من قول الشاهد. ثمّ أقبل قطفير على يوسف فقال: ﴿يُؤْسُف﴾ يعني يا يوسف، لفظ مفرد ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الحديث فلا تذكره لأحد، وقيل: معناه لا تكترث له فقد كان عفوك لبراءتك، ثمّ قال لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَتْبِكِ﴾ وقيل: هو من الشاهد ليوسف والراحيل، وأراد بقوله: واستغفري لذنبك، يقول: سلي زوجك ألاّ يعاقبكَ على ذنبك ويصفح عنك، وهذا معنى قول ابن عباس. ﴿إنّكِ كُنْتِ مِنَ الخَاطِئِيْن﴾ من المذنبين حين راودت شابّاً عن نفسه وخُنتِ زوجك، فلمّا استعصم كذبت عليه، يقال خطأ يخطأ خطأً، وخِطاً، وخطاً وخِطاءً، إذا أذنب والاسم منه الخطيئة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ خِظْأَ كَبِيْراً﴾ وقال أُميّة: عبادك يخطأون وأنتَ ربِّ بكفّيك المنايا والحتومُ(٢) أيّ يُذنبون؛ فإذا أرادوا التعمّد قيل: خَطأ خطأُ هنا لأنّ الفعل بالألف قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلّ خَطَأً﴾، وإنّما قال ﴿مِنَ الخَاطِئِيْن﴾ ولم يقل: الخاطئات (١) كلمة غير مقروءة. (٢) الصحاح: ١٨٩٢/٥، تاج العروس: ٢٣٩/٨. ٢١٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي لأنّه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء، وإنّما قصد به الخبر عمّن يفعل ذلك، وتقديره: من القوم الخاطئين. ومثله قوله: ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتين﴾، بيانه قوله: إنّها كانت من قوم كافرين. ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنَهَا عَن نَفْسِةٍ، قَدْ شَغَفَهَا حُنَّ إِنَّا لَنَّهَا فِ ضَلَلِ ◌ُبِينٍ (٢) فَمَّا سَمِعَتْ بِمَكَرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَّدَتْ لَهُنَّ مُنْكَا وَتَّتْ كُلَّ وَجِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَيْنَّ فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْيَمُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنّ هَذَا إِلَّ مَلَكُ كَرِمُ ﴿َ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْثُنَِّ فِيْهِ وَلَقَدْ رَوَّدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأُسْتَعْصَمْ وَلَيْنَ لَّمْ يَفْعَلْ مَآَ مَامُرُهُ لَيُسْجَنَّنَّ وَلَّكُوْنَا مِنَ الصَّغْرِنَّ قَالَ رَبِّ اُلْسِحْنُ أَحَتُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُوَِيَّ إِلٌَّ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَبْدَهُنَّ أَعْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُ مِّنَ الْجَهِلِينَ فَأَسْتَجَابَ لَمْ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ أَلْعَلِيمُ (٦ ثُمَّ بَدَا هُمْ مِنْ بَعْدٍ مَا رَأَرَ اَلَيْتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ٣٥ ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِيْنَةِ﴾ يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في مدينة مصر وتحدّثت النساء بذلك، وقلن يعني امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب، قاله مقاتل ﴿امرأة العزيز﴾ وهو في كلام العرب الملك، قال أبو داود: درّةٌ غاصَ عليها تاجِرٌ ·(١) جُليت عند عزيز يومَ طلّ أيّ ملك. ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ عدّها الكنعاني عن نفسه. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبّأَ﴾ أي أحبّها حتى دخل حبّه شغاف قلبها، وهو حجابه وغلافه. قال السدّي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب يُقال لها: لسان القلب، تقول: دخل الحُبّ الجلد حتى أصاب القلب، قال النابغة الذبياني : وقَدْ حال هَمّ دون ذلك داخلٌ دخولَ الشِّغافِ تبتغيه الأصابعُ(٢) وقال ابن عباس: علقها حُبّاً، الحسن: بطنها حُباً، قتادة: استبطنها حبّها إيّاه، أبو رجاء: صدقها حُبّاً، الكلبي: حجب حبّه قلبها حتى لا يعقل سواه. وقرأ أبو رجاء العطاردي والشعبي والأعرج، شعفها بالعين غير معجمة واختلفوا في معناها فقال الفرّاء: ذهب بها كلّ مذهب، وأصله من شعف الجبال وهي رؤوسها، والنخعي والضحّاك: فتنها، وذهب بها، وأصله من شعف الدابة حين تتمرّغ بذُعر، قال امرؤ القيس: (١) جامع البيان للطبري: ٢٥٩/١٢. (٢) كتاب العين: ٣٦٠/٤، لسان العرب: ١٧٩/٩، وفيه والج بدل داخل - ومكان بدل دخول. ٢١٧ سورة يوسف، الآيات: ٣٠ - ٣٥ أتقتلني وقد شعفتُ فؤادها كما شعف المهنوءة الرجل الطالي(١) ومراده: ذهب قلب امرأته كما ذهب الطالي بالإبل بالقطران يتلو بها، والإبل تخاف من ذلك ثمّ تستروح إليه، وقال الأخفش: من حبُّها، وقال محمد بن جرير: عمّها الحُب. ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِيْن﴾: خطاً بيّن، ﴿فلمّا سَمِعَتْ﴾ راحيل، ﴿بِمَكْرِهِنّ﴾ بقولهنّ وحديثهنّ، قال قتادة والسدّي وقال ابن إسحاق: وإنّما قلنّ ذلك مكراً بها ليَرينَ يهمّن يوسف وكان قد وصِف لهُنّ حُسنه وجماله ﴿أَرْسَلَتْ إلَيْهِنّ﴾ قال وهب: اتخذّت مأدبة ودعت أربعين امرأة فيهنّ هؤلاء اللائي عيّرنها، ﴿وَأَعْتَدَت﴾ وأعدّت وهو أفعلت العَتاد وهو العِدَّة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْتَدْنا للظّالِمِيْنَ نَاراً﴾(٢). ﴿لَهُنّ مُتَكأَ﴾ مجلساً للطعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، يُقال: ألقى له مُتَكأً أيّ ما يُتّكأ عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة. وقال سعيد بن جُبير والحسن وقتادة وأبي إسحاق وابن زيد: طعاماً، قال القتبيّ: والأصل فيه أنّ من دعوته إلى مطعم عندك أعددت له وسادة أو متّكأ، فسُمّي الطعام مُتّكأ على الاستعارة، يُقال: اتّكأنا عند فلان أي أكلنا، قال عدي بن زيد: فظللنا بنعمة واتّكانا وشَربنا الحلال من قُلَلِهِ (٣) وروي عن الحسن أنّه قال: متّكاء بالتشديد والمدّ وهي غير فصيحة، وعن الحسن: فما أظنّ بصحيحة، وقرأ مجاهد مُتكأ خفيفة غير مهموزة، وروي ذلك عن ابن عباس. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس: هو الأترج، عكرمة: هو الطعام، وأبو روق عن الضّاك: الزماوَرد، علي بن الحكم وعبيد بن حكيم، عنه: كلّ شيء يُحزّ بالسكّين فهو عند العرب المتّكأ، والمتك والبتك: القطع والعرب تُعاقب بين الباء والميم تقول سمد رأسه وسبده، وأغبطت عليه وأغمطته [لازب] ولازم قال الله تعالى: ﴿فَلَيُبُّكُنَّ آذانَ الأَنْعامِ﴾(٤). ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَة مِنْهُنّ سِكِّيناً وقالت﴾ ليوسف ﴿أَخْرُجْ عَلَيْهِن﴾ وذلك أنّها قد كانت أجلسته في مجلس غير المجلس الذي هُنّ فيه جلوس، فخرج عليهنّ يوسف (عليه السلام)، قال عِكْرمة: وكان فضل يوسف على الناس في الحسن والجمال كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء . (١) جامع البيان للطبري: ٢٦٢/١٢، لسان العرب: ١٧٧/٩، وفيه لتقتلني بدل أتقتلني. (٢) سورة الكهف: ٢٩. (٣) تفسير القرطبي: ١٧٨/٩. (٤) سورة النساء: ١١٩. ٢١٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: «مررتُ ليلة أسري بي إلى السماء فرأيتُ يوسف، فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: هذا يوسف)) قالوا: وكيف رأيته يا رسول الله، قال: ((كالقمر ليلة البدر)) [١١٤](١). وعن عبدالله بن مسعود عن النبي وثلتر: قال: ((هبط جبرئيل فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: كسوتُ حُسنَ يوسف من نور الكُرسي، وكسوتُ نورُ حُسن وجهك من نور عرشي))(٢) [١١٥]. وروى الوليد بن مسلم عن إسحاق عن عبدالله بن أبي فروة قال: كان يوسف إذا سارَ في أزقّة مصر يُرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس والماء على الجدران. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرنه﴾ أي أعظمنه وأجللنه، قال أبو العالية: هالَهنّ أمره وبُهتن، وروى عبدالصمد بن علي عن عبدالله بن عباس عن أبيه عن جده ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَه﴾ قال حضن من الفرح، ثم قال: نأتي النساء على أطهارهنّ ولا نأتي النساء إذا أكبرنَ إِكباراً(٣) وعلى هذا التأويل يكون أكبرنه بمعنى أكبرن له أي حضن لأجله من جماله، ووجدن ما تجد النساء في مثل تلك الحال(٤) وهذا كقول عنترة: حتى أنال به كريم المطعم (٥) ولقد أبيتُ على الطوى وأظلّه أي وأظلّ عليه . قال الأصمعي: أُنشد بين يدي رسول الله وَ ل# هذا البيت، فقال: ما من شاعر جاهلي أحببت أن أراه .](٦) البيت دون [. ﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾، يعني وحَزَزْنَ أيديهنّ بالسكاكين التي معهنّ وكُنّ يحسبن أنّهنّ يقطّعن الأترج، عن قتادة: قطّعن أيديهنّ حتى ألقينها، وقال مجاهد: فما أَحسسنَ إلاّ بالدم ومنهنّ لم يجدن من ألم إلاّ يُرى الدم لشغل قلوبهنّ بيوسف، قال وهب: وبلغني أنّ تسعاً من الأربعين مِتْنَ في ذلك المجلس وُجْداً بيوسف. (١) تاريخ دمشق: ٤٨٤/٣، باختصار. تاريخ بغداد: ٥٨/٣، وتاريخ دمشق: ٢٩٩/٣. (٢) (٣) تفسير الطبري: ٢٦٩/١٢. راجع زاد المسير: ٤ / ١٦٧ . (٤) (٥) كتاب العين: ٤٦٦/٧، لسان العرب: ٤١٩/١١ . (٦) كلمة غير مقروءة. ٢١٩ سورة يوسف، الآيات: ٣٠ - ٣٥ ﴿وَقُلْنَ حاشَ للهِ﴾ أي معاذ الله، قال أبو عبيدة: لهذه الكلمة معنيان: التنزيه والاستثناء، واختلف القُرّاءِ فيها فقرأت العامّة: حاشَ لله، [ ... ](١) حذفوا الألف لكثرة دورها على الألسن كما حذفت العرب الألف من قولهم: لأب لغيرك ولأب لشانئِكَ، وهم يعنون لا أبَ، واختار أبو عُبيدة هذه القراءة وقال: اتّباعاً للكتاب وهو الذي عليه الجمهور الأعظم، مع إنّي قرأتها في الإمام مصحف عثمان (عليه السلام): حاشَ لله والأخرى مثلها. وقرأ أبو عمرو: حاشي لله بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن مسعود حاشى الله، كقول الشاعر: (٢) ضَنّا عن الملحاة والشتم" حاشا أبي ثوبان إن به ﴿مَا هَذَا بَشَرأَ﴾ نصب بنزع حرف الصفة وعلى خبر ما الجحد كما تقول: ما زيدٌ قائماً، وقرأ الأعمش: ما هذا بشرٌ بالرفع وهي لغةُ أهل نجد، وأنشد الفرّاء: وما(٤) أنتَ فرعٌ يا حُسيل ولا أصلُ ويزعم(٣) حسل أنه فرعُ قومه وأنشد آخر: جميعاً فما هذان مستويان لشّان ما أنوي وينوي بنو أبي وكلُّ فتىّ والموت يلتقيانٍ (٦) تمنّوا ليَّ الموت الذي يشعب الفتى وروى الفرّاء عن دعامة بن رجاء التيمي عن أبي الحويرث الحنفي أنّه قرأ: ما هذا بِشَريّ، قال الفرّاء: يعني بمُشتري، ﴿إِنْ هذا﴾ ما هذا ﴿إلّ مَلَكٌ كَريْم﴾ من الملائكة. قال الثعلبي: سمعت ابن فورك يقول: إنّما قلن له مَلكٌ كريم لأنّه خالف ميوله وأعرض عن الدنيا وزينتها وشهوتها حين عُرِضْنَ عليه، وذلك خلاف طبائع البشر. قالت: راحيل للنسوة: ﴿فذلِكُنَّ الذي لُمْتُنني فِيْهِ﴾ أي في حُبّه وشغفي فيه، ثمّ أقرّت لهنّ فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَن نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَم﴾ أي امتنع و استعصى، فقلن له أطع مولاتك، فقالت راحيل: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَل ما آمُرُهُ﴾ ولئن لم يُطاوعني فيما دعوته إليه، ﴿لَيَسْجِنَّنَ﴾ أحبسنّه، ﴿وَلَيَكُونَنَّ مِنَّ الصّاغِرِيْن﴾ أي الأذلاء ونون التوكيد تثقّل وتخفّف والوقف على قوله: ﴿لسجنَنّ﴾ بالنون لكنّها مُشدّدة. وعلى قوله: وليكوناً بالألف لأنّها مخفّفة وهي تشبه نون الإعراب في (١) كلمة غير مقروءة. (٢) لسان العرب: ١٤/ ١٨٢. في المصدر: ویزغم روی حسل. (٣) (٤) في المصدر: وما ولم أنت. (٥) زاد المسير: ٣١٧/٧. (٦) جامع البيان للطبري: ٢٧٤/١٢، وفيه لي بدل إليَّ. ٢٢٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الأسماء كقولك: رأيتُ رجلا، فإذا وقفت قلت: رجلا ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعنْ بِالنَاصِيَة﴾(١)، ونحوه الوقف عليها بالألف كقول الأعشى: وصلّ على حين العشيّات والضُحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا(٢) أي أراد فاعبدنْ، فلمّا وقف عليه كان الوقف بالألف. واختار يوسف حين عاودته المرأة في المراودة وتوعّدته، السجن على المعصية، ﴿قال ربّ﴾: يا ربّ، منادى مضاف، ﴿السجن﴾ المحبس، قراءة العامّة بكسر السين على الاسم وقرأ يعقوب برفع السين على المصدرية يعني الحبس، ﴿أَحَبُّ إليَّ ممّا يَدِعونَني إليه﴾، ثمّ علم أنّه لا يستعصم إلّ بعصمة الله فقال: ﴿وإلّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أصبُ﴾ أمِلْ ﴿إِلَيْهِنّ﴾ وأُبايعهن، فقال صبا فلان إلى كذا، وصبا يصبو، صبواً وصبوة، إذا مال واشتاق إليه، قال يزيد بن ضُبّة: إلى هند صبا قلبي وهندٌ مثلها يُصبي(٣) ﴿وَأَكُنْ مِنَ الجاهِلِيْن فاسْتَجابَ لَهُ رَبّه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنّهُ هُوَ السَّمِيْعِ﴾ لدعائه وشكايته، ﴿العَلِيْم﴾ بمكرهنّ. ﴿ثِّ بَدا لَهُم﴾ أي العزيز وأصحابه، في الرأي ﴿مِن بَعْدِ ما رَأُوا الآيات﴾ الدّالة على براءة يوسف، وهي قدّ القميص من دُبر وخمش في الوجه وتقطيع النسوة أيديهنّ ﴿لَيَسْجُنَّنْهُ﴾ قال الفرّاء: هذه اللام في اليمين وفي كلّ مضارع القول كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾(٤) ﴿وَظّوا ما لَهُمْ مِن مَحِيْص﴾(٥) دخلتهما (اللام وما) لأنّهما في معنى القول واليمين. ﴿حَتَى حِيْن﴾ يعني إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم. قال ◌ِكْرمة: تسع سنين، الكلبي: خمس سنين، و(حتى) بمعنى (إلى) كقوله تعالى: ﴿حَتّى مَظْلَعِ الفَجْرِ﴾، وقال السدّي: وذلك أنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم ويخبرهم أنّي راودته عن نفسه، ولستُ أُطيق أن أعتذر بعُذري، فإمّا أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وأمّا أن تحبسوه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته، وذكر أنّ الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيراً ليوسف من همّته بالمرأة وتكفيراً لزلّته. قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين همّ بها فسجن، وحين قال: ﴿اذْكُرْنِي (١) سورة العلق: ١٥. (٢) جامع البيان للطبري: ٢٧٥/١٢، لسان العرب: ٤٧٣/٢، وفيه سبح بدل صل. (٣) لسان العرب: ١٤/ ٤٥٠. (٤) سورة البقرة: ١٠٢ . (٥) سورة فصلت: ٤٨.